النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
- كِتَابُ الهِبَةِ
وقال التوزي في ((شرح شعر أبي ( ... )(١))): أصلها العارية، ثم
أستعمل حتى صارت كل هبة منيحة.
وقال اللحياني: لا تكون إلا المعارة للبن (٢) خاصة، وقيل: كل
شيء يقتصد به قصد شيء فقد منحته إياه، كما تمنح المرأة وجهها
المرأة (٣).
وقول القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة، ولا تكون شاة،
والأول أعرف.
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) في الأصل: (اللبن)، والمثبت من (تاج العروس)).
(٣) انظر: ((تاج العروس)) ٢٢٠/٤.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢ - باب القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ
أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاع
أَوْ كُرَاعَ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)). [٥١٧٨ - فتح: ٥/ ١٩٩]َ
ء
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ
كُرَاعِ لِأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)).
هذا الحديث من أفراده وأخرجه في الأنكحة بلفظ: ((لو دعيتُ إلى
كراعٍ لأجبتُ، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلتُ))(١) والكُراع في حد الرسغ وهو
في البقر والغنم بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير أي: وهو خفه وهو
مستدق الساق، يذكر ويؤنث وفي المثل: (أُعْطِئْ)(٢) العبد كراعًا
فطلب ذراعًا(٣). والذراع من جيد اللحم، وقيل: إن الكراع هنا اسم
موضع وذكره الغزالي في ((الإحياء)) بلفظ: كراع الغميم (٤)، ولم أره
كذلك، ويرده رواية الترمذي عن أنس مرفوعًا: ((لو أهدي إلي كراع
لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت)) ثم صححه (٥).
وادعى صاحب ((التنقيب على المهذب)) أن سبب هذا الحديث أن
أم حكيم بنت وادع قالت: يا رسول الله، أتكره الهدية؟ فقال ◌َله:
(١) سيأتي برقم (٥١٧٨) كتاب: النكاح، باب: من أجاب إلى كراع.
(٢) في الأصل: (أعط) والمثبت من ((الجمهرة))، ((اللسان)) ٣٨٥٨/٧.
(٣) ذكره أبو هلال العسكري في ((جمهرة الأمثال)) ١/ ١٠٧ وقال:
يضرب مثلا للرجل الشَّرِهِ، يُعطى الشيءَ فيأخذه ويطلب أكثر منه. اهـ.
(٤) ((الإحياء)) ١٨/٢.
(٥) برقم (١٣٣٨).

٢٨٣
- كِتَابُ الهِبَةِ
((ما أقبح ردّ الهدية، لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع
لقبلت))(١).
فائدة: الذراع أفضل من الكراع وكان ◌َ* يحب أكله ولهذا سُمَّ فيه
وإنما كان يحبه؛ لأنه مبادئ الشاة وأبعد من الأذى.
ثانية: قد ذكرنا الحديث من طريقين وزيادة ثالث إن صح، وذكره
ابن منده في ((مستخرجه)) أيضًا من حديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله.
ثالثة: هذا منه ◌َ﴾ حَضّ لأمته على المهاداة والصلة والتأليف
والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحتقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛
لئلا يمنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدى، وإنما أشار بالكراع
وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية لا إلى إعطاء
الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
رابعة: قوله: ((لو أهدي إليَّ ذراع)) أي: لحم ذراع؛ لأن الذراع
مؤنثة وسُمِعَ من العرب: جاءته كتابي فخرقها (٢).
وادعى ابن التين أن الكراع من الدواب ما دون الكعب من غير
الإنسان، ومن الإنسان ما دون الركبة. قال عن ابن فارس: كراع كل
شيء طرفه(٣).
(١) رواه الطبراني ١٦٢/٢٥ (٣٩٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٩/٤ : وفيه من
لا یعرف.
(٢) ورد بهامش الأصل: المعروف فاحتقرها.
[قلت: وهو الموافق لما في كتب اللغة، كما في (الصحاح)) ٢٢٠/١، ((تاج
العروس)) ٢/ ٤٠٧، فعن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابي
يقول: جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: أليس بصحيفة؟
فقلت: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق. اهـ]
(٣) ((معجم مقاييس اللغة)) ص ٨٩٠.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال أبو عبيد: الأكارع قوائم الشاة وأكارع الأرض أطرافها(١).
