النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
=ِ كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
((إن النهبة لا تحل))(١)، ولأحمد عن زيد بن خالد: نهى رسول الله وَله
عن النهبة (٢)، ولابن أبي شيبة من حديث صحابي: ((ليست النهبة بأحل
من الميتة))، وله من حديث (عبدالرحمن بن سمرة) (٣): أن رسول الله وَالاله
نهى عن المثلة. ومن حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: ((ولا ينتهب نهبة ذات
شرف يرفع المسلمون إليها رءوسهم وهو مؤمن))(٤).
إذا تقرر ذلك؛ فالانتهاب الذي قام الإجماع على تحريمه هو
ما كانت العرب عليه من الغارات وانطلاق الأيدي على أموال
المسلمين بالباطل، فهذِه النهبة لا ينتهبها مؤمن كما لا يسرق ولا يزني
مؤمن، يعني: مستكمل الإيمان؛ وعلى هذا وقعت البيعة من حديث
عبادة في قوله: (بايعنا رسول الله وَلي- أن لا ننتهب) يعني: أن لا نغير
على المسلمين في أموالهم.
قال ابن المنذر: وفسر الحسن والنخعي هذا الحديث فقالا : النهبة
المحرمة: أن يُنتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره؛ وهو قول قتادة.
قال أبو عبيد: وهذا وجه الحديث على ما فسراه، وأما النهبة
المكروهة: فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحه لهم وغرضه
تساويهم فيه أو مقاربة التساوي، فإذا كان القوي منهم يغلب الضعيف
ويحرمه فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل، وقد اختلف العلماء فيما
(١) رواه ابن حبان ٥٧٢/١١-٥٧٣ (٥١٦٩) من حديث ثعلبة بن الحكم أنه سمع
منادي رسول الله وَل ينهى عن النهبة.
(٢) أحمد ٤/ ١١٧.
(٣) هكذا في الأصل، وفي ((المصنف)) ٤٥٤/٥ (٢٧٩٢٦): سمرة بن جندب، وفي
٤٨٤/٤ (٢٢٣٢٠): عبدالرحمن بن سلمة. بلفظ: نهى عن النهبة.
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٨٣-٤٨٤.

=
٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ينثر على رءوس الضيفان، وفي الأعراس فيكون فيه النهبة فكرهه مالك
والشافعي وأجازه الكوفيون(١)، وإنما كره؛ لأنه قد يأخذ منه من لا يحب
صاحب الشيء أخذه، ويحب أخذ غيره له، وما حكي عن الحسن من أنه
كان لا يرىُ بأسًا بالنهاب في العُرسات والولائم، وكذلك الشعبي فيما
رواه ابن أبي شيبة (٢)، فليس من النهبى المحرمة، وكذا حديث عبد الله بن
قرط عن النبي ◌َّ أنه قال في البدن التي نحرها: ((من شاء أقتطع))(٣).
قال الشافعي: صار ملكًا للفقراء خلى بينه وبينهم، وحديث معاذ:
((إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، فأما العرسات فلا)) فجاذبهم وجاذبوه،
ضعفه البيهقي بالضعف والجهالة والانقطاع(٤) .
قال الشافعي: فإن أخذ النثار(٥) آخذٌ لا تجرح شهادته؛ لأن كثيرًا
يزعم أنه مباح؛ لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه
لمن أخذه، وكان أبو مسعود الأنصاري يكرهه، وكذلك إبراهيم
وعطاء وعكرمة ومالك(٦).
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩٤/٢.
(٢) ((المصنف)) ٤/ ٣٧٢.
(٣) رواه أبو داود (١٧٦٥)، وأحمد ٤/ ٣٥٠.
(٤) ((سنن البيهقي)) ٢٨٨/٧.
(٥) ورد بهامش الأصل: الذي في الرافعي أن التقاط المارة كذلك، الأولى ما تابعه
على ذلك في ((الروضة)) الوليمة، وليس لتفصيل نص الشافعي على أنه يكره. وقد
نقله المصنف كما تراه كما نص عليه في ((الأم)) في آخر شهادة القاذف. ولفظه:
وأما أنا فأكرهه لمن أخذه من قبل أن يأخذه من بعده، ولا يأخذه إلا تسلية لمن
حضره. وأما تفصيل قرة وكذا تفصيل مذهبنا. وقد نقل الكراهة في ((الروضة)) في
كتاب النهابات عن السائل، عن الشافعي، ولم يحك به خلافه.
