النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
وفي لفظ: ((فلم يزل به حتى أقر))(١)، قال الترمذي: والعمل عليه
عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل
العلم: لا قود إلا بالسيف(٢).
خامسها: قام الإجماع على أن القتل صنفان: عمد وخطأ، واختلفوا
هل بينهما وسط أم لا؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد، وبه قال جمهور
فقهاء الأمصار، قالوا: وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع
بها القتل وإلى الأحوال التي كانت من أجلها الضرب، فقال أبو حنيفة:
كل ما عدا الحديد من القصب أو النار أو ما يشبه ذلك فهو شبه
العمد. وقال صاحباه: شبه العمد ما لا يقتل مثله(٣) وقال الشافعي:
هو ما كان عمدًا في الضرب خطأ في القتل أو ما كان ضربًا لم يقصد
به القتل، فتولد عنه القتل.
والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعًا، والعمد ما كان عمدًا فيهما
جميعًا، وعمدة من نفي شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد،
أعني: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده، وعمدة من أثبته أن النيات
لا يطلع عليها إلا الله وإنما الحكم لما ظهر، فمن قصد ضرب آخر
بآلة تقتل غالبًا كان حكمه حكم العامد.
سادسها: قال الطحاوي: يحتمل أن النبي ولو رأى أن اليهودي
یجب قتله لله بذلك، فإن کان دم اليهودي قد وجب لله کما یجب دم
قاطع الطريق لله، فكان له أن يقتله كيف يرى بسيفٍ أو بغيره، والمثلة
(١) سيأتي برقم (٦٨٧٦) كتاب: الديات، باب: سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في
الحدود.
(٢) ((جامع الترمذي)) (١٣٩٤).
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٨٥/٥-٨٦.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حينئذٍ مباحة كما فعل الشارع بالعرنيين(١)، ثم نسخت بعد ذلك المثلة
ونهي عنها، أو يحتمل أن يكون رأى ما فعل باليهودي واجبًا لأولياء
الجارية، فقتله لهم فاحتمل أن يكون قتله كما فعل؛ لأن ذلك هو
الذي وجب عليه؛ لأنه وجب عليه سفك الدم بأي طريق شاءه الولي،
فاختاروا الرضخ، ففعل ذلك به. وقد روي عنه ◌َ أنه قتل ذلك
اليهودي بخلاف ما قتل به الجارية (٢)، ففي مسلم من حديث أنس أنه
أمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات(٣). والرجم قد يصيب
الرأس وغيره.
سابعها: اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب الشافعي ومالك
والليث إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من يحضره جازت وصيته.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إذا سُئل المريض عن شيء فأوماً
برأسه أو بيده، فليس بشيء حتى يتكلم. قال أبو حنيفة: وإنما تجوز
إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، وأما من أعتقل لسانه
ولم يدم به ذلك فلا تجوز إشارته(٤).
قلت: الحديث حجة عليه لا جرم. قال الطحاوي: جعل الشارع
إشارتها بمنزلة دعواها بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة من
الزمان، فدل على أن من أعتقل لسانه بمنزلة الأخرس في جواز إقراره
(١) سبق الحديث برقم (٢٣٣) كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم.
(٢) (شرح معاني الآثار)) ١٧٩/٣، ١٨١.
(٣) مسلم (١٦٧٢) كتاب: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره ..
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٦٥/٥-٦٦، ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم ص
٣٤٤، ((الفروق)) ١٦٠/٤، ((الأشباه والنظائر)) للسيوطي ص ٣١٤، ((المغني))
٥١١/٨.

٤٨٣
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
بالإيماء والإشارة (١).
وقد ثبت أن رسول الله وسيله صلى قاعدًا وأشار إليهم فقعدوا، واحتج
الشافعي بأن أمامة بنت أبي العاصي أصمتت، فقيل لها: لفلان كذا
فأشارت أي: نعم فنفذت وصيتها .
