النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ - ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ واختلف قول مالك في ((المدونة)) إذا قال: أحصد زرعي بنصفه. هل يلزمه ذلك وتكون إجارة أو جعالة؟ وقول عمرو لطاوس: لو تركت المخابرة، وقد أسلفناها وهو ظاهر في جوازها، وأن المختار جوازها، وهي: كراء الأرض ببعض ما يخرج منها. قال ابن الأعرابي: أصلها من معاملة خيبر؛ لأنه الظّهر كان أقرها في أيدي أهلها على النصف فقيل: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر وتنازعوا فنهي عن ذلك، ثم جازت بعد. وقوله: ((أن يمنح أحدكم أخاه)) هو بفتح النون وكسرها(١) كما شاهدته بخط الدمياطي وقال: معًا، وهما في ((الصحاح)) (٢). وقوله: ((خرجًا)) أي: أجرًا مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا﴾. [المؤمنون: ٧٢]. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، وعلى مال الفيء والجزية، وعلى الغلة(٣). والخراج: أسم لما يخرج في الفرائض في الأموال والخرج: المصدر. (١) ورد بهامش الأصل: الوجهان في ((الصحاح)) واقتصر في ((المحكم)) على الكسر. (٢) ((الصحاح)) ٤٠٨/١ مادة: (منح). (٣) ((تهذيب اللغة)) ١٠٠٣/١ مادة: (خرج). ٢٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : ١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ في المُزَارَعَةِ ٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ يَخْيَى، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَزْضَهُ، فَيَقُولُ هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وهذِه لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَتَهَاهُمُ النَّبِيُّ وَلَ. [انظر: ٢٢٨٦ - مسلم: ١٥٤٧ - فتح: ١٥/٥] ذكر فيه حديث رافع: قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ هذِهِ القِطْعَةُ لِي وهذِه لَّكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَتَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َيهِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). والحقل -بفتح الحاء -: القراح(٢) الطيب، وقيل: هو الزرع إذا أينعت ثمرته، عن ابن فارس: زاد الخليل: من قبل أن تغلظ سوقه(٣). وهذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز؛ لأن ذلك غرر مجهول، وهُذِه المزارعة المنهي عنها. وإنما اختلفوا في المزارعة بالثلث والربع مما تخرج الأرض على ما تقدَّم قبل هذا. قال ابن المنذر: وجاء في الحديث العلة التي نهى الشارع من أجلها عن كراء الأرض وعن المخابرة وهي اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية (١) مسلم (١٥٤٧، ١٥٤٧/ ١١٥) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض، باب: كراء الأرض بالذهب والورق. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ((صحاح)): القراح: المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر، الجمع: أقرحة. (٣) ((المجمل)) ٢٤٥/١ مادة: (حقل)، وانظر: ((العين)) ٤٥/٣. ٢٦٣ = ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ منها(١). ومما لا يجوز في المزارعة عند مالك أن يجتمع معنيان في جملة واحدة، وهو أن يخرج صاحب الأرض البذر فيجتمع له بذره وأرضه، فلا يجوز، فيكون للعامل أجرة عمله وروحه، ويكون الزرع لصاحب الأرض والبذر، ولذلك لو اجتمع للعامل البذر والعمل كانت المزارعة فاسدة، وكان عليه كراء الأرض لصاحب الأرض والزرع كله للعامل(٢). (١) ((الإشراف على مذاهب الأشراف)) ٧١/٢. (٢) ((المدونة)) ١٢/٢. ٢٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٣ - باب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرٍ إِذْنِهِمْ وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاعْ لَهُمْ ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةً، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرِ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِيَعْضِ: أَنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لله، فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَّالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانٍ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدِيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَإِنِّي أَسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمِ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَّ رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَى، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ أَبْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَاقْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرِى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمِّ أَخْبَيْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا، فَأَبَتْ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ إِلَّ بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ أَبْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجَّ عَنَّا فَرْجَةً. فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ أَرُزّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًّا وَرَاعِيهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: أَّقِ اللهَ. فَقُلْتُ: أَذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ. فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَاْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ: ((فَسَعَيْتُ)). [انظر: ٢٢١٥ - مسلم: ٢٧٤٣ - فتح: ١٦/٥] ٢٦٥ كِتَابُ المُزَارَعَةِ = ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار وقد سلف غير مرة، وفي آخره: وَقَالَ إسماعيل (خ م س) بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ: ((فَسَعَيْتُ))(١). قلت: وعقبه جده، ووالده إبراهيم وهو (أي: إبراهيم) (٢) أكبر من أخويه: موسى ومحمد ابني عقبة بن أبي عياش. قال الجيّاني: وقع في نسخة أبي ذر: إسماعيل عن عقبة. وهو وهم(٣). وهذا التعليق أسنده البخاري في الأدب في باب: إجابة دعاء من برَّ والديه(٤)، وقد أخرج ابن حبان هذا الحديث من طريق أبي هريرة أيضًا (٥). قال المهلب: لا تصح هذه الترجمة؛ إلَّا بأن يكون الزارع متطوعًا إذ لا خسارة على صاحب المال؛ لأنه لو هلك الزرع أو ما ابتاع له بغير إذنه كان الهلاك من الزارع، وإنما يصح هذا على سبيل التفضل بالربح وضمان رأس المال لا على أن من تعدى في مال غيره فاشترى منه بغير إذنه أو زرع به أنه يلزم صاحبه فعله؛ لأنَّ ما في ذمته من الدين لا يتعين إلَّا بقبض الأجير له وبرضاه بعمله فيه، وقد سلف في الإجارة حكم من تجر في مال غيره بغير إذنه فربح، ومذاهب العلماء فيه(٦). وأجاب ابن المنير بمطابقة الترجمة، لأنه قد عين له حقه ومكنه منه (١) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي. (٢) كتبت في الأصل بين السطرين. (٣) (تقييد المهمل)) ٦٢١/٢. (٤) سيأتي برقم (٥٩٧٤). (٥) ((صحيح ابن حبان)) ٢٥١/٣ - ٢٥٢ (٩٧١). (٦) عبارة المهلب، ونقلها ابن بطال في ((شرحه)) ٦/ ٤٧٢، وعنه المصنف. ٢٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وبرئت ذمته منه، فلما ترك القبض ووضع المستأجر يده ثانيًا على الفَرَقِ فهو وضعٌ مستأنف على ملك الغير، ثم تصرفه فيه إصلاح لا تضييع فاغتفر ذلك، ولم يعد تعديًا، ومع ذلك فلو هلك الفَرَقُ لكان الزارع ضامنًا له؛ إذ لم يؤذن له في زراعته، فمقصود الترجمة إنما هو خلاص الزارع من المعصية، وإنْ تعرض للضمان، ويدل على أن فعله كان غير معصية أنه توسل به إلى الله جل وعز بناءً على أنه أفضل الأعمال، وأقر على ذلك، ووقعت الإجابة له به، أو يقال: إنَّ توسله إنما كان بوفاء الحق