(٦) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٢٧٢/١٠.

٢٣
كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
==
وقال ابن المنذر: إنما أكرهه؛ لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة
وقلة حياء، ولم يقصد به هو وحده، وإنما قصد به الجماعة، ولا يعرف
حظه من حظ غيره، فهو خلسة وسحت. قال: وحديث البدنات حجة في
إجازة ما ينثر في الملاك وغيره وأبيح أخذه؛ لأن المبيح لهم ذلك قد علم
اختلاف قوتهم في الأخذ، وليس في البدن التي أباحها لأصحابه معنى
إلا وهو موجود في النثار.
فرع: ذكر ابن قدامة: أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة،
وحكي عن داود وجوبه على من أخذ مال الغير ولو من غير حرز.
فائدة :
(النهبى) و(النهبة): أسم ما نهب؛ مأخوذة من النهب كالعمرى من
العمر، والمنتهِب: هو الذي يأخذ الشيء عيانًا بغلبة سابقه ومبادرة لغيره.
أخرى: (المثلة) بضم الميم وإسكان المثلثة، ويقال أيضًا: بفتح
الميم وضم الثاء، وجمعها مثلات، وضبطه ابن التين بفتح الميم
وضم الثاء، ثم قال: وضبط في بعض الكتب بالأول، قال: وهي
العقوبة في الأعضاء، كجدع الأنف والأذن وفقء العين. قال ابن
فارس: مثل بالقتيل: إذا جدعه(١).
فرع :
مَنْ مَثَّلَ بعبده عتق عند مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال
بعض المتأخرين: يخير العبد في ذلك، وهل يعتق بنفس المثلة؟ فيه
روايتان للمالكية. واختلفوا إذا مثل بعبد غيره، فنص ((المدونة)): يعتق
عليه(٢). وقال عبد الملك: لا يعتق عليه بخلاف عبده .
(١) ((مجمل اللغة)) ٨٢٣/٣.
(٢) ((المدونة)) ٣٩٦/٢.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
تنبيه :
قال ابن التين: معلوم أن أموال المسلمين محرمة، والحديث إنما
هو مؤول في المغازي ينهب مما غنم من غير قسمة، وكذا إذا قدم
إليهم طعام أكل كل واحد مما يليه ولا ينتهب. قال: وحمل بعضهم
الحديث على عمومه ولم يجزه في النثار ونحوه. وقال بعضهم: إنما
ذلك فيما لم يؤذن في أنتهابه، وإما ما أذن فيه فغير ذلك، واحتج
بحديث البدنات، وهذا مثل تبويب البخاري النهبة بغير الإذن.
خاتمة :
قوله: ( ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) )، وذكر مثله في
شرب الخمر، وأكثر العلماء أن معناه ليس بمستكمل لشرائع الإيمان.
وقال البخاري: تفسيره أن ينزع عنه نور الإيمان وهو قريب من
الأول. وقيل: يزول منه أسم البناء بالإيمان لا نفس الإيمان. وقيل :
أنذره أن يزول إيمانه إذا استمر على ذلك، مثل من يرتع حول الحمى
يوشك أن يقع فيه. وقيل: يعتزله الإيمان عند مقارنة فعله هذه الأشياء.
وقيل: إن أرتكبها مستحِلًا، ورواه بعضهم: ((لا يشرب الخمر)) بكسر
الباء على معنى النهي، يعني: إذا كان مؤمنًا فلا يفعل، وستأتي له
تكملة في الحدود إن شاء الله تعالى.

٢٥
= كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
٣١ - باب كَشْرِ الصَّلِيبٍ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَني
سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ يَّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيَكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمَّا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ
الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). [انظر: ٢٢٢٢ -
مسلم: ١٥٥ - فتح: ١٢١/٥]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّمَ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ .. )) الحديث. وقد
سلف في باب قتل الخنزير(١) فراجعه، وهو وعد منه بنزول عيسى وَّل.
