النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ - كِتَابُ المُسَاقَاةِ وروى أبو بكر بن المقرئ في ((معجمه)) الحديث من طريق الليث عن الزهري، عن عروة: أن حميدًا رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة فذكره(١)، قال أبو موسى: هذا حديث صحيح له طرق لا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلا في هذِه الطريق، قال: وحميد بضمٌ الحاء وآخره دال. ورواه ابن عيينة في ((تفسيره)) عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة عنها أنها قالت: كان بين الزبير وبين رجل خصومة، فجاء رسول الله وَله فقضى للزبير، فقال رجلٌ: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت الآية(٢). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها : اختلف في اسم الأنصاري المذكور: هل هو حاطب بن أبي بلتعة، أو ثعلبة بن حاطب، أو حميد؟ والأول واهٍ؛ لأنَّه ليس أنصاريًّا، وقد ثبت في البخاري: أنه كان بدريًّا(٣)، وحكى الأول المهدوي ومكي في تفسيرهما (٤). (١) لم أقف عليه في المطبوع من ((معجم ابن المقرئ))، ولم أقف على من أخرجه من طريقه. (٢) رواه هكذا موصولًا عن أم سلمة الطبري في تفسيره)) ٤/ ١٦٢ من طريق عبد الله بن عمير عن الحميدي عن سفيان به، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ٦٥٦/٢ (٧٠٨) من طريق هارون بن عبدة عن الحميدي عن سفيان به. قلت: بل أخرجه الحميدي في «مسنده)) ٣١٠/١ (٣٠٢) مرسلًا. فقال: ثنا سفيان قال: ثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سلمة -رجل من ولد أم سلمة- أن الزبير .. فذكره. (٣) سيأتي برقم (٢٧٠٨) كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبى. (٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٩٩٤/٣ (٥٥٥٩) عن سعيد بن المسيب، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣٥/٥: وإسناده قوي مع إرساله. وقاله البغوي في ((تفسيره)) ٢٤٥/٢. ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال الثعلبي(١): فلما خرجا مرًّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا ثعلبة؟ فقال: قضى لابن عمته، وَلَوى شدقه، ففطن إليه يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا مرة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة منه فقال: اقتلوا أنفسكم. فقتلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في ربنا، حتَّى رضي عنا. ونقل عن مجاهد والشعبي: أنها نزلت في بشر المنافق والذين اختصموا إلى عمر بن الخطاب(٢). وحكى الثاني الواحدي في ((أسباب نزوله)»(٣)، وهو الذي سأل المال وامتنع من أداء زكاته(٤) . (١) ذكر الحافظ في ((الفتح)) ٣٦/٥ أن الثعلبي ذكره بغير سند. (٢) ذكره البغوي في ((تفسيره)) ٢٤٥/٢. (٣) انظر: ((أسباب النزول)) ص١٦٧. (٤) يشير المؤلف إلى الحديث الذي روته كتب التفاسير وكتب الصحابة فقد روى ابن جرير في ((تفسيره)) ٤٢٥/٦-٤٢٦، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٦/ ١٨٤٧- ١٨٤٩، والطبراني في ((الكبير)) ٢١٨/٨-٢١٩ (٧٨٧٣) وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١٢٤/١، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢٨٤/١، والبيهقي في ((الشعب)) ٧٩/٤- ٨٠ (٤٣٥٧)، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ٧٦/٤-٧٧ كلهم من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب ... الحديث وعزاه ابن حجر في ((الإصابة)) ١٨٩/١ (٩٢٨) للباوردي وابن السكن وابن شاهين من الطريق المذكور. ولما ذكر القرطبي هُذِه القصة في ((تفسيره))؛ قال: ثعلبة بدري أنصاري وممن شهد له الله ورسوله بالإيمان، فما روي عنه غیر صحیح. ثم قال: وقال أبو عمر: لعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجل من المنافقين نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير؛ ثم قال القرطبي: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم. اهـ = ٣٤٣ = كِتَابُ المُسَاقَاةِ وذكر ابن بشكوال: أنه ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وقال: قاله شيخنا أبو الحسن بن مغيث(١). قلت: ثابت ليس بدريًّا، وقد سلف أن المخاصم بدريّ. قال الزجاج: كان منافقًا، يعني: أنه كان من قبيلة الأنصار لا من الأنصار المسلمين فلا تخالف. وقال ابن التين: قائل هذا الكلام رجل جاهل أو منافق. وقيل: كان بدريًّا، ذكره الداودي، وهو غريب، فذا في البخاري كما أسلفناه، ثم قال: فإن كان فيه أنزلت فيحتمل أن يكون معنى الآية: إن كان منه ذلك بعد هذا إلا أن النفاق منتف عن أهل بدر؛ لشهوده التقنية لهم بالجنة. وقال في الصلح: قد ذكر أن الرجل بدري فإن یکن أنزلت فيه فمعناه لا يكون مستكمل الإيمان؛ لشهوده الكثير لأهل بدر بالجنة، أو يريد من فعله بعد نزولها. = ((تفسير القرطبي)) ٢٠٩/٨ - ٢١٠. وقال البيهقي بعدما ذكره ((الشعب)) ٤/ ٨٠-٨١: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وهو مشهور فيما بين أهل التفسير. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣١/٧- ٣٢: رواه الطبراني، وفيه: على بن يزيد الألهاني، وهو متروك. وقال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ٩١٩/٢: رواه الطبراني بسند ضعيف. وضعفه الألباني في موضعين من ((الضعيفة)) الأول برقم (١٦٠٧)، وقال: هذا الحديث منكر على شهرته، والثاني برقم (٤٠٨١) ثم نبه قائلًا: هذا الحديث من الأحاديث التي ساقها ابن كثير في ((تفسيره)) ساكتًا عليه؛ لأنه ذكره بسند معان بن رفاعة .. به مشيرًا بذلك إلى علته الواضحة لدى أهل العلم بهذا الفن .. الخ.اهـ (١) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٥٧٣/٢. ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال: وروي أنها نزلت في رجل منافق خاصم إلى رسول الله ولايقول رجلًا، فقال له: رد قضاءنا إلى عمر، فقال الآخر: أجل يا رسول الله. فقال: ((افعلا)). فذهبا إلى عمر فحكيا له، فقال: أمكثا حتى أقضي بينكما، فاشتمل على سيف فخرج وعلا به القائل وفر الآخر، فقال النبي ◌ُّيقول: ((هناك عمر ضرب ضربة فرق بها بين الحق والباطل)) فسمي من يومئذ الفاروق(١). وفي رواية أخرى: ((ما كان لابن الخطاب أن يقتل نفسًا بغير حقٍّ)) أو قال: ((بغير نفس)) فنزلت. ثانیھا : قول البخاري عن عروة: (خاصم الزبير رجل من الأنصار، فقال رسول الله ﴾.) الحديث، قال الإسماعيلي: كذا جاء به البخاري مرسلًا. وقوله: (حدثنا محمد)، قال أبو نعيم، والجياني: هو ابن (٢) سلام(٢). ومخلد هو: ابن يزيد، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة. وقوله في بعض الروايات: (فلما أحفظه الأنصاري)(٣)، يشبه كما قال الخطابي أن يكون من كلام ابن شهاب دون نفس الحديث، وقد كان من عادته أن يصل بعض الكلام بالحديث إذا رواه، ولذلك قال له موسى بن عقبة: من قولك أو من قول رسول الله وَلا؟ ومعنى أحفظه: أغضبه (٤). (١) ذكره الواحدي في ((أسباب النزول)) ١٦٦/١، والبغوى في ((معالم التنزيل)) ٢/ ٢٤٢ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. (٢) أنظر: ((تقييد المهمل)) ١٠٢٨/٣. (٣) سيأتي برقم (٢٧٠٨) كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح نأبى. (٤) ((أعلام الحديث)) ١١٧١/٢. ٣٤٥ = كِتَابُ المُسَاقَاةِ ثالثها : الشراج: بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء، قيل: هو واحد، وقيل: جمع، مثل: رهن ورهان، وهو: مجرى الماء من الحرة إلى السهل. قال الداودي: وهي نهر عند الحرة بالمدينة(١). وقال أبو المعالي(٢) في (المنتهى)): الشرج: مسيل الماء من الحزن إلى السهل، والجمع: شراج وشروج وشُرج. وقيل: الشرج جمع شراج، والشراج جمع شرج، ثم قالوا: شرج. وقال ابن سيده: ويجمع على أشراج (٣) وفي رواية للبخاري: (شريج الحرة). وقال أبو عبيد: الشرج: نهر صغير، قال: والشروج والشراج: مسايل الماء من (انحدار)(٤) إلى سهوله، واحدها شرج (٥). وقال غيره: شرج. وقال أبو حنيفة: تسمى الحواجز التي بين الديار التي تمسك الماء: الجدور، واحدها جدر. (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠٧/١٠ معقبًا على كلام الداودي: وهذا غريب ولیس بالمدينة نهر.اهـ (٢) هو محمد بن تميم البرمكي اللغوي، له كتاب ((المنتهى في اللغة)) منقول من كتاب ((صحاح الجوهري)) وزاد فيه أشياء قليلة، وأغرب في ترتيبه، وكان هو والجوهري متعاصرين فإن صاحب ((الصحاح)) فرغ منه سنة ٣٦٩ أو ٣٩٣، وذكر البرمكي أنه صنفه في آخر سنة ٣٩٧ وتوفي سنة ٤١١هـ وانظر ترجمته في: ((معجم الأدباء» ٦//٤١٩، ((الوافي بالوفيات)) ٢٨٠/٢، (كشف الظنون)) ١٨٥٨/٢، ((معجم المؤلفين)) ١٨٥/٣. (٣) انظر: ((المحكم)) ١٧٥/٧ مادة: الجيم والشين والراء. (٤) كذا بالأصل، وفي ((غريب الحديث)): (الحرار). (٥) ((غريب الحديث)) ١٦٠/٢ مادة: (شرج). ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال ابن التين: الشراج والشرج مجرى الماء من الحرة إلى السهولة، قال: وقيل: شجار جمع شجر، كبحر وبحار. رابعها : الحرَّة من الأرضين: الصلبة الغليظة التي لبستها كلها حجارة سود نخرة كلها، والجمع حرات وحرار(١)، قال سيبويه: وزعم يونس أنهم يقولون حَرَّةٌ، وإحَرُّونَ يعنون (الحراء)(٢) كأنه جمع إحرَّه، ولكن لا يُتكلم بها(٣). وفي ((مثلث ابن السيد)): ويجمع أيضًا على حرون (٤). فائدة : بالمدينة حرتان: حرة واقم وليلى، زاد ابن عديس في («المثنى والمثلث)): حرة الحوض بين المدينة والعقيق، وحرة قباء في قبلة المدينة. زاد ياقوت: وحرة الوبرة -بالتحريك- على أميال من المدينة، وحرة النار قرب المدينة(٥). وقوله: ( ((اسق يا زبير))) قال ابن التين: يقرأ بفتح الهمزة(٦) رباعي، وبكسرها من الثلاثي. ومعنى (تلون وجه رسول الله (وَل(3): تغير. قال ابن فارس: تلون: اختلفت أخلاقه(٧). (١) ((لسان العرب)) ٨٢٨/٢ مادة: (حرر). (٢) كذا بالأصل: والذي في ((الكتاب)): (الحرار). (٣) انظر: ((الكتاب)) ٦٠٠/٣. (٤) ((المثلث)) ٤٥٨/١. (٥) انظر: ((معجم البلدان)) ٢٤٥/٢ -٢٥٠. (٦) ورد بهامش الأصل: يعني مشددة، وكذا قاله في ((المطالع)). (٧) انظر: ((مجمل اللغة)) ٧٩٩/٤ مادة: (لون). ٣٤٧ كِتَابُ المُسَاقَاةِ خامسها : قوله: (أن كان ابن عمتك؟) هو بفتح الهمزة من أن مفعول من أجله، معناه: من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِینَ [القلم: ١٤] لأن أم الزبير: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله قوله: (إنه ابن عمتك)، يجوز فتح الهمزة وكسرها. و(الجدر): بفتح الجيم(١) وكسرها، ورواه بعضهم بضمها، حكاه أبو موسى المديني، ثم دال مهملة، وحكي إعجامها: الحائط، وقيل: أصل الجدار، وقيل: أصل الشجر، وقيل: المسناة، وقيل: جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل. قال الخطابي: هكذا الرواية الجدر، والمتقنون من أهل الرواية يقولون: يعني: بالذال المعجمة، وهو مبلغ تمام الشرب، ومنه جذر الحساب(٢)، وهو أصله تقول: عشرة في عشرة بمائة وعبارة ابن التين: الجدر أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالإسكان، وهو كذلك عند أهل اللغة. وقول الزهري بعد ذلك: (وكان ذلك إلى الكعبين)، قال الداودي: ليس بمحفوظ، والمحفوظ أنه قال له أول مرة: ((أمسك إلى الكعبين)) فلما أغضبه قال: ((احبس حتى يرجع إلى الجدر)) وقوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي: فيما اختلفوا فيه، ومنه: تشاجر القوم، وأصله من الشجر؛ لاختلاف أغصانه، ومنه: شجره ر (١) ورد بهامش الأصل: في ((المطالع)) بفتح الجيم وسكون الدال فقط. (٢) ((أعلام الحديث)) ١١٦٩/٢. ٣٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح بالرمح، أي: جعله فيه بمنزلة الغصن في الشجر. ((واستوعى)): استوفى واستكمل، من الوعاء، وأبعد من قال: أمره ثانيًا أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري، حكاه ابن الصباغ، والأشبه: أنه أمره أن يستوفي حقه ويستقصي فيه تغليظًا على الأنصاري بعد أن سهل عليه. وقوله: يأمره بالمعروف فيه إشارة إلى العادة التي كانت جرت بينهم مقدار الشرب، والشريعة إذا صادفت شيئًا معهودًا فلم تغيره فقد قررته ووجب حمل الناس عليه. سادسها : قال العلماء فيما حكاه النووي عنهم: لو صدر مثل الكلام السالف: (أن كان ابن عمتك)، اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه، وإنما تركه الشارع؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين والذين في قلوبهم مرض (١). سابعها : فيه: أن أصل مياه الأودية، والسيول التي لا تملك منافعها، ولم تستنبط بعمل فيها من الحفر ونحوه مباح، وأن من سبق إليه وأحرزه کان أحق به. وفيه: أن أهل الشرب الأعلى يقدم على من هو أسفل. وفيه: دليل أن ليس للأعلى إذا أخذ حاجته أن يحبسه عن الأسفل. وقد ذهب بعضهم إلى أنه نسخ حکمه الأول بحكمه الثاني، وقد كان له في الأصل أن يحكم بأيهما شاء إلا أنه قدم الأخف؛ مسامحةً وإيثارًا (١) ((مسلم بشرح النووي)) ١٠٨/١٥. ٣٤٩ كِتَابُ المُسَاقَاةِ = لحكم حسن الجوار، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه نسخ الأول بالآخر، حين رآه أصلح، وفي الزجر أبلغ، وقيل: إنما كان القول الأول منه على وجه المشورة للزبير على سبيل المسامحة لجاره ببعض حقه، لا على وجه الحكم منه عليه، فلما خالفه الأنصاري استقضى للزبير حقه وأمره باستيفائه منه. وفيه: دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير، كما له أن يقيمه، وقد قيل: إن عقوبته وقعت في ماله، وكانت العقوبات قد تقع في الأموال. وفيه: الإشارة بالصلح والأمر به، قاله المهلب(١)، وقال ابن التين: مذهب الجمهور: أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة، ومنع ذلك مالك، وعن الشافعي في ذلك خلاف، والصحيح جوازه. وفيه: أن للحاكم أن يستوفي لكلِّ واحدٍ من المتخاصمين حقه، إذا لم ير قبولا منهما للصلح ولا رضى بما أشار به، كما فعل القبيلة. وفيه: توبيخ من جفا على الإمام والحاكم، ومعاقبته؛ لأنه عاقبه عليه بما قال: بأن استوفى للزبير حقه، ووبخه تعالى في كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه، فقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية. وفيه: أنه لا يلزم الصلح إلا لمن التزمه. ثامنها : إنما حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان؛ لأنه مفارق غيره من البشر؛ إذ العصمة قائمة في حقِّه في حال الرضى والسخط. أن لا يقول إلا حقًّا. (١) (شرح ابن بطال)) ٦/ ٥٠١. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - تاسعها : اختلف أصحاب مالك في صحة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل. قال ابن حبيب: يُدْخِل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به حتى إذا بلغ الماء من قائمة الحائط إلى الكعبين القائم فيه أغلق مغلق (الماء)(١) وصرف مقدار ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط وهكذا فسر لي مطرف وابن الماجشون، وقاله ابن وهب(٢)، وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئًا في حائطه. قال: والأول أحب إلي، وهم أعلم بذلك لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية، وبها