النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
== ڪِتَابُ الوَكَالَةِ
١١- باب إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌّ
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَذَّثَنَا يَخْيَى بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابن سَلَّامِ-
عَنْ يَخْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ رضي الله عنه
قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ بِتَمْرٍ بَزِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((مِنْ أَيْنَ هذا؟)). قَالَ
بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَ﴿ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، ولكن إِذَا أَرَدْتَ أَنْ
تَشْتَرِيَ فَبَعِ التَّمْرَ بِبَيْعِ آَخَرَ ثُمَّ أَشْتَرِهِ). [مسلم: ١٥٩٤ - فتح: ٤ / ٤٩٠]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى رسول اللهِ وَّ
بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: ((مِنْ أَيْنَ هذا؟)). قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ،
فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِنُظْعِمَ النَّبِيَّ وَ لِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ((أَوَّهْ،
عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، ولكن إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ الثَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ
اشْتَرِهِ)».
وقد سلف في باب: إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه(١)، والبخاري
رواه هنا عن إسحاق.
قال الجياني: لم ينسبه أحد من شيوخنا فيما بلغني، قال: ويشبه أن
يكون ابن منصور، فقد روى مسلم(٢)، عنه، عن يحيى بن صالح هذا
الحديث. وقال في الكسوف(٣) (٤)، وهنا، والأيمان والنذور(٥)، وعمرة
(١) سلف برقم (٢٢٠١، ٢٢٠٢) كتاب: البيوع.
(٢) ((صحيح مسلم)) رقم (٩٦/١٥٩٤) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل.
(٣) سلف برقم (١٠٤٥) باب: النداء بـ (الصلاة جامعة في الكسوف).
(٤) ورد بهامش الأصل: في باب: النداء بالصلاة جامعة.
(٥) سيأتي برقم (٦٦٢٦) باب: قول الله تعالى ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ﴾.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الحديبية(١): حدثنا إسحاق، ثنا يحيى بن صالح، ثنا معاوية بن سلام(٢).
والبرني -بفتح الباء- من أطيب التمر. وقوله: ((أو)) قال في
((المطالع)): هي بالقصر والتشديد وسكون الهاء، كذا رويناه، وقيل
بالمد، ولا معنى لمدها إلا بعد الصوت، وقيل: بسكون الواو وكسر
الهاء، ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل مدها واوين فيقول: آووه،
وكله بمعنى التحزن، وعبرَّ بأوه ليكون أبلغ في الموعظة. وقال
صاحب ((العين)): تأوه الرجل آهة إذا توجع، ويقال: أوهة لك، في
موضع مشتقة وهم، ويقال: أوه من كذا، على معنى التذكر والتحزن(٣).
وقوله: ((عين الربا)) أي: نفس الربا، ولا خلاف أن من باع بيعًا
فاسدًا أن بيعه مردود.
وقوله ((أوه)) دليل على فسخه؛ لأن الله تعالى قد أمر في كتابه وقضى
برد رأس المال بقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ
الْرّبُوا﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
وقد روي في هذا الحديث عن بلال أنه التَّه قال: ((اردده)) وفي رواية
عنه: ((انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك فبعه بحنطة أو شعير، ثم
اشتر من هذا التمر، ثم جئني)) وساق الحديث(٤)، وإنما الغرض في
بيع الطعام من صنف واحد مثلًا بمثل التوسعة على الناس، ولئلا
يستولي أهل الجدة على الطيِّب.
(١) سيأتي برقم (٤١٧١) كتاب: المغازي.
(٢) (تقييد المهمل)) ٩٦٨/٣.
(٣) ((العين)) ٤/ ١٠٤ بنحوه.
(٤) رواه الطبراني ٣٣٩/١ من طريق قيس بن الربيع عن أبي حمزة عن سعيد بن
المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه به.
ورواه البزار في «مسنده» ٤/ ٢٠٠ (١٣٦٢) والروياني في «مسنده» ١٨/٢ (٧٥٥)
من طريق منصور عن أبي حمزة به بإسقاط عمر رضي الله عنه وأعله الدارقطني بأبي =