قال المهلب: أصل الإشارة في كتاب الله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ يعني:
سلوه، وقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]
وقال الإسماعيلي: من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له
أو عليه واقعة موقع الكلام، لكن يقع موقع الدلالة على ما يراد لا فيما
يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره، ولو كان كذلك لقبلت شهادة
الشاهدين بالإشارة والإيماء، وهذه القضية أشارت إشارة وهي تعقل
إشارة لم نفض البحث عن صحتها، فلما بحث عنها أعترف. كأنه ردَّ
بهذا تبويب البخاري في باب: إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة
جاز، من كتاب: الوصايا وستعلمه فيه(٢) وفي: الديات(٣) إن شاء الله
تعالى.
ثامنها: معنى رضَّ: دق(٤). وقوله: (فأومأت) كذا في الأصول
مصلحًا. وذكره ابن التين: فأومت وقال: صوابه فأومأت.
وفيه: القود بالمثقل خلافًا لأبي حنيفة وهو نص في موضع
الخلاف(٥).
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥/ ٦٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٤٦) كتاب: الوصايا، باب: إذا أومأ المريض ..
(٣)
سيأتي برقم (٦٨٧٩) كتاب: الديات، باب: من أقاد بالحجر.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٣٦٧/١، مادة [رض].
(٥) انظر: ((المبسوط)) ٢٦/ ١٢٢، ((الأم)) ٤/٦- ٥، ((أسنى المطالب)» ٣/٤-٤.

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
وفيه: قتل الرجل بالمرأة، ولا ترداد بينهما عند مالك. وقال قوم:
يرد أولياء المرأة نصف دية الرجل(١).
وفيه: (قتل المسلم بالكافر)(٢). واختلف عند المالكية إذا جرحه هل
له الدية أو يقتص كالقتل أو يجتهد السلطان أقوال، وكذلك إذا قطع كافر
طرف مسلم (٣).
(١) انظر: ((المنتقى)) ١٢١/٧، ((الأم)) ١٨/٦.
(٢) هذا الكلام يخالف كلام المصنف المتقدم في أول تنبيهاته ص٤٦٩، ولعله سقط
(عدم) من أول الجملة.
(٣) انظر: ((الذخيرة)) ٣٣٤/١٢.

٤٨٥
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
==
٢- باب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ العَقْلِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، أن النَّبِيِّ وَِّ رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْي ثُمَّ
نَهَاهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَىْ رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَىءٍ لَهُ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَّهُ، لَمْ
يَجُزْ عِثْقُهُ. [فتح ٧١/٥]

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣- باب وَمَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ
ودفع إِلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهِ، فَإِنْ أَفْسَدَ
بَعْدُ مَنَعَهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ نَ ◌ّهُ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، وَقَالَ
لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي البَيْعِ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ)). وَلَمْ
يذكر النَّبِيُّ وَّهِ مَالَهُ.
٢٤١٤- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللهِ بْنُّ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مُخْدَعُ فِي البَنْعِ،
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ)). فَكَانَ يَقُولُهُ. [انظر: ٢١١٧ - مسلم:
١٥٣٣ - فتح ٥/ ٧٢]
٢٤١٥- حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ
جَابِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَغَتَقَ عَبْدًا لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ بَه
فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّخَّامِ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٥/ ٧٢]
ثم ساق حديث ابن عُمَرَ(١).
وحديث جابر في بيع المدبر، وفي آخره: فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّخَّام.
الشرح :
هذان الحديثان سلفا (٢).
والتعليق الأول: هو حديث جابر الذي أسنده بعد.
وهذا التعليق ذكر بغير صيغة جزم، وهو صحيح لا كما قاله
(١) ورد بهامش الأصل: هو قوله: ((إذا بايعت ... )) إلى آخره.
(٢) حديث ابن عمر سلف برقم (٢١١٧) كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الخداع
في البيع، وأما حديث جابر فسلف برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع
المزايدة.

٤٨٧
=
=
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
ابن الصلاح(١) ومن تبعه، وكلام مالك هذا ذكره ابن وهب في ((موطئه))
إلى قوله: (لم يجز عتقه)، وما بعده من كلام البخاري، وليس في أكثر
الأصول ذكر (باب) إثر ذلك.
وقوله: (ومن باع على الضعيف .. ) إلى آخره. المراد به حديث جابر
المذكور.