وفيه من الفقه: كسر نصب المشركين وجميع الأوثان، وإنما قصد
إلى ذكر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما في دين النصارى المعتدين
في شريعتهم إليه، فأخبر أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه، كما غيره هو،
وأعلمهم أنهم على الباطل في ذلك، فدل هذا أن عيسى يأتي بتصحيح
شريعة نبينا، حاكمًا بالعدل بين أهلها.
ومعنى ( ((يضع الجزية))): يتركها، فلا يقبلها كما أسلفناه هناك؛
لأنا إنما قبلناها لحاجتنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عند خروجه
إلى مال؛ لأنه يفيض في أيامه حتى لا يقبله أحد ولا يقبل إلا الإيمان
بالله وحده.
وأما الساعة؛ فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا
لكان ذلك تعديًا؛ لأن على ذلك يؤدون الجزية وإن كسره لأهل الحرب
كان مشكورًا، وكذلك قتل الخنزير (٢).
(١) ورد بهامش الأصل: في البيع، ( ... ) فيكم.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٦٠٥/٦.
:

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٢ - باب هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ التِي فِيهَا الحَمْرُ
وَتُخَرَّقُ الزِّفَاقُ؟
فَإِنْ كَسَرَ صَنَمَا أَوْ صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ.
وَأَتِيَ شُرَيْحٌ فِي ◌ُنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ.
٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ الضَّخَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ
بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: ((عَلَى مَا
تُوقَدُ هذِهِ النِّيرَانُ؟)). قَالُوا: عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ: ((اكْسِرُوهَا، وَأَهْرِ قُوهَا)).
قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: ((اغْسِلُوا)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابنِ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ: الحُمُرِ الأَنَسِيَّةِ. بِنَصْبِ الأَلِفِ وَالنُّونِ
[٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١، ٦٨٩١ - مسلم: ١٨٠٢ - فتح: ١٢١/٥]
٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابن أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدِ،
عَنْ أَبِي مَعْمٍَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َ مَكَّةَ، وَحَوْلَ
الكَعْبَةِ ثَلَاثُمَاتَّةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَ اُلْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَطِلُ ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١]. [٤٢٨٧، ٤٧٢٠ - مسلم: ١٧٨١ - فتح: ١٢١/٥]
٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيِهِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتِ أَتَّخَذَّتْ
عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ◌َّةِ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي
البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. [٥٩٥٤، ٥٩٥٥، ٦١٠٩ - مسلم: ٢١٠٧ - فتح: ١٢٢/٥]
ثم ساق ثلاثة أحاديث :
أحدها :
حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ رَأَىُ نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ؛
فَقَالَ: «عَلَى مَا تُوقَدُ هذِه النِّيرَانُ؟». قَالُوا: عَلَى الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ:

٢٧
ـ كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
((اكْسِرُوهَا، وَأَهْرِقُوهَا)). قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: ((اغْسِلُوا)).
ثانيها :
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ مَكَّةَ، وَحَوْلَ البَيْتِ
ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ (صَنَمًا)(١)، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ
يَقُولُ: ﴿جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١].
ثالثها :
حديث عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتِ أَتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ،
فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ وَِّ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.
الشرح :
أثر شريح ذكره وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن أبي حصين أن
رجلًا كسر طنبور رجل، فحاجَّه إلى شريح، فلم يضمنه شيئًا (٢).
وقال ابن التين: قضى شريح في الطنبور الصحيح يكسر ويدفع
لمالكه فينتفع به. وحديث سلمة هو أحد ثلاثياته.
قال البخاري: (كان ابن أبي أويس يقول: الحمر الأَنَسية بنصب
الألف والنون). وحديث عائشة سلف. أما كسر الدنان التي فيها
الخمر فلا معنى له؛ لأنه إضاعة مال وما طهره الماء جاز الانتفاع
به، ألا ترى أنه العليا قال في القدور: ((اغسلوها))؟
وفي الترمذي عن أبي طلحة قال: يا نبي الله أشتريت خمرًا لأيتام في
حجري، قال: ((أهرق الخمر واكسر الدنان)) (٣). وفي سنده ليث بن
أبي سليم .
