النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ = ڪِتَابُ الهِبَةِ ولما رواه النسائي(١) من طريق يعقوب بن إبراهيم(٢) وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: وكذلك رواه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهري. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ورواه يحيى بن صالح الوحاظي، عن إسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة ولم يتابع عليه. ورواه ابن عيينة وزياد بن سعد، عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلا. قال الذهلي محمد بن يحيى: ورواه أبو مروان الغساني أيضًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، والصواب حديث الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة(٣). وقوله قبل ذلك: (وقال أبو مروان: عن هشام، عن عروة) أبو مروان اسمه يحيى بن أبي زكريا (٤) الغساني، وأصله من الشام نزل واسط(٥). (١) ((السنن الكبرى)) ٢٨١/٥، ٢٨٢ (٨٨٩٢، ٨٨٩٣). (٢) في المطبوع من ((سنن النسائي الكبرى)) ٢٨١/٥ وكذا في ((التحفة)) عن أبيه، أي: إبراهيم بن سعد عن صالح عن الزهري. (٣) أنظر: ((تحفة الأشراف)) ٢٩٧/١٢-٢٩٨ (١٧٥٩٠). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ضعفه أبو داود، توفي سنة ١٨٨هـ. (٥) روى عن: إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، ويونس بن عبيد. روى عنه: أبو سفيان، أيوب بن أبي هند الحراني، ومحمد بن حرب النشائي. قال أبو حاتم: شيخ، ليس بمشهور. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: ضعيف. قال البخاري: مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وقال محمد بن الوزير الواسطي: مات سنة تسعين ومئة. = ٣٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وهذا الحديث تقدم بعضه في الباب قبله، وفيه هنا زيادات، منها: أن نساءه كن حزبين. وقوله في زينب: (فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة). قيل: إن ذلك على ما ظهر لها، ولا بأس أن يحابي بعض نسائه إذا لم ينقص من لوازم الباقيات شيئًا، وفيه إدلال زينب لقرابتها منه؛ ولأن الله أنكحها منه، كانت تقول لنسائه: كلكن زوجكن الأولياء، إلا أنا فإن الله زوجني إياه(١). وكانت بنت عمته، وكانت تسامي عائشة وقد سألها وَالل حين قال أهل الإفك ما قالوا في عائشة فقالت: أحمي سمعي وبصري! ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت عائشة: فعصمها الله بالورع(٢). وفيه: أن الناس لم يكونوا يتحرون يوم عائشة بأمره. وفيه: كما قال الداودي: عذره ◌َلو لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه. وقوله: ((إنها بنت أبي بكر)) أي: يعلم مناقب مضر ومثالبها، ولما أمر حسان أن يهجو قريشًا. قال: ((امض إلى أبي بكر فإنه أعلم بمثالب العرب))، وكان من أعلم الناس، وكان أعلمهم به بعده جبير بن مطعم، تعلم من أبي بكر. = انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٤٧/٨ (٢٩٧٥)، ((الجرح والتعديل)) ١٤٦/٩ (٦١٤)، ((تهذيب الكمال)) ٣١٤/٣١-٣١٥ (٦٨٢٨). (١) سيأتي من حديث أنس برقم (٧٤٢٠) كتاب: التوحيد. (٢) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات. ٣٠٣ ـ كِتَابُ الهِبَةِ قال المهلب: وفيه من الفقه أنه ليس على الزوج حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل، وإنما يلزمه العدل في المبيت والمقام معهن، وإقامة نفقاتهن، وما لابد منه من القوت والكسوة، وأما غير ذلك فلا. وفيه: تحري الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها من المهدئ إليه لیزید بذلك في سروره. وفيه: أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن في ذلك، ولا يميل مع بعضهن علي بعض، كما سكت التَّ حين تناظرت زينب وعائشة، ولكن قال أخيرًا: ((إنها بنت أبي بكر)) ففيه إشارة إلى التفضيل بالشرف والفهم. ٣٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٩ - باب مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ ٢٥٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَغْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ◌َُّامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَّسٌ رضي الله عنه لَا يَرُدُّ الطَّيبَ. قَالَ وَزَعَمَ أَنَسْ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. [٥٩٢٩ - فتح: ٢٠٩/٥] ذكر فيه حديث ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ لَا يَرُدُّ الطَّيبَ. قَالَ: وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ وَّلْ كَانَ لَا يَرُدُّ الطَّبَ. ويأتي في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه الترمذي في الاستئذان وصححه، والنسائي في الوليمة والزينة(٢). الشرح : الضمير في قوله: (دخلت عليه) على أنس؛ لأنه جده والراوي عنه، وإنما كان لا يرد الطيب لمناجاته الملك، كما كان لا يأكل الثوم وما شاكله، وكان مما حبب إليه من الدنيا حيث قال: ((حبِّب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)) (٣) فكان أنس يتبع آثاره اقتداء به، وكذا ابن عمر في خضابه وإهلاله، ومسه الأركان اليمانية، والتحري في منازله، وكان أشبه الناس برسول الله وَله وأشبه (١) برقم (٥٩٢٩) باب: من لم يرد الطيب. (٢) الترمذي (٢٧٨٩)، والنسائي ١٨٩/٨. (٣) رواه من حديث أنس: أحمد ١٢٧/٣، محمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٣٢٢، ٣٢٣)، والنسائي ٧/ ٦١- ٦٢، والحاكم ١٦٠/٢ وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في تعليقه في ((المشكاة)) (٥٢٦١): إسناده حسن. ٣٠٥ كِتَابُ الهِبَةِ = ولده به سالم، وكذا كان ابن مسعود يتحرى الاقتداء بأفعاله، وكان علقمة أشبه الناس به وكان إبراهيم النخعي أشبه الناس بعلقمة. وقال الكليّ في جعفر: ((أشبهت خَلقي وخُلقي))(١). وفي الحديث دلالة أن من الهدايا ما يرد لعلة إذا كان لذلك وجه، وأن الطيب لا وجه لرده؛ لأنه من المباحات المستحسنات. فائدة : في الترمذي، -وقال: غريب- من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن))(٢). C 44 (١) يأتي برقم (٤٢٥١) كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء. (٢) برقم (٢٧٩٠)، وحسنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٢٤١). ٣٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٠ - باب مَنْ رَأى الهِبَةَ الغَائِبَةَ جَائِزَةً ٢٥٨٣، ٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ ذَكَرَ عُزْوَةُ أَنَّ الِمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رضى الله عنهما وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُّونَا تَائِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا)). فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ. [انظر: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - فتح: ٢٠٩/٥] فيه عن ابن شهاب قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُّونَا تَائِينَ، وَإِنِّي قد رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، .. الحديث، وفي آخره: فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيِّبْنَا لَكَ. قال المهلب: هبة الشيء الغائب جائزة عند العلماء، ولا أعلم في ذلك خلافًا(١). وفيه: أن للسلطان أن يدفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة وائتلاف. ١٠٠١ (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٩٥/٧. ٣٠٧ كِتَابُ الهِبَةِ = ١١ - باب المُكَافَأَةِ في الهدية(١) ٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لهَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. [فتح: ٢١٠/٥] المكافأة: مهموز من قولك: كفأت فلانًا إذا قابلته(٢). ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِبُ عَلَيْهَا. قال أبو عبد الله: لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ. الشرح : هذا الحديث من أفراده، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عيسى بن يونس(٣). وقال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن أبيه عن عائشة إلا عيسى بن يونس. يعني : ذکر عائشة في الإسناد تفرد به عيسى. ووقع في كتاب الطرقي أن أبا داود أخرجه من طريق عيسى وأبي إسحاق كلاهما عن هشام. ثم قال: وذكر أبي إسحاق مع (أبي عيسى)(٤) لا أدري كيف هو. (١) كذا في الأصل، وفي بعض النسخ: الهبة. (٢) ((مجمل اللغة)) لابن فارس ٧٨٨/٢ مادة: (كفى). (٣) الترمذي (١٩٥٣)، وعبارته: حسن غريب صحيح من هذا الوجه .. (٤) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب عيسى. ٣٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وهو كما قال، والذي في أصول أبي داود عن عيسى بن يونس وهو ابن أبي إسحاق السبيعي (١)، فتنبَّه لذلك. إذا تقرر ذلك فالمكافأة على الهبة مطلوبة؛ اقتداءً بالشارع، وعندنا لا يجب فيها ثواب مطلقًا، سواء وهب الأعلى للأسفل أو عكسه أو للمساوي(٢). قال المهلب: والهدية ضربان: للمكافأة فهي بيع وجبر على دفع العوض. ولله وللصلة فلا يلزم عليها مكافأة، وإن فعل فقد أحسن. واختلف العلماء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب. فقال مالك: ينظر فيه فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني والغلام لصاحبه والرجل لأميره ومن فوقه(٣). وهو أحد قولي الشافعي(٤). وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه(٥). وهو قول الشافعي الثاني، قال: والهبة للثواب باطل لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول(٦). واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصار في معنى المعاوضات، والعرب قد فرقت (١) ((سنن أبي داود)) (٣٥٣٦). (٢) أنظر: ((التهذيب)) للبغوي ٥٢٩/٤-٥٣٠. (٣) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٨٣٨/٤. (٤) أنظر: ((التهذيب)) ٤/ ٥٣٠. (٥) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٣٨. (٦) انظر: ((الأم)) ١٠٥/٧. ٣٠٩ كِتَابُ الهِبَةِ = بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع واقعًا على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. واحتُج لمالك بحديث الباب والاقتداء به واجب؛ قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وروى أحمد في (مسنده)) وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن عباس أن أعرابيًا وهب للنبي وَل﴾ هبة فأثابه عليها وقال: ((رضيت؟)) قال: لا. فزاده قال: (رضيت؟)) قال: لا. فزاده قال: ((رضيت؟)) قال: نعم. قال النبي ◌َّ: ((لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي))(١). وعن أبي هريرة نحوه، رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال: حسن. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم(٢). وهو دال على الثواب فيها (٣) وإن لم يشرطه؛ لأنه أثابه وزاده منه حتى بلغ رضاه. احتج به من أوجبه، قال: ولو لم یکن واجبًا لم یثبه ولم یرده، ولو أثاب تطوعًا لم يلزمه الزيادة، وكان ينكر على الأعرابي طلبها. قلت: طمع في مكارم أخلاقه وعادته في الإثابة. (١) أحمد ٢٩٥/١، وابن حبان ٢٩٦/١٤ (٦٣٨٤) كتاب: التاريخ، باب: ذكر إرادة المصطفى ◌َّ ترك قبول الهدية إلا عن قبائل معروفة. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٨/٤: رجال أحمد رجال الصحيح. (٢) رواه أبو داود (٣٥٣٧) كتاب: أبواب الإجارة، باب: في قبول الهدايا، والترمذي (٣٩٤٥) كتاب: المناقب، باب: في ثقيف وبني حنيفة، والنسائي ٢٧٩/٦- ٢٨٠، والحاكم في ((المستدرك)) ٦٣/٢، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) برقم (١٦٨٤). (٣) أي: في الهبة. ٣١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ ﴾ [النساء: ٨٦] فمحمول على الندب إن استدل به على كل هدية وهبة. قالوا: وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: إذا وهب الرجل هبةً ولم يثب منها، فهو أحق بها(١). ولا مخالف لهما، قلت: وصححه الحاكم(٢). وقال ابن التين: إذا شرط الثواب أجازه الجماعة إلا عبد الملك، وله عند الجماعة أن يردها ما لم تتغير إلا عبد الملك فألزمه الثواب