النص المفهرس

صفحات 141-160

=
١٤١
كِتَابُ العِتْقِ
=
لهُذِه الآية، ثم أتبعتها نفسه فأراد أن يتزوجها فمنعه بنوه، فكان بعد ذلك
يقرب بنيها من غيره لمكانها من قلبه(١).
قال المهلب: وإنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه
كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا،
وحتى يفشو الإسلام وينتشر فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل
عمل.
وقوله: (تعين صانعًا)) أي: فقيرًا ((أو تصنع لأخرق)) عاملًا لا يستطيع
عمل ما يحاوله، والخرق لا يكون إلا في البدن، وهو الذي لا يحسن
الصناعات. قال ابن سيده: خرق الشيء: جهله ولم يحسن عمله وهو
أخرق(٢)، وفي ((المثلث)) لابن عديس: الخرق جمع الأخرق من
الرجال والخرقاء من النساء وهما ضد الصناع والصنع.
وقوله: ((ضائعًا)) أي: فقيرًا هو ما فسره ابن بطال(٣)، وكذا ضبطه
غيره بالضاد المعجمة، وأنه رواية هشام، وصوابه ((صانعًا)) بالصاد
المهملة وبالنون. وقال النووي: الأكثر في الرواية بالمعجمة (٤).
وقال عياض: روايتنا في هذا من طريق هشام بالمعجمة، وعن أبي
بحر بالمهملة، وهو صواب الكلام؛ لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى
من جهة معونة الصانع أيضًا صحيحًا، لكن صحت الرواية عن هشام
(١) رواه عبد بن حميد كما في ((الدر المنثور)) ٨٩/٢، والبزار كما في ((كشف الأستار))
(٢١٩٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٩٥/١، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢٦/٦:
فيه من لم أعرفه.
(٢) ((المحكم)) ٣٨٧/٤.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٥.
(٤) ((مسلم بشرح النووي)) ٢/ ٧٥.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(بالمهملة)(١). وقال ابن المديني: الزهري يقوله بالمهملة، ويرون أن
هشامًا صحفه بالمعجمة، والصواب قول الزهري (٢).
تنبيهات :
أحدها: إذا كانا مسلمين فأفضلهما أغلاهما ثمنًا كما سلف.
قال أبو عبد الملك: إذا كان ذلك في ذوي الدين، واختلف إذا كان
النصراني أو اليهودي أو غيرهما أكثر ثمنًا من المسلم. فقال مالك: عتق
الأغلى أفضل، وإن كان غير مسلم. وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل(٣)،
وهو أبين، كما قال ابن التين؛ لتقييده بالمسلم فيما سلف، وقياسًا على
عتق الواجب في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ثانيها: هذا الحديث رواه مالك في ((موطئه)) (٤) عن هشام، عن أبيه
عن عائشة مرفوعًا به، كما ساقه البخاري: وذكر بعضهم أنه مما يعد على
مالك ؛ لأن غير واحد رواه عن هشام، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن
أبي ذر كما في البخاري.
وقال أبو عمر: زعم قوم أن هذا الحديث كان أصله عند مالك، عن
هشام، عن أبيه مرسلًا(٥).
(١) كذا في الأصل، وهو خطأ وفي المطبوع من ((إكمال المعلم)) ٣٤٩/١ ما نصه:
لكن صحت الرواية هنا عن هشام بالضاد اهـ وهو الصواب، وقد أشار محقق
((الإكمال)) إلى أنه جاء في نسخة (ت): بالصاد المهملة.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٤٨/١-٣٤٩.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ٢٧٨/٦.
(٤) ((الموطأ)» برواية يحيى ص ٤٨٧.
(٥) كذا في الأصل، وفي ((التمهيد)) ما نصه:
وزعم قوم أن هذا الحديث كان أصله عند مالك: عن هشام عن أبيه عن عائشة،
فلما بلغه أن غيره من أصحاب هشام يخالفونه في الإسناد، جعله عن هشام عن أبيه
مرسلًا، هكذا قالت طائفة من أهل العلم بالحديث، فالله أعلم اهـ

