النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كِتَابُ الهِبَةِ
=
٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥ - مسلم: ١٤٦٣، ٢٧٧٠ - فتح:
٢١٨/٥]
ثم ذكر أحاديث :
أحدها: حديث أسماء قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ
عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، أَفَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: (تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ)). وقد
سلف في الزكاة(١)، ثم ذكره من طريق آخر سلف أيضًا(٢).
ثانيها: حديث ميمونة أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِّ وَِّ، فَلَمَّا
كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ
وَلِيدَتِي؟ قَالَ: ((أَوَفَعَلْتِ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا
أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ».
قال: وَقَالَ: تابعه بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ:
إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ.
أراد بهذا متابعة اللیث بن سعد، فإن یحیی بن بکیر رواه عنه، عن یزید،
عن بكير، عن كريب، وإن بكرا تابعه، وإن عَمرا تابع یزید بن أبي حبيب،
وهو مروي عند الإسماعيلي عن الحسن، ثنا أحمد بن يحيى، ثنا ابن
وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله عن كريب، فذكره.
ثالثها: حديث عائشة في القرعة في السفر وأن سودة وهبت يومها
(٣)
وليلتها لعائشة، وقد سلف
(١) برقم (١٤٣٣) باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها.
(٢) ورد بهامش الأصل: بلفظ: ((أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي
فيوعي الله عليك)).
(٣) لعل المصنف رحمه الله يقصد في الشرح، أما في موضعه من الصحيح فهذا هو
أول مواضعه. والله أعلم.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
أما الآية فالمراد بالسفهاء فيها: اليتامى والنساء، وهن أسفه
السفهاء، وهما الضعيفان، وذكر المعتمر بن سليمان عن أبيه قال:
زعم حضرمي أن رجلًا عمد فدفع ماله إلى أمرأة فوضعته في غير
الحق فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ (١) [النساء: ٥] ومن
قال: عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه حَمَلَ اللفظ على غير وجهه،
وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلًا على فُعَلاء إلا في جمع الذكور
أو الذكور والإناث.
فأما إذا أردوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهن جمعوه على فعائل
وفعيلات، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات، فأما الغرباء فجمع
غريب، نبه عليه الطبري (٢).
وكأن البخاري أراد بالتبويب وما فيه من الأحاديث الردّ على من
خالف ذلك، روى (حسين)(٣) المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده أن النبي ◌َّ- قال لما فتح مكة: ((لا تجوز عطية أمرأة
في مالها إلا بإذن زوجها)) أخرجه النسائي(٤).
وفي رواية داود بن أبي هند والمعلم عن عمرو أن أباه أخبره، عن
عبد الله بن عمر ((ولا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها
عصمتها)) (٥).
قال الحاكم: صحيح الإسناد(٦).
(١) ((تفسير الطبري)) ٥٨٨/٣ (٨٥٤٨).
(٢) (تفسير الطبري)) ٥٨٦/٣ (٨٥٢٥).
(٣) في الأصل: (حبيب) والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) ((المجتبى)) ٦٥/٥-٦٦. وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٨٢٥).
(٦) ((المستدرك)) ٢/ ٤٧.
(٥) ((المجتبى)) ٢٧٨/٦ -٢٧٩.

٣٤٣
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
ولأبي داود، عن عمرو أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص فذكره(١).
ولابن ماجه من حديث المثنى بن الصباح، عن عمرو: ((إذا هو
مالك عصمتھا)»(٢).
ولعبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه
مرفوعًا: ((لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها))(٣).
وعن معمر، عن رجل، عن عكرمة قال: قضى به رسول الله وَله:(٤).
وعن معمر عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز جعل لها في مالها
الثلث في حياتها (٥).
وقد اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج
على قولين :
أحدهما: أنه لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال فما جاز من عطايا
الرجل البالغ الرشيد جاز من عطاياها.
وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي(٦).
وبمعناه قال عطاء، قال ابن المنذر: وبه نقول(٧).
أبو داود (٣٥٤٦).
(١)
(٢)
ابن ماجه (٢٣٨٨).
((مصنف عبد الرزاق)) ١٢٥/٩ (١٦٦٠٧).
(٣)
(مصنف عبد الرزاق)) ١٢٥/٩ (١٦٦٠٨).