عند حضور المستحق مضاعفًا من قبيل حسن القضاء؛ لا بكونه زَرَعَ الفَرَقَ المُسْتَحَق، كما أنَّ الذي جلس بين شعب المرأة توسل بما ذكره من القيام عنها خوفًا من الله تعالى لا بجلوسه الأول، فإنه معصية أتفاقًا(١). وقوله: ((فتعبت حتى جمعتها)) وفي نسخة ((فبغيت)) وعليها أقتصر ابن التين، وقال: أي: كسبتُ وطلبتُ، وقل ما تستعمل في الخير، وقد جاء في الحديث في شهر رمضان: ((يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر)). وقال زيد بن عمرو: البر أبغي لا محالة. وقال ابن فارس: بغيت الشي أبغيه: إذا طلبته (٢). ووقع هنا: (بِفَرَقٍ مِنْ أرز)) وسلف ((من ذرة))(٣) وراجعه مما سلف. (١) ((المتواري)) ص ٢٦١ - ٢٦٢. (٢) ((المجمل)) ١٢٩/١ مادة: (بغي). (٣) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي. ٢٦٧ كِتَابُ المُزَّارَعَةِ ١٤ - باب أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَِّرِ وَأَرْضِ الخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَقَالَ النَّبِيُّ بِ ◌ّهِ لِعُمَرَ: ((تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ ثمره، ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُهُ)) [انظر: ٢٣١٣]. فَتَصَدَّقَ بِهِ. ٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَئِدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَوْلًا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَزْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ◌ََّ خَيْبَرَ. [٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦ - فتح: ١٧/٥] ثم ساق عن مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ◌َهِ خَيْبَرَ. الشرح : التعليق الأول سلف مسندًا بمعناه(١)، وهو قوله لعمر: ((إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها))(٢) وقال ابن التين عن الداودي: إنَّ قوله: ((تصدق بأصله)) ما أراه محفوظًا وإنما أمره أنْ يتصدَّق بثمره ویوقف أصله. وقول عمر أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: لولا أن أترك الناس بيانًا ليس لهم شيء ما فتحت عليَّ قرية ... إلى آخره(٣). (١) سلف برقم (٢٣١٣) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف. (٢) سيأتي برقم (٢٧٣٧) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الوقف. (٣) سيأتي برقم (٤٢٣٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. ٢٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= ولأحمد: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا يفتح الناس قرية إلَّا قسمتها بينكم(١). وذهب الكوفيون فيما حكاه أبو عبيد إلى أنَّ عمر حدَّث عن رسول الله ◌َلهو أنه قسَّم خيبر، ولولا آخر الناس لفعلت ذلك. وقال ابن التين: كان عمر يرى هذا الرأي الآخر المسلمين تحریًا لمصلحتهم ويتأول فيه قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠] ويعطفه على قوله ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ويرىُ للآخرين فيه أسوة الأولين، فقد كان يعلم أنَّ المال يعز، وأنَّ الشُّح يغلب، وأن لا ملك بعد كسرى، فأشفق أن يبقى آخر المسلمين لا شيء لهم فرأى أن يحبس الأرض ولا يقسمها، بل يضرب عليها تدوم لسائر المسلمين، وبهذا قال مالك في مشهور قوليه أنَّ الأرض (٢) لا تقسم (٢). فائدة: قوله فيما أوردناه: (بيانًا) -هو ببائين موحدتين وبعد الألف نون- أي: شيئًا واحدًا، قال أبو عبيد: وذلك الذي أراد، ولا أحسبها عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث(٣). وصوب غيره بيانًا وأصلها أنَّ العرب إذا ذكرت من لا تعرف تقول: هيَّان بن بيان. أي: لأسوين بينهم في العطاء، وصوب الأزهري الأول وأوضحه في ((تهذيبه)) (٤)(٥). (١) ((مسند أحمد)) ٣١/١- ٣٢ من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول. (٢) ((المدونة)) ٣٨٦/١. (٣) ((غريب