١٤٣
كِتَابُ العِتْقِ
=
ورواه ابن وهب، عنه، عن الزهري، عن حبيب، عن عروة
مرسلًا(١).
وقال الدارقطني: المحفوظ عن مالك الإرسال (٢).
وذكره الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث يحيى بن سعيد، عن
هشام، عن أبيه قال: أخبرني ابن أبي مراوح عن أبيه أن أبا ذر أخبره به.
ولابن زنجويه من حديث الأوزاعي، عن يزيد بن أبي يزيد، عن
أبيه، عنه مقلوبًا، قلت: فإن كان ضعيفًا؟ قال: ((يقول المعروف
بلسانه))، قلت: فإن كان لسانه لا يبلغ عنه؟ قال: ((ما تريد أن تدع في
صاحبك خيرًا؟!)).
ثالثها: لو أراد أن يعتق رقبة واحدة بألف، وأمكن أن يشتري بالألف
رقبتين مفضولتين فهما أفضل، بخلاف الأضحية، والفرق أن المقصود
بها طيب اللحم، وبالعتق الخلاص من ربقة الرق.
(١) ((التمهيد)) ٢٢/ ١٥٧.
(٢) ((العلل)) ٢٨٩/٦.

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
باب: ما يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات
٢٥١٩- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ،
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِئْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ
وَرَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. تَابَعَهُ عَلِيّ، عَنِ الدَّرَاوَزْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ. [انظر: ٨٦ -
مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٥ /١٥٠]
٢٥٢٠- (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ، حَدَّثَنَا عَثَّمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ
المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْحَسُوفِ
بِالْعَتَاقَةِ. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ١٠٥/٥]
ذكر فيه حديث زائدة بن قدامة عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ
المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ
الشَّمْسِ. تَابَعَهُ عَلِيٍّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ هِشَام.
وحديث عثَّام، عن هِشَام، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ
عِنْدَ الكسوف بِالْعَتَاقَةِ.
هذا الباب سلف في بابه من الصلاة(٢).
قال المهلب: إنما أمر بالعتاقة في الكسوف؛ لأن بالعتق يستحق
العتق من النار، والكسوف آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ
بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، فلذلك صلى وأطال من أجل
الخوف الذي توعد الله عليه في القرآن وأمر بالعتاقة (٣).
(١) في بعض نسخ البخاري يبدأ من هنا كتاب: العتق.
(٢) سلف برقم (١٠٥٤) كتاب: الكسوف، باب: النداء بالصلاة جامعه في الخسوف.
(٣) نقله عنه ابن بطال في ((شرحه)) ٣٦/٧.

١٤٥
كِتَابُ العِتْقِ
=
باب إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ
٢٥٢١ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ سَالمُ عَنْ أَبِيهِ
وٍَّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ أَثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا
رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ
قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ)).
٢٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالٌِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَلَ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ
يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ العَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ،
وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
٢٥٢٣- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًّا لَهُ فِي مَمْلُوكُ
فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةً
عَدْلٍ، فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ)). [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ١٥١/٥]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. أَخْتَصَرَهُ.
٢٥٢٤- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوَّكٍ - أَوْ شِرْكًا
لَّهُ فِي عَبْدٍ - وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ)). قَالَ
نَافِعٌ: (وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ). قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَيءٍ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ شَيْءٌ فِي
الحديثِ. [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ١٥١/٥]
٢٥٢٥- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ، حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ كَانَ يُقْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ
يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَيُغْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِثْقُهُ كُلِّهِ، إِذَا
كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ، يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ
أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المغْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَجُوَيْرِيَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَّيَّةَ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَلَهَ. مُخْتَصَرًا. [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ -
فتح: ١٥١/٥]
ذكر فيه حديث سالم عن أبيه، عن رسول الله وَ ◌ٍّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ
عَبْدًا بَيْنَ أَثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ)).
وفي لفظ (١) ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ،
قُوِّمَ العَبْدُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ،
وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
وفي لفظ (٢) ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوٍ فَعَلَيْهِ عِنْقُهُ كُلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ
مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ على العتق، وأعتق
مِنْهُ مَا أَعْتَقَ)).
وفي لفظ (٣) ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوٍ - أَوْ شِرْكًّا لَهُ فِي عَبْدٍ-
وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ)). قَالَ نَافِعٌ:
((وَإِلَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَىءٍ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ
شَيْءٌ فِي الحَدِيثِ.
وفي لفظ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ
الشُّرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْقُهُ كُلِّهِ،
إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ، يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ،
وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ
(١) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى ابن عمر.
(٢) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى نافع عنه.
(٣) ورد بهامش الأصل: ساقه من طريقين إلى نافع عنه.

