النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
أفضل من سنه التي كانت عليه، ولم يشاركه أحد ممن كان بحضرته
في ذلك الفضل، وكذلك وهب التّر الجمل لابن عمر وهو مع
الناس، فلم يستحق أحد منهم فيه شركة مع ابن عمر. وعلى هذا
مذهب الفقهاء.
وروي عن أبي يوسف القاضي أن الرشيد أَهْدى إليه مالًا كثيرًا،
فورد عليه وهو جالس مع أصحابه فقال له أحدهم: قال النبي ◌َلّ :
((جلساؤكم شركاؤكم)) فقال له أبو يوسف: إن هذا الحديث لم يرد في
مثل هذا وإنما ورد فيما خَفَّ من الهدايا وفيما يؤكل ويشرب مما
تطيب النفوس ببذله والسماحة فيه، وقال: ما ذكر عن ابن عباس
لا وجه له في القياس؛ لأن المجالسة لا تثبت الشركة في الهدية
ولا الصدقة ولا الهبة ولا غيرها من العطايا، كما لو أنتقل إلى رجل
ملك بميراث لا يشاركونه.
واحتج البخاري بأنه الكَّيْه لما قضاه أفضل من سنه لم يشاركه أحد
ممن حضر في الزيادة.
وكذا حديث ابن عمر لم يشركوه أيضًا فيما وهب له الشارع من
الجمل.
قلت: وقوله الَّها في آخره: ((هو لك، يا عبد الله، فاصنع به ما شئت))
صريح في ذلك، وما ذكرناه يوضح رد قول الإسماعيلي: ذكر هذا
الحديث في هذا الباب ليس منه في شيء.
قال: والزيادة في الشيء وتعلم القرآن وما لا يتميز سبيلها في القضاء
والرد سبيل الهبة، لكنه من حسن القضاء، وقد يفلس المشتري والسلعة
عنده زائدة زيادة في عين المشترى.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومنه ما لا يتميز فيأخذ هذا البائع على أنها عين ماله، وإن كان ذلك
باعتداء من مال المشتري أو نحل فسقاه المشتري وقام عليه، فذلك
إحسان من القاضي إذا قضاه لا هبة شيء، ألا ترى أن لو أفرد ما زاد
على حال عهدها بأن وهبه مالكه مع الزيادة هبة تلك الزيادة لم يكن شيئًا.

٣٨٣
كِتَابُ الهِبَةِ
-
٢٦ - باب إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ رَاكِبُهُ،
فَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ في
سَفٍَ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهَ لِعُمَرَ: ((بِعْنِيهِ)). فَابْتَاعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ
مَثَةِ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ).
هذا الحديث وصله الإسماعيلي، فرواه عن ابن صالح عنه، وأبو
نعيم عن أبي علي محمد بن أحمد بن بشر بن موسى عنه به، واسم
الحميدي عبد الله بن الزبير كما سلف، ولا خلاف بين العلماء أن من
كان عنده الشيء الموهوب له، فإن ذلك قبض صحيح.
وكذا حكم الوديعة والرهن والدين، يهبها أربابها لمن هي في يده أن
ذلك كله حيازة صحيحة لا تحتاج إلى غيرها (١).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٢٦/٧.
وورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد السبعين، كتبه مؤلفه.

٣٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٢٧ - باب هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا
٢٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ: رَأَىْ عُمَرُ بْنُ الَخْطَّابِ حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَقْدِ. قَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ
لَهُ فِي الآخِرَةِ)». ثُمَّ جَاءَتْ حُلَلٌ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ وَ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، وَقَالَ
أَكَسَوْتَنِيهَا وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدِ مَا قُلْتَ! فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا)). فَكَسَا
عُمَرُ أَخَا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٢٢٨/٥]
٢٦١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ أَتَّى النَّبِيُّ ◌َ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ
عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلَيَّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِّ ◌ََّ، قَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا
سِتْرًا مَوْشِيًّا)). فَقَالَ: ((مَا لِي وَلِلدُّنْيَا)). فَأَتَاهَا عَلِيٍّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ لِيَأْمُزْنِي فِيهِ
بِمَا شَاءَ. قَالَ: ((تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ)). [فتح: ٢٢٨/٥]
٢٦١٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الَلِكِ بْنُ
مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلَّ رضي الله عنه قَالَ: أَهْدِى إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِ
حُلَّةَ سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [٥٣٦٦، ٥٨٤٠ -
مسلم: ٢٠٧١ - فتح: ٢٢٩/٥]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عمر: رَأَىْ عُمَرُ حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ أُشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ .. الحديث.
وسلف في الجمعة(١).
(١) سلف برقم (٨٨٦)، باب: يلبس أحسن ما يجد.