وفي الحديث: ((لا بأس بالطلب في أكارع الأرض))(٢) أي: أطرافها
القاصية، شبهه بأكارع الشاة أي: قوائمها.
قال (٣): وفيه إجابة الدعوة لما قَلّ أو كَثُر، وَتَقبَّلَهَا هدية ليُقْتدى به
فيه.
(١) ((غريب الحديث)) ٢/ ٤٢٢.
(٢) كذا في الأصول، وعند أبي عبيد في ((غريب الحديث)) ٤٢٢/٢، والزمخشري في
((الفائق)) ٢٥٨/٣: كانوا يكرهون الطلب في أكارع الأرض.
وهذا الأثر من قول إبراهيم النخعي كما في ((الغريب)) و((الفائق)).
(٣) أي: ابن التين.

٢٨٥
كِتَابُ الهِبَةِ
٣ - باب مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)).
[انظر: ٢٢٧٦]
٢٥٦٩ - حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ
سَهْلٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَمْرَأَةٍ مِنَ الُهَاجِرِينَ، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ
نَجَّارٌ، قَالَ لَهَا: (مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ)). فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا، فَذَهَبَ
فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ أَزْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ،
قَالَ بَّهِ: ((أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ)). فَجَاءُوا بِهِ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ◌ََّ فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
[انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٢٠٠/٥]
٢٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا
جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نََّ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللهِ ◌َِّ
نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَأَبْصَرُوا حِمَارَا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ
أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونٍ بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَّ أَبْصَرْتُهُ، وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى
الفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ
وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا والله، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ
رَكِبْتُ، فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ
إِنَّهُمْ شَكُوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ
وَّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ
فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ نُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِ
قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٥ /٢٠٠]
ثم ساق حديث سهل أَنَّ رسول الله وَلَوْ أَرْسَلَ إِلَى أَمْرَأَةٍ مِنَ
المُهَاجِرِينَ: ((مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ)) .. الحديث.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث أبي قتادة مطولًا، وفيه: فناولته العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى
نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ.
وقد سلفا(١)، وقائل ذلك هو محمد بن جعفر راويه أولًا، عن أبي
حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي، عن أبيه، كما سيأتي في
الأطعمة (٢)، والتعليق سلف عنده مسندًا في أجر الرقية(٣) إذا تقرر
ذلك فاستيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أنّ ما يستوهبه تطيب
به نفسه ویُسَرّ بھبته.
ويبينُ هُذا أنه قد جاء أن المرأة كانت تطوعت لرسول الله وَ له وسألته
أن تصنع له المنبر ووعدته بذلك، وإنما قال: ((اضربوا لي معكم سهمًا))
في الغنم التي أخذوا في الرقية بالفاتحة. وقال في لحم الصيد: ((هل
معكم منه شيء؟)) ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا
بأكله منه، ومن هذا الحديث قال بعض الفقهاء: إن المآكل إذا وردت
على قوم دون مجالسيهم أنهم مندبون إلى مشاركتهم.
فصل :
قوله في الحديث الأول: (امرأة من المهاجرين)، كذا وقع هنا،
وفي أصل ابن بطال بدله: من الأنصار(٤)، وهو الصواب.
(١) الأول برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في السطوح والمنبر والخشب،
والثاني برقم (١٨٢١) كتاب: جزاء الصيد، باب: وإذا صاد الحلال فأهدى
المحرم الصيد أكله.
(٢) برقم (٥٤٠٦) كتاب: الأطعمة، باب: تعرق العضد.
(٣) برقم (٢٢٧٦) كتاب: الإجارة، باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٨٨/٧.

٢٨٧
- كِتَابُ الهِبَةِ
قال ابن التين: أكثر الروايات أنها من الأنصار، ولعلها كانت
هاجرت وهي مع ذلك أيضًا أنصارية الأصل أو يكون وَهَلا(١).
ومعنى قضاه: صنعه وأحكمه. قال تعالى: ﴿فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾
[فصلت: ١٢].