١٤٧
كِتَابُ العِتْقِ
=
ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ
وَجُوَيْرِيَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. مُخْتَصَرًا.
الشرح :
حديث ابن عمر سلف أيضًا في الشركة(١)، وقد اختلف العلماء في
العبد المشترك يعتق أحدهما نصيبه.
فقالت طائفة: لا ضمان عليه بقيمة نصيب شريكه لعتاقته إلا أن
يكون موسرًا على ظاهر حديث ابن عمر، وإنما في حديث ابن عمر
وجوب الضمان على الموسر خاصة دون المعسر، يدل عليه قوله:
((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) هذا قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري
وأبي يوسف ومحمد والشافعي (٢).
وقال زفر: يضمن قيمة نصيب شريكه موسرًا كان أو معسرًا ويخرج
العبد كله حرًا. وقال: العتق من الشريك الموسر جناية على نصيب
شريكه يجب بها عليه ضمان قيمته من ماله، ومن جنى على مال رجل
وهو موسر أو معسر وجب عليه ضمان ما أتلف بجنايته، ولم يفترق
حكمه إن كان موسرًا أو معسرًا في وجوب الضمان عليه(٣).
وهذا قول مخالف للحديث، فلا وجه له، وإلا فقوله: ((فقد عتق منه
ما عتق)) دليل أن ما بقي من العبد لم يدخله عتاق فهو رقيق للذي لم يعتق
على حاله، ولو نفذ العتق في الكل إذا كان معسرًا لرجع الشريك إلى ذمة
(١) سلف برقم (٢٤٩١).
(٢) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/٣، ((المدونة)) ٣٧٩/٢، ((إكمال المعلم)» ١٥
١٠٠، «البیان)) ٨/ ٣٢٣.
(٣) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٥/٣، ولم يعزه لأحد.

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
غير مالية فلا يحصل عوض، وفيه إضاعة المال وإتلاف له، وقد نهي عن
ذلك.
واختلف في معنى الحديث، فقال مالك في المشهور عنه: للشريك
أن يعتق نصيبه قبل التقويم كما أعتق شريكه أولًا، ويكون الولاء بينهما،
ولا يعتق نصيب الشريك إلا بعد التقويم وأداء القيمة(١). وقال أبو يوسف
ومحمد والشافعي: إن كان المعتق الأول موسرًا عتق جميع العبد إذًا
وكان حرًّا، ولا سبيل للشريك على العبد، وإنما له قيمة نصيبه على
شريكه، كما لو قتله. قالوا: لأنه العليفي قال: ((من أعتق شقصًا له في
عبد قوم عليه قيمة عدل))، ثم يعتق إن كان موسرًا، فأمر بالتقويم
الذي يكون في الشيء المتلف، فعلم أنه إذا أعتق نصيبه فقد أتلف
نصيب شريكه بالعتق فلزمته القيمة، وقد روي مثله عن مالك والحجة
لمالك في مشهور قوله: إن نصيب كل واحد من الشريكين غير تابع
لنصيب صاحبه، يدل عليه أنه لو باع أحدهما نصيبه لم يصر نصيب
شريكه مبيعًا، فكذا العتق، وأيضًا فإنه لو أعتق نصيب شريكه أبتداء
لم يعتق، وكان يجب إذا ابتدأ عتق نصيب شريكه أن ينعتق، وينعتق
نصيب شريكه فلما لم يكن نصيبه هنا بيعًا ولا يسري إليه العتق،
كذلك لا يكون نصيب شريكه تبعًا لنصيبه ولا يسري إليه العتق،
واحتج مالك في ((المدونة)) فقال: ألا ترى أنه لو مات العبد قبل
التقويم لم يلزم المعتق الأول شيء!(٢)
(١) أنظر: ((الاستذكار)) ١٢١/٢٣.
(٢) ((المدونة)) ٢٧٩/٢.