بنفس القبول(٣)، وعبارة ابن الحاجب: فإذا صرح بالثواب فإن عَيّنه فبيع وإن لم يعيّنه. فصححه ابن القاسم ومنعه بعضهم للجهل بالثمن، قال: ولا يلزم الموهوب إلا قيمتها قائمة أو فائتة. وقال مطرف: للواهب أن يأبى إن كانت قائمةً. وفي تعين الدنانير والدراهم. ثالثها (٤) لابن القاسم: إلا الحطب والتِّبن وشِبْهَهُ وليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبض (٥). (١) رواهما عبد الرزاق ١٠٦/٩-١٠٧ (١٦٥٢٤، ١٦٥٢٦)، وابن أبي شيبة ٢٢٤/٤ (٢١٦٩٣، ٢١٦٩٦) موقوفًا عليهما. (٢) الذي في ((المستدرك)) ٥٢/٢ عن ابن عمر مرفوعًا . (٣) أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٩٨٧/٣. (٤) هكذا في الأصل، ولم ينقل المصنف النوعين الأولين من المصدر الذي نقل منه. (٥) ((جامع الأمهات)) ص٢٩٣. ٣١١ كِتَابُ الهِبَةِ = ١٢ - باب الهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ)). [٢٥٨٧] وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالٍ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدى؟ وَاشْتَرَى النَّبِيُّ وَهِ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابن عُمَرَ وَقَالَ: ((اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ)). [انظر: ٢١١٥] ٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ هُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَّى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَقَالَ: إِّ نَحَلْتُ ابني هذا غُلَامًا. فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدَِ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَارْجِعْهُ)). [٢٥٨٧، ٢٦٥٠ - مسلم: ١٦٢٣ - فتح: ٢١١/٥] ثم ساق حديث النعمان بن بشير أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى النبيِ وَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غُلَامًا. فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدَِ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَارْجِعْهُ)). الشرح : هذا التبويب منتزع من حديث النعمان بن بشير. وقوله: ولا يشهد عليه. قال ابن بطال: معناه الرد لفعل الأب إذا فضّل بعض بنيه، وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك إذا تبين لهم الميل من الأب كما لم يشهد الشارع على عطية بشير ابنه النعمان دون أخوته، وكان ذلك سُنّة من الشارع ألا يشهد على عطية ٣١٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح تبين فيها الجور(١). قلت: هذا تأويل من منع، وهو الظاهر، ومن قال: خالف المستحب، أجاب بأنه قد أَذِن في الشهادة وقال: ((أشهد على هذا غيري)». وقد يجاب بأنه من باب التهكم، وقد ذكره البخاري في كتاب: الشهادات، وقال فيه: ((لا أشهد على جور))(٢). وقوله: وقال النبي ◌ُّر: ((اعدلوا بين أولادكم في العطية)) قد أسنده في الباب بعده بدون لفظ العطية(٣). وقوله: (وهل للوالد أن يرجع في عطيته)؟ قد أسند بعده قوله: فارجعه. ومراده إذا جاز له ارتجاع هبته - كما في الحديث- جاز الأكل. وهذا يدل على أن مذهبه الصحة، كما سيأتي. وقوله: (وما يأكل من مال ولده). إلى آخره. هذا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند الحاكم مرفوعًا (٤)، وحسنه الترمذي من حديث عائشة(٥). (١) ابن بطال ١٠٣/٧. (٢) سيأتي برقم (٢٦٥٠). (٣) سيأتي برقم (٢٥٨٧) كتاب: الهبة، باب: الإشهاد في الهبة. (٤) رواه الحاكم ٤٦/٢ - بغير هذا الإسناد- من طريق عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة مرفوعًا، وقد تقدم تخريجه بهذا الإسناد في شرح حديث (٢٠٧٣ -٢٠٧٥) وعزاه المصنف هناك لأبي داود. (٥) (سنن الترمذي)) (١٣٥٨). وهو حديث صحيح تقدم تخريجه في شرح حديث ٢٠٧٣-٢٠٧٥ وعزاه المصنف هناك للنسائي. ٣١٣ كِتَابُ الهِبَةِ قال ابن المنير: جميع ما في هذِه الترجمة يظهر استخراجه من حديث النعمان إلا هذا(١). ووجه مناسبة هذِه الزيادة أن الاعتصار انتزاع، وكأنه حقق معناه من الحديث ويُمَكّن الأب منه بالوفاق على أن له أن