(١) ورد في الهامش: نُصُبًا. [قلت: سيأتي أنها نسخة].
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٩/٥ (٢٣٢١٤) عن وكيع، به.
(٣) الترمذي (١٢٩٣).

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ولأحمد من حديث ابن عمر: أخذ النبي ◌ّ شفرة وخرج إلى
السوق وبها زقاق خمر جلبت من الشام فشق بالمدية ما كان من تلك
الزقاق، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر
إلا شققته، ففعلت (١).
وأما الزقاق، فرأى مالك أن الماء لا يطهرها لما يداخلها وغاص
فيها من الخمر، ورأى غيره تطهيرها وغسلها بالماء؛ لأن الماء أيضًا
يغوص فيها ويطهر ما غاص فيها من الخمر.
وفي حديث ابن مسعود من الفقه: كسر آلات الباطل وما لا يصلح
إلا للمعصية كالطنابير والعيدان والمزامير والبرابط، التي لا معنى لها
إلا التلهي بها عن ذكر الله والشغل بها عما يحبه إلى ما يسخطه أن
يغيره عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها
المعنى المكروه، وذلك أنه الليهي كسر الأصنام، والجوهر الذي فيه
لا شك أنه يصلح - إذا غير عن الهيئة- المكروهة لكثير من منافع بني
آدم، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي، وروى
سفيان عن منصور، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون
الجواري معهن الدفوف فيخرقونها (٢)، وروى نافع عن ابن عمر أنه
كان إذا وجد أحدًا يلعب بالنرد ضربه وأمر بها فكسرت(٣).
قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في خشبها بعد كسرها
منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على
معنى التشديد والعقوبة على وجه الاجتهاد، كما فعل عمر حين أحرق
(١) أحمد ١٣٢/٢ -١٣٣.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣١٧/٥ (٢٦٤٥٦).
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٥٩٤ (٧).

٢٩
كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
-
دار رويشد على بيع الخمر، وقد هم الشارع بتحريق دور من يتخلف عن
صلاة الجماعة(١)، وهذا أصل في العقوبة في المال إذا رأى ذلك.
قلت: أصحابنا أدعوا نسخه. وهتكه القيمة الستر الذي فيه الصور
دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي. وقال ابن المنذر: في معنى
الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه
الناس مما لا منفعة فيه إلا للهو المنهي عنه، فلا يجوز بيع شيء منه
إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا
غيرت عما هي عليه وصارت نقرًا أو قطعًا، فيجوز بيعها والشراء بها.
وقوله في القدور: ((اكسروها)) أراد به التغليظ على أصحاب المنكر؛
ليكون حسمًا للمراد، وكذا خرق الزقاق، كما نبه عليه ابن الجوزي،
فأما إذا قبلوا قول الحق فاللين أولى بهم؛ ولهذا لما رأى استجابتهم
المراده أجاز الغسل، ثم قال: فإن قلت: قد نهى عن إضاعة المال (٢).
فالجواب: أن إضاعة الشيء الخاص للمصلحة العامة حسن كتحريق
مال الغال وشبهه وهذا على قول من لم يدع نسخه.
تنبيهات :
أحدها: (الدنان) جمع دن ككلب وكلاب، وكذلك (الزقاق) جمع
زق. قال أبو عبد الملك: يغسل الفخار كما في الحديث، وكذا أواني
المجوس التي يطبخون فيها الميتة، وأما الزقاق فتشق؛ لأنها تشرب.
ثانيها: أمر بإراقة لحم الحمر؛ ليكون أبلغ في التحريم، وقد كانت
(١) سلف برقم (٦٤٤) كتاب: الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة، من حديث أبي
هريرة.
(٢) سلف برقم (١٤٧٧) كتاب: بزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَاناً﴾.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
تؤكل قبل ذلك واختلف في علة تحريمها، وسيأتي في بابه. وقوله:
(ألا نهريقها؟) وفي نسخة: نهرقها. وصوب ابن التين الأولى.