٣٨٥
كِتَابُ الهِبَةِ
ثانيها: حديثه أيضًا أَتَى النَّبِيُّ وَلَهَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ
عَلَيْهَا، لأجل الستر الموشى فقال: ((إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا)).
فَقَالَ: ((مَا لِي وَلِلدُّنْيَا)). ثم قَالَ: ((تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَاٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ
حَاجَةٌ)).
ثالثها: حديث علي: أَهْدِى إِلَّ النَّبِيُّ وَِّ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ
الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي.
الشرح :
وقد أسلفنا أن الحلة من برود اليمن، وأنها لا تكون إلا ثوبين إزار
ورداء.
والموشى: الملون، يقال: وشى الثوب إذا نسجه على لونين(١).
وموشيًا : كان أصله موشويًا على وزن مفعول فالتقى حرفا علة وسبق
الأول بالسكون فقلب ياء وأدغم في الياء التي بعده وكسرت الشين لأجل
الياء التي بعدها.
وفعل ذلك التفيئي كان يرغب ألا يكون لفاطمة في الدنيا نصيب غير أخذ
البلغة؛ ليعظم أجرها في الآخرة، وقد سألته خادمًا فقال: ((أدلك علي خير
من ذلك: تسبحين وتحمدين وتكبرين))(٢)، وسارها بمحضر عائشة فبكت
ثم سارها فضحكت، فقالت عائشة: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء منذ
اليوم، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سرَّه.
(١) ((لسان العرب)) ٤٨٤٦/٨ مادة (وشي).
(٢) سيأتي برقم (٣١١٣) كتاب: فرض الخمس، باب: الدليل على أن الخمس
النوائب رسول الله وَ﴾ .. ورواه مسلم (٢٧٢٧) كتاب: الذكر والدعاء، باب:
التسبيح أول النهار وعند النوم، بمعناه.

٣٨٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فلما توفي فسرته لها -لما أقسمت عليها - أنه يموت من وجعه ذلك
فبكيت، وأني أول أهله لحوقًا به فضحكت، وأخبرني أني سيدة أهل
الجنة(١).
وأمرها أن تعطي الستر ليكون لها ثواب ذلك وله نصيب منه؛
لشفاعته الحسنة، وقد قال ◌َ له: ((لو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبًا ما بلغ
مد أحدهم ولا نصيفه))(٢). قاله لخالد في بعض (٣) السابقين الأولين، فإذا
كان هذا حال أمته فكيف بمقامه الرفيع، قال علي: سبق النبي رَّ وصلى
أبو بكر وثلث عمر (٤).
وإنما إعطاء الحلة؛ لأجل النساء؛ لأنها حرير.
وقول عليٍّ: (فشققتها بين نسائي) المراد: نساء قومه؛ لأنه لم يتزوج
في حياة النبي وَّ غير فاطمة.
وفي ((مبهمات عبد الغني)): من حديث أم هانئ: فراح عليٍّ وهي
عليه - فقال القَيّه: ((إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم))(٥).
(١) سيأتي برقم (٣٦٢٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، ورواه
مسلم (٢٤٥٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي وَّر ..
(٢) سيأتي برقم (٣٦٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ◌َّة: ((لو كنت
متخذًا خلیلًا)).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني به: عبد الرحمن.
(٤) رواه أحمد ١١٢/١ (٨٩٥)، والطبراني في ((الأوسط)) ١٧٧/٢ (١٦٣٩)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) ٧٤/٥، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٤/٩: رواه أحمد
والطبراني في ((الأوسط)) ورجال
(٥) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٤/ ٤٣٧ (١٠٦٩)، وقال الهيثمي في ((المجمع))
١٤٢/٥ : رواه الطبراني وفيه يزيد بن أبي زياد، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله
ثقات.