(٤)
(مصنف عبد الرزاق)) ١٢٥/٩ (١٦٦٠٩)
(٥)
(٦) انظر: ((الإشراف)) ٢٢٤/٢.
(٧) ((الإشراف)) ٢٢٤/٢.

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثانيهما: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن زوجها روي
عن أنس وطاوس والحسن البصري(١).
وفيه قول ثالث: قال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها
إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية.
وفيه قول رابع: قال الليث: لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلا في
الشيء اليسير الذي لا بد منه في صلة الرحم أو غيره مما يتقرب به إلى الله
تعالى(٢).
حجة الأول أن الرب -جل جلاله- سوى بين الرجال والنساء عند
بلوغ الحكم وظهور الرشد فقال: ﴿فَإِنّ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]
الآية فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخص رجلاً من أمرأة فثبت أن
من صح رشده صح تصرفه في ماله بما شاء. وقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ
لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية، فأباح للزوج ما طابت له به
نفس أمرأته. وقال تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فأجاز
عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استثمار من أحد.
فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها، وعلى أنها فيه كالرجل
سواء.
واحتجوا بأمره القفيه أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير
وبعتق ميمونة الوليدة من غير استئذان الشارع وبحديث ابن عباس أنه
التَّي خطب النساء يوم عيد وقال لهن: ((تصدقن ولو من حليكن))(٣).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٧/٧، ((الإشراف)) ٢٢٤/٢.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٧/٧-١٠٨.
(٣) سلف برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، ورواه مسلم
(١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ...

٣٤٥
- كِتَابُ الهِبَةِ
وليس في شيء من الأخبار أنهنّ أستأذنّ أزواجهنّ، ولا أنه أمرهنّ
باستئذانهم، ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كالرجل
ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب،
وهو ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإذا
كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها فأفعالها في مالها في
حياتها أجوز.
وحجة النسائي حديث عمرو بن شعيب السالف (١)، وأحاديث الباب
أصح منه، وروى النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن ميمونة:
كانت لي جارية سوداء فقلت: يا رسول الله، إني أردت أن أعتق
هذِهِ: فقال: ((أفلا تفدين بها بنت أختك أو بنت أخيك من رعاية
الغنم))(٢).
واحتج ابن حزم بما رواه من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي خالد،
عن قيس بن أبي حازم، عن أمرأته أن امرأة سألت عائشة: أطعم من بيت
زوجي؟ فقالت عائشة: ما لم تقي مالك بماله (٣).
وهذا فيه جهالة کما ترى.
ولما ذكر حديث أبي هريرة في مسلم السالف: ((وما أنفقت المرأة
في كسبه .. )) الحديث(٤).
قال: أعترض بعض الناس بأن قال: هذا رواه أبو هريرة وقد سئل
هل تصدق المرأة من بيت زوجها قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما،
(١) النسائي ٧٨/٦.
(٢) النسائي في ((الكبرى)) ١٧٩/٣ (٤٩٣٣).
(٣) ((المحلى)) ٧٣/١٠.
(٤) مسلم (١٠٢٦) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ولا يحل لها أن تصدق من بيته إلا بإذنه(١).
وهُذِه الفتيا إنما رويناها من طريق عبد الملك بن أبي سليمان
العرزمي، وهو متروك - عن عطاء، عن أبي هريرة، فهي ساقطة(٢).
قلت: عبد الملك هذا ثقة قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا(٣).
وذكره ابن حبان في ((ثقاته)) ووصفه بالحفظ وقال جرير بن
عبد الحميد: كان المحدثون إذا وقع بينهم الاختلاف في الحديث
سألوه فكان حكمهم (٤). وقال أحمد فيما ذكره الساجي: ثقة من الحفاظ.
وكان الثوري يمدحه ويسميه الميزان(٥)، وقال الترمذي: ثقة
مأمون، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة(٦)، وحدث عمن هو دونه
في الحفظ والعدالة. وقال شعبة: إنما تركته لحديث السقيفة الذي
تفرد به وكان يعجب من حفظه (٧).
وقال ابن خلفون في ((ثقاته)): وثقه ابن نمير وغيره.