ثالثها: قوله: ( ((صنمًا))) وفي نسخة: ((نصبًا)) -بضم النون والصاد-
جمع نصاب وهو صنم أو حجر ینصب ویذبح عنده، ولیس ببيّن أن يكون
جمعًا؛ لأنه لا يأتي بعد ستين إلا مفردًا، تقول: عندي ستون ثوبًا ونحو
ذلك، ولا تقول أثوابًا. قال ابن التين: كذا ضبط في رواية أبي الحسن،
وقد قيل: نُصُب ونُصَب ونُصِبَ بمعنى واحد؛ فعلى هذا يكون جمعًا
لا مفردًا.
رابعها: طعنه في الأنصاب إعلام بأنها لا تدفع عن نفسها، فكيف
تكون آلهة؟!
خامسها: السهوة كالصُّفة تكون بين يدي البيت. قاله الأصمعي، وقد
سلف.
وقال غيره: تكون شبيهة بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء. وقيل :
هي الطاق في وسط البيت. وقيل: هو بيت صغير سمكه مرتفع عن
الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، ومعنى (هتكه):
شقه. والنمرقة سلفت لغاتها. وقال فيما تقدم: دخل البيت فوجد نمرقة
فيها تصاوير فمنع من أتخاذها(١)، فيحتمل هذا أن يكون بعد إذنه:
((إلا ما كان رقمًا في ثوب))(٢)، وإن كان الستر ثوبًا؛ لكنه هتكه لما
(١) سلف برقم (٢١٠٥) كتاب: البيوع، باب: التجارة فيما يكره لُبْسُهُ ... من حديث
عائشة رضي الله عنها. ورواه مسلم أيضا (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب:
تحريم تصوير صورة الحيوان.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٢٦) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين .. من حديث
أبي طلحة، ورواه مسلم (٢١٠٦).

٣١
كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
=
كان معلقًا، والنمارق تمتهن بالأرجل. وقيل: لما شقه خرجت الصور في
القطع ولم يبق منها شيء في النمرقتين. وقال الداودي: الذي يحتمل أن
تكون التماثيل من الشجرة ونحوها، فكرهها وقطع منها نمرقتين يريد أنها
لم تكن صورة ممنوعة مما فيه روح، وهذا مذهب ابن عباس(١).
(١) سلف برقم (٢٢٢٥) كتاب: البيوع، باب: بيع التصاوير، ورواه مسلم (٢١١٠).

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٣ - باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ
٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ: ابن أَبِي أَيُّوبَ - قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُّو الأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). [مسلم: ١٤١ - فتح: ١٢٣/٥]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّوَ يَقُولُ: (مَنْ
قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو للأربعة من حديث سعيد بن
زيد بزيادة: (ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد)). قال
الترمذي: حسن صحيح(١).
ولأبي داود من حديث ابن عمرو: ((من أريد ماله بغير حق فقاتل
فقتل فهو شهيد))(٢). وللإسماعيلي: ((من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة)).
ثم قال البخاري: رواه عن المقرئ(٣)؛ فقال: ((فهو شهيد)) ودحيم،
وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام؛ كلهم رووه عن المقرئ، فقالوا :
(فله الجنة)) وكلهم قال: ((مظلومًا)) ولم يقله البخاري، ويشبه أن يكون
نقله من حفظه، أو سمعه من المقرئ من حفظه، فجاء بالحديث على
ما جرى به اللفظ في هذا الباب، ومن جاء به على غير ما اعتيد من
اللفظ فيه فهو بالحفظ أولى ولاسيما فيهم مثل: دُحيم، وكذلك
ما زادوه من قوله مظلومًا، فإن المعنى لا يجوز إلا أن يكون كذلك.
ورواه أبو نعيم في ((مستخرجه)) عن محمد بن أحمد، عن بشر بن
(١) أبو داود (٤٧٧٢)، والنسائي ١١٦/٧، والترمذي (١٤٢١)، وابن ماجه
(٢٥٨٠)، وليس عند ابن ماجه هذه الزيادة.
(٢) أبو داود (٤٧٧١).
(٣) هو عبد الله بن يزيد.