٣٨٧
- كِتَابُ الهِبَةِ
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ((الهدايا)) عن علي قال: فشققت منها
أربعة أخمر لفاطمة بنت أسد أمي، ولفاطمة زوجي، ولفاطمة بنت
حمزة بن عبد المطلب قال: ونسي الراوي الرابعة (١).
قال القاضي عياض: يشبه أن تكون فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، أمرأة
عقيل، أخي علي (٢).
وعند أبي العلاء بن سليمان: فاطمة بنت أبي طالب المكناة أم
هانئ، وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عقبة، وقيل: فاطمة بنت عتبة بن
ربيعة.
حكاهما القرطبي(٣).
وهذا الثوب كان أهداه له أكیدر دومة.
ولأحمد من حديث علي بن زيد عن أنس: وأهدى له جرة مَنِّ
فأعطى لكل واحد من أصحابه قطعة قطعة، وأعطى جابرًا قطعتين
فقال: يا رسول الله، إنك أعطيتني مرة. قال: ((هذا لبنات عبد الله)) (٤).
وفي قوله: (فرأيت الغضب في وجهه) ظاهره تحريمه.
وأما عبد الله أخو المهلب فقال: هو دال على أنّ النهي للكراهة فقط
لا محرمًا، ولو كان تحريمًا لما عرف الكراهية من وجهه، بل من نهيه.
وقوله: (لا ينبغي هذا للمتقين). دليل آخر، ولو كان حرامًا لكان
المتقي فيه والمسيء واحدًا، ولكنه كما قال تعالى في المتعة: ﴿حَقًّا
عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١/ ١٤٢ (١٧٠)، ٤٦٩/٥ (٣١٦٤).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥٧٨/٦.
(٣) ((المفهم)) للقرطبي ٣٨٨/٥-٣٨٩، كتاب: اللباس، باب: تحريم لباس الحرير.
(٤) رواه أحمد ١٢٢/٣، وفيه علي بن زيد، وهو ابن جُدعان.

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: ويبعد أن يكون قبل التحريم، ولا شك أن هدية ما يكره لبسه
مباحة؛ لأن مِلكه جائز ولصاحبه التصرف بالبيع والهبة ممن يجوز لباسه
له، كالنساء والصبيان، وإنما حَرُمَ على الرجالِ خاصةً دون ملكه.
قال المهلب: وإنما كره التّ الحرير لابنته؛ لأنها ممن يرغب لها في
الآخرة كما يرغب لنفسه، ولا يرضى لها تعجيل طيباتها في حياتها
الدنيا، فدل هذا على أن النهي عن الحرير إنما هو من جهة السرف؛
لأن الحديث [الذي] (١) يروى عن النبي ◌ّ في تحريم الحرير، قد
سألت عنه أبا محمد الأصيلي، ووقفته على لفظة (حرام). فقال لي:
لا تصح لفظة (حرام). البتة، وإن صحت فإنما معناها حرام (تحريم) (٢)
السنة، وحرام دون حرام، وهو كقوله العَفيها: ((كل ذي ناب من السباع
حرام))(٣) وفي ذلك الحديث ((حل لإناثها)).
قلت: وقد صح فقد كره لابنته وهو حلال، فكذلك كما كره للرجال
من أجل السرف.
وقال ابن بطال: من جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذي ناب من
السباع فذلك دليل على التحريم؛ لأن جمهور الأمة على تحريم ذلك
الذي هو ضد التحليل(٤)، فكيف يحتج هذا القائل بما يخالفه فيه أكثر
الأمة(٥).
(١) زيادة من ابن بطال ١٢٧/٧ يقتضيها السياق.
(٢) كذا في الأصل، وأشار محقق ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٢٧ إلى أنها كذا في النسخة
التي أعتبرها أصلا، لكنه أثبت (تحرمه) من نسخة أخرى سماها (هـ).
(٣) مسلم (١٩٣٣) كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب.
(٤) كذا بالأصل، ونصها في ابن بطال: لأن جمهور الأمة على أن تحريم كل ذي ناب
من السباع على التحريم البين الذي هو ضد التحليل. ا.هـ
(٥) ((شرح ابن بطال)) ١٢٨/٧.