وقوله: ((فليعمل لنا أعواد المنبر)) وحكاه الخطابي (فليفعل) أي:
فعلا في أعواد المنبر من نجر وتسوية وخرط، قال: والظاهر في
الاستعمال أن يقال: فليصنع أو فليجعل وذلك أن لفظ الفعل جملة
تحتها أقسام، وجنس يتفرع منه أنواع، وتمام البيان إنما يقع بتنزيل
الكلام منازله، وصنع يستعمل غالبًا فيما يدخله التدبير والتقدير،
ولذلك أختير في اسم الله الصانع(٢).
(١) قال ابن فارس: قال أبو زيد: وَهَلْت عن الشيء: نسيته، وقال الفيروز آبادي:
وهل: غلط فیه ونسیه.اهـ
انظر: ((معجم مقاييس اللغة)) ١٠٦٨، ((القاموس المحيط)) ١٠٦٩ (وهل).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٢٧٦/٢-١٢٧٨ بتصرف.
اعلم - رحمك الله- أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها
في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع.
قال ابن القيم رحمه الله: فإن هذِه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من
سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع
منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا.اهـ
وقال أيضًا: وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب تعالى، ولا يمكن وروده،
فإن الصانع من صنع شيئا، عدلًا كان أو ظلمًا، سفهًا كان أو حكمة، جائزًا أو غير
جائز، ومما أنقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجئ أسمه المطلق في الأسماء الحسنى
كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم؛ لانقسام معاني هذه الأسماء إلى
محمود ومذموم، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع و البصير.اهـ
انظر: (بدائع الفوائد)) ١٤٦/١، ((شفاء العليل)) ٣٩٤/٢-٣٩٥، ((معجم المناهي
اللفظية)) ص ٣٣٠ -٣٣٢.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قوله: في حديث أبي قتادة: ((أخصف نعلي)).
قال الداودي: أصله أعمل له شعسًا إذا أنقطع، والذي قاله أهل
اللغة: إن خصف النعل إطباق طاق على طاق، مثل قوله تعالى:
﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يطبقان على أبدانهما
ورقه.
وقوله: (حتى نفدها وهو محرم) أي: أتى عليها، يقال: نفد الشيء
إذا أفنى، وأنفد القوم: نفدت أزوادهم.

٢٨٩
كِتَابُ الهِبَةِ
=
٤ - باب مَنِ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وََّ: ((اسْقِنِي)). [انظر: ٥٢٥٦]
٢٥٧١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طُوَالَةَ
- أَسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَا رضي الله عنه يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ
اللهِ وََّ فِي دَارِنَا هَذِه، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةَ لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِثْرِنَا هذِه،
فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيُّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ:
هذا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَغْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا)).
قَالَ أَنَسْ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٢٣٥٢ - مسلم: ٢٠٢٩ - فتح:
٢٠١/٥].
ثم ساق حديث أنس: أَتَانَا النبي ◌َّهِ فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ
شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِثْرِنَا هُذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ
تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٍّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هُذَا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى
الأَعْرَابِيَّ، ثُمَّ قَالَ: ((الأَّيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا)). قَالَ أَنَسُ: فَهْيَ
سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ، فهي سنة.
هذا الحديث سلف في باب: الشرب مطولًاً (١)، وأخرجه مسلم في
الأشربة(٢)، وهو مثل الباب الذي قبله، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس
بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب به النفوس، ولا يتشاح فيه،
ولاسيما أنه من النبي وَل﴾، ومن مكارمه ومشاركته، وقد وصفهم الله
تعالى أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابي ولم
يستأذنه كما أستأذن الغلام ليتألفه بذلك؛ لقرب عهده بالإسلام.
(١) برقم (٢٣٥٢) باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة.
(٢) برقم (٢٠٢٩) باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقي من عن يمينه، وإن كان من
عن يساره أفضل ممن جلس عن يمينه، ألا ترى قول أنس: وهي سنَّة
ثلاث مرات وذلك يدل على تأكيدها، وقد تقدم ذلك، وستأتي له
زيادة في الأشربة.
و قوله: (فاستسقى).
فيه: جواز ذلك ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل منا للمنة فيه
بخلافه.
وفيه: جواز المسألة بالمعروف على وجه الفقر.
وفيه: إتيان دار من يصحبه اقتداء به.
وفيه: كما قال الداودي: الإتيان بأفضل ما يجد.
وفيه: شرب اللبن إذا خلطه بالماء.
وفيه: جلوس القوم على قدر سبقهم.
وقوله: (وعُمر تجاهه) أي: مستقبله، وكان أصله: وجاهه فأبدل من
الواو تاء مثل تراث. وقوله: (وأعرابي عن يمينه). قال ابن التين: قيل:
هو خالد بن الوليد.
وقوله: ((ألا فيمنوا)) ثلاثًا فيه: فضل التيامن وتكرار الكلام للتأكيد.

٢٩١
- كِتَابُ الهِبَةِ
٥ - باب قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ
وَقَبِلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيْدِ. [انظر: ١٨٢١]
٢٥٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَئِدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه، قَالَ: أَنْفَجْنَا أَزْنَبَا بِمَرّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا،
فَأَذْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْثُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ رَ بِوَرِكِهَا
- أَوْ فَخِذَيْهَا، قَالَ: فَخِذَيْهَا. لَا شَكَّ فِيهِ - فَقَبِلَهُ. قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ
قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ. [٥٤٨٩، ٥٥٣٥ - مسلم: ١٩٥٣ - فتح: ٢٠٢/٥]
٢٥٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّغْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رضي
الله عنهم أَنَّهُ أَهْدِى لِرَسُولِ اللهِ نَّرِ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَنَوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّ عَلَيْهِ،
فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: ((أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ)). [انظر: ١٨٢٥ -
مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٢٠٢/٥]
ثُم ساق حديث أنس أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا .. إلى أن قال: فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ.
وحديث الصعب بن جثامة السالف في الحج(١).
ومعنى أنفجنا: أثرنا، يقال: أنفجت الأرنب أي: أثرته، فثار،
وأصله: أنتفجت الأرنب إذا وثبت فوسعت الخطوة. قال الخليل: نفج
اليربوع، ينفُج وينفِجُ نفوجًا، وينتفج [انتفاجًا](٢)، وهو (٣) أوحى
عَدْوِهِ. وأنفجه الصائد أثاره من مجثمه ومكمنه (٤).
(١) برقم (١٨٢٥) باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل.
(٢) من ((العين)).
(٣) في الأصل: (وهي) والمثبت من ((العين)).
(٤) ((العين)) ٦/ ١٤٥ مادة (نفج).

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
و(لغبوا) بفتح اللام والغين وهو الأجود.
قال ابن قتيبة: لَغِيب ولَغَيب والفتح أجود. قال ابن التين: ضبط في
بعض الأمهات بكسر الغين، وقيل: هي لغة، والفتح أعرف، ومعنى
لغبوا: أعيوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَنَا مِن لَّنُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقال الأصمعي: تقول العرب: لغَبت ألغب لغوبًا: أعييتُ،
ولا يقال: لغبت.
وقال أبو عبيد: لغبت من الإعياء ولغَبت.
وقال الداودي: لغبوا: عطشوا ولم يذكر غيره.
و(الوَرِك) بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وإسكان الراء،
و(الفخذ) تكسر الخاء وتخفف، وقد سلف، والورك: ما فوق الفخذ.
وقوله: قال: (فخذها لا شك فيه فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل
منه. ثم قال بعد: قبله) كأن شعبة شك في الفخذين أولًا، ثم استيقن،
وكذلك شك أخيرًا في الأكل، (ومر الظهران) هو الذي تسميه العامة
بطن مر، وكان القوم غير حرم.
وفيه: حل الأرنب ولا عبرة بمن شذ فيها.
وفيه: قبول هدية الصيد وغيره.
وفيه: أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأنه التكليف إنما رده
عليه؛ لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدل
أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام أو بالغصب والظلم فإنه
لا يجوز قبول هدیته.
وفيه: الاعتذار إلى الصديق وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من
الوحشة وسوء الظن.