الحديث)) ٣٧/٢. (٤) ((تهذيب اللغة)) ٢٦٨/١ مادة: (بيب). (٥) ورد بهامش الأصل: في ((المطالع)) وكذلك صححها صاحب (العين)). ٢٦٩ = ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ وقال الليث: (بيان) على تقدير فعلان (فالنون أصلية) (١)، ويقال: على تقدير فعَّال، والنون زائدة، ولا يصرف منه فعل. وكان رأي عمر في أعطية الناس التفضيل على السوابق، وكان رأي الصديق التسوية، فرجع إليه عمر. قال الأزهري: وكأنها لغة يمانية لم تفش في كلام معدٍ. وقال صاحب ((المنتهى)): ما أراه محفوظًا عن العرب وبنحوه، قال الجوهري وغيره(٢). (١) كتبت في الأصل بين السطور. (٢) أنظر: ((الصحاح)) ٨٩/١ مادة (بيب). ٢٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٥ - باب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا وَرَأَىْ ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الخَرَابِ بِالْكُوفَةِ (مَوَاتٌ)(١). وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيَِّةً فَهْيَ لَهُ. روي عَنْ عمرو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَقَالَ: ((فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِم، وَلَيْسَ ◌ِعِرْقٍ ظَالِم فِيهِ حَقٌ). وَيُرْوىُ فِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، ◌َّنِ النَّبِي ٢٣٣٥ - حَذَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّنَّ قَالَ: ((مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ)). قَالَ عُزوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ رضي الله عنه في خِلَافَتِهِ. [فتح: ١٨/٥] ثم ساق حديث عائشة: عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ)). قَالَ عُرْوَةٌ(٢): قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. الشرح : الموات - بفتح الميم والواو- الأرض التي لم تعمر قط، ويُقال لها : موتان(٣) بفتح الواو وسكونها (٤). وأثر عمر أخرجه أبو عبيد في ((أمواله)) (٥). وحديث سالم عن أبيه، عنه كان يخطب على المنبر فقال: ((يا أيها (١) ليست بالأصل. (٢) فوقها في الأصل: معلق. (٣) ورد بهامش الأصل: في ((المطالع)): الواو تفتح وتسكن والميم مفتوحة لا غير. (٤) انظر: ((لسان العرب)) ٤٢٩٦/٧ مادة: (موت). (٥) («الأموال)» ٣٠٣/١. ٢٧١ كِتَابُ المُزَارَعَةِ = الناس من أحيا .. )) إلى آخره (١). وطرقه يحي بن آدم في ((خراجه))، وزاد في بعضها: ((ليس في يد مسلم ولا معاهد))(٢). وحديث عمرو حديث محفوظ كما قال الجياني ثم ساقه(٣). وقال ابن بطال: حسن السند (٤). وحديث جابر صححه الترمذي(6)، وروي عن هشام، عن أبيه، عن رسول الله وَّجُ مرسلاً(٦)، ورواه النسائي مسندًا بلفظ: ((من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة)) وصححه ابن حبان، وقال: طلاب الرزق يسمون العوافي، قال: وفيه دليل على أنَّ الذمي إذا أحيا أرضًا لم تكن له، لأنَّ الصدقة لا تكون إلَّا للمسلم(٧). (١) المصدر السابق. (٢) ((الخراج)) ص٨٩. (٣) ((تقييد المهمل)) ٦٢١/٢ - ٦٢٢. ((شرح ابن بطال» ٦/ ٤٧٤. (٤) (٥) الترمذي (١٣٧٩)، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١١١٤). (٦) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٤٦٣ عن يحيى، عن هشام به ومن طريقه الشافعي في («سننه» ٢٢٧/٤ (١٤٩٧) والنسائي في الكبرى ٤٠٥/٣ (٥٧٦٢)، ورواه وكيع، عن يحيى، عن هشام به كما عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٨٩/٤ (٢٢٣٧٥). ورواه أبو داود (٣٠٧٤) والدارقطني في ((سننه)) ٣٥/٣-٣٦ من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه به مطولًا وفيه قصة. وقال الدارقطني في ((العلل)) ٤١٥/٤-٤١٦: والمرسل عن عروة أصح. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) ١٨٨/١ (٩٢٠): رواه أبو داود وإسناده حسن، وحسنه الألباني في ((الإرواء)) ٣٥٥/٥، وفي ((صحيح أبي داود)) (٢٦٩٩). (٧) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٤٠٤/٣ من طرق عنه وكذا أحمد في ((المسند)) ٣/ ٣١٣، وابن حبان في ((صحيحه)) ٦١٣/١١-٦١٧. وقال المصنف في ((البدر المنير» ٥٧/٧: حديث صحيح. ٢٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ولأبي داود: ((من أحاط حائطًا على أرض فهي له)(١). قلت: وفي الباب عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب(٢)، وسمرة بن جندب أخرجه أبو داود (٣)، وأبي سعيد فيما يظن أبو داود(٤)، وأسمر بن مضرس عنده(٥) وغير (١) رواه أبو داود (٣٠٧٧) بهذا اللفظ من طريق أحمد بن حنبل قال: ثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة وهو في ((المسند)) ١٢/٥، ٢١ ورواه الطيالسي في ((مسنده)) (٩٤٨) وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠١٥) وغيرهم. وقال ابن حجر في ((التلخيص)) ٦٢/٣: رواه أحمد وأبو داود عنه والطبراني والبيهقي من حديث الحسن، عن سمرة وفي صحة سماعه منه خلاف، عن جابر، وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٥٥١) إسناده ضعيف لعنعنة الحسن البصري، فإنه کان بدلس. وقال في ((الإرواء)) ٣٥٥/٥: علته عنعنة الحسن البصرى. وقال الشيخ أبو إسحاق الحويني في ((غوث المكدود)) ٢٦٧/٣: وهذا سند ضعيف لعنعنة الحسن البصري، ولكن لمعنى الحدیث شواهد. اهـ. (٢) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨) والنسائي في ((سننه الكبرى) ٤٠٥/٣، وقال ابن الملقن في (البدر المنير)) ٧٦٦/٦: رواه أبو داود في (سننه)) بإسناد صحيح. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٦٩٨): إسناده صحيح وحسنه الترمذي وقواه الحافظ. (٣) سبق تخريجه في الهامش قبل السابق. (٤) رواه أبو داود (٣٠٧١) وحسن إسناده الحافظ في ((بلوغ المرام)) ١٨٨/١، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٣٥٥/٥: إسناد رجاله ثقات لولا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه ومع ذلك فإن الحافظ حسنه. (٥) رواه أبو داود (٣٠٧٥)، ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) ١٤٢/٦ والطبراني في ((الكبير)) ٢٨٠/١ (٨١٤)، ومن طريقه الضياء في ((المختارة)) ٢٢٧/٤-٢٢٨. وتعقب الألباني -رحمه الله- الحافظ والضياء في تصحيحهما للحديث فقال في ((إرواء الغليل)) ٩/٦: قلت: هذا إسناد ضعيف، مظلم، ليس في رجاله من يعرف سوى الأول منه الصحابي والأخير ابن بشار شيخ أبي داود، وما بين ذلك مجاهيل = ٢٧٣ = ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ ذلك، وظاهرها أنَّه لا يتوقف على إذن الإمام خلافًا لمن زعمه ولمن قال: إذا لم يعلم به الإمام حتى أحياها فهي له، كما ستعلمه. وحديث عائشة من أفراده، كذا فيه: ((منْ أعمر)) بالألف، وصوابه كما قال في ((المطالع)) وغيره: ((عمر)) ثلاثي، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون (اعتمر) وسقطت التاء (١)، وذكر صاحب ((العين)): أعمرت الأرض: وجدتها عامرة(٢)، وليس مرادًا هنا. وقد اختلف العلماء في إحياء الموات، فقال مالك: من أحيا أرضًا ميتة فيما قرب من العمران فلابد في ذلك من إذن الإمام، وإن كان في فيافي المسلمين والصحاري، وحيث لا يتشاح الناس فيه، فهي له بغير إذن الإمام (٣). وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، ولا يحتاج إلى إذن الإمام مطلقًا قرب منه أو بعد (٤). وقال أشهب وأصبغ: إنْ أحيا فيما قرب بغير إذنه أمضيت ولم يعنف(٥). = لم يوثق أحدًا منهم أحد فالعجب من الضياء كيف أورده في ((المختارة)) وأقره الحافظ في ((التلخيص))، وأعجب منه قوله في ترجمة أسمر هذا من ((الإصابة)) قلت: وأخرج حديثه أبو داود بإسناد حسن! يعني هذا وقد ذكر في ((التلخيص)) عن البغوي أنه قال: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٧٨/٦. (٢) (العين)) ١٣٧/٢ مادة: (عمر). (٣) ((المدونة)) ٤/ ٣٧٧. (٤) ((الأم)) ٢٦٤/٣-٢٦٥، (بدائع