النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كِتَابُ العِتْقِ
=
٦- باب الخَطٍَ وَالنِّسْيَانِ في العَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ،
وَلَا عَتَاقَةَ إِلّ لِوَجْهِ اللهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((لِكُلِّ أَمْرِئٍ مَا نَوى)). وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي
وَالْمُخْطِئِ. [انظر: ١]
٢٥٢٨- حَدَّثَنَا الْحِمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِشْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ
أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بََّ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ
أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ)). [٥٢٦٩، ٦٦٦٤ - مسلم: ١٢٧
- فتح: ١٦٠/٥]
٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ اللَّيْنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ رضي
الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((الأَعْمَالُ بِالنََّّةِ، وَلَإِمْرِئٍ مَا نَوىُ، فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا
يُصِيبُهَا أَوِ آَمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)).
ثم ساق حديث أبي هريرة: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ
بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ)).
ثم ساق حديث عمر: ((الأعمال بالنية)) بطوله.
والخطأ والنسيان إنما يكون في الحنث في الأيمان بعتق كانت
اليمين أو طلاق أو غيره، وقد اختلف العلماء في الناسي في يمينه،
هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا. وهو قول عطاء(١) وأحد قولي الشافعي، وبه قال
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٠/٣، ((الكافي)) لابن عبد البر ص ١٩٦.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
إسحاق، وإليه ذهب البخاري في الباب.
وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاوس: من أخطأ في الطلاق فله نيته.
وفيه قول ثالث: أنه يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد(١).
حجة الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾
[الأحزاب: ٥] وهو ظاهر أحاديث الباب، وذهب مالك والكوفيون إلى
أنه يحنث في الخطأ أيضًا(٢).
وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، وروي ذلك عن أصحاب
ابن مسعود(٣)، وسيأتي في الأيمان والنذور اختلافهم فيمن حنث ناسيًا
في يمينه.
ومن الخطأ في العتق والطلاق ما اختلف فيه ابن القاسم وأشهب أنه
إذا دعا عبدًا يقال له: ناصح، فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر، وهو
يظن الأول وشهد عليه بذلك. فقال ابن القاسم: يعتقان جميعًا مرزوق
بمواجهته بالعتق وناصح بما نواه، وأما فيما بينه وبين الله تعالى
فلا يعتق إلا ناصح، قال ابن القاسم: وإن لم يكن عليه بينة لم يعتق
إلا الذي نوى، وقال أشهب: يعتق مرزوق فيما بينه وبين الله، وفيما
بينه وبين العباد لا يعتق ناصح؛ لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره وهو يظنه
مرزوقًا فرزق هذا وحرم هذا (٤).
وروى مطرف وابن الماجشون فيمن أراد أن يطلق امرأته واحدة
(١) أنظر هذه المسألة في: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٠-٤١، ((الإشراف)) ٢٤٨/٢-
٢٤٩.
(٢) أنظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٠/٣، ((الكافي)) لابن عبد البر ص: ١٩٦.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤١.
(٤) انظر: قول ابن القاسم وأشهب في ((المدونة)) ٣٧٢/٢ -٣٧٣.

١٦٣
كِتَابُ العِتْقِ
=
فأخطأ لسانه فطلقها البتة طلقت عليه البتة، ولا ينفعه ما أراد، ولا نية له
في ذلك، وهو قول مالك، قال: يؤخذ الناس بلفظهم في الطلاق
ولا تنفعهم نياتهم(١)، وقال أصبغ عن ابن القاسم: وعلى هذا القول
يكون تأويل: ((الأعمال بالنيات)) على الخصوص، كأنه قال: إلا العتق
والطلاق فإن الأعمال فيها بالأقوال والنيات، فمن أدعى الخطأ بلسانه
فيهما، فإثم ذلك ساقط عنه، وهو مأخوذ بما نطق به لسانه حياطة
للفروج وتحصينًا لها من الإقدام على وطئها بالشك واحتياطًا من
الرجوع في عتق الرقاب المنجية من النار التي أمر الشارع بعتق شقص
منها بتمام عتقها كلها وتخليصها من الرق. وروى ابن نافع وزياد بن
عبد الرحمن، عن مالك أنه تنفعه نيته ولا تطلق إلا واحدة، وقد روي
عن الحسن البصري في رجل كان يكلم أمرأته في شيء فغلط فقال:
أنت طالق. قال: ليس عليه شيء فيما بينه وبين ربه، والمعمول عليه
من مذهب مالك المشهور عند أصحابه القول الأول(٢).