وتأول مالك الأحاديث في أمره النساء بالصدقة: بأنه إنما أمرهن
بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهن؛ لقوله:
(١) أبو داود (١٦٨٨) وقال: هذا يضعف حديث همام، والبيهقي في ((الكبرى)) ١٩٣/٤
(٧٨٥٣)، وقال ابن التركماني: في سند هذا الأثر عبد الملك العرزمي متكلم فيه.اهـ
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤٨١) إسناده صحيح موقوف اهـ
(٢) (المحلى)) ٧٣/١٠.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٦/ ٣٥٠.
(٤) ((الثقات)) لابن حبان ٧/ ٩٧.
((تاريخ بغداد)) ٣٩٦/١٠، ((تهذيب الكمال)) ٣٢٤/١٨.
(٦) ((سنن الترمذي)) ٦٤٣/٣.
(٥)
(٧) ((تاريخ بغداد)) ٣٩٤/١٠، وفيه: أنه سئل عن تركه له مع حُسْن حديثه قال: من
حُسْنِها فررت.

٣٤٧
=ِ كِتَابُ الهِبَةِ
((تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها))(١) فسوى بين ذلك، فكان لزوجها
في مالها حق فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه.
وعلى هذا يصح الجمع بین حديث عمرو بن شعيب، وسائر
الأحاديث المعارضة له فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في النهي
عن إعطاء الكثير المجحف وغيره مما ليس بالكثير.
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب في شيء؛
لأن للمرأة السفيهة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السفه في إفساد المال
خاصة، كذا قاله ابن بطال(٢).
وأيضًا فهُذِه الهبة للزوج لا للضرة، وهما قولان للعلماء: هل الهبة
للزوج أو للضرة؟ فترجمته على أحد القولين إذن.
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال من يجوز لها
العطاء على قولين :
أحدهما: أنه ليس لها في مالها أمر؛ حتى تلد أو يحول عليها الحول.
روي هذا عن عمر - وشريح والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق(٣).
ثانيهما: الفرق بين البكر ذات الأب والوصي، وبين التي لا أب لها
ولا وصي، قاله أصحاب مالك. فقال ابن القاسم: البكر التي لا أب لها
لا يجوز قضاؤها في مالها وإن عنست؛ حتى يدخل بيتها وترضى
حالها (٤).
(١) سيأتي برقم (٥٠٩٠) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم
(١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٠٩.
(٣) أنظر: ((الإشراف)) ٢٢٤/٢.
(٤) أنظر: ((المدونة)) ١٤٥/٤.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلف في حد تعنيسها: فقال ابن وهب: ثلاثون إلى خمس
وثلاثين، وقال ابن القاسم: أربعون إلى خمس وأربعين(١).
وقال ابن الماجشون ومطرف في اليتيمة لا أب لها ولا وصي تختلع
من زوجها بشيء تهب له: الخلع ماض، ويرد الزوج ما أخذ؛ لأنه
لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من أبتناء
زوجها بها أو تلد ولدًا.
وخالف هذا سحنون فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك
قبل الدخول فيملكها أمرها، أو تباريه بشيء من مالها فقال: إن كان لها
أب أو وصي فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ
منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك؛ وهي عندي بمنزلة
السفيه الذي لا وصي له، أن أموره جائزة بيوعه وصدقته وهبته ما لم
يحجر عليه الإمام(٢).
تنبيهات :
أحدها: في حديث ميمونة دلالة على أن صلة الأقارب وإغناء
الفقراء أفضل من العتق، وإن كان جاء في العتق: أنه يعتق لكل عضو
منه عضوًا منه من النار (٣)، وبه تجاز العقبة يوم القيامة(٤).
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من العتق (٥).
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٢٧٣/٣.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١١٠.
(٣) تقدم حديثه عن أبي هريرة برقم (٢٥١٧) كتاب: العتق، باب: ما جاء في العتق
وفضله.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
فَقُّ رَقَبَةٍ
(٥) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٥١٩/٣.

٣٤٩
= ڪِتَابُ الهِبَةِ
ثانيها: وقع في رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء.
قال عياض: ولعله أصح من رواية: أخوالك(١).
بدليل رواية مالك في ((الموطأ)): ((أعطيها أختك))(٢).
وقال النووي: الجمع صحيح ولا تعارض، ويكون التليف قال ذلك
کله.
ثالثها: على قول مالك السالف لو تصدقت بأكثر من ثلثها.