الصنائع)» ١٩٤/٦. (٥) ((النوادر والزيادات)) ٥٠١/١٠. ٢٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال مطرف وابن الماجشون: الإمام بالخيار بين أربعة أوجه: إنْ شاء أن يقره له فعل، أو للمسلمين ويعطيه قيمته منقوصًا، أو يأمره بقلعه، أو يعطيه غيره فيكون للأول قيمته منقوصًا(١). والبعيد ما كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى، مما العادة أن الرعاة يبلغونه ثم يبيتون في منازلهم، ويحتطب المحتطب ويعود إلى موضعه، وما كان من الإحياء في المحتطب وللرعاء فهو القريب من العمران فيمنع، وعند أبي يوسف: حد الموات ما إذا وقف المرء في أدنى المصر ثم صاح لم يُسمع، وما سمع فيه الصوت فلا يكون إلَّا بإذن الإمام(٢). وقال أبو حنيفة: ليس لأحد أن يحيي مواتًا إلَّا بإذن الإمام فيما قرب وبعد، فإنْ أحيا بغير إذنه لم يملكه(٣). حجة الشافعي ومن وافقه إطلاق الحديث حيث جعله إلى من أحب من غير أمر الإمام في ذلك، وقد دلت على ذلك شواهد من النظر منها الماء في البحر والنهر من أخذ منه شيئًا يملكه بنفس الأخذ، ولا يحتاج إلى إذن الإمام، ومنها: الصيد؛ لأنَّ الناس فيه سواء الإمام وغيره، فكذا الأرض. حجة المتوقف على الإذن أنَّ معنى الحديث: من أحياها على شرائط الإحياء فهي له، وذلك تحظيرها وإذن الإمام له فيها، يؤيده الحديث الآتي: (لا حمى إلّا لله ولرسوله))(٤). (١) ((النوادر والزيادات)) ٥٠٠/١٠. (٢) ((المبسوط)) ١٦٦/٢٣، ((البناية)) ٣١٦/١١. (٣) ((المبسوط)) ١٦٧/٢٣. (٤) سيأتي برقم (٢٣٧٠) كتاب: المساقاة، باب: لا حمى إلا لله ولرسوله وَله من حديث ابن عباس. ٢٧٥ = ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ والحمى: ما حمي من الأرض، فدل على أنَّ حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأنَّ حكم ذلك غير حكم الصيد والماء، والفرق بينهما أنَّ الإمام لا يملك من الأنهار شيئًا بخلاف الأرض، ولو أحتاج الإمام إلى بيعها في نائبة المسلمين جاز بيعه لها، ولا يجوز ذلك في ماء نهر ولا صید بر ولا بحر، بل هو كآحاد الناس. حجة مالك: أنه التَّ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية(١) ولم يقطعه حق مسلم (٢)، وهذا فيما قرب، فوجب استعمال الحديثين جميعًا، فما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير إذن (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص١٦٩ - ١٧٠ من طريق ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد أن رسول الله وسلم قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. ومن طريقه رواه الشافعي في ((الأم)) ٣٦/٢ ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٥٢/٤. ورواه أبو داود من طريق مالك أيضًا (٣٠٦١) وقال الشافعي في ((الأم)) بعد رواية الحديث: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث رواية ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي ◌َّيهو إلا إقطاعه. فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي حَيّ فيه اهـ وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٣٧/٣: هكذا هو مرسل في جميع الموطآت ولم يختلف فيه عن مالك. ورواه موصولًا الحاكم في «المستدرك)» ٤٠٤/١ من طريق الدراوردي، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال، عن أبيه به مطولًا. ورواه البزار كما في ((كشف الأستار)» (١٧٣٩)، عن عمرو بن عوف. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٨/٦: رواه البزار وفيه: کثیر بن عبد الله وهو ضعيف جدا وقد حسن الترمذي حديثه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء)) (٨٣٠) وقال: وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه ثابت في إقطاع، لا في أخذ الزكاة من المعادن والله أعلم. (٢) هُذِه الزيادة جاءت في ((التمهيد)) ٢٣٧/٣ وعزاه للبزار ولم يذكرها صاحب ((المجمع)). ٢٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح الإمام، وأمَّا ما تباعد عن العمران ولم يتشاح فيه جاز أن يعمر بغير إذنه، والإذن منه معناه الإقطاع، وقد أقطع عمر العقيق وهو قرب المدينة. قال سحنون: ومسافة يوم عن العمارة بعيد فإن قاس المانع ذلك على الغنيمة بجامع الموات من مصالح المسلم؛ لأنَّ الأرض مغلوب عليها، فوجب أن لا تملك إلا بإذن الإمام كالغنيمة(١) فيُقال: الموات في الفيافي من المباح، كالصيد وطلب الركاز والمعادن لا يفتقر شيء منها إلى إذن الإمام، وإنْ كانت في الأرض التي عليها يد الإمام، فكذا الموات. وإحياء الموات عند مالك إجراء العيون وحفر الآبار والبنيان والحرث وغرس الأشجار(٢)، وهو قول الشافعي. قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك التحجر إحياء(٣)، والحجة له ما روى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: كان الناس (يتحجرون)(٤) على عهدهم التي ليست لأحد. قال عمر: من أحيا أرضًا ميتة فهي له(٥)، وهذا يدل على أنَّ التحجير غير الإحياء. قوله: ((وليس لعرق ظالم حق))) قال ابن حبيب: وبلغني عن ربيعة أنه قال: العرق الظالم عرقان: ظاهر وباطن، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو غرسه، والظاهر ما بنى في أرض غيره. وعنه العروق أربعة: (١) ((النوادر والزيادات)) ٥٠٢/١٠. (٢) ((المدونة)) ٣٧٧/٤، و((النوادر والزيادات)) ٥٠٤/١٠-٥٠٥. (٣) المصدران السابقان. (٤) في الأصل: يتحرجون، والمثبت من مصادر التخريج. (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٨٩/٤ (٢٢٣٧٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٧٠. ولفظه: كان الناس يتحجرون على عهد عمر، فقال: من أحيا أرضا فهي له . ٢٧٧ = كِتَابُ المُزَارَعَةِ عرقان فوق الأرض، وهما: الغراس والبناء، وعرقان في جوفها : المياه والمعادن(١). وفي رواية ابن التين: المياه والعين، وقال: هكذا وقع فيه في نفس الحديث، وهو يصح على رواية من رواه منونًا غير مضاف، ومن لم يضفه ونون عرقًا احتج به في أنَّ غلات المغصوب لربه، وليس للغاصب منها شيء، يريد: أنَّ الظالم هو الغاصب، ولا حق له في المغصوب لا في غلته ولا في غيرها. قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرًا على الظالم، إنَّ شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعًا، وإن شاء نزعه من أرضه، وقال غيره: معنی الحدیث یرید ليس له حق كحق من غرس أو بنى بشبهة، فإذا غرس أو بنى بشبهة فله حق إن شاء رب الأرض أن يدفع إليه قيمته قائمًا، وإن أبي قيل للذي بنى وغرس: أدفع إليه قيمة أرضه براحًا فإنْ أبيا كانا شريكين في الأرض والعمارة: هذا بقيمة أرضه، وهذا بقدر قيمة العمارة(٢). قال ابن حبيب: لا خيار للذي بنى وغرس إذا أبى رب الأرض، ولكن يشرك فيما بينهما مكانه هذا بقيمة أرضه براحًا والآخر بقيمة عمارته قائمة. وقال ابن الماجشون: وتفسير اشتراكهما أن تُقوَّم الأرض براحًا ثم تُقوَّم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحًا كان العامر شريكًا لرب الأرض فيها إن أحبا قسما أو حبسا(٣). (١) ((النوادر والزيادات)) ١٠/ ٥٠٠ بتصرف. (٢) السابق ٥٠٧/١٠ بتصرف. (٣) السابق ١٠/ ٤٠٧. ٢٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال ابن الجهم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له کراؤها في ماضي السنين. وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في ((المعرفة)): جماع العرق الظالم: كل ما حفر أو غرس أو بني ظلمًا في حق امرئ بغير خروجه منه(١). وروى يحيى بن آدم في كتاب ((الخراج)) عن الثوري وسُئل عن العرق الظالم، فقال: هو المنتزي(٢). وللنسائي عن عروة بن الزبير: وهو الرجل يعمر الأرض الخربة وهي للناس، وقد عجزوا عنها فتركوها حتى خربت(٣). تنبيهات : أحدها: روى ابن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن ليث عن أبي بكر بن حفص مرفوعًا: ((من أحيا أرضًا من المصر