٢٩٣
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
٧ - باب قَبُولِ الهَدِيَّةِ
٢٥٧٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِهَا - أَوْ
يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ - مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ وَ. [٢٥٨٠، ٢٥٨١، ٣٧٧٥ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح:
٢٠٣/٥]
٢٥٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ
ابْنَ جُبَيٍْ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ - خَالَةُ ابن عَبَّاسِ -
إِلَى النَّبِيِّ نَّ أَقِطَا وَسَمْنَا وَأَضُبّاً، فَأَكَلَ النَّبِيُّ ◌َ مِنَ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ
تَقَذُّرَا. قَالَ ابن عَبَّاسِ: فَأَكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى
مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَله. [٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨ - مسلم: ١٩٤٧ - فتح: ٢٠٣/٥]
٢٥٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَغْنٌّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامِ
سَأَلَ عَنْهُ: ((أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ)) فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ. قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((كُلُوا)). وَلَمْ يَأْكُلْ،
وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِهِ بَلَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ. [مسلم: ١٠٧٧ - فتح: ٢٠٣/٥]
٢٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ
بْنِ مَالِكِ رضي الله عنه قَالَ: أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِلَحْم فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ. قَالَ:
((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)).
٢٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ
تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، وَأَنَّهُمُ أَشْتَرَطُوا وَلَءَهَا، فَذُكِرَ لِلنَّبِّ وَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «اشْتَرِيهَا
فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَأُهْدِيَ لَهَا لَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «هذا
تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). وَخُيَِّتْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ زَوْجُهَا حُرٍّ
أَوْ عَبْدٌ.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ شُعْبَةُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ زَوْجِهَا، قَالَ: لَا أَدْرِي أَحُرَّ أَمْ عَبْدٌ. [انظر:
٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ٢٠٣/٥]
٢٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ
الَحَذَّاءِ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى عَائِشَةَ
رضي الله عنها فَقَالَ: ((عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)). قَالَتْ لَا، إِلَّ شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ
الشَّاةِ التِي بَعَثَتْ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: ((إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلّهَا)). [انظر: ١٤٤٦ -
مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٢٠٣/٥]
ذكر فيه ستة أحاديث :
أحدها :
حديث عائشة: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ
بِهَا - أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ - مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ اَلِِّ.
ثانیھا :
حديث ابن عباس. أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ - خَالَةُ ابن عَبَّاسٍ - إِلَى النَّبِّ
أَقِطًا وَسَمْنَا وَأَضُبًّا.
صَلى الله
الله
وَسيكم
ثالثها :
حديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامِ سَأَلَ عَنْهُ:
((أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟)) فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ. قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((كُلُوا)). وَلَمْ
يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ.
رابعها :
حديث أنس: أَتِيَ النَّبِيُّ وَّهِ بِلَحْم فَقِيلَ: تُصُدِّقَ بِه عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ:
((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)).

٢٩٥
- كِتَابُ الهِبَةِ
خامسها :
حديث عائشة في قصة بريرة وفيه: وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَلٍّ: ((ما هذا؟)) فقلت: تُصُدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ قال: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا
◌َدِيَّةٌ)).
سادسها: حديث أم عطية: دَخَلَ النَّبِيُّ وَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ:
((أعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)). قَالَتْ: لَا، إِلَّ شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ
التِي بَعَثَتْ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: ((إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)).
الشرح :
في حديث عائشة جواز تحري الهدية ابتغاء مرضات المهدى إليه،
وفي حديث ابن عباس إهداء الأقط والسمن والأضب، والأقط سلف
بيانه في صدقة الفطر، وهو: لبن مجمد غير منزوع الزبد، والأضب:
جمع ضب مثل: فلس وأفلس.
وأم حُفَيد خالة ابن عباس بضم الحاء المهملة.
وقول ابن عباس: (لو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله وَّة)
احتجاج حسن، وهو قول الفقهاء كافة، ونص عليه مالك في
((المدونة)) (١)، وعنه رواية بالمنع، وعن أبي حنيفة الكراهة(٢).
وقد روى مالك في حديث الضب أنه وَّ أمر ابن عباس وخالد بن
الوليد بأكله في بيت ميمونة، وقالا له: لم لا تأكل يا رسول الله؟ فقال:
((إني يحضرني من الله حاضرة))(٣) يعني: الذين يناجيهم، ورائحة الضب
(١) ((المدونة)) ٤٢٦/١
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٤٤١.