وقوله: (ونهى عن إضاعة المال) قد سلف من حديث المغيرة
قريبًا(٢)، وهُذِه الترجمة وسياقه فيها حديث المدبر، وحديث الذي
يخدع في البيوع من محاسن البخاري اللطيفة كما نبه عليه ابن المنير؛
لأن العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل ترد عقوده،
فاختار البخاري ردها واستدل بحديث المدبر، وذكر قول مالك في رد
عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله، ويلزم مالكًا رد أفعال
سفيه الحال؛ لأن الحجر في السفيه والمديان مطرد، ثم فهم البخاري
أنه يرد عليه حديث الذي يخدع في البيوع، فإنه يَّر أطلع على أنه
يخدع، وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة، فنبه على أن الذي ترد
أفعاله هو الظاهر السفه البين الإضاعة كإضاعة صاحب المدبر .
والتفصيل بين الظاهر السفه والخفي السفه أحد أقوال مالك، وأن
المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، ثم فهم البخاري أنه يرد عليه
(١) ورد بهامش الأصل: لكن استدرك ابن الصلاح في ((العلوم)) فقال: ومع ذلك
فإيراده له في أثناء الصحیح مشعر بصحة أصله إشعارًا یؤنس به ویرکن إليه آنتهى،
فالذي يظهر لي في قوله: يذكر. لعله ذكره بصيغة تمريض أن الحديث الذي ساقه
ليس هو لفظ الحديث وإنما هو معناه، وقد اختلف الناس في رواية الحديث
بالمعنى، فلهذا ذكره بصيغة تمريض وهذا يصنعه كثيرًا فيما إذا اختصره أو ذكر
معناه.
(٢) سلف برقم (١٤٧٧) كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿لَا يَتْعَلُونَ﴾.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كون النبي وَلو أعطى صاحب المدبر ثمنه، فلو كان مَنْعُهُ لأجل السفه لما
سلم إليه الثمن، فنبه على أنه إنما أعطاه بعد أن علمه طريق الرشد وأمره
بالإصلاح والقيام بشأنه وما كان السفه حينئذٍ فسقًا، وإنما نشأ من الغفلة
وعدم البصيرة بمواقع المصالح، فلما بينها له كفاه ذلك، ولو ظهر له بعد
ذلك من حاله أنه لم يتنبه ولم يرشد لمنعه التصرف مطلقًا وحجر عليه
حجرًا مطردًا(١)، والأقوال الثلاثة التي أشرنا إليها.
أحدها: قول مالك وأصحابه غير ابن القاسم: أن فعل السفيه وأمره
كله جائز حتى يضرب الإمام على يديه وهو قول الشافعي (٢).
ثانيها: لابن القاسم أن أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام.
ثالثها: لأصبغ إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير
ظاهر السفه، فلا ترد عليه أفعاله حتى يحجر عليه الإمام.
واحتج سُحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعاله مردودة قبل
الحجر ما أحتاج السلطان أن يحجر على أحد، واحتج غيره بأن
الشارع أجاز بيع الذي كان يخدع في البيوع، ولم يذكر في الحديث
أنه فسخ ما تقدم من بیوعه.
وحجة ابن القاسم حديث جابر أنه التَُّ ردَّ عتق الذي أعتق عبده ولم
(١) ((المتواري)» ص٢٧٢.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٩٢/١٠-٩٣، ((تبصرة الحكام)) ٤٤/١، واعلم أن
السفيه عند الإمام الشافعي هو المبذر، والتبذير، على ما نقله معظم الأصحاب
محصور في التضييعات والإنفاق في المحرمات ((الشرح الكبير)) ٦٧/٥، ٧٢.
قال النووي في ((منهاجه)) ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا إعتاق
وهبة ونكاح بغير إذن ولیه .. ، ولا بعد فك الحجر، ویصح بإذن الولي نكاحه،
لا التصرف المالي في الأصح. ((المنهاج مع شرحه)) للدميري ٤١٤/٤-٤١٦.