٣٣
كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
موسى، عن عبد الله بن يزيد المقرئ بلفظ: ((من قتل دون ماله مظلومًا فهو
شهيد))، كما رواه البخاري بزيادة: ((مظلومًا)).
إذا تقرر ذلك؛ ف(دون) في الأصل ظرف مكان بمعنى: أسفل،
وتحت نقيض فوق، وقد استعملت في هذا الحديث بمعنى: لأجل
السببية وهو مجاز وتوسع، ووجهه: أن الذي يقاتل على ماله إنما
جعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه .
والشهيد سمي بذلك؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شهدت دار السلام
وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة؛ ولأن الرب وملائكته يشهدون
له بالجنة فشهيد مشهود له أو لأنه يشهد عند خروج روحه ما له من
الثواب والكرامة، وغير ذلك مما أوضحته في كتاب ((لغات المنهاج)).
قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه
وماله. وقال ابن المبارك: يقاتل عن ماله ولو درهمين(١)، وإنما أدخل
هُذا الحديث في هذِه الأبواب ليريك أن للإنسان أن يدفع عن نفسه
وماله، فإذا كان شهيدًا إذا قُتِل في ذلك، كان إذا قتل من أراده في
مدافعته له عن نفسه لا دية فيه عليه ولا قود.
قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من
أهل أو دين، فهو كمن قاتل دون نفسه وماله، فلا دية عليه ولا تبعة، ومن
أخذ في ذلك بالرخصة وأسلم المال والأهل والنفس، فأمره إلى الله،
والله تعالى (يقدره)(٢) ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة وقتل كانت
له الشهادة بهذا الحديث.
(١) الترمذي (١٤١٩).
(٢) هكذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٦٠٧: (يعذره).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
واختلفت أقوال أهل العلم في الباب:
قال ابن المنذر: روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال
اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم(١)، وقد أخذ ابن عمر لصًّا
في داره فأصلت عليه السيف. قال سالم: فلولا أنا لضربه به(٢).
وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن: إذا
طرق اللص بالسلاح فاقتله، وروينا هذا المعنى عن غير واحد من
المتقدمين، وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر فيلقاهم
اللصوص. قال: تناشدونهم الله، فإن أبوا وإلا قوتلوا(٣).
وعن الثوري وابن المبارك قال: تقاتلونهم ولو على دانق. وقد سلف
عن ابن المبارك على درهمين، ونقله الثوري عن جماهير العلماء. وقال
بعض المالكية: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام.
وحكاه ابن التين عن مالك، وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع مع
اللصوص فلا یعطیھم شيئًا.
وقال أحمد: إذا كان اللص مقبلًا، وأما موليًا فلا. وعن إسحاق
مثله. وقال أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلًا للسرقة ثم خرج
بالسرقة من الدار، فأتبعه الرجل فقتله: لا شيء عليه.
وكان الشافعي يقول: من أريد ماله في مصر أو صحراء أو أريد
حريمه فالاختيار له أن يكلمه ويستغيث، فإن منع أو أمتنع لم يكن له
قتاله، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراده فله أن يدفع عن نفسه وعن
(١) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٣٢٥/٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤٦٦/٥ (٢٨٠٣٢).
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٤٧١.

٣٥
= كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
ماله وليس له عمد قتله، فإن أتى ذلك على نفسه فلا عقل فيه ولا قود
ولا كفارة(١).
قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه
وأهله وماله إذا أريد ظلمًا لحديث الباب، ولم يخص وقتًا دون وقت
ولا حالًا دون حال إلا السلطان، فإن كل من يحفظ عنه من علماء
الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله
إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أن لا يفعل؛ للآثار التي جاءت
عن الشارع بالأمر بالصبر على ما يكون منه من الجور والظلم وترك
القيام عليهم ما أقاموا الصلاة (٢)، وما قلناه من إباحة أن يدفع الرجل
عن نفسه وماله قول عوام أهل العلم إلا الأوزاعي، فإنه كان يفرق
بين الحال التي الناس فيها جماعة وإمام، وبين حال الفتنة التي
لا جماعة فيها ولا إمام. فقال في تفسير قوله: ((فمن قتل دون ماله فهو
شهيد)): إذا أقلعت الفتنة عن الجماعة وأمنت السبل وحج البيت
وجوهد العدو قعد اللص لرجل يريد دمه أو ماله قاتله، وإن كان
الناس في معمعة وقتال فدخل عليه يريد دمه وماله أقتدى بمحمد بن
مسلمة.