جرى العمل فيها. وحكى عن ابن القاسم أيضًا. وقال ابن كنانة: يمسك من أعلى الشجر إلى الكعبين، وفي الزرع إلى شراك النعلين، والجماعة على أن الحكم الآن أن يمسك إلى الكعبين(٣)، قاله ابن التين. قال ابن حبيب: وما كان من الخلج والسواقي التي يجتمع أهل القرى على إنشائها وإجراء الماء فيها لمنافعهم، يقل الماء فيها ونضب عنها في أوقات نضوبه فالأعلى والأسفل فيها بالسواء، يقسم على قدر حقوقهم فيها أستوت حاجاتهم أو اختلفت، قاله ابن القاسم وغيره(٤). (١) ليست في (س). (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٣٤/٦. (٣) أنظر: ((المنتقى)) ٣٤/٦، ((النوادر والزيادات) ٢٦/١١. (٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٧٩/١١. ٣٥١ ـ كِتَابُ المُسَاقَاةِ وقال الطبري: الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض بقدر ما يكفيها، ورأى أن الجواب للزبير قصة عين. وقال القرطبي في حديث الباب: أن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان یمر علیه. وفيه: الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم وأن لا يكلفوا النص على الدعاوى ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته. وفيه: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح(١). (١) ((المفهم)) ١٥٦/٦. ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩ - باب فَضْلٍ سَقْي المَاءِ ٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ آَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشرُ، فَتَزَلَ بِتْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هذا مِثْلُ الذِي بَلَغَ بِي. فَمَلأَ خُقَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ ◌ِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)). تَابَعَهُ حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَِّيعُ ابْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ٤٠/٥] ٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَزْيَمَ، حَذَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَالَ: ((دَنَتْ مِنِّ النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟! فَإِذَا أَمْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُ هذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا)). [انظر: ٧٤٥ - فتح: ٤١/٥] ٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّةِ قَالَ: ((هُذِّبَتِ آمْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ - قَالَ: فَقَالَ والله أَعْلَمُ -: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِيَهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)). [٣٣١٨، ٣٤٨٢ - مسلم: ٢٢٤٢ - فتح: ٤١/٥] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: عن أبي هريرة أن رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِثْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرىُ مِنَ العَطَش .. )) الحديث. ثانيها: حديث أسماء بنت أبي بكر في الكسوف، وذكر الهرة. ٣٥٣ - كِتَابُ المُسَاقَاةِ ثالثها: حديث ابن عمر في الهرة أيضًا. الشرح : حديث أبي هريرة سبق في الطهارة مختصرًا في باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان(١). وسقي الماء من أعظم القربات، قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلب فما ظنكم بمن سقى مؤمنًا موحدًا وأحياه بذلك. قال ابن التين: وقد روي عنه مرفوعًا أنه دخل على رجل في السياق(٢) فقال له: ((ماذا ترى؟)) فقال: أرى ملكين يستأخران وأسودان يدنوان وأرى الشر ينمى والخير يضمحل فأغثني منك بدعوة يا نبي الله. فقال: ((اللهم اشكر