يأكل من ماله، فإذا انتزع ما يأكله من ماله الأصلي، ولم يتقدم له فيه ملك، فلأن ينتزع ما وهبه بحقه السابق فيه أولى، واشتراؤه من عمر البعير وإعطاؤه ابن عمر قد سلف قريبًا مسندًا (٢)، وهو دال على ما بوب به البخاري من التسوية بين الأبناء في الهبة لأنه التّه لو سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لم يكن عدلًا بين بني عمر، فلذلك اشتراه ووهبه لابنه عبد الله، ولو أشار على عمر ليهبه لابنه عبد الله لبادر إلى ذلك، وهذا من لطيف تبويبه، وإن كان يحتمل أنه القفيها اشتراه ثم بدا له بعد ذلك هبته لابن عمر، وفي ذلك إشارة إلى أنّ غير الأبّ لا يلزمه التسوية فيما يهبه بعض ولد الرجل كما يلزم الأب أو يستحب في ولده لما جبل الله النفوس عليه من الغضب عند أثرة الأباء بعض بنيهم دون بعض، ولو لزمت التسوية بين الأخوة من غير الأب كما لزمت من الأب لما وهب الظّهر أحد بني عمر دون أخوته. وحديث النعمان أخرجه مسلم أيضًا (٣). وله ألفاظ منها : أعطاني عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى؛ حتى تُشهد رسول الله وَّله. فأتاه فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، فأمرتني أن أشهدك. فقال: ((أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)) قال: لا. (١) ((المتواري)) ص٢٧٧. (٢) سلف برقم (٢١١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته. (٣) مسلم (١٦٢٣) كتاب: الهبات، باب: كراهية تفضيل الأولاد في الهبة. ٣١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))(١) قال: فرجع فرد عطيته. وفي لفظ: ((لا تشهدني على جور))(٢). وفي لفظ سلف: ((لا أشهد على جور)) وقال أبو حريز، عن الشعبي: ((لا، لا أشهد على جور))(٣). ووصله ابن حبان من حديث الفضيل عنه (٤)- وهو ابن ميسرة كما بينه الطبراني(٥) - ولمسلم: ((فأشهد على هذا غيري))، ثم قال: ((أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء)) قال: بلى، قال: ((فلا آذن)»(٦). وفي لفظ: ((ليس يصلح هذا))(٧). قال ابن عون: فحدثت به محمدًا فقال: إنما يحدثنا أنه قال: ((قاربوا بين أبنائكم)) (٨). وفي لفظ لأبي داود أنه قال للغلام: ((رده))(٩). وله: (اعدلوا بين أبنائكم، أعدلوا بين أبنائكم))(١٠). وله أنه تصدق عليه به(١١). (١) هو الحديث التالي في الشرح. (٢) يأتي برقم (٢٦٥٠) كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جورٍ إذا أشهد. (٣) التخريج السابق. (٤) ابن حبان ٥٠٦/١١ (٥١٠٧) كتاب: الهبة. (٥) الطبراني ٣٣٨/٢٤ (٨٤٥). (٦) مسلم (١٦٢٣) (١٧) كتاب: الجهاد، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد. (٧) مسلم (١٦٢٤) كتاب: الهبات، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة. (٨) أحمد ٢٧٨/٤. (٩) أبو داود (٣٥٤٣). (١٠) أبو داود (٣٥٤٤). (١١) النسائي ٦/ ٢٦١. ٣١٥ = كِتَابُ الهِبَةِ وله: ((ألك ولد غيره)) قال: نعم، فصف بيده بكفه أجمع كذا : ((ألاسويت بينهم)) (١)، وللنسائي: إني نحلت ابني غلامًا فإن شئت أن أنفذه أنفذته، قال: ((لا، فاردده))(٢). وللإسماعيلي في (صحيحه)): ((هذا جور)) وهَجَّنه. وللبزار: ((إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك))(٣). وللطبراني: ((لا أشهد على حيف)). وله: ((اعدلوا بين أولادكم)). قالها ثلاثًا. ولعبد الرزاق في ((مصنفه)) عن ابن جريج: أنا ابن طاوس، عن أبيه أنه الظّ مر ببشير فقال له بشير: أشهد أني قد نحلت ابني هذا عبدًا أو أمة. وفيه: ((فإني لا أشهد إلا على الحق)) (٤). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها : قال ابن حبان في ((صحيحه)): تباين ألفاظ هُذِه القصة يوهم تضاد الخبر وليس كذلك؛ لأن النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين؛ وذلك أنه أول ما ولد أبتْ عمرة أن تربيه؛ حتى يجعل له حديقة ففعل، وأراد الإشهاد على ذلك، فقال القائلة: ((لا تشهدني (١) النسائي ٦/ ٢٦٢. (٢) النسائي ٢٥٨/٦-٢٥٩. (٣) البزار في ((البحر الزخار)) ٢١٧/٨ (٣٢٦٥). (٤) ((مصنف عبد الرزاق)) ٩/ ٩٨ (١٦٤٩٦). ٣١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - إلا على عدل، فإني لا أشهد على جور)) على ما جاء في خبر أبي حريز فلما أتى على الصبي مدة. قالت عمرة لبشير: أنحل ابني هذا فالتوى عليها سنة أو سنتين. على ما في خبر أبي حيان والمغيرة عن الشعبي فنحله غلامًا فلما جاء إلى رسول الله وَ ل ليشهده فقال: ((لا تشهدني علی جور)). قال: ويشبه أن يكون أبا النعمان قد نسي الحكم الأول وتوهم أنه قد نسخ وقوله ثانيًا: ((لا تشهدني على جور)) زيادة تأكيد في نفي جوازه. والدليل على أن النحل في الغلام للنعمان كان ذلك وهو مترعرع أن في خبر عاصم عن الشعبي أنه التَّر قال له: ((ما هذا الغلام الذي معك)) قال: أعطانيه أبي، فدلتك هُذِه اللفظة أن هذا النحل الذي في خبر أبي حريز في الحديقة أن أمه أمتنعت من تربيته عندما ولدته ضد قول من زعم أن أخبار المصطفى متضادة(١). الثاني : اختلف العلماء في الرجل ينحل ولده دون بعض على قولين: أحدهما: لا يجوز ذلك، قال طاوس: لا يجوز ولا رغيفًا محرقًا (٢). وهو قول عروة ومجاهد، وبه قال أحمد وإسحاق قال إسحاق: فإن فعل فالعطية باطلة وإن مات الناحل فهو ميراث بينهم(٣). واحتجوا بحديث الباب وردِّه عطية النعمان وقال له: ((اتقوا الله واعدلوا))، و((لا أشهد على جور))، و(إلا على الحق)). (١) ((صحيح ابن حبان)) ١١/ ٥٠٧ (٥١٠٧). (٢) انظر: ((التمهيد)) ٢٢٩/٧. (٣) انظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٢٠/٢، ((المغني)) ٢٥٦/٨، (المحلى) ٩/ ١٤٣. ٣١٧ كِتَابُ الهِبَةِ = قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ(١)، وبه قال داود وأصحابه(٢). وقال الخرقي في (مختصره) عنه وإذا فاضل بعض ولده في العطية أمره برده كما فعل رسول الله وَّ فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته (٣)، وقال ابن حبان في ((صحيحه): لا يجوز(٤). وبسطه بسطًا شافیًا. وثانيهما: الجواز، وهو الأشهر عن مالك، وبه قال الكوفيون والشافعي، وإن كانوا يستحبون التسوية بينهم، ذكرانًا كانوا أو إناثًا(٥). وقال عطاء وطاوس: يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كقسمة الإرث (٦). وهو قول شريح والثوري(٧) ومحمد بن الحسن(٨) وأحمد (١) ((التمهيد)) ٢٢٦/٧. (٢) أنظر: ((المحلى)) ١٤٣/٩. (٣) ((مختصر الخرقي)) ص ٦٧. (٤) ((صحيح ابن حبان)) ١١/ ٥٠٨ (٥١٠٧). (٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٢/٤-١٤٣، ((الاستذكار)) ٢٩٣/٢٢، ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢/ ٢٢٠. (٦) أما عطاء فنعم، أنظر: ((التمهيد)) ٢٣٤/٧، ((المغني)) ٢٥٩/٨، ((المحلى)) ٩/ ١٤٣، وأما طاوس فقد ذكره ابن المنذر في ((الإشراف)) ٢/ ٢٢١، مع القائلين بالتسوية بين الذكر والأنثى، وكذلك ذكر عطاء. (٧) أما شريح فنعم، أنظر: ((رءوس المسائل)) ٦٦٤/٢، ((المغني)) ٢٥٩/٨، ((المحلى)) ١٤٣/٩، وأما الثوري فقد ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٤/٧، و((الاستذكار)) ٢٩٧/٢٢، وابن المنذر في ((الإشراف)) ٢٢١/٢ مع القائلين بالتسوية بين الذكر والأنثى. (٨) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٢/٤. ٣١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وإسحاق(١)، وبعض المالكية(٢)، وبعض الشافعية(٣)، ومن حجة من منع أنه مؤدٍ إلى قطع الرحم والعقوق، فيجب أن يكون ممنوعًا؛ لأنه لا يجوز عليه القلي أن يحث على صلة الرحم ويجيز ما يؤدي إلى قطعها، قالوا: وكان النعمان وقت ما نحله أبوه صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له؛ لصغره عنه، فلما قال: ((اردده) بعدما كان في حكم ما قبض، دل على أن النحل لبعض ولده لا ينعقد ولا يملكه المنحول. ومن حجة المجیز أن حديث النعمان لا دلیل فيه على أنه کان حينئذٍ صغیرًا، ولعله کان کبیرًا ولم یکن قبضه. وقوله: (فأشهد على هذا غيري) خلاف ما في الحديث الأول، وهذا قول لا يدل على فساد العقد الذي عقد للنعمان؛ لأنه الكلية قد يتوقى الشهادة على ما له أن يشهد عليه. وقوله: (أشهد على هذا غيري) دليل على صحة العقد، وقد