١٤٩
كِتَابُ العِتْقِ
فائدة :
استدل ابن التين بقوله: ثم يعتق، للمشهور من مذهب مالك أن عتق
العبد لا يكون إلا بعد التقويم، وفي أنه لا يعتق بالسراية(١)، وكذا هو في
حديث ابن عمر آخر الباب، وفي قول لمالك: أنه يفتقر إلى حكم (٢)،
(ونقل سحنون إجماع الأصحاب على خلافه)(٣)، وفي قول: موقوف
على أداء القيمة (٤).
فرع :
إن أدعى الفقر ولا مال ظاهر له لا يحلف، وانفرد ابن الماجشون،
فقال: يحلف(٥).
فرع :
إذا كان معسرًا وأحب شريكه أن يقوم عليه ويطالبه متى أيسر،
فالأشبه بما في ((المدونة)) المنع عملًا بقوله: ((وإلا فقد عتق منه
ما عتق))، ووجه مقابله: أن ترك الاستكمال لحق الشريك (٦).
فرع :
أحتج القاضي في ((معونته)) بقوله: ((قوم عليه))، لإحدى الروايتين أن
من أوصى بعتق عبده أو شركاء له في عبد يقوَّم عليه (٧)، والمشهور المنع.
(١) أنظر: ((المعونة)) ٣٥٥/٢، ((عقد الجواهر الثمينة)) ١١٨٤/٣.
(٢) أنظر: ((المعونة)) ٣٥٥/٢، ((عقد الجواهر الثمينة)) ١١٨٤/٣.
(٣) كذا في الأصول، ولعله سبق نظر، وموضعها الصحيح في الفرع التالي بعد قوله:
يحلف، أنظر: ((النوادر)) ٢٨٦/١٢، ((المنتقى)) ٢٥٦/٦-٢٥٧.
(٤) انظر: ((جامع الأمهات)) ص ٣٤٧.
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ٢٥٦/٦.
(٧) ((المعونة)) ٣٦١/٢-٣٦٢.
(٦) أنظر: ((المنتقى)) ٢٥٦/٦.

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فائدة :
قوله: ((فهو عتيق)) يريد: معتوق، فعيل بمعنى مفعول، وحقيقة هذا
القول وشبهه عند أكثر النحاة لا يبني منه فعل ما لم يسم فاعله ولا مفعول
إذا كان لازمًا، واختاره سيبويه خاصة على تقدير إقامة المصدر مقام ما لم
يسم فاعله، والداودي أجاز أن يبني الثاني من قوله: ((وإلا فقد عتق
ما عتق)) لما لم يسم فاعله دون الأول، وقد سلفت.
وذكر الداودي عن أبي حنيفة: إن شاء أستسعى وإن شاء يمسك بما
له فيه من الرق. قال: وخالف الروايتين جميعًا.
فائدة :
أبو النعمان المذكور في إسناده شيخ البخاري، اسمه: محمد بن
الفضل عارم(١)، مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وعشرين ومائتين(٢).
(١) عارم لقب محمد.
(٢) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٠٨/١ (٦٥٤)،
((تهذيب الكمال)» ٢٨٧/٢٦ (٥٥٤٧).