٣٨٩
- كِتَابُ الهِبَةِ
وقوله في حديث عمر: ((مالي وللدنيا)). هو دليل قاطع.
وقوله: ( ((إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة)) ) يريد به - والله
أعلم- أنها لباس الكفار في الدنيا، ومن لا حظ له في الآخرة، فنهى عن
مشابهتهم، واستعمال زيهم، وسيأتي بسط المسألة في موضعها من كتاب
اللباس إن شاء الله.
وجعلت طائفة الآثار المروية في الباب في النهي عن لباس الحرير
على التحريم، ولم يأت عنه ما يعارضها، إلا ما يخصصها من جواز
لباسه في الحرب، وعند التداوي، وما عدا هذين الوجهين فباقٍ على
التحريم.

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٨ - باب قَبُولِ الهَدِيَّةِ مِنَ المُشْرِكِينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ: (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ الَُّ بِسَارَةً
فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكُ - أَوْ جَبَّارٌ - فَقَالَ: أَعْطُوهَا هَاجَرَ)).
وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِّ نَّهِ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدى
مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ
بِبَحْرِهِمْ.
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ
قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ رضي الله عنه قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ◌ََّ جُبَّةُ سُنْدُسِ - وَكَانَ يَنْهَى
عَنِ الَحَرِيرِ - فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ
ابْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هذا)). [٢٦١٦، ٣٢٤٨ - مسلم: ٢٤٦٩ - فتح: ٥ /٢٣٠]
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أَكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدِى إِلَى النَّبِيِّ
وَةٍ. [انظر: ٢٦١٥ - مسلم: ٢٤٦٩ - فتح: ٢٣٠/٥]
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا
شُغْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رضي الله عنه أَنَّ بَهُودِيَّةً أَتَّتِ النَّبِيَّ
صَلى الله
بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: (لَا)). فَمَا زِلْتُ أَغْرِفُهَا
فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾. [مسلم: ٢١٩٠ - فتح: ٢٣٠/٥]
٢٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا المُغْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ ثَلَاثِينَ
وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)). فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ
أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ - مُشْعَانٌ طَوِيلٌ - بِغَنَم يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَلَ: ((بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟)) أَوْ قَالَ: ((أَمْ هِبَةً؟)). قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعَ. فَاشْتَرِى مِنْهُ شَاةَ،
فَصُنِعَتْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ بِسَوَادِ البَطْنِ أَنْ يُشْوىُ، وَائْمُ اللهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْائَةِ إِلَّ قَدْ
حَزَّ النَّبِيُّ وََّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا

٣٩١
= كِتَابُ الهِبَةِ
خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ، وَشَبِغْنَا، فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ
عَلَى البَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ. [انظر: ٢٢١٦ - مسلم: ٢٠٥٦ - فتح: ٢٣٠/٥]
ثم ذكر حديث أنس في الشاة المسمومة المهداة له من جهة اليهودية.
وحديثه أيضًا: أُهْدِيَ لرسول الله بَّه جُبَّةُ سُنْدُسِ - وَكَانَ يَنْهَى عَنِ
الحَرِيرِ - فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هذا)).
وقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدِى إِلَى النَّبِّ ◌َّ.
ثم ساق حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وََّ ثَلَاثِينَ
وَمِائَةً .. وذكرَ شِراءَ الشاةِ من المُشْرِكِ بعد أن قال له: ((بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟))
أَوْ قَالَ: ((أَمْ هِبَةً؟)).
الشرح: تعليق أبي هريرة سلف في البيوع مسندًا (١)، وإهداء الشاة
المسمومة، قد أسنده بعده من حديث أنس(٢)، ويأتي في الجزية
مطولًاً(٣)، واسم أبي حميد: عبد الرحمن بن عمرو.
وتعليق أبي حميد سلف في الزكاة مسندًا (٤)، وعند مسلم: جاء
رسول ابن العَلْمَاء صاحب أيلة بكتاب إلى رسول الله ◌َيَ(٥).
وفي ((الهدايا)) لأبي إسحاق الحربي، عن علي: أهدى يوحنّا بن
رؤبة إلى رسول الله وَي﴾ بغلته البيضاء.
(١) سلف برقم (٢٢١٧) كتاب: البيوع، باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه.
(٢) برقم (٢٦١٧) كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين.
(٣) برقم (٣١٦٩) كتاب: الجزية، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين ..
(٤) برقم (١٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: خرص التمر.
(٥) مسلم (١٣٩٢) كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي وَلّ.