فذهب مالك إلى بطلان الجميع، وقال المغيرة: تمضي قدر الثلث.
واختلف إذا قصدت الضرر في أقل من الثلث هل تمضي أم لا؟
واختلف أيضًا إذا تصدقت ثم تصدقت وقرب ما بينهما وهما أكثر من
الثلث إذا جمعا، فقال أصبغ: إن كان ما بينهما يوم أو يومان بطل
جميعًا وإن طال مثل الشهرين مضت الأولى، وإن طال مثل الستة
أشهر صحتا جميعًا، وقيل: إذا كان بينهما يومان وشبه ذلك صح في
الأولى، وقيل: إذا كان بينهما كبير وإن طال صحت الأولى دون
الثانية، وحمل مالك النهي على مجاوزة الثلث(٣)، وقد سلف.
رابعها: قول أسماء: (مالي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير). يعني:
ما صيره ملكًا لها، فأمرها الكليه أن تنفق ولم يقل لها بالمعروف؛
لعلمها بمراده، ويحتمل أن يريد ما جعله الزبير تحت يدها من ماله،
فإن كان كذلك فينفق ما كان يجب على الزبير إنفاقه من إعانة ملهوف
وإعطاء سائل.
(١) ((إكمال المعلم)) ٥١٩/٣.
(٢) ((الموطأ)» رواية يحيى ص٥٩٩.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١١/١٢ بتصرف.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومعنى: ((لا توعي)) لا تجعليه في الوعاء فيدخره، ولا تنفقيه فيجعله
في الوعاء، ومنه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَ﴾ [المعارج: ١٨] فمادة الرزق متصلة بالإنفاق
ومنقطعة بانقطاعه، فلا يمنع فضل الزاد تحرِّ من مادة الرزق.
وكذا قوله: ((لا تحصي فيحصي الله عليك)) أي: تحصي النفقة
فيحصي الله بقطع البركة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المنافسة في
الآخرة.
خامسها: قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب التي ذكرها
البخاري دلالة على جواز فعل المرأة في أكثر من ثلثها.
أما قصة أسماء فسلف ما فيها، وأما قصة ميمونة فقال الداودي :
ليس فيه أنها أکثر من ثلثها.
وأما حديث سودة وِهَبِتَها فليس من هذا في شيء، وقد سلف ما في
ذلك.
سادسها: في حديث عائشة: القرعة.
قال مالك في ((المدونة)): يخرج من شاء منهن في أي الأسفار
شاء(١).
وقال ابن الجلاب: إن أراد سفر تجارة ففيها روايتان: القرعة بينهن
كالحج والغزو، والأخرى: لا إقراع، قال: وإن أراد سفر حج أو غزو
فأقرع بينهن، ثم إذا انقضى سفره قضى لهن وبدأ بها أو بمن شاء غيرها.
قلت: لم ينقل القضاء إذا عاد، والبداءة بغيرها أحب.
(١) ((المدونة)) ١٩٨/٢.

٣٥١
: كِتَابُ الهِبَةِ
١٦ - باب مَنْ يُبْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ؟
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَثِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ - مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ -: إِنَّ
مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: ((وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ
كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِك)). [انظر: ٢٥٩٢ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٢١٩/٥]
٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
عِمْرَانَ الْجَوْنِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ - عَنْ عَائِشَةَ رضي
الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنٍ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: ((إِلَى
أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا)). [انظر: ٢٢٥٩ - فتح: ٢١٩/٥]
ذكر فيه تعليق بكر عن عمرو الذي في الباب قبله.
وحديث عائشة: إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَهْدِي؟ قَالَ: ((إِلَى
أَقْرَ بِهِمَا مِنْكِ بَابًا)).
وفيه: أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صلة
الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد؛ إذ لا يقدر على عموم جميعهم
بالهدية، وقد أكد الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ
اٌلْجُنُبِ وَالضَّاحِبٍ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] فدل على تفضيل الأقرب،
وقد سلف ذلك في باب: أي الجوار أقرب في كتاب الشفعة(١).
(١) سلف برقم (٢٢٥٩).

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٧ - باب مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ النبي
هَدِيَّةً، وَهي اليَوْمَ رِشْوَةٌ.