١٥١
كِتَابُ العِتْقِ
=
٥- باب إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ،
وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْزَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ،
(نَحْوَ الكِتَابَةِ)(١)
٢٥٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ،
سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّصْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِیكِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ)). [انظر: ٢٤٩٢
- مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ١٥٦/٥]
٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ
بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَّهِيكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: «مَنْ
أَعْتَقَ نَصِيبًا - أَوْ شَقِيصًا- فِي مَمْلُوكِ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌّ،
وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)). تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجِ، وَأَبَانُ،
وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ. اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. [انظر: ٢٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ -
فتح: ١٥٦/٥]
ذكر فيه حديث جَرِير بْن حَازِم، سَمِعْتُ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ
أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: «مَنْ
أَعْتَقَ شقصا مِنْ عَبْدٍ)) وفي لفظ آخر: ((من نفس)) ثم رواه من حديث
سعيد عن قتادة به بلفظ: ((مَنْ أَعْتَقَ شقيصا من عبد أو نصيبا فِي
مَمْلُوكِ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ،
فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
(١) كذا في الأصل: نحو الكتابة، وكذا عند ((ابن بطال))، وفي اليونينية ١٤٥/٢: على
نحو الكتابة.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاج، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
واخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ.
حديث سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، سلف في باب تقويم
الأشياء بين الشركاء(١).
وقوله: (تابعه) يعني ابن أبي عروبة، ومتابعة أبان أخرجها أبو داود
عن مسلم بن إبراهيم عنه (٢)، والنسائي عن المخرمي، عن أبي هشام
المخزومي، عنه (٣)، ومتابعة موسى بن خلف سلفت من عند الحافظ
أبي بكر.
قال ابن عبد البر(٤): حديث أبي هريرة خلاف حديث ابن عمر وأما
هشام الدستوائي وشعبة وهمام بن يحيى فرووه عن قتادة من غير ذكر
السعاية، وهم أثبت من ذكرها، وأصحاب قتادة الذين هم الحجة
على غيرهم عند أهل العلم بالحديث ثلاثة: شعبة وهشام وسعيد بن
أبي عروبة، فإذا أتفق منهم اثنان فهم حجة على الواحد منهم، وقد
أتفق شعبة وهشام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث فضعف
بذلك كله ذكر السعاية.
وذهب مالك وأصحابه إلى أن المليء إذا أعتق نصيبه من عبد مشترك
فلشريكه أن يعتق وأن يقوم، فإن أعتق نصيبه كما أعتق شريكه قبل
التقويم، فالولاء بينهما، وما لم يقوم ويحكم بعتقه فهو كالعبد في
جميع أحكامه، فإن كان المعتق عديمًا لا مال له لم يعتق من العبد
(١) برقم (٢٤٩٢) كتاب: الشركة.
(٢)
برقم (٣٩٣٧).
(٣) ((السنن الكبرى)) ١٨٥/٣ (٤٩٦٥).
(٤) ((التمهيد)) ٢٧٨/١٤-٢٧٩ بتصرف.

١٥٣
كِتَابُ العِثْقِ
=
غير حصته، ويبقى نصيب الآخر رقًّا له يخدمه العبد يومًا، ويكتسب
لنفسه يومًا، وهو في جميع أحواله كالعبد، وإن كان المعتق موسرًا
ببعض نصيب شريكه قوم عليه بقدر ما يجد معه من المال ورق بقيته،
ويقضي عليه بذلك كما يقضي في سائر الديون اللازمة والجنايات
الواجبة، ويباع عليه شوار بيته وما له من كسوته، وكذلك قال داود
وأصحابه: إنه لا يعتق عليه حتى يؤدي القيمة إلى شريكه، وهو قول
الشافعي في القديم. وقال في الجديد(١): إذا كان المعتق لحصته
موسرًا في حين العتق جميعه حينئذ، وكان حرًّا من يومه، يرث
ويورث وله ولاؤه، ولا سبيل للشريك على العبد، وإنما له قيمة
نصيبه على شريكه، كما لو قتله، وسواء أعطاه القيمة أو منعه إذا كان
موسرًا يوم العتق، وإن كان معسرًا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه،
أو يخدمه يومًا ويخلَّى ونفسه يومًا، ولا سعاية عليه.
وقال أيضًا (٢): فإن مات العبد وله وارث ورث بقدر ولائة، وإن
مات له موروث لم يرث منه شيئًا، وله قول آخر في ميراث من كان
بعضه حرًّا، واختار المزني الجديد، وقال: هو الصحيح على أصله؛
لأنه قال: لو أعتق الثاني كان عتقه باطلًا، وقد قطع بأن هذا
أصح في أربعة مواضع من كتبه، قاله في ((اختلاف الحديث)) وفي
((اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة)). وقال في كتاب [الوصايا](٣)
بالقول الأول(٤).
(١) انظر: ((الأم)) ٧/ ١٢٣.
(٢) ((التمهيد)) ١٤/ ٢٨٢-٢٨٣.
(٣) في الأصل بياض، والمثبت من ((مختصر المزني)) ٢٦٧/٥.
(٤) ((مختصر المزني)) ٢٦٧/٥-٢٦٨.