٢٠٣
- كِتَابُ الوَكَالَةِ
=
١٢- باب الوَكَالَةِ في الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ،
وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ
٢٣١٣- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ فِي صَدَقَةٍ عُمَرَ
رضي الله عنه لَيْسَ عَلَى الوَلِيُّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا إلَهُ] غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا،
فَكَانَ ابن عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَّةَ عُمَرَ بُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةً، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ.
[٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٤ / ٤٩١]
ثم ساق حديث سفيان، عَنْ عَمْرٍو قَالَ فِي صَدَقَةٍ عُمَرَ لَيْسَ عَلَى
الوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، فَكَانَ ابن عُمَرَ
هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ مََّةَ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ.
هذا الحديث كرره البخاري، وفي رواية: كان يقال للمال: ثمغ،
وكان نخلا(١)، ولأبي داود: فما عفا من تمره فهو للسائل والمحروم،
وإن شاء وَلِيُّ ثَمْغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله. وفي لفظ: هذا
ما أوصى به ابن عمر إن حدث لي حدث أن ثمغًا. وصرمة بن الأكوع،
والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة
التي أطعمه رسول الله وَّر بالوادي، الحديث(٢).
حمزة وقال: أبو حمزة مضطرب الحديث، والاضطراب في الإسناد من قبله. والله
=
أعلم. ا.هـ من ((العلل)) ١٥٨/٢-١٥٩.
(١) سيأتي برقم (٢٧٦٤) كتاب: الوصايا، باب: وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم،
وما یأکل منه بقدر عمالته.
(٢) (سنن أبى داود)) (٢٨٧٩)، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٧٧/١٠ والبيهقي
في ((السنن)) ٦/ ١٦٠ من طريق أخرى عن ابن وهب، وذكره الألباني في ((صحيح
أبي دواد)» وقال: هُذِه وجادة ثبتت من طرق جيدة، وسكت عنها الحافظ في
((الفتح)) ٤٠٢/٥ والله أعلم.

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وثمغ - بالثاء المثلثة، ثم ميم ساكنة، ثم غين معجمة- موضع تلقاء
المدينة(١)، كان فيه مال لعمر، فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر، فقال
شغلني ثَمْغ عن الصلاة، أشهدكم أنها صدقة.
ذكره الإسماعيلي عن عمر، وقال: كان ابن عمر إذا قدم مكة أهدى
إلى آل عبد الله بن خلد بن أسيد من صدقة عمر. ولأبي نعيم من حديث
أيوب، عن نافع: أوصى عمر، الحديث من حديث أيوب أنه أخذ هذا
الحديث عن عمرو بن دينار في صدقة عمر لا حرج عليه -يعني على وليه
في تمره- أن يأكل منه أو يؤاكل صديقًا غير متمول منه مالا. وهذا لفظ
معمر، وهذا إنما أخذه عمر من كتاب الله تعالى في ولي اليتيم، في قوله
تعالى ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
والمعروف: ما يتعارفه الناس بينهم غير مكتسب مالا، فهذا مباح
عند الحاجة، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولي له ويؤكل؛ لأن
الحبس لهذا حبس، وليس هو مثل من آؤتمن على مال غيره لغير
الصدقة فأعطى منه بغير إذن ربه شيئًا فإنه لا يجوز ذلك بالإجماع.
وفيه: أن الناس في أوقافهم على شروطهم.
ومعنى (غير متأثل) جامع مالًا.
وفيه: دليل على أبي حنيفة في منعه الحبس وأن كان ربعًا(٢)،
وأهدى ابن عمر للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقًا له- أي:
يطعم - وأنه كان ينزل على الذين يهدئ إليهم مكافأة عن طعامه،
فكأنه هو أکله.
وفيه: الاستضافة ومكافأة الضيف.
(١) انظر: ((معجم البلدان)) ٣٤٦/١.
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ١٣٦-١٣٧.