٤٨٩
ڪِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
يكن حجر عليه قبل ذلك، ولما تنوع حكم الشارع في السفيهين نظر بعض
الفقهاء في ذلك فاستعمل الحديثين جميعًا، فقال: ما كان من السفه
اليسير والخداع الذي لا يكاد يسلم منه مع تنبه المخدوع إليه والشكوى
به، فإنه لا يوجب الضرب على اليد، ولا رد ما دفع له قبل ذلك من
البيع، ولا انتزاع ماله كما لم يرد ◌ّلفي بيع الذي قال له: ((لا خلابة))
ولا انتزاع ماله وما كان من البيع فاحشًا في السفه، فإنه يرد كما رد
الشارع تدبير العبد المذكور؛ لأنه لم يكن أبقى لنفسه سيدُه مالًا يعيش
به، فرد عتقه وصرف إليه ماله الذي فوته بالعتق؛ ليقوم به على نفسه
ويؤدي منه دينه، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الإمام في ذلك وما يراه.
وقد سلف الكلام فیمن باع وغین في حديث ابن عمر فراجعه.
وقوله: (فاشتراه نعيم بن النحام) صوابه: حذف (ابن)، وإنما هو:
نعيم النحام، ووقع في ((شرح ابن بطال)) أيضًا: ابن النحام، وقد عرفت
صوابه(١).
(١) (شرح ابن بطال)) ٥٣٨/٦. تتمة: قال القاضي عياض في ((إكمال المعلم))
٤٤٦/٥: نعيم نفسه هو النحام. وهو نعيم بن عبد الله بن أسد قرشي عدوى وهو
النحام سمي بذلك لقول النبي ◌َّفي له: ((دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم))
وذكره مثله النووي في ((شرح مسلم)) ١١/ ١٤٢.
وقال الحافظ في (الفتح)) ١٦٦/٥: والنحام بالنون والحاء المهملة الثقيلة عند
الجمهور وضبطه ابن الكلبي بضم النون وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني وهو لقب
نعيم وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، ثم ذكر كلام النووي المذكور آنفًا ثم قال: وكذا
قال ابن العربي وعياض وغير واحد ثم عقب على قولهم بقوله: ولكن الحديث
المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولا ترد الروايات الصحيحة بمثل
هذا فلعل أباه أيضًا كان يقال له النحام. وروى الحارث في ((مسنده» بإسناد حسن
أن النبي ◌ّ سماه صالحًا، وكان اسمه الذي يعرف به نعيمًا. اهـ من ((الفتح))
بتصرف.

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب كَلَامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ
٢٤١٦، ٢٤١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا
فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ آَمْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)).
قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِّ والله كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَزْضٌ
فَجَحَدَنٍ، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟). قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: ((احْلِفْ). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا يَخْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالٍ،
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]
لا
إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [انظرك ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح ٧٣/٥]
٢٤١٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَذَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَغْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ كَغْبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي
حَذْرَدِ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَضْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِنَّهـ
وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادِى: ((يَا كَعْبُ)). قَالَ:
لَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذا». فَأَوْمَاَ إِلَيْهِ - أَي الشَّطْرَ- قَالَ: لَقَدْ
فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح ٧٣/٥]
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ عُمَرَ بْنَ الَطَّابِ رضي الله
عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُزْقَانِ عَلَى غَيْرٍ مَا أَقْرَؤُهَا،
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِذْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى أَنْصَرَفَ، ثُمَّ
لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَقُلْتُ: إِّ سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا
أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: ((أَرْسِلْهُ)). ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((اقْرَأُ). فَقَرَأَ، قَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ
لي: ((اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ القُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَخْرُفٍ،
فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَسَّرَ)). [٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠ - مسلم: ٨١٨ - فتح ٧٣/٥]

٤٩١
= ڪِتَابُ الخُصُومَاتِ
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها :
حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّه :
((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ .. )) الحديث.
وقد سلف في باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها(١) وهو هنا أتم.
وشيخ البخاري فيه حدثنا محمد وهو: ابن سلام، كما صرح به
أبو نعيم وخلف.
ثانيها :
حديث كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَیْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي
المَسْجِدِ، إلى آخره، وقد سلف في: أبواب المساجد(٢).
و(سجف الحجرة) بفتح السين وكسرها. ومعنى: (حتى كشف
سجف حجرته): أرسله. وقال في رواية: أمر بهما رسول الله وَله.