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال سفيان الثوري: إذا كان المعتق حصته من العبد مال ضمن
نصيب شريكه، ولم يرجع به على العبد ولا سعاية على العبد، وكان
الولاء له، وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه، وسواء نقص العبد
من قيمة نصيب الآخر أو لم ينقص، يسعى العبد في نصف قيمته
حينئذ، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد(١)، وفي قولهم يكون العبد
كله حرًّا ساعة أعتق الشريك نصيبه، فإن كان موسرًا ضمن لشريكه
نصف قيمة عبد، وإن كان معسرًا سعى العبد في ذلك الذي لم يعتق،
ولا يرجع على أحد بشيء، والولاء كله للمعتق، وهو بمنزلة الحر في
جميع أحكامه ما دام في سعايته من يوم أعتق، يرث ويورث. وهو
قول الأوزاعي. وعن ابن شبرمة وابن أبي ليلى مثله، إلا أنهما جعلا
للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر (٢).
وعن ابن عباس أنه جعل المعتق بعضه حرًّا في جميع أحكامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أعتق نصيبه وهو موسر فالشريك بالخيار، إن
شاء أعتق نصيبه كما أعتق الآخر، وكان الولاء بينهما، وإن شاء
أَستسعى العبد في نصف قيمته ويكون الولاء بينهما، وإن شاء ضمن
شريكه نصف قيمته، ويرجع الشريك بما ضمن من ذلك على العبد
يستسعيه فيه إن شاء، ويكون الولاء كله للشريك (٣) وقد سلف.
واحتج لهم بما رواه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن
أبي حمزة، عن النخعي: أن رجلًا أعتق شركًا له في عبد وله شركاء
يتامى. فقال عمر: ينظر لهم حتى يبلغوا، فإن أحبوا أن يعتقوا وإن
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/٣.
(٢) أنظر: (((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٧٥/٣.
(٣) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/٣.

١٥٥
= ڪِتَابُ العِتْقِ
أحبوا أن يضمن لهم ضمن(١). قال ابن حزم: وهذا لا يصح عن عمر،
إنما رواه أبو حمزة ميمون، وليس بشيء، ثم هي منقطعة؛ لأن إبراهيم لم
يولد إلا بعد موت عمر بسنين كثيرة(٢).
قلت: قد أخرجه الطحاوي متصلاً من حديث يونس، عن أبي
معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن
الأسود ذكر لعمر .. الحديث(٣).
وقال أبو حنيفة: وإن كان المعتق معسرًا، فالشريك بالخيار، إن شاء
ضمن العبد نصف قيمته يسعى فيها، والولاء بينهما وإن شاء أعتقه كما
أعتق صاحبه والولاء بينهما (٤). قال: والعبد المستسعى ما دام في سعايته
بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه(٥).
وقال زفر: العبد كله على المعتق حصته منه ويتبع بقيمته حصة
شريكه موسرًا كان أو معسرًا(٦).
قال ابن عبد البر: لم يقل زفر بحديث ابن عمر ولا بحديث أبي
هريرة في هذا الباب، وكذا أبو حنيفة لم يقل بواحد منهما على
وجهه. وقال أحمد بحديث ابن عمر في هذا الباب، وقوله فيه كنحو
قول الشافعي، وهو يدل على أن حديث ابن عمر عنده أصح من
(١) ((المصنف)) ١٥٥/٩ (١٦٧٣٢)، وعنه في ((المحلى)) ٩/ ١٩٢.
(٢) ((المحلى)) ١٩٢/٩.
(٣) ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/٣، وفيه بدل يونس: أبو بشر الرقي، عبد الملك بن
مروان، وليس فيمن يروي عن أبي معاوية الضرير من أسمه يونس أنظر: ((تهذيب
الكمال)» ٥٢٧/٤ (٩١٣).
(٤) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/٣.
(٥) انظر: ((بدائع الصنائع)» ٩٤/٤.
(٦) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٠٥/٣.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حديث أبي هريرة، وأنه لم يصح عنده ذكر السعاية (١).
وقال إسحاق: إن كان للشريك المعتق مال فكما قال أحمد:
يضمن، وإن لم يكن له إلا دار وخادم فإنه لا يجعل ذلك مالًا. قال:
وإن كان معسرًا أَستسعى العبد لصاحبه(٢)، واتفق أحمد وإسحاق
وسفيان بأن العتق إذا وقع والمعتق موسرًا ثم أفلس لم يتحول عنه
الغرم، كما لو وقع وهو مفلس ثم أيسر لم يلزمه شيء (٣). وقال
ربيعة: من أعتق حصته من عبد أن العتق باطل موسرًا كان أو معسرًا (٤).
وذكر عن ابن سيرين عن بعضهم أنه جعل قيمة حصة الشريك في
بيت المال(٥). وقال عثمان البتي: لا شيء على المعتق إلا أن تكون
جارية رائعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من
الضرر (٦).
قال ابن حزم(٧): وقال بكير بن الأشج في أثنين بينهما عبد، فأراد
أحدُهما أن يعتقَ أو يكاتب فإنهما يتقاومانه، وعن الأسود قال: كان لي
(١) ((التمهيد)) ١٤/ ٢٨٣.
(٢) أنظر: ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) ٤٨٠/٢ (٣١٢٦).
(٣) المصدر السابق ٤٧١/٢ (٣١٠٢).
(٤) رواه ابن حزم في ((المحلى)) ١٩١/٩، وذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤/ ٢٨٤
وقال: وهذا تجريد لرد الحديث أيضًا، وما أظنه عرف الحديث؛ لأنه لا يليق بمثله
غير ذلك اهـ
(٥) كذا ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤/ ٢٨٢ حكاه ابن سيرين عن بعضهم،
والذي في ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٧٤/٣، و(المحلى)) ٩/ ١٩٣ أنه
من قول ابن سیرین.
(٦) انظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٧٣/٣، و((المحلى)) ١٩١/٩-١٩٢.
(٧) ((المحلى)) ٩/ ١٩١.