على دعوة فله رقبتها إلى ما يصيب فيها من الأجر)). وعن الشعبي رفعه: ((من ترك دابة مهلكة فهي للذي أحياها)). وقال الحسن إذا سُئل عن ذلك: لمن أحياها (٤). ثانيها: حكى ابن التين عن أصحاب مالك ثلاثة أقوال في الإحياء: يجوز فيما بعد من العمران، يجوز في الجميع، لا يجوز مطلقًا إلَّا بإذن الإمام. ثالثها: حديث معاذ المرفوع: ((إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه)) (١) ((معرفة السنن والآثار)) ١٨/٩. (٢) ((الخراج)) ص٨٦ (٢٧٣). (٣) ((السنن الكبرى)) ٤٠٥/٣. (٤) ((المصنف)) ٤٨٩/٤-٤٩٠ باب من قال: إذا أحيا أرضًا فهي له. ٢٧٩ = ڪِتَابُ المُزَارَعَةِ لا يصح كما بينه البيهقي، وبين انقطاعه وجهالة أحد رواته(١). وأعله ابن خزيمة أيضًا(٢). رابعها: قال الشافعي: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن الأزرقي، عن أبيه، عن علقمة بن نضلة أنَّ عمر بن الخطاب قال: ليس لأحد - يعني: من إحياء الموات- إلا ما أحاطت عليه جدرانه(٣). خامسها: قد يحتج بالحديث من يرى إجازة إحياء الذمي في دار الإسلام، واختلف فيه عند المالكية (٤)، ونص إمامنا على عدم جوازه(٥)، واختلف عندهم أيضًا أنَّ الإذن واجب أو مستحب، وفائدته: إذا بنى بغير إذنه هل يهدمه الإمام إذا رأى ذلك أو يمضيه؟ قال من قال: يحيي فيما بعد دون ما قرب من العمران، قيل: حده أنْ يقف الرجل في طرف العمران ويصيح فلا يسمعه من يكون في تلك الأرض، وقيل: ذلك قدر سرح مواشيهم في غدوها ورواحها، وهذا مما لم یکن في الأرض نشزًا، وأما ما درس وکان مشتری فهو لمالكه. واختلف فيما دثر مما أصله الإحياء ولم یکن نشزًا. (١) رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٨/٩ وقال: هذا منقطع بين مكحول، ومن فوقه، وراويه عن مكحول مجهول ولا حجة في هذا الإسناد. (٢) لم أقف عليه عند ابن خزيمة في (صحيحه)). وقال العيني في ((عمدة القاري)) ١٠/ ١٧٩. رواه ابن خزيمة من حديث عمرو بن واقد، عن موسى بن يسار، عن مكحول، عن جنادة بن أبي أمية، عن معاذ. قلت - أي العيني -: عمرو متروك باتفاق. ولعله عند ابن خزيمة في ((المزارعة)). (٣) ((الأم)) ٢٦٩/٣. (٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٠٤/١٠. (٥) انظر: ((الأم)) ١٣٣/٤. ٢٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٦ - باب ٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ وََّ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَّاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْنَاخِ الذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرِىُ مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الذِي بِبَطْنِ الوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطْ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: ٤٨٣ - مسلم: ١٣٤٦ - فتح: ٢٠/٥] ٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهْوَ بِالْعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِي هذا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)). [انظر: ١٥٣٤ - فتح: ٢٠/٥] كذا ذكره ولم يترجمه(١) ثم ساق حديث ابن عمر: أَنَّه العَّا أُرِيَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ .. الحدیث. وحديث عمر (٢) بعده: ((صَلِّ فِي هذا الوَادِي)) السالف في الحج (٣). قال المهلب: هذا المعنى [الذي](٤) حاول البخاري من أنه جعل موضع معرس رسول الله وَالر وصلاته موقوفًا له ومتملكًا له؛ لصلاته وتعريسه فيه لا يقوم على ساق، لأنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجدًا)) وقد يصلي في أرض متملكة، فلم تكن صلاته فيها بمبيحة (١) يقصد الباب. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في الثاني صحابي عن صحابي. (٣) سلف برقم (١٥٣٤) باب: قول النبي وَّر: ((العقيق واد مبارك)). (٤) ليست في الأصول، وأثبتناه من ((شرح ابن بطال)).