والمفتى عليه عندنا: عدم وقوع طلاق الناسي.
تنبيهات :
أحدها: نحا البخاري إلى مشهور مذهب الشافعي: أن فعل الناسي
لا يحنث، وهو ظاهر تبويه، وما ذكر فيه من الأخبار؛ لأن الساهي لا نية
له ولا عتق عليه بفعل سهو، وكأنه يشير أيضًا إلى خلاف أبي حنيفة في
قوله: ومن أعتق عبده لوجه الله أو للشيطان أو للصنم عتق(٣)؛ لوجود
ركن الإعتاق من أهله في محله، ووصف القربة واللفظ الأول زيادة
(١) انظر: ((المدونة)) ٢٨٦/٢.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤١/٧- ٤٢.
(٣) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٤٧/٤، ((تبيين الحقائق)) ٧١/٣.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فلا يختل العتق بعدمه في اللفظين الآخرين، فإذا قال لعبده: أنت حر
أو معتق، أو عتيق، أو محرر، وقد حررتك أو أعتقتك، فقد عتق
نوی به العتق أو لم ینو.
ثانيها: حديث عمر سلف أول الباب، وحديث أبي هريرة، كأن
البخاري يريد به وبالأول مخالفة أبي حنيفة في إيقاعه العتق على
السكران والمكره (١) متعلقًا بما رواه ابن حزم من قوله التَّه: ((ثلاث
جدهن جد وهزلهن جد))(٢)، فذكر العتاق، ثم قال: خبر مكذوب(٣).
قال: ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن الحديث في الذي هزل فأعتق
وهم يقولون فيمن أكره، وأين الإكراه من الهزل وهم لا يجيزون بيع
المكره ولا إقراره ولا هبته، وهذا تناقض(٤).
ثالثها: بوب البخاري على الخطأ والنسيان، ولم يأت في الباب
بحديث صريح لذلك، ولو ذكر حديث ابن عباس أن النبي وَّ قال:
((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) كان جيدًا، فإنه
حديث جيد أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. وقال:
صحيح على شرط الشيخين(٥)، وصححه ابن حزم أيضًا (٦). وقال
العقيلي: سنده جيد(٧).
(١) انظر: ((تبيين الحقائق)) ٧١/٣.
(٢) الحديث رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)،
وحسنه الألباني في ((الإرواء)) (١٨٢٦).
(٣) في مطبوع ((المحلى)) ٢٠٧/٩: جابر كذاب.
(٤) ((المحلى)) ٢٠٧/٩ - ٢٠٨.
(٥) ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان ٢٠٢/١٦ (٧٢١٩)، والحاكم ١٩٨/٢.
(٦) ((المحلى)) ١٩٣/٥.
(٧) ((الضعفاء الكبير)) ١٤٥/٤ ترجمة: محمد بن مصفى الحمصي.

١٦٥
كِتَابُ العِتْقِ
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه، فقال(١) : رواه شيخ عن الوليد بن
مسلم، عن الأوزاعي ومالك. قال مالك: عن نافع، عن ابن عمر يرفعه،
وقال الأوزاعي: عن عطاء، عن ابن عباس.
قال: هذا كذب وباطل وليس يروى إلا عن الحسن، عن رسول الله
صالالله(٢)
.
وسيم
قال ابن حزم: إنما كذّب أحمد من رواه من حديث مالك عن نافع،
عن ابن عمر، ومن طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن
عباس، ومن بدل الأسانيد فقد أخطأ أو كذب إن تعمده(٣).
وقال ابن عساكر في ((الرغائب)) إثر حديث ابن عمر: هذا حديث
غريب.
ورواه أيضًا من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وَرْدَان عن عقبة بن
عامر. وقال: غريب.
وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي ذر بإسناد فيه ضعف(٤).
ويشد ذلك حديث مسلم من طريق أبي هريرة: لما نزل ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا
فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اشتد ذلك على
الصحابة فشكوا إلى رسول الله وَّله. فقال: ((قولوا: سمعنا وأطعنا))،
(١) أي: عبد الله بن أحمد.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٦١/١-٥٦٢ (١٣٤٠).
(٣) ((المحلى)) ٣٣٤/٨.