ولعله عند وقوفه عند كشف السجف.
وقوله هنا: (تقاضاه في المسجد)، وكذا سلف هناك، وقال في
رواية أخرى: لقيه، فإما أن تكون إحداهما وهمّا أو لقيه، ثم سارا
إلى المسجد، قاله ابن التين.
ثالثها :
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عن مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِيِّ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأْ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا،
(١) سلف برقم (٢٣٥٦، ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة.
(٢) سلف برقم (٤٥٧) باب: التقاضي والملازمة في المسجد.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى
انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّيْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ النبيِ نَّهِ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هُذا
يَقْرَأُ سورة الفرقان عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَ أْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: ((أَرْسِلْهُ). ثُمَّ قَالَ
لَهُ: ((اقْرَأْ». فَقَرَأَ، قَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ لِي: ((اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ
فَقَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ
مَا تَيَسَّرَ)). وتقدم عليه أنه لا يجوز من كلام الخصوم بعضهم لبعض
إلا ما يجوز من كلام غيرهم مما لا يوجب أدبًا ولا حدًا.
ورواه في: فضائل القرآن من حديث عقيل عن ابن شهاب، عن
عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري عن عمر به(١).
قال الدارقطني: رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، عن
ابن شهاب، عن عروة، عن المسور، عن عمر. ورواه مالك بإسقاط
المسور، وكلها صحاح عن الزهري، ورواه يحيى بن بكير، عن
مالك، فقال: عن هشام وهم، والصحيح ابن شهاب (٢).
ومعنى الترجمة من حديث ابن مسعود قول الأشعث: إذًا والله
يحلف فيذهب بحقي، فمثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه، كما
عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث، وقلة مراقبته لله. فحينئذٍ
يسمح الحكم للقائل لخصمه ذلك، وأما إن قال ذلك في رجل صالح
أو من لا يعرف له فسق؛ فيجب أن ينكر عليه ويؤخذ له بالحق،
ولا یبیح له النیل من عرضه.
وحديث عمر مع هشام في تولي الخصوم بعضهم بعضًا سديد في
(١) سيأتي برقم (٤٩٩٢) باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
(٢) ((العلل» ٢١٣/٢-٢١٤ (٢٢٩).

٤٩٣
= كِتَابُ الخُصُومَاتِ
هذا الباب؛ لأن فيه امتدادًا باليد فهو أقوى من القول، وإنما جاز له
ذلك. والله أعلم؛ لأنه أنكر عليه في أمر الدين.
وفي حديث كعب جواز ارتفاع الأصوات بين الخصوم؛ لما في
خلائق الناس من ذلك، ولو قصر الناس عن أخلاقهم لكان ذلك من
المشقة عليهم بل يسمح لهم فيما جبلهم الله عليه؛ لأن الشارع
سمعهما ولم ينههما عن رفع أصواتهما.
وفيه: أن الحكم إذا سمع قول الخصوم واستعجم عليه أمرهما أشار
عليهما بالصلح وأمرهما به، وإذا رأى مديانًا غير مستطيع بدينه ولا مَلِيء
به وثبتت عسرته أنه لا بأس للحكم أن يأمر صاحب الدين بالوضيعة؛
لقطع الخصام لما في تماديه من قطع ذات البين وفساد النيات. قال
ابن التين: واختلف الناس في حديث عمر مع هشام قديمًا وحديثًا،
ولم يعين أحد الخلاف الذي وقع بينهما .
واختلف في معنى الحرف على عشرة أقوال:
فقال الخليل: هو هنا القراءة، وقال أبو عبيد وأبو العباس أحمد بن
يحيى هي سبع لغات من لغات العرب قريش ونزار(١) وغير ذلك.
وقيل: كلها لمضر لا لغيرها وهي مفترقة في القرآن غير مجتمعة في
.(٢)
الكلمة الواحدة
وقيل: تصح في الكلمة الواحدة، ومنهم من جعلها في صورة التلاوة
كالإدغام وغيره مما يأتي .
(١) ورد بهامش الأصل: النمر ومعَد.
(٢) ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ص٣٣٩-٣٤٠ و((غريب الحديث)) ١٥٩/٣، ((المفهم))
٤٤٧/٢-٤٥٠.