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي مسلم: أنه التَّا كان يوم حنين على بغلة له بيضاء أهداها له
فروة بن نفاثة الجذامي(١).
وحديث عبد الرحمن سلف قريبًا في باب الشراء والبيع من
المشركين، وأهل الحرب من كتاب البيوع(٢).
واحتجاج البخاري بقصة سارة يدل أن مذهبه أنّا مخاطبون بشرع من
قبلنا، وهو قول مالك.
قال ابن التين: وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَدُهُمُ أَفْتَدِّةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] والقول الآخر: أنا غير مخاطبين به.
وأحاديث الباب دالة على جواز قبول هدية المشركين، وفي الترمذي
أنه رد هدية المشرك وقال: ((إني نهيت عن زبد المشركين)) (٣).
وصححه، وزبد المشرکین هدایاهم. قيل: إنه عياض بن حمار،
وقيل: إنه نسخ، وقيل: يفرق بين المشرك والكتابي.
وأكيدر من أهل الكتاب، فقبل هديته، وقيل: كان يؤدي الجزية إلى
رسول الله ولي(٤)، وقد سلف ذلك واضحًا.
والأول أولى؛ لحديث المشرك المشعان وحديث أم عطية، إلا أن
تركها أفضل؛ عملًا باليد العليا.
(١) مسلم (١٧٧٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين.
(٢) برقم (٢٢١٦) كتاب: البيوع، باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب.
(٣) الترمذي (١٥٧٧) كتاب: السير، باب: كراهية هدية المشركين، قال أبو عيسى:
حسن صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) ٤٩١/١ (٢٥٠٥).
(٤) رواه أبو داود (٣٠٣٧)، والبيهقي ١٨٦/٩.

٣٩٣
= كِتَابُ الهِبَةِ
وقد سئل مالك عمن وصل بشيء فقال: تركه أفضل إلا أن يخاف
على نفسه الجوع(١).
وأوضح المسألة ابن بطال فقال: ثبت عن النبي ◌َّهِ بهذِه الآثار
وغيرها أنه قبل هداياهم. قال: وأكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك
لغيره من الأمراء؛ إذ كان قبولها منهم على جهة الاستبداد بها دون
رعيته؛ لأنه إنما أهدى له ذلك من أجل أنه أمير الجيش، وليس
الشارع في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من أموال
الكفار من غير قتال(٢).
وقد اختلف العلماء في هداياهم على أقوال: أحدها: أن ما أهداه
الحربي إلى والي الجيش -كان الوالي الأعظم أو دونه- فهو مغنم؛ لأنه
لم ینله إلا بهم.
وفيه الخمس، وهو قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن(٣)، وابن
حبيب قال: وسمعت أهل العلم يقولون: إنما والي الجيش في
سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم(٤).
ثانيها: ما أهدي لوالي الجيش فهو له خاصة، وكذا ما يعطاه
الرسول، قاله أبو يوسف(٥).
ثالثها: قال محمد بن الحسن: لو أهدى العدو إلى رجل من
المسلمين ليس بقائد ولا أمير هدية، فلا بأس أن يأخذها، وتكون له
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٦/٣-٢١٧، ٢٥٢/١٢.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٣٠.
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٩٨/٣ -٤٩٩.
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٨/٣.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٩٨/٣.

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
دون أهل العسكر(١). وهو قول الأوزاعي وابن القاسم(٢).
قال: وأما حديث عياض: (إني نهيت عن زبد المشركين)) فهو
معارض لقبوله هداياهم، فيكون ناسخًا لها، قيل: يحتمل أن يكون
تركها لما في ذلك من التأنيس والتحاب، ومن حاد الله ورسوله
وشاقهما حَرُمَ على المؤمنين موالاته؛ ألا ترى أنه جعل عليه ردها لما
لم یسلم.
وقد روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
قال: جاء ملاعب الأسنة إلى رسول الله وَ له بهديةٍ فعرض عليه الإسلام
فأبى أن يسلم فقال: ((إني لا أقبل هدية مشرك))(٣) فدّل هذا الحديث على
مثل ما دلّ عليه حديث عياض، وبان به أن قبول الشارع هدية من قبل
هديته من المشركين، إنما كان على وجه التأنيس والائتلاف؛ رجاء
إنابتهم إلى الإسلام، ومن یئس من إسلامه منهم ردّ هدیته.
وقال الطبري: قبول هدايا المشركين إنما كان نظرًا منه للمسلمين،
وعودًا بنفعه عليهم لا إيثارًا منه نفسه به دونهم، وللإمام قبول هدايا أهل
الشرك وغيرهم إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين.
وأما رد هدية من رد هديته منهم، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها
له في خاصة نفسه فلم ير قبولها؛ تعريفًا منه لأمته من بعده أنه ليس له
قبول هدية أحد لخاصة نفسه، وبين ذلك ما رواه نعيم بن عون عن
الحسن قال: جاء رجل إلى رسول الله و ◌َلا يقال له عياض - كانت بينه
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٧/٣.
(٣) ((الجامع)) لمعمر بن راشد ٤٤٦/١٠-٤٤٧ (١٩٦٥٨) باب: هدية المشرك، وقال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)» ١٢٧/٦: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

٣٩٥
كِتَابُ الهِبَةِ
وبين رسول الله وَال صداقة قبل أن يبعث- بهدية فقال له: ((أسلمت؟))؛
قال: لا. قال: ((فإنه لا يحل لنا زبد المشركين)) قال الحسن: الزبد:
الرفد(١). ذكره ابن سلام(٢).
فإن ظن ظان أن قوله: ((إنا لا نقبل هدية مشرك))، وأن ما رواه عطاء
عن جابر عن النبي وسلم أنه قال: ((هدايا العمال غلول))(٣) أن ذلك على
العموم فقد أخطأ.
وذلك أنه لا خلاف بين الجميع في أن الله تعالى قد أباح للمسلمين
أموال أهل الشرك بالله بالقهر والغلبة لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فهو بطيب أنفسهم لا شك أحل
وأطيب.
دليله: حديث أبي سعيد الخدري، أن ملك الروم أهدئ لرسول الله
وَّله جرة من زنجبيل فقسمها بين أصحابه فأعطى كل رجل منهم قطعة (٤).
وما رواه قرة عن الحسن قال: أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول
الله وَ له جرة فيها مَنٌّ، وبالنبي ◌َّهِ وأهله إليها حاجة، فلما قضى الصلاة
أمر طائفًا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيخرج
فيأكل، فأتى خالد بن الوليد فأدخل يده فقال: يا رسول الله، أخذ
القوم مرة مرة وأخذت مرتين فقال: ((كُل وأطعم أهلك)).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٢٠ (٣٣٤٣٤) قبول هدايا المشركين، والحارث بن أبي
أسامة كما في ((زوائده)) (٤٥٠) باب: ما جاء في الهدية.
(٢) ((غريب الحديث)) ٣٩٦/١.
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٦٨/٥ (٤٩٦٩).
(٤) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٦٧/٣، وابن عدي في ((الكامل)) ٢٣٨/٦ (١٢٩٨).
قال الذهبي في ((الميزان)) ١٧٤/٤ (٦٣٥٢): هذا منكر من وجوه، ثم ذكرها.