(٤) ابن ماجه (٢٠٤٣)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٦٦٢)، ولعل
المصنف ضعفه هنا لأجل شهر بن حوشب. قال الحافظ في ((التقريب)) (٢٨٣٠):
صدوق كثير الإرسال والأوهام. ولأجل أيوب بن سويد هو الرملي، صدوق يخطئ
كما في ((التقريب)) (٦١٥) .

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فنزل: ﴿رَبَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: ((نعم).
ج
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة:
٢٨٦]. قال: ((نعم)). إلى آخر السورة(١).
فحديثُ النفسِ والوسواسِ لا يدخل تحت طوق العبد، وإنما غاية
قدرته أن يعرض عنه، ولو حَدَّثَ نفْسَهُ بمعصيةٍ لم يؤاخذ، فإذا عَزَمَ
خَرَجَ عن تحديثِ النفسِ ويصيرُ مِن أعمالِ القلبِ، فإنْ عَقَدَ النيةَ على
الفعلِ فحينئذ يَأْثُمُ بنيةِ الشِّر، وبيانُ الفرقِ بين النيةِ والعزم أنه لو حدث
نفسه في الصلاة بقطعِهَا لم تنقطع، فإذا عَزَمَ حَكَمْنُا بقطعهِاَ، وقد سئل
(الهروي)(٢): أيؤاخذُ الإنسانُ بالهمة؟ قال: إذا عزم(٣). وقال:
الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب(٤).
وقوله: ((ما وسوست به صدورها)) وفي رواية: ((ما حدثت به أنفسها)).
الرواية بالنصبِ على أنه مفعول حَدَّثَت، وأهلُ اللغةِ يرفعون على أنه
فاعل، قاله القرطبي(٥).
وقال عياض: الهمُّ: ما يمر في الفكرِ من غيرِ استقرار ولا توطن،
فإن استقر وَوَطَّنَ قلبَهُ عليه كان عزمًا يؤاخذ به أو يثاب عليه (٦).
قال القرطبي: وما ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم
(١) مسلم (١٢٥) كتاب: الإيمان، باب: قوله تعالى: ﴿لِلّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ
وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((الحلية)): سفيان الثوري.
(٣) ((الحلية)) ٣٧٩/٦.
(٤) ((الحلية)) ١٥/٧.
(٥) ((المفهم)) ١/ ٣٤٠ وأشار إلى أنه قول الطحاوي.
(٦) ((إكمال المعلم)) ٤٢٥/١.

١٦٧
كِتَابُ العِتْقِ
=
والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك،
فزعم أن ما يهم به الإنسان وإنْ وَّنَ به لا يؤاخذ به، متمسكًا في ذلك
بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ﴾ [يوسف: ٢٤] وبقوله ◌َّ: ((ما لم تعمل
أو تكلم)) ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا وأما الآية فَمِنَ
الهمِّ ما يؤاخذ به وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث
لا تستقر فلا يؤاخذ بها، كما شَهِدَ به الحديث، يوضح ذلك حديث
أبي كبشة عمرو بن سعد سمع رسول الله وَ ﴾ (١). فذكر حديثًا فيه:
((قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به)).
وزعم الطبري أن فيه دلالة أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافًا
لمن نفاه، ولا تكتب إلا الأعمال الظاهرة(٢).
رابعها: قوله: (ولا نية للناسي ولا المخطئ) كذا في الأصول،
وذكره ابن التين أولًا بلفظ: ((الخاطئ))، ثم قال: وفي رواية غير أبي
الحسن: ((المخطئ)) وهو أشبه بالتبويب؛ لأن الخاطئ: المذنب
المتعمد للذنب، وأخطأ إذا لم يتعمد وهو الأشبه بالناسي الذي قَرِنَهُ
في التبويب، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾
[البقرة: ٢٨٦] أي: خطئنا، أي: أذنبنا. وقيل: معناه: دخلنا في
الخطيئة، مثل: أَصَبْحَ وأَظْلَمَ إذا دَخَلَ في ذلك.