٢٠٥
كِتّابُ الوَكَالَةِ
=
١٣- باب الوَكَالَةِ في الحُدُودِ
٢٣١٤ -٢٣١٥- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ
إِلَى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
الحديث ٢٣١٤ - [٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠،
٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩ - فتح: ٤ / ٤٩١]
الحديث ٢٣١٥ - [٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣،
٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح: ٤ / ٤٩١]
٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أبي
مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الَحَارِثِ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ - أَوِ ابن النُّعَيْمَانِ - شَارِبًا، فَأَمَرَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ مَنْ كَانَ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَّا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ
بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ. [٦٧٧٤، ٦٧٧٥ - فتح: ٤ / ٤٩٢]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((وَاغْدُ
يَا أُنَيْسُ إِلَى آمْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)).
وحديث عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ - أَوِ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ-
شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ فَلَيَضْرِبُوا، قَالَ: كُنْتُ أَنَا
فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ.
الشرح:
الحديث الأول سيأتي في النذور (١)، والمحاربين(٢)، والصلح(٣)،
(١) رقم (٦٦٣٣، ٦٦٣٤) باب: كيف كانت يمين النبي ◌َلِ﴾.
(٢) رقم (٦٨٢٧، ٦٨٢٨) باب: الاعتراف بالزنا.
(٣) رقم (٢٦٩٥، ٢٦٩٦) باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والشروط(١)، والأحكام(٢)، والشهادات(٣)، والاعتصام (٤)، وخبر
الواحد(٥)، وله قصة. وحديث عقبة، يأتي في بابه(٦).
وأنيس هو ابن الضحاك الأسلمي، ويقال مكبرًا، ذكر له أبو عمر
حديثًا. والنعيمان (٧) هو ابن عمرو بن رفاعة البخاري، يقال له:
نعمان، بدري مزاح، توفي في خلافة معاوية.
وفي حديث أنيس من الفقه أنه يجوز للإمام أن يبعث في إنفاذ الحكم
من يقوم مقامه فيه كالوكيل للموكل.
واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة
وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقيم الحد والقصاص
حتى يحضر المدعي، وهو قول الشافعي. وقال ابن أبي ليلى وجماعة:
تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون
إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا، فيوقف عن النظر فيه حتى
يحضر (٨).
(١) رقم (٢٧٢٤، ٢٧٢٥) باب: الشروط التي لا تحل في الحدود.
(٢) رقم (٧١٩٣، ٧١٩٤) باب: هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في
الأمور.
(٣) رقم (٢٦٤٩) باب: شهادة القاذف والسارق والزاني.
(٤) رقم (٧٢٧٨، ٧٢٧٩) باب: الاقتداء بسنن رسول الله وَله.
(٥) رقم (٧٢٥٨، ٧٢٥٩) باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
(٦) سيأتي برقم (٦٧٧٤، ٦٧٧٥) كتاب: الحدود، باب: من أمر بضرب الحد في
البيت، باب: الضرب بالجريد والنعال.
(٧) ورد بهامش الأصل: جعله غير واحد في الكبير قال: وهو الذي يقال له: نعيمان،
وكونه توفي في أيام معاوية، عزاه النووي في ((تهذيبه)) لابن عساكر.
(٨) انظر: ((الهداية)) ١٥٢/٣-١٥٣، ((البيان)» ٤٠٠/٦.

٢٠٧
كِتَابُ الوَكَالَةِ
وقول من أجاز الوكالة في ذلك تشهد له الأحاديث الثابتة. فإن قلت:
حدیث ابن النعیمان أقیم الحد بحضرته. قلت: معناه متحد؛ لأنه کله عن
أمره، فتارة أرسل، وتارة فعل بحضرته؛ لأنه لا يتولاه بنفسه. ويجيء
على مذهب مالك أن الحد يقام على المقرِّ دون حضور المدعي،
خلاف قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حق قد وجب عليه، وليس
دعواه على المدعي بما يسقط الحد مما يجب أن يلتفت إليه بمجرد
دعواه، إلا أن يقيم بينة على ما ادعى من ذلك، ففيه: جواز استنابة
الحاكم في بعض القضايا من يحكم فيها - كما أسلفناه- مع تمكنه من
مباشرتها، وسيأتي واضحًا في الصلح(١).
وفيه: إقامة الحدود والضرب بالنعال والجريد كان في زمن رسول
الله ﴾ ثم رتبه عمر ثمانین.
وفيه: أن حد الخمر لا يستأنى به الإفاقة كحد الحامل لوضع حملها.
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٥٢/٦.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤- باب الوَكَالَةِ في البُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا
٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي
بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها:
أَنَّا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذِيٍ رَسُولِ اللهِ وَهَ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِوَلَّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ
بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَخْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُّ. [انظر:
١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٤/ ٤٩٢]
ذكر فيه حديث عائشة: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ اللهِ وَّر ..
الحديث. سلف في الحج(١). والوكالة في البدن، وفي كل ما يجوز
للإنسان أن ينوب غيره فيه منابه من الأعمال جائزة لا خلاف في شيء
من ذلك.
وفي قولها: (لم يحرم عليه شيء أحله الله حتى نحر الهدي). رد على
ابن عباس: من قلد هديه صار محرمًا بنفس تقليده، وقيل: لأن ناسًا
يقولون: إذا أهل ذو الحجة تشبه بهم.
(١) رقم (١٦٩٦) باب: من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم.