له اليسير واعفُ عنه الكثير)). ثم قال له: ((ماذا ترى؟)) فقال: أرى الملكين يدنوان والأسودان يستأخران وأرى الخير ينمى والشر يضمحل. قال: ((فما وجدت أفضل عملك؟)) قال: سقي الماء. وفي حديث: سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء))(٣). قال في ((الروضة)) وجاءت أحاديث كثيرة بالحث على الصدقة بالماء(٤)، وقد احتج بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على المشركين لعموم قوله آخر الحديث: ((في كل كبد رطبة أجر)). (١) سلف برقم (١٧٣). (٢) السياق: نزع الروح. ((الصحاح)) ٤/ ١٥٠٠. (٣) روى أبو داود مختصرًا (١٦٧٩) من حديث سعد بن عبادة بلفظ أن سعدًا أتى النبي وَ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: ((الماء)». قال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)» (١٤٧٤): إسناده مرسل صحيح. (٤) ((روضة الطالبين)) ٣٤٣/٢. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيه: أن المجازاة على الخير والشر قد يكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال التليفون: ((من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم))(١). وقوله: (يلهث). قال صاحب ((الأفعال)): لهث الكلب - بفتح الهاء وكسرها -: إذا دلع لسانه عطشًا، ولهث الإنسان إذا اشتد عطشه(٢)، وقال صاحب ((المطالع)): (لِهُث)(٣) [لهئًا](٤) إذا خرج لسانُه من العطش أو الحر، واللّهاث -بضم اللام- حرُّ العطش، وقال ابن التين: يلهث أي يخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيى، وقيل معناه يبحث بيديه ورجليه في الأرض، وفي ((المنتهى)) هو ارتفاع النفس. يلهث لهثّا ولهاثًا، ولهث يلهث لهئًا ولهاثًا إذا عطش، واللهَثَان بالتحريك العطش. وقوله: ((من العطش))) كذا رأيناه في الأصول وذكره ابن التين: العطاش، ثم قال: وصوابه العطش قال: وكذا عند أبي ذر، وإنما العطاش داء يصيب الصبي فيشرب فلا يروى، وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث منه داء فيكون العطاش اسمًا للداء كالزكام. وقوله ( ((يأكل الثرى)) ) مقصور يكتب بالياء إذا كان من الندى يقال: كان مطر التقى منه الثريان: أي: الباطن والظاهر، أي: ترشح الأرض لكثرة المطر حتى يلتقي هو وندى الأرض. (١) سلف برقم (١٣٦٣) من حديث ثابت بن الضحاك كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس. (٢) کتاب: «الأفعال) ص ٢٥٠. (٣) وردت في الأصل وعليها كلمة (كذا). (٤) في الأصل: (بها)، ولعل الصواب ما أثبتناه. ٣٥٥ كِتَابُ المُسَاقَاةِ - وقوله: ( ((بلغ هذا مثل الذي بلغ بي)) ) قال ابن التين: ضبط بنصب لام مثل على تقدير أن الكلب بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وقوله: ( ((في كل كبد رطبة أجر)) ) قال الداودي: يعني: كبد كل حي من ذوات الأنفس. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث من أحاديث بني إسرائيل، فأما الإسلام فقد أمر الشارع بقتل الكلاب، والحديث خصوص لبعض البهائم، والخنزير والسبع وسائر الوحوش لها كبد رطبة لا يستعمل هذا الحديث فيها؛ لأنها تقوى على الضرر، ولا يستعمل الحديث إلا فيما لا يضر من البهائم. و(الكبد) مؤنثة، ولذلك قال: ((رطبة)). وفيها لغتان: گَبِد وكِبِد ذكره ابن التين(١)، وأهمل ثالثة كِبْد بالتخفيف حكاها في ((المنتهى)) كما في فخذ، وقال أبو حاتم: كما نقله في ((المخصص)): الكبد يذكر، والجمع أكباد وأکبد وکبود(٢). وقوله: ( ((ثم رقي فسقى الكلب)) ) كذا هو في الأصول بالياء، وقال ابن التین: کذا وقع: رقى، وصوابه: رقي، أي: صعد. قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وأما رقى - بفتح القاف- فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وذكر أن لغة طيء: رقى بمعنى صعد، ويفعلون كذلك في (١) والذي عليه أهل اللغة فتح الأول وكسر الثاني، فتح الأول وتسكين الثاني، كسر الأول وتسكين الثاني، وليس فيها كسر الأول والثاني على ما حكاه ابن التين إلا إذا كان الوسط حرف حلق. انظر: ((شذور الذهب)» ص١٢. (٢) ((المخصص)) ١٨٦/٥، قلت: والذي فيه: (الکبد مؤنثة، فیھا ثلاث لغات: گبد وگبد وکبد، وجمعه أکباد وأکبد و کبود). ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - كل ما كان من الأفعال معتل اللام نحو: عمي ورقي يفتحون العين منه، وقوله في حديث أسماء: ((دنت منّي النار)) أي: مثلت له في القبلة. وقوله: ((حبستها حتَّى ماتت جوعًا)) فيه: أنه ليس على الشخص إطعام ما يعيش بصيده، والممنوع حبسها وتركها من غير طعام. ((وخشاش الأرض)) بتثليث الخاء: الدَّواب، واقتصر ابن فارس على الفتح(١)، وأبو عبيد على الكسر. قال: إلا الطير الصغير فإنه ثبت بالفتح، قال في ((الغريب المصنف)): وهي شرار الطير، وحكى صاحب (المطالع)): الضم أيضًا، وتبعه القرطبي، وهي: الهوام(٢). وقال الجوهري: هي بالکسر الحشرات وقد تفتح(٣). قلت: والرجل الخشاش: الصغير الرأس، بالفتح والكسر، والخشاش: الحية الصغيرة، قال الداودي: وذكر البخاري قصة الهرة؛ لذكر الكبد، وعندي: إنما ذكرها لقوله: ((ولا سقتها)) ففي سقي الماء فضل كما سلف، وظاهر الحديث: يدلُّ على تملك الهر، وفيه خلاف، وهو الأصح؛ لأنه أضافها للمرأة بلا لام التي هي ظاهرة في الملك. (١) ((مقاييس اللغة)) ٣٠٣/١ مادة: (خشش). (٢) ((المفهم)) ٥٤٤/٥. (٣) ((الصحاح)) ٣/ ١٠٠٤ مادة: (خشش). ٣٥٧ كِتَابُ المُسَاقَاةِ = ١٠ - باب مَنْ رَأى أَنَّ صَاحِبَ الحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ ٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ رضي الله عنه قَالَ: أَنِّ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِقَدَحِ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِيْنِهِ غُلَامٌ، هُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: ((يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟». فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوْثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٤٢/٥] ٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُزَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ». [مسلم: ٢٣٠٢ - فتح: ٤٢/٥] ٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَغْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الماءِ- لَكَانَتْ عَيْنَا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ)). [٣٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥ - فتح: ٥/ ٤٢] ٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِ صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ خَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلِ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلُّ مَا لَمَّ تَعْمَلْ يَدَالَكِ)). قَالَ عَلِيَّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - غَيْرَ مَرَّةٍ - عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ أَبًا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَُّلَّ. [انظر: ٢٣٥٨ - مسلم: ١٠٨ - فتح: ٤٣/٥] ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ذكر فيه أربعة أحاديث : أحدها: حديث سهل بن سعد الساعدي قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ بِقَدَحٍ .. الحديث. وقد سلف قريبا(١). ثانيها: حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ)». ثالثها: حديث ابن عباس، قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ)). رابعها: حديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ .. )) الحديث، وقد سلف قريبًا(٢)، وفيه: ورجل منع فضل ماء، فيقول الله تعالى: ((اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك))، وقال علي: ثنا سفيان غير مرة، عن عمرو، سمع أبا صالح يبلغ به النبي ◌ّ. الشرح: لا خلاف فيما ترجم له، وهو أن صاحب الحوض أحقُّ بمائه؛ لقوله: ((لأذودن رجالًا عن حوضي)). أما حديث سهل في الغلام والأشياخ: فصاحب الماء واللبن أحقُّ به أيضًا أولًا ثم يستحقه المتيامن منه. وكان بين الحوض والقربة والقدح فرق لأنه لو كان صاحب القدح أحق به أبدًا لما استأذن الشارع الغلام الذي كان عن يمينه أن يعطي الأشياخ، وإنما تصح الترجمة في (١) سلف برقم (٢٣٥١) باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء .. (٢) سلف برقم (٢٣٥٨) باب إثم من منع ابن السبيل من الماء .. ٣٥٩ كِتَابُ المُسَاقَاةِ - الابتداء أن صاحب الماء أولى به، ثم الأيمن فالأيمن أولى من صاحب الماء أن يعطيه غيره. وإنما هذا فيما يؤكل أو يشرب من الموضع بين يدي الجماعة. وأما في المياه والآبار والجباب والعيون فصاحبها أولى بها في أن يعطي من شاء آخرًا بخلاف حديث الغلام، وكذلك في مسألة أم إسماعيل أحق بمائها أولًا وآخرًا، وسيأتي في أحاديث الأنبياء(١)، وهو مطابق للتبويب؛ لقولها: ((ولا حقَّ لكم في الماء)). وقال ابن المنير: استدلال البخاري به ألطف من ذلك؛ لأنه إذا استحقه الأيمن في هذِه الحالة بالجلوس واختص، فكيف لا يختص صاحب اليد والمتسبب في تحصيله(٢)؟ والمراد بالرجال الذين يذادون عن حوضه هم المرتدون الذين بدلوا كما ذكره البخاري في ((صحيحه)) عن قبيصة فيما سيأتي (٣)، وقال ابن التين: هم المنافقون. وقال ابن الجوزي: هم المبتدعون. وقال القرطبي: هم الذين لاسيما لهم من غير هذِه الأمة. فإن قلت: كيف يأتون غُرًّا محجلين والمرتد لا غرة له ولا تحجيل؟ فالجواب: أنه التَّفي قال: ((تأتي كل أمة فيها منافقوها))(٤)، وقد قال تعالى: ﴿أَنْظُرُوْنَا نَقْتِسْ مِن ◌ُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فصحَّ أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا حتى يضرب (١) سيأتي برقم (٣٣٦٢). (٢) («المتواري» ص٢٦٥. (٣) سيأتي بعد حديث (٣٤٤٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَآذَگُرْ فِی اُلْكِتَبِ مَرْيَمْ﴾ الآية. (٤) سلف برقم (٨٠٦) كتاب الأذان، باب فضل السجود. ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - بينهم بسور، والمنافق لا غرة له ولا تحجيل، لكن المؤمنون سموا غرًّا محجلين بالجملة، وإن كان المنافق في خلالهم. وقال ابن المنير: ظن المهلب أن وجه الدليل من حديث الحوض أختصاص صاحب الحوض بمائه، وهو وهم فإن تنزيل أحكام التكاليف على وقائع الآخرة غير ممكن، وأما استدلاله بقوله: ((كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض)) فما شبه بذودها في الدنيا إلا ولصاحب الحوض منع غير إبله من مائه، ولو كان المنع في الدنيا تعديًا لما شبه به ذلك المنع الذي هو حق(١)، وأخذه أيضًا ابن التين من ذلك. فإن قلت: كيف خفي حالهم على صاحب الشريعة؟ وقد قال: ((تعرض عليَّ أعمال أمتي))(٢). فالجواب: إنما يعرض عليه أعمال الموحدين لا المنافقين والكافرين، نبه عليه ابن الجوزي، وقد يقال: إنهما ليسا من أمته. وحديث أبي هريرة(٣) قال ابن التين: ليس هو ما يشبه الباب في شيء، وقال الخطابي: معناه: إذا كنت تمنع فضل الماء الذي لم تعطه بكدك وكدحك إنما هو رزق ساقه الله إليك فما الذي تسمح به بعد (٤)؟ (١) ((المتواري)) ص ٢٦٥-٢٦٦. (٢) رواه مسلم (٥٥٣) كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الظاهر أن البخاري أخذه من إضافة الماء إليه. (٤) ((أعلام الحديث)) ١١٧٩/٢.