قال الداودي: إنما الخطأ في الطلاق والعتاق، يريد إن تلفظ بشيء
فيخطئ لسانه فيلفظ بالطلاق أو العتاق، مثل أن يريد أن يقول: أدخل
(١) العبارة هنا مبتورة، وتمامها من ((المفهم)): يقول: ((إنما الدنيا لأربعة نفر ... ))
الحدیث إلى آخره اهـ
(٢) إلى هنا أنتهى نقل المصنف من ((المفهم)) ٣٤١/١-٣٤٢.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو أخرج لا يريد أن يلفظ بهما، فإذا كان هذا ولم يكن عليه نية حين قال
كذلك فلا يعد نادمًا فلا شيء عليه، وإن كانت عليه نية مثل نية دعوى
الخطأ. قال: وأما النسيان فلا يكون في الطلاق ولا العتاق إلا أن
يريد أنه حلف بهما على فعل ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضح
فيه النسيان إذا لم يذكر يمينه، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم
يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسيًا.
قال ابن التين: وهذا من الداودي على مذهب مالك، ولعل
البخاري بنى على مذهب الشافعي أن الساهي لا يحنث وهو الأظهر
من تبويبه كما سلف؛ لأن الساهي لا نية له فلا يلزمه عتق بفعل سهو.
٠

١٦٩
كِتَابُ العِتْقِ
=
٧- باب إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ اللّه
وَنَوى العِتْقَ، وَالإِشْهَادِ في العِتْقِ
٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَثْرٍ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَما أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ِلَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَنَاَكَ )). فَقَالَ: أَمَا إِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٍّ.
قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا
[ ٢٥٣١، ٢٥٣٢، ٤٣٩٣ - فتح: ١٦٢/٥]
٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ
قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ لَ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ قَالَ :- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﴿ بَايَعْتُهُ،
فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ يَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ)).
فَقُلْتُ: هُوَ حُزَّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٍّ. [انظر:
٢٥٣٠ - فتح: ١٦٢/٥]
٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
قَيْسِ قَالَ: لَا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فَأَضَلَّ
أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بهذا، وَقَالَ: أَمَا إِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لله. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ١٦٢/٥]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ،
ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ
مَعَ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاَكَ )).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فَقَالَ: أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
وعنه (١) لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ ... البيت.
قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ - قَالَ : - فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ
وَ بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ :
(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ)). فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.(٢)
وعَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ
وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فضَّل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بهذا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي
أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لله.
الشرح :
هُذا الحديث من أفراده، وقيس(٣) هو ابن أبي حازم، عوف بن
عبد الحارث أبو عبد الله الأحمسي، مات سنة أربع وثمانين. وقيل:
في آخر سلطان سليمان بن عبد الملك(٤). وشيخ البخاري في الثاني
عبيد الله بن سعيد (خ، م، س) وهو السرخسي اليشكري مولاهم،
(١) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى إسماعيل.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليقًا على الحديث: في نسختي قال أبو عبد الله: لم يقل
أبو كريب عن أبي أسامة: حر.
(٣) ورد بهامش الأصل: في ((وفيات الذهبي)): توفي قيس سنة تسع وتسعين، وفي
((كاشفه)): سنة تسع وما ذكره المصنف قدمه النووي في ((تهذيبه)) فقال: وقيل: سنة
سبع وسبعين، وقيل : سنة ثمان وسبعين.
[في ((الكاشف)): سنة ثمان وتسعين].
(٤) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٦٧/٦، ((التاريخ الكبير)) ١٤٥/٧ (٦٨٤)،
((تهذيب الكمال)) ١٠/٢٤ (٤٨٩٦).

١٧١
= كِتَابُ العِتْقِ
مات سنة إحدى وأربعين ومائتين(١). وشيخه في الثالث: شهاب (خ، م،
ت، ق) بن عباد وهو العبدي الكوفي: مات سنة أربع وعشرين
ومائتين(٢). وشيخ شهاب: إبراهيم(٣) بن حميد أبو إسحاق، مات سنة
ثمان وسبعين ومائة (٤).
قال المهلب: ولا خلاف بين العلماء علمتُ إذا قال لعبده: هو حر
أو هو لوجه الله أو هو لله ونوى العتق أنه يلزمه العتق، وكل ما يفهم به
عن المتكلم أنه أراد به العتق لزمه ونفذ عليه.
وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة أن رجلًا قال لغلامه:
أنت الله، فسئل الشعبي والمسيب بن رافع وحماد بن سليمان فقالوا: هو
حر، وعن إبراهيم كذلك(٥). قال إبراهيم: وإن قال: إنك لحر النفس فهو
حر، وعن الحسن أنه إذا قال: ما أنت إلا حر قال: نيته، وعن الشعبي
مثله(٦).