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: سبعة أنحاء: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه
وأمثال. وقيل: أحكام وأمثال وقصص إلى غير ذلك، وفيه نظر؛ لأن
الشارع أجاز القراءة بكل حرف منها وإبدال حرف بحرف آخر منها،
وتقرر الإجماع على أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام، قال
تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَآَِّى نَفْسِىِّ﴾ [يونس: ١٥].
وقيل: الحرف هنا الإعراب؛ لأنه يقع في آخر الكلمة. وذكر عن
مالك أن المراد به إبدال خواتم الآي فيجعل مكان (غفور رحيم)
(سميع بصير) ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه .
وقيل: الحروف: الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم
منها الكلمة؛ فيقرأ على سبعة أوجه نحو: ﴿وَعَبَدَ الطَّغُوتْ﴾ (١) [المائدة: ٦٠]
و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (٢) [يوسف: ١٢] قرئا على سبعة أوجه.
وقال أكثر العلماء(٣): أي: سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة
(١) قرأ حمزة بضم الباء وبجر التاء (وعَبُدَ الطاغوتِ)، يقال عبْد وعبد، قال الشاعر:
أبني لُبَيْنَى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد
قال الفراء: الباء تضمها العرب للمبالغة في المدح والذم نحو: رجل حذر ويقظ
أي مبالغ في الحذر، فتأويل عَبُد على ذلك أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان.
((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٢٤٦، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة
ص٢٣١ -٢٣٢.
(٢) بالنون قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. وحجتهم قوله تعالى بعدها: ﴿إِنَّا
ذَهَبْنَا نَسْقَيِقُ﴾ فأسندوا جميع ذلك إلى جماعتهم. وقرأ أهل المدينة والكوفة:
﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء إخبارًا عن يوسف. وحجتهم في ذلك أن القوم إنما كان
قولهم ذلك ليعقوب اختداعًا منهم إياه عن يوسف إذ سألوه أن يرسله معهم لينشط
يوسف لخروجه إلى الصحراء ويلعب هناك.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط الشيخ: نقله القرطبي أيضًا.

٤٩٥
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
-
نحو: أقبل وتعال وهلم. وعن مالك: إجازة القراءة بما ذكر عن عمر:
(فامضوا إلى ذكر الله)(١) قيل: أراد أنه لا بأس بقراءته على المنبر كما
فعل عمر ليبين ﴿فَأَسْعَوْا﴾ أن لا يراد به الجري. وقيل: المراد بها: الإمالة
والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار(٢)
وعاشرها لبعض المتأخرين قال: تدبرت وجوه الاختلاف في
القراءات فوجدتها سبعة منها يتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل :
﴿هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و(أطهرَ) (٣) ومنها ما يتغير معناه ويزول
بالإعراب ولا تتغير صورته مثل: ﴿رَبَّنَا بَعِدْ﴾ و(بعد)(٤) ومنها ما يتغير
بالحروف واختلافها بالإعراب ولا تتغير صورته نحو: ﴿نُنْشِرُهَا﴾(٥)
(١) الموطأ ص ٨٧ (١٤).
(٢) ورد بهامش الأصل: والمد.
(٣) قرأ العامة برفع الراء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو (هن أطهرَ) بالنصب على
الحال و(هن) عماد ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون (هن) ههنا
ضميرًا للعماد، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو: كان زيد
هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت. وقال الزجاج: ويدل بها على أن
كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قاربها.
((أحكام القرآن)) للقرطبي ٧٦/٩ - ٧٧ وقال أبو جعفر الطبري: والقراءة التي
لا أستجيز خلافها في ذلك الرفع؛ لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه مع صحته
في العربية، وبُعد النصب فيه من الصحة. ((تفسير الطبري)) ٧/ ٨٤.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فقالوا ربنا بعد) بالتشديد، وقرأ الباقون ﴿بَعِدْ﴾ بالألف.
قال سيبويه: إن (فاعل وفعَّل) يجيئان بمعنى، كقولهم (ضاعف وضعّف) واللفظان
جميعًا على معنى الطلب والدعاء ولفظهما أمر. ((حجة القراءات)) ص٥٨٨.