١٥٧
كِتَابُ العِتْقِ
=
ولإخوتي غلام أردت عتقه فذكرت ذلك لعمر، فقال: أتفسد عليهم
نصيبهم؟ أَصبر حتى يبلغوا، فإن رغبوا فيما رغبت فيه وإلا لم تفسد
عليهم نصيبهم.
وعن عطاء وعمرو بن دينار في أثنين أعتق أحدهما نصيبه، فأراد
الآخر أن يجلس على حقه في العبد، فقال العبد: أنا أقضي قيمتي،
فقالا: سيده أحق بما بقي يجلس عليه إن شاء(١). وعن معمر في
عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، ثم أعتق الآخر بعد، فولاؤه
وميراثه بينهما، وهو قول الزهري أيضًا(٢).
وقال ربيعة في عبد بين ثلاثة، أعتق أحدهم نصيبه، وكاتب الآخر
نصيبه، وتمسك الآخر بالرق ثم مات العبد، فإن الذي كاتب يرد ما أخذ
منه، ويكون جميع ما ترك بينه وبين المتمسك بماله ويقتسمانه.
وقال عبيد الله بن أبي يزيد: إن أعتق شركًا له في عبد وهو مفلس،
فأراد العبد نفسه بقيمته، فهو أولى بذلك (٣).
قال أبو عمر: وأما من أعتق حصة من عبده الذي لا شركة فيه لأحد
معه، فإن جمهور العلماء بالحجاز والعراق يقولون: يعتق عليه كله
ولا سعاية عليه (٤).
وقال أبو حنيفة وربيعة وهو قول طاوس وحماد: يعتق منه ذلك
النصيب ويسعى لمولاه في بقية قيمته موسرًا كان أو معسرًا (٥).
(١) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٤ (١٦٧٢٦).
(٢) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٦ (١٦٧٣٤).
(٣) أثر ربيعة، وعبيد الله بن أبي يزيد، رواهما ابن حزم في ((المحلى)) ٩/ ١٩١.
(٤) ((التمهيد)) ١٤/ ٢٨٤.
(٥) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٦٧، ((الاستذكار)) ١٢٦/٢٣.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو قول أهل الظاهر(١)، وخَالَفَ أبا حنيفة أبو يوسف ومحمد وزفر
فأعتقوا العبد كله دون سعاية(٢)، وهو قول مالك والثوري والشافعي
والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح والليث
وأحمد وإسحاق، كلهم قال: يعتق عليه كله إذا كان العتق في
الصحة(٣)، وفي مثل هذا جاء الأثر: ((ليس لله شريك)).
روى أبو الوليد الطيالسي، عن همام، ثنا قتادة، عن أبي المليح،
عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك لسيدنا رسول
الله وَّ فقال: ((ليس لله شريك)) (٤).
وكذا روي عن ابن عمر بسند قال فيه ابن حزم وفي الأول: هذان
إسنادان صحيحان(٥).
وما حكاه أبو عمر عن أهل الظاهر خالف فيه ابن حزم فقال: إذا
أعتق من عبده ظفرًا أو شعرةً أو غير ذلك عتق كله بلا أستسعاء،
وكذا لو أعتق جنين أَمَتِهِ قبل أن تنفخ فيه الروح عتقت هي بذلك؛
لأنه بعضها وشيء منها، وسئل ابن عباس عن رجل قال لخادمه:
فرجكِ حُرٌّ. قال: هي حرة أعتق منها قليلًا أو كثيرًا فهي حرة (٦).
(١) انظر: ((المحلى)) ١٩٠/٩، ((الاستذكار)) ١٢٧/٢٣.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٦٧.
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ١٢/٢٣.
(٤) رواه أبو داود (٣٩٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٨٦/٣ (٤٩٧٠)، والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) ١٠٧/٣، والبيهقي في ((الكبرى)) ٢٧٣/١٠ بهذا الإسناد.
(٥) ((المحلى)) ٩/ ١٩٠.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٦٩٤).