٢٠٩
كِتَابُ الوَكَالَةِ
١٥- باب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ الله.
وَقَالَ الوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ.
٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ يَخْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رضي الله عنه يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنَّصَارِ بِالْمَدِينَةِ
مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ
تَعَالَىْ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وَإِنَّ
أَحَبَّ أَمْوَالٍ إِلَّ بِيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَزْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَغْهَا يَا رَسُولَ
اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: ((بَخ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحُ، قَدْ سَمِعْتُ ٣/
١٣٥ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَريَّ أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ.
فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكِ. وَقَالَ رَوْحُ، عَنْ مَالِكِ: ((رَابِحٌ)). [انظر: ١٤٦١-
مسلم: ٩٩٨- فتح: ٤ /٤٩٣]
ذكر فيه: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَىْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ
بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أنصاري
بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُحًا .. الحدیث بطوله. وقد سلف
في الزكاة (١)، تابعه إسماعيل عن مالك.
وقال روح عن مالك: رابح. ويحيى (خ م ت س) هذا هو الخراساني(٢)،
(١) سلف برقم (١٤٦١) باب: الزكاة على الأقارب.
(٢) ورد بهامش الأصل: هو الحمصي، ثبت فقيه صاحب حديث، وليس بالكثير
جدًّا، مات سنة ٢٢٦ هـ [انظر: الكاشف: (٦٢٦٤)].

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهو من جلة أهل الحديث، وَثَمَّ آخر غساني وأندلسي صاحب مالك
وغير ذلك. وأبو طلحة جد إسحاق أسمه زيد بن سهل الصحابي،
مات سنة أربع وثلاثين.
ووقع في كتاب ابن التين أن اسمه خالد، فاحذره.
وقوله: (قد سمعتُ ما قلت) يدل على قبوله التَّ لما جعل إليه
أبو طلحة من الرأي في وضعها، ثم رد رسول الله ومايقر الوضع فيها
إلى أبي طلحة بعد أن أشار عليه في من يضعها.
وفيه: أن للوكيل أن يقبل ما وكل عليه وله أن يرد، وأن الوكالة لا تتم
إلا بقبول الوكيل، ألا ترى أن أبا طلحة قال لرسول الله وتلقي: فضعها
یا رسول الله حیث أراك الله. فأشار علیه بالرأي، ورد علیه العمل،
وقال ((أرى أن تجعلها في الأقربين)) فتولى أبو طلحة قسمتها.
وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يُمَلِّكه أحدًا، فجائز أن
يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، وجائز أن يشاور فيه من يثق
برأيه من إخوانه، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قال بعض
الناس: يعني قول الرجل: لله، وفي سبيل الله. في وجه دون وجه،
ألا ترى هذِه الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة، ولو
سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره.
واختلف الفقهاء إذا قال الرجل: خذ هذا المال فأجعله حيث أراك
الله من وجوه الخير، هل يأخذ منه لنفسه إن كان فقيرًا أم لا؟
فقالت طائفة: لا يأخذ منه شيئًا؛ لأنه إنما أمر بوضعه عند غيره،
وهذا يشبه مذهب مالك في ((المدونة))، كما قاله ابن بطال: سئل
مالك عن رجل أوصى بثلث ماله لرجل أن يجعله حيث رأى، فأعطاه

٢١١
- كِتَابُ الوَكَالَةِ
ولد نفسه -يعني ولد الوصي- أو أحدًا من ذوي قرابته؟ قال: مالك:
لا أرى ذلك جائزًا.
وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز أن
يأخذه لنفسه كله إن كان فقيرًا. ووجه من قال: لا يأخذ منه شيئًا لنفسه؛
لأن ربه وضعه في الفقراء، ولم يأذن له أن يأخذه لنفسه، ولو شاء أن
يعطيه له لم يأمره أن يضعه في غيره، وكأنه أقامه مقام نفسه، ولو
فرقه ربه لم يحبس منه شيئًا. ووجه قول من قال: يأخذ منه کنصيب
أحد الفقراء، فهو أن ربه وضعه في الفقراء، وهو أحدهم، فلم يتعد
ما قيل له.
ووجه قول من قال: إنه يأخذه كله لنفسه. أن ربه أمره أن يضعه في
الفقراء، ومعلوم أنه لا يحيط بجماعتهم، وأن المال إنما يوضع في
بعضهم، وإذا كان فقيرًا فهو بعضهم؛ لأنه من الصفة التي أمره أن
يضعه فیھم(١).
وفيه، وفي الآية دليل على فضل الكفاف على الغنى والفقر؛ لقوله
تعالى ﴿مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ولم يقل ما تحبون.
وفيه: دخول الشارع حوائط أصحابه، وشربه من الماء العذب.
والذخر: ما يعتد به.
وبيرحاء يمد ويقصر، وقد سلف ما فيه بزيادة.
وبخ: كلمة تقولها العرب عند قبول فعل من تخاطبه، يقال عند مدح
الشيء، وتبخبخ فلان إذا قال ذلك(٢).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥، وقول مالك في ((المدونة)) ٣٩٩/٤.
(٢) ((المجمل)) ١١١/١ مادة: [بخ].