وأما الإشهاد في العتق فمن حقه، والعتق قام عند الله وجميع ما يراد
به وجهه تعالى بالقول والنية، وإن لم يكن ثم إشهاد، وقد قالت
امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطَِّى مُحَرًَّا﴾ [آل عمران: ٣٥]، أي:
لخدمة المسجد، ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، فتم ما نذرته بدعوة الله
(١) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٨٣/٥ (١٢٢٧)، ((الثقات)) ٤٠٦/٨، ((تهذيب
الكمال)» ٥٠/١٩ (٣٦٣٩).
(٢) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤١٠/٦، ((التاريخ الكبير)) ٢٣٥/٤
(٢٦٣٧)، ((تهذيب الكمال))١٢/ ٥٧٣ (٢٧٧٧).
(٣) ورد بهامش الأصل: ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(٤) أنظر: (تهذيب الكمال)) ٧٨/٢ (١٦٧).
(٥) ((المصنف)) ٢٢/٥ (٢٣٣٣٧).
(٦) ((المصنف)) ٢٩/٥ (٢٣٤٠٠-٢٣٤٠٢).

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تعالى، وقبل الله ذلك منها، فكان ما في بطنها موقوفًا لما نذرته من خدمة
المسجد، ولم تُشْهد غير الله.
وفيه أيضًا من الفقه: العتق عند بلوغ الأمل والنجاة مما يخاف من
الفتن والمحن، كما فعل أبو هريرة حين نَجّاه الله من دارة الكفر ومن
ضلاله في الليل عن الطريق أعتق الغلام حين جمعه الله عليه وهداه
إلى الإسلام، وفيه: جواز قول الشعر وتوجعه من طول ليلته ومبيته
فيها، وحمد عاقبتها إذ نجته من دار الكفر، ومنه المثل: عند الصباح
يَحْمَدُ القومُ السُّرى (١)، وظاهر(٢) رواية ((الصحيح)) أن أبا هريرة هو
قائل هذا البيت. وقال ابن التين: فيه خلاف هل هو لأبي هريرة أو غلامه.
وقوله: (هذا غلامك)) إما أن يكون وصفه له، أو رآه مقبلًا إليه،
أو أخبره الملك.
وقوله: (يطلب الإسلام) يحتمل أن يكون حقيقة، فإنه لم يسلم
وأسلم بعد، ويحتمل أن يكون المراد يظهر إسلامه.
(١) أنظر: ((جمهرة الأمثال)) ٢/ ٣٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: صريح في الثانية.

١٧٣
ـ كِتَابُ العِتْقِ
٨- باب أُمِّ الوَلَدِ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَجَ: ((إن مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ
تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا».
٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُزْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّ عُثْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ
ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُثْبَةُ إِنَّهُ ابني. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ
اللهِ وَّهَ زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةٍ وَأَقْبَلَ
مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا ابن أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنهُ. فَقَالَ
عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا أَخِي ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ
اللهِوَّ إِلَى ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ﴾َ: ((هُوَ لَكَ
يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ)). مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: («احْتَجِبِي
مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ)). مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُثْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِ.
[انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ١٦٣/٥]
هذا سلف(١) من عند البخاري مسندًا في كتاب الإيمان(٢) فراجعه.
قال ابن التين: معناه: أن تكثر السراري في آخر الزمان فيكون ابن
الأمة مولاها، وقيل: هو أن يستطيل الولد على أمه ولا يبرها، فكأنه
ربها.
ثم ساق حديث عائشة في قصة الوليدة. وقوله: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ
زَمْعَةَ)). مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، إلى آخره.
(١) يعني: التعليق السابق.
(٢) برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي ◌ُّر عن الإيمان ....

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد سلف واضحًا(١)، ويريد هنا أن الأُمَّةَ أشكلَ عليها معنى قصة
عتبة، وتأولوا فيه ضروبًا من التأويل، لخروجه عن الأصول المجمع
عليها ، منها :
أن الأمة متفقة أنه لا يدَّعي أحد عن أحد إلا بوكالة من المدعي،
ولم يذكر في الحديث توكيل عتبة لأخيه سعد على ما ادعاه عنه.