صَلى الله
وسلم
٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّغْبَ بْنَ
جَثَّمَةَ اللَّيِثِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ - يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدِى لِرَسُولِ اللهِ وََّ حِمَارَ
وَحْشِ وَهُوَ بِالأَبَوَاءِ - أَوْ بِوَذَّانَ - وَهْوَ مُخْرِمٌ، فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي
رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ: ((لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ)). [انظر: ١٨٢٥ - مسلم: ١١٩٣ -
فتح: ٢٢٠/٥]
٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَسْتَغْمَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ رَجُلًا مِنَ الأَزَّدِ يُقَالُ لَهُ:
ابن الأَتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: ((فَهَلَّا جَلَسَ
فِي بَيْتِ أَبِهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدِى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ
أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ
بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُقْرَةَ إِنْطَيْهِ - اللَّهُمَّ هَلْ
بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)). ثَلَاثًا. [انظر: ٩٢٥ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٢٢٠/٥]
ثم ساق حديث الصعب بن جثامة السالف في الحج(١).
وحديث أبي حميد الساعدي: أَسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ وَّهِ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ
عَلَى الصَّدَقَةِ .. الحديث.
والرشوة: السحت، مثلث الراء أشهرها الضم (٢)، وهي كل ما يأخذ
(١) سلف برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا.
(٢) أنظر: ((لسان العرب)) ١٦٥٣/٣ مادة (رشا).

٣٥٣
كِتَابُ الهِبَةِ
=
الإنسان على غير عوض، ويلزم آخذه العار، يعني بذلك الأمراء ومن في
معناهم ممن يتقى شره.
والرغاء: صوت الإبل(١)، والخوار -بالخاء -: صوت البقر (٢)،
وقال ابن التين: هو بالخاء والجيم، وهو في ((المطالع)) بلفظ الجرار
الصوت، وروي حوار، والمعنى واحد، إلا أنه بالخاء يستعمل في
الظباء والشاء والجيم للبقر والناس. و(تيعر): تصيح، واليعار:
صوت الشاة، يعرت تيعر يعارًا(٣).
و(عفرة إبطيه): بياضهما، قال صاحب ((العين)): العفرة: غبرة في
حمرة كلون الظبي الأعفر (٤).
وتكريره: ((اللهم هل بلغت)) ليسمع من لم يسمع؛ وليبلغ الشاهد
الغائب، کرره للتأكید.
وفيه -أعني حديث الصعب -: رد الهدية وهو غاية الأدب فيه؛ لأنها
لا تحل للمهدى إليه؛ من أجل أنه محرم.
ومن حسن الأدب أن يكافأ المهدي، وربما عسرت المكافأة فردها
إلى من يجوز له الانتفاع بها أولى من تكلف المكافأة، مع أنه لو قبله لم
يكن له سبيل إلى غير تسريحه؛ لأنه لا يجوز له ذبحه، وهو محرم.
ويؤخذ منه أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حرامًا على المهدى
إليه، وكذا من عرف بالغصب والظلم.
(١) أنظر: ((لسان العرب)) ١٦٨٤/٣ (رغا).
(٢) انظر: ((لسان العرب)) ١٢٨٥/٣ (خور).
(٣) أنظر: ((مقاييس اللغة)) (١١١٠) مادة (يعر).
(٤) ((العين)) ١٢٣/٢.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي حديث ابن اللتبية أن هدايا العمال يجب أن تجعل في بيت
المال، وأنه ليس لهم منها شيء إلا أن يستأذنوا الإمام في ذلك، كما
جاء في قصة معاذ أنه التَّه طيب له الهدية فأنفذها له أبو بكر بعد
رسول الله، لما كان دخل عليه في ماله من الفلس (١).
وفيه كراهية قبول هدية طالب العناية، ويدخل في معنى ذلك كراهية
هدية المديان والمقارض، وكل من لهديته سبب غير سبب الجيرة أو صلة
الرحم.
(١) رواه الطبراني ١٣١/٢٠، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٤٤/٤: رواه
الطبراني في ((الكبير)) مرسلًا ورجاله رجال الصحيح.

٣٥٥
كِتَابُ الهِبَةِ
١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً
أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وكان فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ وَالْمُهْدِى لَهُ حَيٍّ
فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الذِي أَهْدى.
وَقَالَ الحَسَنُ: أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرَثَةِ المُهْدىْ لَهُ، إِذَا
قَبَضَهَا الرَّسُولُ.