١٥٩
كِتَابُ العِتْقِ
=
قال ابن حزم: ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف من الصحابة،
وعن الحسن: إذا أعتق من غلامه شعره أو إصبعه فقد عتق(١)، وكذا قاله
قتادة والشعبي.
وقال مالك: إذا أوصى أن يعتق من عبده تسعة أعشاره عتق ما سمى
دون سائره، وهذا نقض لمذهبه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: حاشا زفر: لا يحب العتق بذكر شيء من
الأعضاء في ذكر عتق الرأس أو الوجه أو الروح أو النفس أو الجسد
أو البدن، فأي هذا عتق عتق جميعه.
واختلف عنه في عتقه الرأس أو الفرج أيعتق بذلك أم لا(٢)؟
وحجة أبي حنيفة ما رواه إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده أنه
أعتق نصف عبده، فلم ينكر رسول الله وَل عتقه (٣)، وقد جاء عن الحسن
مثل قوله أيضًا وهو قول الشعبي وعبيد الله بن الحسن، وروي عن علي
أيضًا وليس بالثابت (٤). وقد روي أيضًا عن الشعبي: لو أعتق من عبده
عضوًا أو إصبعًا عتق عليه كله(٥)، وكذا قاله قتادة (٦).
قلت: وقد تقرر أن الاستسعاء مذهب أهل الكوفة، وهو قول الثوري
والأوزاعي، ومذهب الثلاثة نفيها؛ لأنه لم يتعدّ ولا جنى ما يجب عليه
ضمانه ولا يؤخذ أحد بجناية غيره، وحديث ابن عمر يبطل الاستسعاء؛
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٧٠٠).
(٢) ((المحلى)) ١٨٩/٩ - ١٩٠.
(٣) سبق تخريجه في شرح حديث (٢٤٩١، ٢٤٩٢).
(٤) أنظر: ((الاستذكار)) ١٢٨/٢٣.
(٥) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١٠).
(٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١١).

١٦٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لأنه لم يذكر فيه، وقد روى همام وشعبة وهشام هذا الحديث عن قتادة
بدونها، ولما ساقه الدارقطني ساقه من قول قتادة، ثم قال: ما أحسن
ما رواه همام وضبطه، فصل قول قتادة(١).
قال الأصيلي: ومن أسقطها أولى ممن ذكرها، وحديث عمران في
الستة(٢) لم يذكره فيه، وعلى مذهب أبي حنيفة كان يجب أن يعتق من كل
واحد يلزمه السعي في قيمة الباقي منه، والشارع أقرع بينهم فأعتق أثنين
منهم، وهذا مخالف لما يقوله أبو حنيفة.
(١) ذكره الحافظ في ((الفتح)) ١٥٨/٥.
(٢) يقصد حديث عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته ...