النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كِتَابُ الرَّهْنِ = وعند ابن حزم من حديث زكريا عن الشعبي عنه مرفوعًا: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي یشرب نفقته، وتر کب)). وقال: هُذِه الزيادة إنما هي من طريق إسماعيل بن سالم الصائغ مولى بني هاشم، عن هشيم، فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم (١). قلت: إسماعيل احتج به مسلم وتابعه زياد بن أيوب عند الدار قطني ويعقوب الدورقي عند البيهقي، إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء فيمن له منفعة الرهن من الركوب واللبن وغيرهما على قولين: أحدهما: أنه للراهن، ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من ذلك، قاله الشعبي وابن سيرين. قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وهو قول الشافعي، فإن للراهن أن يركب الرهن ويشرب لبنه بحق نفقته عليه، وتأوي في الليل إلى المرتهن(٢). وثانيهما: نعم رخصت فيه طائفة أن ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب دون سائر الأشياء، على لفظ الحديث أن الرهن مركوب ومحلوب، وهو قول أحمد وإسحاق(٣) والزهري. وقال أبو ثور: إن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه، فله ركوبه واستخدامه(٤) على ظاهر الحديث، وعن (١) ((المحلى)) ٩١/٨-٩٢. (٢) أنظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٧/٢، ((الحاوي)) ٢٠٦/٦. (٣) أنظر: ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) ٥٣/٢، ((المغني)) ٥١١/٦. (٤) أنظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٣/٢. ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الأوزاعي والليث مثله(١)، ولا يجوز عند مالك والكوفيين للراهن الانتفاع بالرهن وركوبه بعلفه وغلَّته لربه(٢)، واحتج الطحاوي لأصحابه فقال: أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس على المرتهن استعمال الرهن. قال: والحديث مجمل فيه لم يبين فيه الذي يركب ويشرب، فمن أين جاز للمخالف أن يجعله للراهن دون المرتهن؟ ولا يجوز حمله على أحدهما إلا بدليل. قال: وروى هشيم، عن زكرياء، عن الشعبي فساق ما ذكره ابن حزم، ثم قال: فدل هذا الحديث أنّ المَعْنِيَّ بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له وجعلت النفقة عليه بدلًا مما ينقص منه، وكان هذا - والله أعلم- وقت كون الربا مباحًا، ولم يُنْهَ حينئذ عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، ثم حُرِّم الربا بعد ذلك، وحُرّم كل قرض جر منفعة، ونهي عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، وحرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها وحرم بيع اللبن في الضرع، ودخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع، وتلك النفقة غير موقوف على مقدارها، واللبن كذلك أيضًا، فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا منها وباللبن الذي يحلبه فيشربه. (١) انظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٧٢٥/١. (٢) أنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٧٢٤/١. ١٢٣ كِتَابُ الرَّهْنِ = ويقال لمن جوز للراهن استعمال الرهن، أيجوز للراهن أن يرهن دابة هو راكبها؟ فلا يجد بدًا من أن يقول: لا، فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مُخَلَّى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون الراهن، كما وصف الله تعالى الرهن بقوله: ﴿فَرِهَانٌ ج مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فقد ثبت أن دوام القبض في الرهن لابد منه؛ إذا كان الرهن إنما هو وثيقة في يد المرتهن بالدين، وقد أجمعت الأُمَّةُ أن الأَمَةَ المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها، وللمرتهن منعه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه. قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عليه ذلك إلا وهو عنده مخصوص (١). وقال ابن القاسم عن مالك: إذا خلى المرتهن بين الراهن وبين الرهن يركبه أو يعيره أو يسكنه لم يكن رهنًا، وإذا أجره المرتهن بإذن الراهن أو أعاره لم يخرج من الرهن والأجرة لرب الرهن، ولا يكون الكراء رهينة إلا أن يشترط المرتهن، فإذا اشترط في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من الكراء، فإن مالكًا كرهه، وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم فإن ذلك يجوز عند مالك في الدور والأرضين وكرهه في الحيوان والثياب؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه، وكرهه في القرض؛ لأنه يصير سلفًا جر منفعة(٢). وقال الكوفيون: إذا أجر المرتهن بإذن الراهن أو أجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن (٣)، وحكم الضالة مخالف لحكم الرهن (١) ((شرح معاني الآثار)) ٩٩/٤-١٠٠. (٢) أنظر: ((المدونة)) ١٦٣/٤. (٣) انظر: ((تحفة الفقهاء)) ٤٤/٣، ((المبسوط)) ٢١/ ١٠٨. ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - عند مالك وغيره. وقال مالك: إذا أنفق على الضالة من الإبل والدواب فله أن يرجع بذلك على صاحبها إذا جاء وإن أنفقها بغير أمر السلطان، وله أن يحبس ذلك بالنفقة إذ لا يقدر على صاحبها، ولابد من النفقة عليها، والرهن يأخذ راهنه بنفقته، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام(١). وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أنفق بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن كان بأمره فهو دين على صاحبها(٢). فائدة: قوله: ((ويشرب لبن الدر)) هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الدر اللبن مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الْمَصِيدِ﴾، نبه عليه ابن التين. خاتمة: لخص ابن التين الخلاف في المسألة، فقال: اختلف الناس في تأويل الحديث فذهب مالك والشافعي إلى أن المنافع لربه والنفقة عليه، وذهب أحمد وإسحاق والزهري إلى أن المرتهن ينتفع من الرهن بقدر النفقة. قال أحمد: وليس له أن ينتفع منه بشيء سواهما(٣)، وذكر أن الدر ملك المرتهن دون الراهن(2). وقال أبو حنيفة: لا يملك الراهن والمرتهن شيئًا من منافع الرهن وتكون ضائعة، ولو كان الرهن عبدًا كسوبًا لعطل عن العمل أصحاب الرهن حتى یؤدی الدین. ولا يجوز عند مالك أن يعقد الرهن على أن تعطل المنافع، وهذِه (١) أنظر: ((المدونة)) ١٦١/٤. (٢) أنظر: ((تحفة الفقهاء)) ٤٤/٣، ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٨/٢. (٣) أنظر: ((المغني)) ٦/ ٥١١، ٥١٢. (٤) في هذا القول نظر؛ قال ابن قدامة: وإذا أنتفع المرتهن بالرهن حُسب من دينه بقدر ذلك قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك؛ لأن المنافع ملك الراهن، فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن اهـ ((المغني)) ٦/ ٥١٣. ١٢٥ كِتَابُ الرَّهْنِ = الأحاديث حجة على أبي حنيفة، ودليلنا على ذلك قوله ◌َّية: ((الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه))(١) وإن شرط أن منفعة الرهن للمرتهن في قرضٍ أو بيع فسخ ذلك، إلا أن يضرب أجلًا فيجوز في البيع إذا كان عقارًا، واختلف إذا كان حيوانًا أو ثيابًا فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم (٢)، ولا تدخل الغلة في الرهن عند مالك(٣). وقال أبو حنيفة: تكون رهنًا مع الأصول(٤). واختلف إذا كان الرهن غنمًا وعليه صوف نام، فأدخله في الرهن ابن القاسم، وخالفه أشهب(6)، والولد عند مالك داخل في الرهن مع أمه(٦)، فإن أنفق عليه فنفقته في ذمة الراهن، وليس له حبسه عند ابن القاسم(٧)، خلافًا لأشهب فإنه قال: هو أحق به كالضالة إذا كانت بغير أمرِ الراهن(٨). وقال ابن مسلمة: النفقة مبدَّاة على الدين (٩). (١) رواه ابن حبان ٢٥٨/١٣ (٥٩٣٤)، والدارقطني ٣٢/٣، ٣٣ وقال: حسن. والحاكم ٥١/٢، ٥٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين. بلفظ: لا يغلق الرهن ..... (٢) أنظر: ((المدونة)) ١٦٣/٤. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٧٩/١٠ - ١٨٠، ((المنتقى)) ٢٤١/٥. (٤) انظر: ((تبيين الحقائق)) ٩٤/٦، ((الجوهرة النيرة)) ٤٣٦/١. (٥) انظر: ((المنتقى)) ٢٤١/٥. (٦) أنظر: ((المدونة)) ٤ /١٥٦. (٧) في نسبه هذا القول لابن القاسم نظر، فقد نَصَّ على خلافه فقال: إذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه فهو سلف، ولا يكون في الرهن إلا بشرط أنه رهن، إلا أن له حبسه بما أنفق وبدينه اهـ. انظر: ((المدونة)) ١٦١/٤، ((النوادر والزيادات)) ١٨٤/١٠- ١٨٥، ((التاج والإكليل)) ٦/ ٥٧٢. (٨) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٨٤/١٠-١٨٥، ((المنتقى)) ٢٥٤/٥-٢٥٥. (٩) لم أقف عليه من قول ابن مسلمة، ووجدته لابن القاسم كما في ((التاج والإكليل)) ٦/ ٥٧٥. ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٥- باب الرَّهْنِ عِنْدَ اليَهُودِ وَغَيْهِمْ ٢٥١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: أَشْتَرِى رَسُولُ اللهِ ◌َّ مِنْ يَهُودِيٌّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ١٤٥/٥] ذكر فيه حديث عائشة، وقد سلف بفقهه (١). (١) سلف فقهه في شرح حديث (٢٥٠٩). ١٢٧ كِتَابُ الرَّهْنِ = ٦- باب إِذَا اخْتَلَفَ الزَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ(١)، فَالْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِيْنُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ ٢٥١٤- حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابن عَبَّاسِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَ قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ. [٢٦٦٨، ٤٥٥٢ - مسلم: ١٧١١ - فتح: ١٤٥/٥] ٢٥١٥، ٢٥١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالَا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدٍ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ فَقَرَأَ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ والله أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِثْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَ: ((شَاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ)). قُلْتُ: إِنَّهُ إِذَا يَخْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالَا هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). فَأَنْزَلَ اللهُ تَضْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْتَرَأَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى: ﴿وَلَهُمْ لا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ذكر فيه حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابن عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ .. وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي إسناده نافع بن عمر الحافظ المكي الثقة، مات سنة تسع وستين ومائة. وابن أبي مليكة اسمه عبد الله بن (١) ورد بهامش الأصل: وغيرهما. (٢) برقم (١٧١١) كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه. ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان المكفوف القاضي، مات سنة سبع عشرة ومائة. وفي الترمذي مضعفًا من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه))(١). وذكر فيه حديث أبي وائل قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضى الله عنه: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ فَقَرَأَ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: فيَّ أُنْزِلَتْ. وساق الحديث، وقد سلف(٢)، والتبويب يدل على أن مذهبه أن الرهن لا يكون عليه شاهد، كما نبه علیه ابن التین. وإذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم، فقال الراهن: رهنتك بعشرة دنانير. وقال المرتهن: بعشرين. فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور: القول قول الراهن مع يمينه (٣). وقالوا: المرتهن مدع، فإذا لم يكن له بينة حلف الراهن؛ لأنه مدعى عليه على ظاهر السنة في الدعوى لو لم يكن ثم رهن، ولا يلزم الراهن من الدين إلا ما أقر به أو قامت عليه بينة. وفيه قول ثان: وهو أن القول قول المرتهن ما لم يجاوز دينه قيمة رهنه، روي هذا عن الحسن وقتادة ونحوه قال مالك: مع يمينه بما بينه وبين قيمة الرهن؛ لأن الرهن كشاهد للمرتهن إذا حازه، وإذا (١) برقم (١٣٤١) وقال: حديث في إسناده مقال. (٢) برقم (٢٣٥٦، ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة، باب: الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٠٧/٤، ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)» ٢٣/٢، «المغني)) ٥٢٤/٦-٥٢٥. ١٢٩ ـ كِتَابُ الرَّهْنِ أدعى أكثر من قيمة الرهن لم يصدق في الزيادة، ويكون القول قول الراهن مع يمينه، ويبرأ من الزيادة على قيمته ويؤدي قيمته. وحجته أن الراهن مدع لاستحقاق أخذ الرهن وإخراجه عن يد المرتهن، والمرتهن منكر أن يكون الراهن مستحقًّا لذلك بما ذكره، (فاليمين)(١) على المرتهن؛ لأن الراهن معترف بكونه رهنًا في يد المرتهن، والرهن وثيقة بالحق وشاهد له كالشهادة أنها وثيقة بالحق ومصدق له فأشبه اليد، فصار القول قول من في يده الرهن إلى مقدار قيمته، وإنما كان القول قول المرتهن فيما زاد على قيمة الرهن؛ لأن المرتهن مدع جملة ما يذكره من الحق، فعليه أن يحلف على جملة ذلك، ثم له مما (حلف)(٢) عليه قدر ما شهد الرهن له من قيمته، فيكون كالشاهد واليمين؛ لأن المرتهن لا شهادة له فيما يذكره فيما زاد على قيمة الرهن، فصار مدعيًا لذلك والراهن مدعى عليه، فكان حكم ذلك حكم المدعي والمدعى عليه فإما بينة المدعي أو يمين المدعَى عليه(٣). وقوله: (فكتب إليَّ ابن عباس) فيه العمل بالكتابة كالإجازة. قال الداودي: والحديث خرج مخرج العموم وأريد به الخصوص. قال ابن التين: والأولى أن يقال: إنها نازلة في عين والأفعال لا عموم لها كالأقوال على الأصح، وقد جاء في حديث: ((إلا في القسامة)) (٤) (١) في الأصل: في اليمين وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في ((شرح ابن بطال)) ٣٣/٧. (٢) في الأصل: حلفه، والمثبت من ((ابن بطال)). (٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٢/٧-٣٣. (٤) رواه الدارقطني ١١١/٣، والبيهقي ١٢٣/٨، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٣٨٤) من حديث ابن عمر. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أي: فإنها على المدعي إذا قال: دمي عند فلان. وادعى ابن التين أن الشافعي وأبا حنيفة وجماعة من متأخري المالكية أبَوْا ذلك، ثم قال: وقيل: يحلف المدعي وإن لم يقل الميت: دمي عند فلان، وهو قول شاذ لم يقله أحد من فقهاء الأمصار. وقالت فرقة: لا يجب القتل إلا ببينة أو اعتراف القاتل وإلا أخرت أيمان المظلومين. قال: ويؤيد ما ذكروه ما رواه مالك والبخاري وغيرهما أنه العليهي: قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماءَ قوم وأموالهَم، لكن البينة على من أَدَّعَى واليمين على من أنكر))(١). قلت: هذا - أعني: قوله: ((واليمين على من أنكر))- ليس في البخاري ولا في ((الموطأ)) فيما أعلم، وقد أسلفناها(٢) بإسناد ضعيف وانفصل عنه بعض من قال بالأول وبحمله على ما في حديث حويصة ومحيصة من إظهار العداوة بين المسلمين واليهود (٣). (١) سيأتي بهذا اللفظ (٤٥٥٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَّكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ﴾. ولم أعثر عليه عند مالك. (٢) ورد بهامش الأصل: الذي أسلفه: (واليمين على المدعى عليه). بهذا اللفظ، وإن كان قال بمعناه. (٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين، كتبه مؤلفه. ٤٩ كتابة العنوان + ٤٩- كِتَابُ الْعَتْو أصله من عتق الفرخ إذا أُستقل، وهو شرعًا: إزالة ملك عن آدمي لا إلى مالك تقربًا إلى الله تعالى. ١ - باب: في العِتْقِ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُّ رَقَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمِ ذِى مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٣- ١٤] ٢٥١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ نُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابن مَرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((أَيُّمَا رَجُلِ أَعْتَقَ امْرَأَ مُسْلِمَا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ)). قَالَ سَعِيدُ ابن مَرْجَانَةَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَليَّ بْنُ حُسَيْنٍ رضي الله عنهما إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم - أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ - فَأَعْتَقَهُ. [٦٧١٥ - مسلم: ١٥٠٩ - فتح: ٥ ٪ ١٤٦] ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثم ساق حديث سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن حسين قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: «أَيُّمَا رَجُل أَعْتَقَ أَمْرَأَ مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ)). قَالَّ سَعِيدُ ابن مَرْجَانَةً فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلَيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رضي الله عنهما إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ - أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ - فَأَعْتَقَهُ .. معنىٌ ﴿فَقُ رَقَةٍ﴾: اقتحام العقبة فك رقبة، أو فلم يقتحم العقبة إلا من فك رقبة أو أطعم، وفكها: تخليصها من الأسر أو عتقها من الرق، وسمي الرقيق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. قال سعيد بن مسعدة: قراءة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أحب إلي؛ لأنه فسر (العقبة) أي: في فك رقبة. وكذا قال الزجاج: من قرأ: ﴿فَقُّ رَقَةٍ﴾ فالمعنى أقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام، ومن قرأ: (فكَّ رقبةً) فهو محمول على المعنى، والمسغبة: المجاعة. وقوله: (ذا مقربة) أي: ذا قرابة، تقول: زيد ذو قرابتي وذو مقربتي، وزيد قرابتي قبيح؛ لأن القرابة المصدر. قال الشاعر : يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور ولابن زنجويه في ((فضائل الأعمال)) من حديث البراء بن عازب جاء أعرابي إلى رسول الله وَله فقال: علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: ((لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة)). فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا. قال: ((لا، عتق النسمة أن تنفرد ١٣٥ - كِتَابُ العِتْقِ بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها)) (١) وللبيهقي: ((من أعتق أمراً مسلمًا كان فكاكه من النار، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار))(٢). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وفي رواية له: ((من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل أرب منه أربًا منه من النار)) (٤). ولهما من حديثه: ((من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه)). ذكره البخاري في كتاب النذور (٥)، ولأبي الفضل الجوزي: ((حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفم بالفم)) (٦). فقال له علي بن حسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال: ادعوا لي أَفْرَهَ غلماني مطرفًا، فأعتقه(٧). وجاء في فضله عدة أحاديث، منها: حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة مرفوعًا: ((أيما امرئ مسلم أعتق آمراً مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه عضوًا منه، وأيما أمرئ مسلم أعتق أمرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منهما عضوًا منه من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار (١) رواه أحمد ٢٩٩/٤، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٩)، والدار قطني ١٣٥/٢، وقال الهيثمي ٤/ ٢٤٠ رجاله ثقات. وقال الألباني في تعليقه على ((الأدب المفرد)) (٦٩): صحيح. (٢) ((السنن الكبرى)) ٢٧٢/١٠. برقم (١٥٠٩) كتاب: العتق، باب: فضل العتق. (٣) (٤) برقم (١٥٠٩/ ٢١). (٥) برقم (٦٧١٥). ومسلم (١٥٠٩/ ٢٢). (٦) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٦٧/٤ (٤٣٣٩). (٧) رواه البيهقي ((شعب الإيمان)) ٦٧/٤، وهو في مسلم بمعناه (٢٤/١٥٠٩). ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يجزئ كل عضو منها عضوًا منها)). ثم قال(١): حسن صحيح غريب (٢). صَلىاللّهِ وَسَلم ولأبي داود عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة الأسلمي عن النبي مثله(٣). ولأبي داود والنسائي من حديث واثلة بن الأسقع: أتينا النبي وَّ في صاحب لنا قد استوجب -يعني: النار - بالقتل. فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار)) وصححه ابن حبان والحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين (٤). ومعنى أوجب: ركب معصية توجب النار، ويقال للحسنة أيضًا: موجبة. ولأبي داود، عن عمرو بن عبسة سمعت رسول الله وَالله يقول: ((أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وقاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت أمرأة مسلمة فإن الله جل وعز جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النار)) (٥). وللجوزي: ((من أعتق نفسًا مسلمة كانت فديته من جهنم))(٦). (١) كذا بالأصل، ولعل الساقط: رواه الترمذي. (٢) برقم (١٥٤٧)، وقال الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١٢٥٢): صحيح. (٣) برقم (٣٩٦٧)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٧٠٠). (٤) أبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٧١/٣-١٧٢ (٤٨٩٠)، وابن حبان ١٤٥/١٠-١٤٦ (٤٣٠٧)، والحاكم ٢١٢/٢، وصححه المؤلف في ((البدر المنير)) ٥٠٣/٨، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٩٢٩). (٥) برقم (٣٩٦٦)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٧٢٦). (٦) رواه أحمد ٣٨٦/٤. ١٣٧ كِتَابُ العِتْقِ = ولأحمد من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: ((من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار))(١). وفي لفظ ((فداؤه))(٢). قال الحاكم: صحيح الإسناد وشاهده حديث أبي موسى(٣). يعني الآتي بعد. وعن معاذ مرفوعًا مثله(٤). وللنسائي من حديث مالك بن عمرو القشيري: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار))(٥). ولأحمد: ((رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار، مكان كل عظم من عظام محرره بعظم من عظامه))(٦). (١) رواه أحمد ١٤٧/٤، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٤٤٣/٤: ورجاله رجال الصحيح خلا قيس الجدامي ولم يضعفه أحد والحديث صححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (١٨٩٣). (٢) رواه أحمد ٤/ ١٥٠، وأبو يعلى ٢٩٦/٣ (١٧٦٠). (٣) ((المستدرك)) ٢٣٠/٢. (٤) رواه أحمد ٢٤٤/٥. (٥) الحديث رواه أحمد ٣٤٤/٤، والطبراني في ((الكبير)) ٢٩٩/١٩، وأبو يعلى( ٩٢٦) من حديث مالك بن عمرو القشيري. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٣/ ٢١٩: رواه أحمد من طرق أحدها حسن اهـ. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨/ ١٣٩ : رواه أحمد وفي بعض طرقه: أيما مسلم ضم يتيمًا بين أبوين ...... الحديث. وإسناده حسن. والحديث عند النسائي في ((الكبرى)) ١٧١/٣ (٤٨٨٩) من حديث عمرو بن عبسة، ولم يخرجه من طريق مالك بن عمرو، وعندما ذكره المصنف فى ((البدر المنير)) ٩/ ٧٠٣ عزاه لأحمد. (٦) أحمد ٣٤٤/٤ وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٩/٨: إسناده حسن، وصححه الألباني لغيره في ((صحيح الترغيب)) (٢٤٩٦). ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وللحاكم من حديث أبي موسى مرفوعًا: ((من يعتق أعتق الله مكان كل عضو منه عضوًا منه من النار))(١). ولابن زنجويه من حديث عائشة مرفوعًا: ((من أعتق عضوًا من مملوك أعتق الله بكل عضو منه عضوًا))(٢). قال الخطابي: فعلى هذا لا ينبغي أن يكون المعتق ناقصًا بعور أو شلل وشبههما ولا معيبًا بعيب يضر بالعمل، ويخل بالسعي والاكتساب، وربما كان نقص بعض الأعضاء زيادة في الثمن كالخصي؛ إذ يصلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم ونحوه، فلا يكره، على أنه لا يخل بالعمل (٣). وقال القاضي عياض: اختلف العلماء: أيما أفضل عتق الإناث أو الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل؛ لأنها إذا عتقت كان ولدها حرًّا سواء تزوجها حر أو عبد. وقال آخرون: الذكر أفضل؛ لحديث أبي إمامة؛ ولما في الذكر من المعاني العامة التي لا توجد في الإناث؛ ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق وتضيع به، بخلاف العبد(٤)، وهذا هو الصحيح، واستحب بعض العلماء أن يعتق الذكرُ الذكرَ والأنثى مثلَها، ذكره الفريابي في ((الهداية)) لتتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء. تنبيهات : أحدها: لا شك أن الزنا كبيرة لا تُكَفَّر إلا بالتوبة، فيحمل الحديث على أنه أراد مسَّ الأعضاء بعضها بعضًا من غير إيلاج، وهذا صغيرة، (١) ((المستدرك)) ٢٣٠/٢ وجعله الحاكم شاهدًا لحديث عقبة السابق. (٢) أشار إليه الترمذي في ((سننه)) ١١٤/٤. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٢٦٤/٢ -١٢٦٥. (٤) ((إكمال المعلم)) ١٢٢/٥-١٢٣. ١٣٩ كِتَابُ العِتْقِ = ويحتمل أن يريد أن لعتق الفرج حظًا في الموازنة فيكفر الزنا. ثانيها: قال المهلب: فيه فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما ينجي الله به من النار، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النار، وإن كانت صدقة تصدق عليه واجتنى في الآخرة. ثالثها: هذا الحديث يبين أن تقويم باقي العبد على من أعتق شقصًا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه من النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، وهذا أولى من قول من قال: إنما ألزم عتق باقيه لتكميل حرمة العبد، فتتم شهادته وحدوده، وهو قول لا دلالة عليه (١). (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٤. ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢ - باب: أَيُّ الرِّفَابِ أَفْضَلُ؟ ٢٥١٨- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وََّ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ)). قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَغْلَاهَا ثَمَنَا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: ((تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ)). قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِك)). [مسلم: ٨٤ - فتح: ١٤٨/٥] ذكر فيه حديث أبي ذر، هو جندب بن جنادة، مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود، وقد جاء من العراق ثم قدم المدينة فمات بها بعد عشرة أيام. سَأَلْتُ النَّبِيِّ وَِّ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ)). قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَغْلَاهَا ثَمَنَّا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)). قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ)). قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: ((تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ)). ((أغلاها)) ضبطه الشيخ أبو الحسن بعين مهملة وضبطه أبو ذر بمعجمة(١)، ومعناه أن من اشتراها بكثير الثمن، فإنما فعل ذلك لنفاستها عنده، ومن أعتق رقبة نفيسة عنده وهو مغتبط بها فلم يعتقها إلا لوجه الله، وهذا الحديث في معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وكان لابن عمر جارية يحبها فأعتقها (١) ورد في اليونينية ١٤٤/٣ أن أبا ذر ضبطها بعين مهملة رواية عن الحموي والمستملي.