فرع :
لا يجب الدفع عندنا عن المال إذا لم يكن ذا روح، أما الحيوان
فكالنفس ما لم يخش على نفسه لحرمته، ويجب عن البُضع بشرطه،
وكذا نفس قصدها كافر أو بهيمة لا مسلم على الأصح.
(١) ((الأم)) ٢٦/٦-٢٧.
(٢) ((الإشراف)) ٣٢٥/٢.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فرع :
لو أراد أستهلاك القوم قوتلوا جزمًا كالمحاربين إن قدر عليهم قبل
التوبة، وإلا أقُيد منهم (وبيعوا) (١) بالأموال وأخذ منهم صداق من
(وطئوه)(٢) أمة كانت أو حرة عند مالك مع الحد. وقال غيره: لا يجتمع
الحد والصداق، وهو قول أبي حنيفة وإذا أنهزم اللصوص فاختلف في
أتباعهم.
(١) كذا في الأصل، وفي (ف): يبعثوا.
(٢) كذا في (ف)، وفي الأصل: ظتوه.

٣٧
كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
٣٤ - باب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْهِ
٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَزْسَلَتْ إِحْدِى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِ
بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ،
وَقَالَ: ((كُلُوا)). وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ
وَحَبَسَ المَكْشُورَةَ. [٥٢٢٥ - فتح: ١٢٤/٥]
وَقَالَ ابن أَبِي مَزْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسَ، عَنِ
النَّبِيِّ
صَدَالله
عايـ
وستاء.
ذكر فيه حديث أنس أنه التَّئُ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدى
أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ
القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: (كُلُّوا)). وَحَبَسَ الرَّسُولَ
وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ.
وَقَالَ ابْن أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا حُمَيْدٌ، ثَنَا أَنَسٌْ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َلُ.
هذا الحديث من أفراده، وفي رواية للترمذي: أهدت بعض أزواج
رسول الله وَّةٍ إلى النبي ◌َّيّ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة
بيدها، فألقت ما فيها، فقال القليّا: (طعام بطعام وإناء بإناء))، ثم
قال: حسن صحيح (١)، وفي رواية لأبي داود والنسائي بإسناد فيه
مقال من حديث عائشة: أن المرسلة صفية (٢)، وهو أحد الأقوال في
(١) الترمذي (١٣٥٩).
(٢) أبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي ٧١/٧، وقال المنذري في ((مختصره)) ٢٠٢/٥: وفي
إسناده أفلت بن خليفة بن حسان، أبو حسان، ويقال: فليت العامري. قال الإمام =

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ذلك. وقيل: زينب بنت جحش، وأنه كان جفنة من حيس. ذكره في
((المحلى))(١). وقيل: أم سلمة حكاهما المحب الطبري في ((أحكامه))،
وحكى الثاني المنذري (٢).
وللترمذي من حديث سويد بن عبد العزيز، عن حميد، عن أنس
استعار النبي وَل قصعة فضاعت فضمنها لهم، ثم قال: حديث غير
محفوظ (٣) .
وقال أبو حاتم الرازي في ((علله)): حديث باطل ليس فيه استعارة،
وهم فيه سويد(٤)، وفي ((علله)) سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه
عمران بن خالد، عن ثابت، عن أنس: كان العَيْ في بيت عائشة ومعه
أصحابه، فأرسلت حفصة بقصعة فكسرتها عائشة، فقضى العليا: ((من
كسر شيئًا فهو له وعليه مثله))، فقال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل أنه التقليهي وهو
الصحيح(٥). ولم يقض، أي: فيه بشيء.
قلت: فالحاصل في المرسلة أربعة أقوال والكاسرة عائشة.
واختلف العلماء فيمن استهلك عروضًا أو حيوانًا؛ فذهب الكوفيون
والشافعي وجماعة -كما قاله ابن بطال- إلى أن عليه مثل ما استهلك.
= أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال الخطابي: وفي إسناد
الحديث مقال. ((معالم السنن)) ١٥١/٣.
(١) ((المحلى)) ١٤١/٨.
(٢) ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٠١/٥.
(٣) الترمذي (١٣٦٠).
(٤) ((علل الحديث)) ٤٠٧/١ (١٤١٢).
(٥) ((علل الحديث)) ٤٤٦/١ (١٤٠٠).

٣٩
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
قالوا: ولا يقضى بالقيمة إلا عند عدم المثل، واحتجوا بحديث الباب،
ألا ترى أنه التّها ضمن القصعة بقصعة، وذهب مالك إلى أن من أستهلك
شيئًا من العروض أو الحيوان، فعليه قيمته يوم استهلاكه والقيمة أعدل
في ذلك، واحتج بأنه العَّي قضى فيمن أعتق شركًا له في عبد بقيمة
حصة شريكه دون حصته من عبد مثله، لأن ضبط المثل بالقيمة أخص
منه في الخلقة. والمثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد كما أن القيمة
تدرك بالاجتهاد وقسمة العدل في الصنعة مثل. وقد ناقض العراقيون
في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالوا:
القيمة مثل في هذا الموضع، واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأبو
ثور فيمن استهلك ذهبًا أو ورقًا أو طعامًا مكيلًا أو موزونًا أن عليه
مثل ما استهلك في صفته ووزنه وكيله. قال مالك: وفرق بين الذهب
والفضة والطعام وبين الحيوان والعروض العمل المعمول عليه(١). قال
ابن المنذر: ولا أعلم في هذِه المسألة خلافًا(٢).
وقال ابن التين: أحتج بهذا الحديث من قال: يقضي في العروض
بالأمثال. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك، وعنه كل
ما صنعه الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط والصناعة ونحو ذلك،
وكل ما كان من صنع الله كالعبد والدابة، ففيه القيمة والمشهور من مذهبه
أن كل ما ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلاً أو موزونًا
فيقضى بمثله.
(١) ((الموطأ)» ص٤٥٨.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦٠٩/٦-٦١٠، ((الإشراف)) ٣٣٦/٣.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والجواب عن حديث الباب أن البيت الذي كان فيه سيدنا رسول الله
وَّ بيته والظاهر أن ما فيه له، وكذا بيت المُهْدِية، أي: لا على وجه
الغرامة، ولو سلم أن القصعتين للمرأتين لم يكن فيه حجة إذا أتفق
الجاني والمجني عليه على الرضا بهما، وإنما يجب ما قلناه عن
القيمة إذا أباه أحدهما، ويحتمل أن يكون الكليه رأى ذلك سدادًا
بينهما فرضيتاه، فالحديث لا يتناول موضع الخلاف، ويحتمل أن
يكون أخذ القصعة من بيتها عقوبة، والعقوبة بالأموال كانت مشروعة.
وزعم المنذري أن ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بت الحكم
بوجوب المثل، فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وقد
أسلفنا هذا.
ومن تعدى على قصعة فكسرها أو ثوبًا فقطعه، فإن كان يسيرًا
أصلحه وغرم ما بين قيمته صحيحًا ومَرْفُوًّا. وإن كان كبيرًا، فاختلف
قول مالك؛ فقال مرة: يغرم ما نقصه مثل الأول. وقال أخرى: هو
مخير بين أن يضمنه جميع قيمته أو ما نقصت قيمته، ولم يختلف قول
مالك إذا أراد ربُّه أخذَه وما نقص له أن ذلك له. وقال أشهب ومطرف
وابن الماجشون: إن قدر على غرامة قيمته، فليس له أخذه وما نقصه.
تنبيهات :
أحدها: لما استدل ابن حزم بحديث القصعة، قال: هذا قضاء
بالمثل لا بالدراهم، قال: وقد روي عن عثمان بن عفان وابن مسعود
أنهما قضيا فيمن أستهلك فصلانًا بفصلان مثلها(١)، وشبهه داود
بجزاء الصيد في العبد العبد، وفي العصفور العصفور.
(١) ((المحلى)) ١٤١/٨.