ومنها : أدعاء عبد بن زمعة على أبيه، وكذا بقوله: أخي، وابن
وليدة أبي وُلِدَ على فراشه ولم يأت ببينة تشهد بإقرار أبيه، ولا يجوز
أن تُقْبَلَ دعواه على أبيه؛ لأنه لا يستلحق غير الأب لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه
كل ولد يجيء بعد ذلك أدعاه أو لم يدعه، هذا قول مالك والشافعي
احتجاجًا بهذا الحديث(٢)؛ لأنه العَيْه قال: ((هو لك يا عبد بن
زمعة))، ثم قال: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) فألحقه بزمعة
لا لدعوة ابنه؛ لأن دعوة الابن بالنسب بغيره من أبيه غير مقبولة،
ولكن؛ لأن أمه كانت فراشًا لزمعة بوطئه إياها.
واحتجوا أيضًا بما رواه مالك عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد أن
عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن
لا تأتيني وليدة تقر أن سيدها قد ألمَّ بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن
بعد أو أمسكوهن (٣).
(١) برقم (٢٠٥٣) كتاب: البيوع، باب: تفسير المشبهات.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ٢٠١/٢٢.
(٣) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٤٦٣.

١٧٥
= كِتَابُ العِتْقِ
وفي حديث آخر: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يعزلونهن(١).
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما جاءت به هذه الأمة فلا يلزم
مولاها إلا أن يقر به، وإن مات قبل أن يُقر به لم يلزمه، وهو قول
الکوفیین.
واحتجوا على ذلك بأنه وَّه، إنما قال لعبد بن زمعة: ((هو لك)) ولم
يقل: هو أخوك، فيجوز أن يكون أراد بقوله: ((هو لك)) أي: هو مملوك لك
بحق ما لَكَ عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك
أمره سودة بالاحتجاب منه، فلو جعله ابن زمعة [لما حجب منه بنت زمعة](٢)؛
لأنه لا يأمر بقطع الأرحام، وإنما كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور،
وكيف يجوز أن يأمرها أن تحتجب من أخيها وهو يأمر عائشة أن تأذن
لعمها من الرضاعة بالدخول عليها(٣)، ولكن وجه ذلك أنه لم يكن
حكم فيه بشيء غير اليد التي جعلها لعبد ولسائر ورثة زمعة دون سعد.
واحتجوا أيضًا بما رواه شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن
عكرمة قال: كان ابن عباس يأتي جارية له فحملت، فقال: ليس هو
مني، إني أتيتها إتيانًا لا أريد به الولد.
وروى الثوري، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد أن أباه كان يعزل
عن جارية فارسية فأتت بحمل فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك
وإنما أستطبت نفسك فجلدها وأعتقها(٤).
(١) ((الموطأ)) برواية يحيى ص ٤٦٣.
(٢) الزيادة من ابن بطال ٧/ ٤٥ حتى يستقيم المعنى، وهي أيضًا عند الطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ١١٥/٣، وقدمنا ابن بطال لأن المصنف ينقل كلام الطحاوي من عنده.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٤٤) كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب.
(٤) وتمامه في ((شرح معاني الآثار)) ١١٦/٣: وأعتقها وأعتق الولد.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وقول ابن عباس وزيد خلاف ما رَوىُ عن عمرَ في ذلك أهلُ المقالةِ
الأولى(١).
واختلفوا في معنى قوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)). فقالت طائفة:
أي: أخوك كما أدعيته، قضاء منه في ذلك بعلمه؛ لأن زمعة بن قيس كان
صهره التَّي، وسودة بنت زمعة كانت زوجته، فيمكن أن يكون علم أن
تلك الأمة كان يمسها زمعة، فألحق ولدها به لما علم من فراشه،
لا أنه قضى بذلك لاستحقاق عبد بن زمعة له (٢).
وقال الطحاوي: هو لك بيدك عليه لا أنك تملكه، ولكن تمنع منه
مَن سواك كما في اللقطة: هي لك بيدك عليها تدفع غيرك عنها حتى
يجيء صاحبها، ليس على أنها ملك لك، ولما كان عبد بن زمعة له
شريك فيما ادعاه، وهي أخته سودة، ولم يُعلم منها تصديق له، ألزم
ابن زمعة ما أقر به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجة على أخته إذ لم
تصدقه، ولم تجعله أخاها، وأمرها بالحجاب منه(٣).
وقال الطبري: هو لك ملك، لا أنه قضى له بنسبه، وعنه جوابان
لابن القصار:
أحدهما: أنه كان يدعي عبد بن زمعة أنه حر وأنه أخوه ولد على
فراش أبيه، فكيف يقضي له بالملك؟ ولو كان مملوكًا لعتق بهذا القول.