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
وأهدى (البون)(١) ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين
بالقسطنطينية فشاور أهل العلم من ذلك الجيش فقالوا: لم يهدهما
إليك إلا لموقعك من هذا الجيش، فنرى أن تبيعهما وتقسم ثمنهما
على هذا الجيش، فثبت بفعل الشارع وقول أهل العلم بعده أن الذي
كان من رده هدية من رد من المشركين كان لما وُصِف لك؛ إذ من
المحال اجتماع الرد والقبول في شيء واحد، فبان أن سبب قبول
ما قبل غير سبب رد ما رده.
فإن قلت: إن آخر فعليه ناسخ للآخر. قلت: لو كان كذلك لكان
مبينًا، أو كان على الناسخ دليل يفرق بينه وبين المنسوخ؛ إذ غير
جائز أن يكون شيء من حكم الله غير معلوم الواجب منه على عباده،
إما بنص عليه أو دلالة منصوبة على اللازم فيه، فبان بهذا أن سبيل
الأئمة القائمين بعده بأمر الأمة سبيله في أن من أهدى إليه ملك من
ملوك أهل الحرب هدية فله قبولها وصرفها حيثما جعل الله ما خوَّل
المسلمين من غير إيجاف منهم عليهم بخيل ولا ركاب، وإن كان
الذي أهدى إليه وهو منيخ مع جيش من المسلمين بعقرة (دارهم)(٢)
محاصرًا لهم؛ فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من أموالهم مصروفًا،
فيما نيل بالقهر والغلبة لهم، وذلك ما أوجفوا عليه بالخيل والركاب،
كالذي فعل الشارع بأموال (قريظة)(٣)؛ إذ نزلوا على حكم سعد لما
(١) في الأصل: النور، وأشار محقق ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٣٣ إلى أنها كذا بالأصل،
لكنه أثبت (البون) من نسخة سماها (هـ).
(٢) في الأصل: دراهم. والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) في الأصل: قريضة، وأشار محقق ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٣٤ إلى أنها كذا
بالأصل، لكنه أثبت (قريظة) من نسخة سماها (هـ).

٣٩٧
= كِتَابُ الهِبَةِ
نزل هو وأصحابه محاصرين لهم(١).
تنبيهات :
أحدها: معنى قوله: (وكتب له ببحرهم) قيل: ولاه المكان، وقيل :
ألا يؤخذ عند الغلبة عليهم.
ثانيها: قال المهلب: في حديث أبي حميد مكافأة المشرك على
هديته؛ لأنه العلئا أهدى له بردةً.
وفيه: جواز تأمير المسلم للمشرك على قومه، لما في ذلك من
طوعهم له وانقيادهم.
وأيلة: بفتح الهمزة، قال الطبري: كان صاحبها من أهل الجزية
بالصلح الذي جرى بينه وبين رسول الله ويلي﴾ (٢).
قال المهلب: وفيه تولية البحر وأنه عمل من الأعمال.
وفيه جواز نسبة العمل إلى من أمر به؛ لقوله: (وكتب له ببحرهم)
وهو التَّي لم يكتب كما قال: رجم رسول الله وَل﴾(٣)، وإنما أمر بذلك.
ثالثها: في قبول الشاة المسمومة دلالة على أكل طعام من يحل أكل
طعامه دون أن يسأل عن أصله، ولا يحترس من حيث إن كان فيه مع
جواز ما قد ظهر إليه من السم، فدل ذلك على حمل الأمور على
السلامة، حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق
المسلمين، وهو محمول على السلامة، حتى يتبين خلافها.
رابعها: في حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين،
وقد تقدم كثير من معناه في البيوع حيث ذكره.
(١) أنتهى إلى هنا كلام الطبري من ((تهذيب الآثار)) مسند على ص٢١٠-٢١٥.
(٢) ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص٢٢١.
(٣) سيأتي برقم (٦٨٢٩) كتاب: الحدود.

٣٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة، وتساوي الناس في
ذلك، وفي أكل أهل الجيش من الكبد على قِلّته علامة باهرة من
أعلام نبوته، وآية باهرة من آياته.
خامسها: قوله: ( ((لمناديل سعد)) ) فيه ضرب المثال بالمناديل التي
يمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار وتتخذ لفافة لجيد الثياب، فكانت
كالخادم والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه
الثياب -أعني: جبة السندس - دل على عظم عطايا الربِّ جلَّ جلاله
قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]
قال الداودي: والسندس: رقيق الديباج، والإستبرق: غليظه.
والذي ذكره غيره كما قال ابن التين: الإستبرق أفضل من السندس؛
لأنه غليظ الديباج، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه.
سادسها: أكيدر دومة: هو ملك دومة الجندل، كان يدعى أكيدر،
ودومة بفتح الدال وضمها(١) (٢).
(١) ((معجم البلدان)) ٢/ ٤٨٧.
(٢) في حاشية الأصل: أُكَيدر بضم الهمزة وفتح الكاف، قال الخطيب: هو أكيدر بنُ
عبد الملك بن عبد الجن بن أعياء بن الحارث بن معاوية الكندي .. الشافعي في
((المختصر))، فقال إنه من غسان أو من كندة.
قال الخطيب في ((مبهماته)): كان نصرانيا، ثم أسلم، وقيل مات نصرانيا. وقال ابن
الأثير: ذكر ابن منده وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) أنه أسلم وأهدى إلى رسول
الله ◌َّهِ حُله حرير فوهبها لعمر. قال ابن الأثير: أما الهدية والمصالحة فصحيحان،
وأما الإسلام فغلط لأنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير، ومن قال أسلم فقد
أخطأ خطأً فاحشًا.
قال: وكان نصرانيًا ولما صالحه النبي ◌َّل عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدًا
حاصره زمن أبي بكر، فقتله نصرانيًا .. انتهى.

٣٩٩
= كِتَابُ الهِبَةِ
سابعها: إنما لم يَقْتُل مَنْ سَمَّهُ على الأصح؛ لأنه كان من شأنه ألا
يقتل أحدًا أو أراد أن لا ينقص من عذابها في الآخرة، وأن يبقي أجره
موفرًا فيما نيل منه، وقد قال الفاروق: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي
على يد رجل سجد لله سجدة يحاجني بها يوم القيامة (١).
ولما ولي مصعب العراق أتي بعمرو بن جرموز التميمي قاتل الزبير
فسجنه، وكتب إلى عبد الله بأمره فكتب إليه: ما كنت أقيد بالزبير رجلًا
أعرابیًّا.
وروي (٢) أنه العلّ قال لها: «ما حملك على هذا؟» قالت: إن كنت
نبيًّا لم يضرك وإن كنت كاذبًا استراح الناس منك(٣).
وروي أن بعض من أكل معه مات (٤).
وجاء في ((الصحيح)): ((ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان أنقطاع
أبهري))(٥).
ومعنى: (تعادني) تأتيني في وقت دون وقت، والأبهر: نياط
القلب، وهو العرق الذي يتعلق به القلب، فإذا انقطع مات صاحبه،
فجمع الله له بين الرسالة والشهادة.
وقوله: (مازلت أعرفها في لهوات رسول الله وَيلة) قال الداودي:
لهواته: ما يبدو من فِيْهِ عند التبسم.
(١) سيأتي برقم (٣٧٠٠).
(٢) ورد بهامش الأصل: هذا في الصحيح.
(٣) البخاري (٣١٦٩) كتاب: الجزية والموادعة، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين
هل يعفى عنهم.
(٤) رواه الدارقطني ١٢٠/٣-١٢١، والحاكم ٢١٩/٣-٢٢٠، والبيهقي ٤٦/٨.
(٥) سيأتي برقم (٤٤٢٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ووفاته. معلقًا عن يونس.

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال الجوهري: اللهاة: الهنة اللطيفة في أقصى سقف الحلق،
والجمع: اللها واللهوات واللهات أيضًا(١).
وقال القاضي عياض: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى
الفم (٢) (٣).
ثامنها: إنما أدخل في الباب حديث عبد الرحمن بن أبي بكر؛
لقوله: (أو قال: هبة) لا كما وقع للداودي من أنه من أجل قوله
أو عطية. والمشعان: فسره في رواية أبي ذر بالطويل جدًّا. وقال ابن
فارس: مشعان الرأس(٤).
وقال القزاز: هو الجافي الثائر الرأس، وقد سلف.
وفيه: المواساة عند الضرورة، وفيه: أكل القوم بعد القوم؛ لأن
القصعتين لا تحملان أيدي الجماعة.
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٤٨٧ مادة (لهى).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٩٣.
(٣) ورد بهامش الأصل: وما قاله عياض هو في ((المطالع)) أيضًا.
(٤) ((المجمل)) ٥٠٤/١.