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن المُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ
جَابِرًا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َ: ((لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا
ثَلَاثًا)). فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُنَّ النَّبِيُّ وََّ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادِىُ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ
النَّبِيّ ◌َِّ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ وَعَدَنِي. فَحَثَى لِي ثَلَاثًا.
[انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٢٢١/٥]
ثم ذكر حديث جابر ((لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًّا)). وقد
سلف(١).
واختلف العلماء في الذي يهب أو يتصدق على رجل ثم يموت
الواهب أو المتصدق قبل أن يصل إلى الموهوب له: فذكر البخاري
قول عبيدة -وهو السَلْماني بفتح العين- والحسن، ويمثل قول الحسن
قال مالك: إن كان أشهد عليها أو أبرزها أو دفعها إلى من يدفعها
إلى الموهوب له، فهي جائزة.
كذا نقله عنه ابن بطال(٢) .
(١) سلف برقم (٢٢٩٦) كتاب: الكفالة، باب: من تكلف عن ميت دينًا.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١١٣/٧.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن التين: قول مالك: إن شهد الباعث والمبعوث إليه حي
يومئذ. وفي كتاب محمد: من مات منهما رجعت إلى ورثة الميت، إن
لم یشهد.
وفيها قول ثالث وهو: إن كان بعث بها المهدي مع رسوله، فمات
الذي أهديت إليه، فإنها ترجع إليه، وإن كان أرسل بها مع رسول الذي
أهدیت إلیه، فمات المهدئ إليه، فهي لورثته.
هذا قول الحكم وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: لا تتم الهبة إلا بقبض الموهوب له أو وكيله، فأيهما
مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب له، فهي راجعة إلى الواهب أو إلى
ورثته. هذا قول الشافعي(١).
وروى مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم:
لما تزوج النبي وّ أم سلمة قال: ((إني أهديت للنجاشي أواقي من مسك
وحلة، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد
إليَّ، فإذا ردت فهي لك))(٢).
واختلف الفقهاء فيما يلزم من العِدَة، وفيما لا يلزم منها، فقال
الكوفيون والأوزاعي والشافعي: لا يلزم من العِدَة شيء؛ لأنها منافع
لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وقال مالك: أما العِدَة مثل أن
يسأل الرجل الرجل أن يهب له هبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له
ألا يفعل، فلا أرى ذلك يلزمه.
(١) أنظر ((شرح ابن بطال)) ١١٣/٧-١١٤، ((الإشراف)) ٢٢٦/٢.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٣٥٢/٢٣ (٨٢٥) وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٨٩/٨:
رواه الطبراني وأم موسى بن عقبة لا أعرفها ومسلم بن خالد وثقه ابن معين وغيره،
وبقية رجاله رجال الصحيح.

٣٥٧
كِتَابُ الهِبَةِ
=
قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال:
نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه أثنان.
وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت
لهذا من أين يؤدى إليكم، فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم، أنا
أفعل. ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه(١).
وقال سحنون: الذي يلزمه في العدة في السلف والعارية أن يقول
للرجل: أهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، أو أخرج إلى الحج وأنا
أسلفك ما يبلغك، أو أشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك.
ذلك مما يدخله فيه وينشئه به، فهذا كله يلزمه، قال: وأما أن يقول:
أنا أسلفك وأنا أعطيك بغير شيء، يلزمه المأمور نفسه، فإن هذا لا يلزمه
شيء. وقال أصبغ: يلزمه في ذلك كل ما وعد به (٢).
قال ابن العربي: وأجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن
عبد العزيز، ورجح الأول ابن بطال وقال: إنه أشبه بمعنى الحديث،
ألا ترى فُتيا عبيدة السلماني والحسن في أن الهبة والعدة إنما تتم إذا
وصلت إلى المهدئ له قبل موت الواهب والموهوب له في قول
الحسن، وفي قول عبيدة: إن مات الموهوب له قبل أن تصل إليه
الهبة، فهي لورثة الواهب.