وثانيهما: أنه لو قضى بالملك لم يقل: ((الولد للفراش))؛ لأن
المملوك لا يلحق الفراش، ولكان يقول: هو ملك لك.
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١١٤/٣-١١٦.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٦/٧.
(٣) ((شرح مشكل الآثار)) ١١، ١٨، ١٩.

١٧٧
كِتَابُ العِتْقِ
=
وقال المزني: يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة، فأعلمهم
بالحكم أن هذا يكون إذا أدعى صاحب فراش وصاحب زنا لا أنه قبل
قول سعد على أخيه ولا على زمعة قول ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه؛
لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره، وقد قام الإجماع على أنه لا يقبل
إقرار أحد على غيره، فحكم بذلك ليعرفهم الحكم في مثله إذا نزل،
وقد حكى الله تعالى مثل ذلك في قصة داود: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ
فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُواْ لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا
خصمين، ولا كان لواحد منهما تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه
ليعرف ما أرادوا، فيحتمل أن يكون حكم في هذه القصة بنحو ذلك،
ويحتمل أن تكون سودة جهلت ما علم أخوها عبد بن زمعة فسكتت،
فلما لم يصح أنه أخ لعدم البينة بذلك، [أو](١) الإقرار فيمن يلزم
إقراره وزاده بُعدًا شبهه بعتبة أمرها بالاحتجاب منه، فكان جوابه عن
السؤال لا على تحقيق زنا عتبة بقول أخيه، ولا بالولد أنه لزمعة لقول
ابنه، بل قال: ((الولد للفراش)) على قولك يا عبد بن زمعة، لا على
ما قال سعد، ثم أخبر بالذي يكون إذا ثبت مثل هذا.
وقال الكوفيون: قوله: «واحتجبي منه یا سودة)» دلیل أنه جعل للزنا
حكمًا فحرم به رؤية ذلك المستلحق لأخته سودة. وقال لها: ((احتجبي
منه)) فمنعها من أخيها في الحكم؛ لأنه ليس بأخيها في غير الحكم؛
لأنه من زِنًا في الباطن إذا كان شبيهًا بعتبة، فجعله كأنه أجنبي لا يراها
بحكم الزنا، وجعله أخاها بالفراش، وزعموا أن ما حرم الحلال فالزنا
أشد تحريما له.
(١) في الأصل: و، وكذا في النسخة التي أعتبرها محقق ((شرح ابن بطال)) أصلًا، لكنه
أثبت (أو) من نسخة أخرى سماها (هـ) وهو الأليق بالمعنى.

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الشافعي: رؤية ابن زمعة لسودة مباح في الحكم، ولكنه كرهه
للشبهة، وأمرها بالستر عنه أختيارًا. وقال بعض أصحابه: يجوز للرجل
أن يمنع زوجته من رؤية أخيها، وذهب إلى أنه أخوها على كل حال؛
لأنه قضى بالولد للفراش، وألحق ابن أمة زمعة بفراش زمعة، قالوا:
وما حكم به فهو الحق. وفي قوله: ((الولد للفراش)) من الحكم:
إلحاق الولد بصاحب الفراش في الحرة والأمة. وقوله: ((وللعاهر
الحجر)) أي: لا شيء له في الزاني إذا أُدعاه صاحب الفراش، وهذه
كلمة تقولها العرب.
واختلف السلف والخلف في عتق أم الولد وفي جواز بيعها،
فالثابت عن عمر ما رواه مالك في ((الموطأ))، عن نافع، عن عبد الله
أن عمر قال: أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها
ولا يورثها، وهو يستمتع منها فإذا مات فهي حرة(١).
وروي رفعه، أخرجه كذلك الدارقطني في ((سننه))(٢).
وقال في ((علله)): وقفه هو الصحيح(٣). والبيهقي. وقال: رفعه
غلط (٤)
.
وأما ابن القطان فقال: رواته كلهم ثقات. قال: وهو عندي حسن
أو صحيح(٥).
(١) ((الموطأ)) برواية يحيى ص ٤٨٥.
(٢) ((السنن)) ١٣٤/٤.
(٣) ((علل الدار قطني)) ٤١/٢-٤٢ وعبارته: والحديث عن عمر موقوف.
(٤) ((سنن البيهقي)) ٣٤٨/١٠.
(٥) قال ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ١٣٨/٣ عن مرفوع الحديث.