أمره التكليف بالتسوية بينهم؛ ليستووا جميعًا في البر، وليس في شيء من هذا فساد العقد على التفضيل، وكان كلامه الكلية على سبيل المشورة، وعلى ما ينبغي أن يفعل عليه إن آثر فعله، وكان التّا إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا وأعطى المملوك كما يعطي الحر، ليس ذلك على الوجوب، ولكن من باب الإحسان. وقد روى معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كان مع رسول الله وَله رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت ابنة له فأجلسها (١) أنظر: ((رؤوس المسائل) ٦٦٤/٢، ((المغني)) ٢٥٩/٨. (٢) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٣٤٩/٥. (٣) أنظر: ((مسلم بشرح النووي)) ٦٦/١١. = ٣١٩ كِتَابُ الهِبَةِ = إلى جنبه قال: ((هلا عدلت بينهما))(١) أفلا ترى رسول الله وَل أراد منه التعديل بين الابن والبنت، وألا يفضل أحدهما على الآخر. فإن قلت فما الجواب عن قوله: ((لا أشهد على جور)). فإن ظاهره المنع. قلت: جوابه: أنه ليس بأشد من قوله: ((فارْجعه)). وهذا يدل أن العطية قد لزمت وخرجت عن يده، ولو لم تكن صحيحه لم يكن له أن يرتجع؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجع فأمره بذلك؛ لأن المستحب التسوية، ولما أجمعوا على أنه مالك لماله وأن له أن يعطيه من شاء من الناس، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ولده. والدليل على جواز ذلك أن الصديق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده(٢)، ونحل عمر ابنه عاصمًا دون سائر ولده(٣)، ونحل عبد الرحمن ابن عوف ابنته (٤) أم كلثوم(٥) ولم ينحل غيرها. وأبو بكر وعمر إماما هدى وعبد الرحمن ونحله ولم يكن في الصحابة من أنكر ذلك. (١) رواه بإسناده ومعناه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٨٩٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٨٩/٤ وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٦/٨: رواه البزار فقال: حدثنا بعض أصحابنا ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)» ص٤٦٨ -٤٦٩. (٣) ذكره الشافعي في ((اختلاف الحديث)) ص١٧٨. (٤) كذا في الأصل، وعلق عليها الناسخ لقوله: لعله من. [أي: ابنته من أم كلثوم، وهو الصواب، كما سيأتي من كلام المصنف بعد قليل]. (٥) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٨٨/٤، وفيه: أن عبدالرحمن فضَّل بني أم كلثوم بنحل. ٣٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحجة من جعله كالفرائض قوله: ((أكل ولدك نحلت مثل هذا)) ولم يقل له: هل فضلت الذكر على الأنثى، ولو كان ذلك مستحبًّا لسأله عنه كما سأله عن التشريك في العطية، فثبت أن المعتبر عطية الكل على التسوية، وفي حديث: ((سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت البنات))(١) لكنه لا يقاوم ظاهر ما في الصحيح فإن قلت: لم يكن لبشير بنت، فلذلك لم يسأله كما صرح به ابن إسحاق في ((سیرہ)). قلت: قد كان له - أي النعمان- أخت لها خبر، كما نقله المحدثون(٢)، وأبعد من قال: يحتمل أن يكون أولاده كلهم ذكورًا. وقال ابن حزم: ما سلف في التطوعات أعني: التسوية، وأما النفقات الواجبة فلا، وكذا الكسوة يعطي كل واحد بحسب حاجته، وينفق على فقيرهم دون غيرهم. قال: ولا يلزمه ما ذكرنا في ولد الولد ولا في أمهاتهم ولا نسائهم ولا رقيقهم، فإن كان له ولد، فأعطاهم ثم ولد له فعليه أن يعطيه كما أعطاهم، أو شاركهم فيما أعطاهم وإن تغيرت عين العطية ما لم يَمُت أحدهم فيصير ماله لغيره، فعلى الأب حينئذٍ أن يعطي هذا الولد كما أعطى غيره، فإن لم يفعل أعطي ما ترك أبوه من رأس ماله قبل ذلك، روي ذلك عن جمهور السلف. (١) رواه الطبراني ٣٥٤/١١، من حديث ابن عباس؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ١٥٣ : وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب: ثقة مأمون ورفع من شأنه، وضعفه أحمد وغيره اهـ (٢) ورد في هامش الأصل: قال الذهبي في ((تجريده)): أخت النعمان بن بشير لها صحبة وحديث في ((السيرة)) لابن إسحاق.