وذكر عبد الرزاق، عن قتادة كقول الحسن(٣)، وهذا يدل من فتياهم
أنهم تأولوا قوله التَّ لجابر: ((لو قد جاء مال البحرين أعطيك)). أنها عدة
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٠٣/١٢.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٠٤/١٢ -٢٠٥.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ٨٤/٩ (١٦٤٣٩) كتاب: المواهب، باب: الرجل يوصي
للرجل فيموت قبله.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حر، لازم الوفاء بها في القضاء؛ لأنها لم تكن فصلت من عند رسول الله
وَّر قبل موته، وإنما وعد بها جابرًا، وهو قوله: ((لو قد جاء مال
البحرين)) فمات رسول الله 18 قبل ذلك، ولذلك ذكر البخاري قول
عبيدة والحسن في أول الباب؛ ليدل أن فعل الصديق في قضائه عدات
رسول الله وَ﴾ بعد موته، أنها كانت منه على التطوع ولم يكن يلزم
الشارع ولا الصديق قضاء شيء منها؛ لأنه لم يرو عن أحد من
السلف وجوب القضاء بالعدة، وإنما أنفذ ذلك الصديق بعد موته
الَّة؛ اقتداءً بطريقة رسول الله وَّله ولفعله، فإنه كان أوفى الناس بعهدٍ
وأصدقهم لوعدٍ(١).
قلت: قد ذكر البخاري أن ابن أشوع وسمرة قضيا به(٢) وفي ((تاريخ
المنتجيلي)) أن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعد وحبسه فيه،
وتلى قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ
[الصف: ٣].
تنبيهان :
أحدهما: أعترض الإسماعيلي فقال: هذا الباب لا يدخل في الهبة
بحال، وليس ما قاله لجابر هبة، وإنما هو عِدَة على وصف إذا كان صح
الوعد، ولكن لما كان وعده لا يجوز أن يعترضه خُلْف أو يعوق دون
الوفاء به معنى جعلوا وعده بمنزلة الضمان في الصحة، فرقًا بين وعده
الذي لا خلف له وبين وعد غيره من الأمة، ممن يجوز أن يفي به
وقد لا يفي.
(١) ((شرح ابن بطال) ١١٤/٧-١١٥.
(٢) سيأتي قبل حديث (٢٦٨١) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد.

٣٥٩
كِتَابُ الهِبَةِ
=
ثانيهما: قال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه، وليس بواجب
فرضًا، والدليل على ذلك أتفاق الجمع على أن من وعد بشيء لم
يضارب به مع الغرماء.
ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق، وعدة جابر لم تكن
في ذمة رسول الله وَّة، إنما أدعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذاك
موكول إلى اجتهاد الإمام. وقال ابن التين: إنما أعطاه الصديق؛ ليبلغ
◌َىاللّه
مراد رسول الله
وَسَـ
وقول جمهور العلماء: إن هذا لو كان من غير مراد رسول الله وَلو لم
يقبض له في ماله بعد موته في العدة، قال: والحاصل في العدة ثلاثة
أقوال: لا، نعم، إن كانت العدة سبب مثل أن يقول: أهدم دارك وأنا
أبنيها. أن ذلك يلزم وإن لم يهدم، وأما أن يهدمها فمتفق عليه أن
ذلك يلزمه ما شاء، وعاش في ذمته أو فلس کالدین.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٩ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ وَالْمَتَاعُ
وَقَالَ ابن عُمَرَ كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ◌َ
وَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ)). [انظر: ٢١١٥]
٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ اِشْوَرِ
بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ رِيِّ أَقْبِيَةَ، وَلَمْ يُغْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا،
فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، أَنْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَّهَ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: أَدْخُلْ
فَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: ((خَبَأْنَا هذا لَكَ)).
قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. [٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢ - مسلم: ١٠٥٨ -
فتح: ٢٢٢/٥]
ثم ذكر حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَقْبِيَةً،
وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ .. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ:
(خَبَأْنَا هذا لَكَ)). قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.
الشرح :
التعليق سلف قريبًا، والحديث ذكره البخاري في مواضع أخر
تأتي(١).
وفيه: فخرج ومعه قباء وهو یریه محاسنه(٢).
وفي آخره في الجهاد: أهديت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب،
فقسمها بين أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة(٣).
(١) سيأتي برقم (٢٦٥٧) كتاب: الشهادات، باب: شهادة الأعمى، (٥٨٠٠) كتاب:
اللباس، باب: القباء وفروج حرير ...
(٢) يأتي برقم (٢٦٥٧).
(٣) يأتي برقم (٦١٣٢) كتاب: الأدب، باب: المداراة مع الناس.