ثم ضعفه أي: عبد الحق بحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وترك دونه
أبا أويس، وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق ضعيف الحديث،
ودونه عبيد الله بن يحيى الرهاوي، ولا تعرف حاله اهـ

١٧٩
: كِتَابُ العِتْقِ
=
وروى الدار قطني من حديث ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن زياد بن
أنعم، عن مسلم بن يسار، عن سعيد بن المسيب أن عمر أعتق أمهات
الأولاد وقال عمر: أعتقهن رسول الله وَل﴾(١).
ورواه ابن حبيب في ((الواضحة)). فقال: حدثني المقبري، عن ابن
أنعم، عن مسلم، عن ابن المسيب، فذكر نحوه.
وعبد الرحمن هذا ضعفوه، وسعيد لم يسمع من عمر شيئًا على
(٢)
الصحيح (٢).
(١) ((سنن الدارقطني)) ١٣٦/٤، والحديث ضعيف لضعف عبد الرحمن الأفريقي كما
عند البيهقي ١٠/ ٣٤٤.
(٢) هُذا الذي ذهب إليه المصنف هو ما ذهب إليه يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم.
قال عثمان بن سعيد الدرامي: سئل يحيى بن معين: سمع ابن المسيب من عمر؟
فقال: يقولون: لا. ((تاريخ عثمان بن سعيد)) ص١١٧.
وعن إسحاق بن منصور قال: قلت ليحيى بن معين: يصح لسعيد سماع من عمر؟
قال: لا.((المراسيل)) لابن أبي حاتم ص٧١.
وقال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: سعيد بن المسيب رأى عمر، وكان
صغيرا. قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر.
قال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئا، قال: إن هؤلاء قوم يقولون: إنه أصلح بين
عليّ وعثمان، وهذا باطل، ولم يثبت له السماع من عمر. ((المراسيل)) لابن أبي
حاتم ص٧٢.
وقال الواقدي: والذي رأيت الناس عليه في مولد سعيد أنه ولد لسنتين خلتا من
خلافة عمر، ويروى أنه سمع من عمر، ولم أر أهل العلم يصححون ذلك وإن
كانوا قد رووه. ((الطبقات الكبرى)) ١١٩/٥.
وسئل مالك: أأدرك سعيدٌ عمرَ؟ قال: لا، لكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكبّ
على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه. ((تهذيب الكمال)) ٧٤/١١.
وقال أبو حاتم: سعيد بن المسيب عن عمر، مرسل، يدخل في المسند على =

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
..
= المجاز. ((المراسيل)) ص ٧١.
وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ١٢٠/٥ أن سعيدًا سئل: هل أدركت عمر؟
قال: لا.
وذهبت طائفة إلى صحة سماع سعيد بن المسيب من عمر، منهم أحمد وابن
المديني والحاكم والنووي.
سئل أحمد: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه،
إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل! ((الجرح والتعديل)) ٦١/٤ (٢٦٢).
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٩٤/٢٣: وكان عليّ بن المديني يصحح سماعه من
عمر. وروى ابن عبد البر عن قتادة أنه قال: قلت لسعيد: رأيت عمر؟ قال: نعم.
((التمهيد)) ٩٣/٢٣
وقال الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٢٥ :
وقد أدرك سعيدٌ عمرَ وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير إلى آخر العشرة وليس في
جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد، وقيس بن أبي حازم اهـ
وقال العلائي في ((جامع التحصيل)) ص ١٨٥: حديثه عن عمر في السنن الأربعة
اهـ
وقال ابن القيم في ((حاشيته على أبي داود)) ٢٩٤/٧ :
ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر، بل قبلوها كلهم
بالقبول والتصديق اهـ
قلت: وفيه نظر؛ لما سبق ذكره.
ثم قال: والصحیح أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، فیکون له وقت وفاة عمر
ثمان سنين، فكيف ينكر سماعه، ويقدح في أتصال روايته عنه؟ اهـ
ومما يدل على صحة هذا القول الأخير، ما رواه الحافظ فى ((تهذيب التهذيب)) ٢/
٤٥ بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول:
عسى أن يكون بعدي أقوام يكذبون بالرجم يقولون: لا نجده في كتاب الله، لولا
أن أزيد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت أنه حق، قد رجم رسول الله وَالله ورجم
أبو بكر ورجمت.
قال الحافظ: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