(٥) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ((ننشرها)) بالراء. أي كيف نحييها. وحجتهم قوله
قبلها ﴿أَنَّ يُحِءَ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. والزاي يعني بها: (كيف نرفعها من الأرض
إلى الجسد). وقرأ الباقون: ((كيف ننشزها)) بالزاي أي نرفعها .. اهـ
وانظر ((حجة القراءات)) ١٤٤، و((الحجة للقراء السبعة)) ٣٧٩/٢.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
[البقرة: ٢٥٩] و(نَنْشُزُهَا) ومنها ما يتغير صورته دون معناه ﴿كَالْعِهْنِ
اٌلْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
وقرأ سعيد بن جبير: (کالصوف) ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل:
﴿وَطَلْحٍ مَّنْضُورٍ ﴾ [الواقعة: ٢٩] قرأ عليُّ: (وطلع) (١)، ومنها التقديم
والتأخير مثل: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ يِالْحَقِ﴾ [ق: ١٩] قرأ أبو بكر وطلحة:
(وجاءت سكرت الحق بالموت)(٢). ومنها: الزيادة والنقصان: ﴿تِسْعُ
وَتَسْعُونَ نَجْجَةً﴾ [ص: ٢٣] (أنثى) في قراءة ابن مسعود.
واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه
الطبري(٣) وغيره وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم وهو حرف
زيد، ونحا إليه القاضي أبو بكر.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه
لا يجوز حظر ما وسعه الله من القراءات بالأحرف التي أنزلها،
ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه، بل هي موجودة في قراءتنا اليوم
وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال
القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من
حرف، فيخلط حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك؛
لأن الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عباده ورفقًا (٤).
(١) ذكره الطبري في تفسيره)) ٦٣٦/١١.
(٢) ذكره ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٢/٨.
(٣) ((تفسير الطبري)» ٥٠/١-٥١.
(٤) (إكمال المعلم) ١٨٦/٣-١٩٣، ((المفهم)) ٤٤٧/٢-٤٥٠. ((عارضة الأحوذي))
٦٠/١١-٦٣.

٤٩٧
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
فائدة :
معنى (لبيته بردائه) جمعت عليه ثوبه الذي (لا بسه)(١) وقبض عليه
نحره.
وقوله: ( ((أرسله)) ) أي: أزل يدك من لبته.
وفيه: أنقياد هشام لعلمه أن عمر لم يرد إلا خيرًا.
وفيه: ما كان عمر عليه من الصلابة، وكان هشام من أصلب الناس
بعده، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن
حكيم(٢).
وقوله: ( ((فاقرؤوا منه ما تيسر)) )(٣) أي: تيسر لكم حفظه.
(١) كذا بالأصل.
(٢) ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) في ترجمة هشام بن حكيم ٩٩/٤-١٠٠
(٢٧١٠) وفي ((التمهيد)» ٣١٥/٨، وفي ((الاستذكار)) ٥٤/٨. وذكره أيضًا ابن
الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٩٨/٥-٣٩٩.
(٣) في الأصل: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَيَشَرَ مِنْهُ﴾، والمثبت هو الموافق لليونينية ولما ساقه
المصنف في متنه آنفًا.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥- باب إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالْخُصُومِ
مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرِ حِينَ نَاحَتْ.
٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدٍ
بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَّى مَنَازِلِ قَوْم لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ،
فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ)). [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح ٥/ ٧٤]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ
أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْم لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ)).
وقد سلف هذا في باب: فضل العشاء(١)، والأثر أخرجه ابن سعد
في ((طبقاته)) من طريق سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت
عليه أخته، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد:
أخرج إلى ابنة أبي قحافة، يعني: أم فروة فعلاها بالدرة ضربات
فتفرق النوائح حين سمعن ذلك(٢).
قلت: وهو منقطع فيما بين سعيد وعمر (٣)(٤) فينظر في جزم البخاري
(١) سلف برقم (٦٥٧) كتاب: الأذان.