(٣) ((الموطأ)) ص٥٩٩.
=

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثقيلة، ولذلك تقذره خشية أن يؤذي الملائكة بريحه، ففيه من الفقه أنه
يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته لأكله ولزومه.
وقوله: (أكل على مائدته). قال الداودي: يعني القصعة والمنديل
ونحوهما؛ لأن أنسًا قال: ما أكل على خوان قط، وأصل المائدة من
الميد وهو العطاء يقال: مادني يميدني.
وقال أبو عبيدة: هي فاعلة بمعنى مفعولة من العطاء(١). وقال
الزجاج: هي عندي من ماد يميد إذا تحرك. وقال ابن فارس: هي من
ماد يميد إذا أطعم، وقال قوم: مادني يميدني إذا أنعشني، ومنه
المائدة(٢).
قال: والخوان -فيما يقال- أسم أعجمي غير أني سمعت إبراهيم
ابن علي القطان يقول: سئل ثعلب وأنا أسمع: أيجوز أن يقال:
إن الخوان سمي بذلك؛ لأنه يتخون ما عليه؟ أي: ينتقص. فقال:
ما يبعد ذلك(٣).
وفي حديث أبي هريرة: حرمة الصدقة عليه دون غيره، وفي آله
خلاف، والأصح عندنا إلحاقهم به في الفرض دون التطوع(4)، وهي
= قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٥/١٩: أما قوله: ((إني يحضرني من الله
حاضرة)). فمعناه إن صحت هذِه اللفظه؛ لأنها لا توجد في غير هذا الحديث
معناها ما ظهر في حديث ابن عباس وخالد بن الوليد عن النبي ◌َّ ر أنه قال فيه: ((لم
يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)).اهـ
(١) ((مجاز القرآن)) ١/ ١٨٢.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٨٢٠/٢ مادة: ميد.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٣٠٧/١ (خون).
(٤) انظر: ((البيان)) ٤٣٨/٣، ((العزيز)) ٤١٩/٧.

٢٩٧
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
عند المالكية حرام على آله -أعني: التطوع(١) - خلافًا لابن القاسم(٢).
وقال أصبغ: يكره(٣). ذكره ابن التين.
وقد علل الشارع كونه لا يتناولها لأنها أوساخ الناس، وأخذها أيضًا
لقوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) والأنبياء عليهم الصلاة والسلام
منزهون عن مواضع الضعة والذلة، والصدقة لا تنبغي للأغنياء، وقد عدد
الله على نبيه كونه وجده عائلا فأغناه، فكذا حرمت عليه الصدقة، ومن
أعلام نبوته عدم قبولها بخلاف الهدية. وقوله في لحم بريرة: ((هو لها
صدقة ولنا هدية)).
وقوله: ((قد بلغت محلها)) فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع
والهدية وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها
عائشة حلت لها ولرسول الله وَله وتحولت عن معنى الصدقة لملك
المتصدق عليه بها، ولذلك قال: ((وهي لنا هدية)) أي: من قبلها،
و((قد بلغت محلها)) أي: صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى
باب الهدية؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على
المعهود منه وَّه، وليس ذلك شأن الصدقة، وقد أسلفنا هذه المعاني
فيما مضى أيضًا وأعدناها لطول العهد بها.
وقول عبد الرحمن في زوج بريرة: (لا أدري حر أو عبد).
المشهور أنه عبد، وهو قول مالك والشافعي، وعليه أهل الحجاز،
وهو ما ذكره النسائي عن ابن عباس(٤)، واسمه مغيث كما سلف، وذكره
(١) أنظر: ((المنتقى)) ١٥٣/٢.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٦/٢-٢٩٧.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٧/٢.
(٤) النسائي ٢٤٥/٨ (٥٤١٧)، وسيأتي برقم (٥٢٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: خيار
الأمة تحت العبد.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أبو داود والنسائي عن عائشة (١)، وخالف أهل العراق فقالوا: كان
حرًّا(٢).
وفيه: أن للحرة أن تنكح العبد؛ لتخييره بريرة في بقائها معه وهو
عبد.
قال الداودي: والذي بعثت به أم عطية، إنما بعثت به إلى عائشة
هدية، وظنت عائشة أنه إذا كان أصلها صدقة لا تحل لرسول الله
وَ ل﴿، وفيه دليل أنه كان قبل لحم بريرة، أو إنما تأولت أن أم عطية
ابتدأت بتوجيهه وأن بريرة لم تبتدئ بإعطائه، أو يكون في أحد
الحديثين وهم.
(١) أبو داود (٢٢٣٦)، النسائي ١٦٥/٦ (٣٤٥٢)، وهو عند مسلم برقم (١٥٠٤)،
والترمذي برقم (١١٥٤).
(٢) سيأتي في حديث (٦٧٥١) معلقا من قول الحكم، وفي (٦٧٥٤) معلقا من قول
الأسود.
وروي عن عائشة عند الترمذي (١١٥٥)، والنسائى ١٠٧/٥-١٠٨ (٢٦١٤).
قال البخاري تعقيبًا على قول الحكم والأسود: وقول الحكم مرسل، وقول
الأسود منقطع، وقول ابن عباس: رأيته عبدًا، أصح اهـ وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح.اهـ
وقال الألباني: شاذ بلفظ: حرًا والمحفوظ بلفظ عبد اهـ

٢٩٩
كِتَابُ الهِبَةِ
٨ - باب مَنْ أَهْدى إِلَى صَاحِبِهِ، وَتَحَرِى بَعْضَ
نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ
٢٥٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي. وَقَالَتْ أُمُّ
سَلَمَةَ: إِنَّ صَوَاحِبِي أَجْتَمَعْنَ. فَذَكَرَتْ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا. [انظر: ٢٥٧٤ - مسلم: ٢٤٤١
- فتح: ٢٠٥/٥]
٢٥٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ يَِّ كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ
عَائِشَةُ وَحَقْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ وَّه
وَكَانَ الُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللهِ يَّةِ عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ
يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَخَّرَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَّهَ فِي بَيْتِ
عَائِشَةَ بَعَثَ صَاحِبُ الهَدِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَه فِي بَيْتِ عَائِشَةً.
فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللهِ لَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ
أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ مَ ل﴿ هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ،
فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا.
فَقُلْنَ لَهَا: فَكَلِّمِيهِ. قَالَتْ: فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا،
فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ. فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ
لَهَا: (لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ آمْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ)).
قَالَتْ: فَقَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ يَّةِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَّلْ تَقُولُ:
إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ: ((يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ
مَا أُحِبُّ؟)). قَالَتْ: بَلَى. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ، فَقُلْنَ: أَرْجِعِي إِلَيْهِ. فَأَبَتْ أَنْ
تَرْجِعَ، فَأَزْسَلْنَ زَيْتَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُّدْنَكَ اللهَ

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
العَدْلَ فِي بِنْتِ ابن أَبِي قُحَافَةَ. فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا، حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهْيَ قَاعِدَةٌ
فَسَبَّتْهَا، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ
تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا. قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ◌َّهَ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: «إِنَّهَا بِنْتُ
أَبِي بَكْرٍ)). [انظر: ٢٥٧٤ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح: ٢٠٥/٥]
قَالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ أَبُو مَزْوَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُزْوَةَ: كَانَ
النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ
المَوَالِيِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
فيه حديث عائشة: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي. ثم ساقه
بطوله، وفي آخره: عن هشام عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ
المَوَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ
هِشَام قال: قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وََّ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
وهذا أخرجه مسلم (١) عن حسن الحلواني وأبي بكر بن النضر (٢)
وعبد بن حميد، ثلاثتهم: عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
[عن أبيه](٣) عن صالح بن كيسان، عن محمد بن عبد الله بن
قهزاذ، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن
الزهري.
(١) برقم (٢٤٤٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله عنها.
(٢) في الأصل: أبو بكر بن أبي النضر، وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في مسلم
و ((تحفة الأشراف» (١٧٥٩٠).
(٣) ساقطه من النسخ، وهي مثبتة من صحيح مسلم.