(٢) ((الطبقات)) ٢٠٨/٣ وفيه: أقامت عائشة عليه النوح ... إلخ.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال الإمام أحمد فيما نقله عنه المزي في ((تهذيبه)) رأى
سعيد عمر وسمع منه وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل! آنتهى وقد ولد سعيد
لسنتين مضتا من خلافة عمر وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له سماع منه إلا رؤية رآه على
المنبر ينعى النعمان بن مقرن، وحديثه عنه في مسلم، وإن كان كما قال الإمام أحمد
فيمكن أن عمر حدثه بذلك بعد الواقعة أو يكون للبخاري طريق غير هذا ، والله أعلم.
(٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٨/٣-٢٠٩ بسنده إلى سعيد بن المسيب =

٤٩٩
كِتَابُ الخُصُومَاتِ
=
به، وفيه: أن من ترك سنة من سنن رسول الله وَيقة المجتمع عليها في
الإقامة أنه يعاقب في نفسه وماله؛ لأن حرق المنازل عقوبة في المال
على عمل الأبدان، فإذا كانت العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن،
فهي أحرى أن تقع في البدن.
وفيه: أن العقوبات على أمور الدين التي لا حدود فيها موكولة إلى
اجتهاد الإمام لقوله: ( ((لقد هممت)))، فهذا نظر واجتهاد. وقد قيل: إنه
كان في المنافقين وليس كذلك؛ لأنه التَّ (لم)(١) يعن بإخراجهم إلى
الصلاة ولا التفت إلى شيء من أمرهم. وقيل فيه: إنه في المؤمنین،
وقد سلف القولان في بابه وسيكون لنا عودة إليه في الأحكام(٢) إن
شاء الله.
= إلا أنه قال: ((أقامت عليه عائشة)) بدلًا من ((أقامت أخته)) ورواه عبد الرزاق أيضًا
في ((المصنف)) ٥٥٦/٣- ٥٥٧ (٦٦٨٠) مطولًا وفيه فقال عمر: إن النبي ◌َِّ قال:
((إن الميت يعذب بيكاء الحي)). وذكره البوصيري في ((الإتحاف)) ٥٠٤/٢،
والحافظ في ((المطالب العالية)): ٣٣٨/١ وعزياه لإسحاق بن راهويه ولم أجده،
ولعله في المفقود منه وقالا: المرفوع منه مخرج عندهم. ورواه أحمد عن
عبد الرزاق بهذا الإسناد ١/ ٤٧ - إسناد عبد الرزاق - خاصة دون باقي القصة. وقال
الحافظ في ((الفتح)) ٧٤/٥: وصله ابن سعد في ((الطبقات)) بإسناد صحيح من طريق
الزهري عن ابن المسيب.
(١) في الأصل لمن ولعل الصحيح ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢٤) باب: إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦- باب دَعْوى الوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ وَُّ
في ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصَانٍ أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابنِ أَمَةِ
زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابني. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ
أَبِي. فَرَأى النَّبِيُّ ◌َِّهِ شَبَهَا بَيِّنَا بعتبة فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ
لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ)). [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح ٧٤/٥]
ذكر فيه حديث عائشة في الاختصام في ابن أمة زمعة بطوله.
وقد سلف(١) وترجم له في: الوصايا: ما يجوز (للموصى)(٢) إليه
من الدعوى(٣)، وهي هذِه الترجمة، وستأتي ضروب تأويله في باب:
أمر الولد أيضًا.
وقوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) يجوز رفع عبد ونصبه (٤).
(١) سلف برقم (٢٠٥٣) كتاب: البيوع، باب: تفسير المشبهات.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٤٥).
(٣) قال ابن مالك في ألفيته:
ونحو (زيدٍ) ضم وافتحن، مِنْ نحو ((أزيد بن سعيد)) لا تَهِنْ
وقال ابن عقيل في شرحه لهذا البيت: إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووصف بـ
((ابن)) مضاف إلى علم، ولم يُفصل بين المنادى وبين ((ابن))- جاز لك في المنادى
وجهان: البناء على الضم، نحو: ((يا زيدُ بن عمرو)) والفتح إتباعًا، نحو: ((يا زيد
ابن عمرو» ٢٦١/٣.
(٤) في الأصل: (للمواصي)، والمثبت الصواب؛ علمًا بأن الذي في اليونينية مكانها:
للوصي.