٢١٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ورائح. أي: يروح لصاحبه بالأجر إلى يوم القيامة أو يروح عليه في
الآخرة بالأجر العظيم. ومن رواه بالباء أي: مربوح فيه، وقيل: وضعه
صاحب موضع الربح.
وتقول العرب: متجر رابح، ويقال: مربح.
وفيه رواية الحديث بالمعنى؛ لأنه إنما قال إحدى الكلمتين، نبه عليه
الداودي، وليس ببين، وإنما هي رواية بالياء وأخرى بالباء.
وقوله: ( ((إني أرى أن تجعلها في الأقربين)) ) مع قولها: فضعها
یا رسول الله حیث شئت.
وفيه: أن للوكيل أن لا يقبل الوكالة كما سلف، وأن الصدقة على
الأقارب لها فضل.
وفي حديث آخر أنه قسمها بين أُبي وحسان(١).
وقوله: (أفعل يا رسول الله). هو فعل مستقبل مرفوع. وقال الداودي
يحتمل أن أفْعل أنت ذاك، قد أمضيته على ما قلت فجعله أمرًا، والأول
أولى؛ لقوله: فقسمها أبو طلحة.
وفيه: الرجل إذا تصدق بمعين يخرجه كله، بخلاف قوله: مالي
صدقة أنه يخرج الثلث، فهذا أصل لمن عين شيئًا من ماله، ولو عين
ماله كله وجب عليه إخراجه، وليس في الحديث في ذلك بيان، بل
فيه أن ذلك كان يسيرًا من مال أبي طلحة؛ لأنه كان أكثر أنصاري
بالمدينة مالًا.
(١) سيأتي برقم (٢٧٥٨) كتاب: الوصايا، باب: من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل
إليه.

٢١٣
كِتَابُ الوَكَالَةِ
=
واختلفت المالكية إذا عين شيئًا من ماله، هل يخرج ثلثه أو جميعه؟
وكذلك إذا كان أكثر من ثلثه، هل يخرج جميعه أو يقتصر على ما حمل
الثلث منه كالوصايا؟ ذكره ابن الجلاب.
وليس في الحديث بيان لشيء من ذلك، بل قال: كان أحب أموالي
إليَّ. فدل أن له أموالًا غيره.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦- باب وَكَالَةِ الأَمِينِ في الخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَیی
بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «الْخَازِنُ الأَمِينُ الذِي
يُنْفِقُ - وَرُبَّمَا قَالَ: الذِي يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ نَفْسُهُ إِلَى الذِي
أُمِرَ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)). [انظر: ١٤٣٨ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٤ / ٤٩٣]
ذكر حديث أبي موسىُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((الْخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِقُ
- وَرُبَّمَا قَالَ: الذِي يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الذِي أُمِرَ بِهِ
أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)».
وقد سلف(١)، وإنما كان أحد المتصدقين؛ لأنه معين على إنفاذ
الحسبة، وأما إذا أعطاه كارهًا غير مريد لإعطائه لم يؤجر على ذلك؛
لأنه لا نية له مع فعله، وقد أخبر الشارع أن الأعمال بالنيات، فدل
ذلك على أنها إذا لم تصحبها نية، أنه لا يؤجر بها، ألا ترى أن
المنافقين لم تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيرهما إذا عريت أعمالهم
عن النيات.
(١) سلف برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير
مفسدٍ.

+
+
+
٠
+
+
+
+
+
+
+
٤١
الجَزِ المزارعَّة
+

CO
٤١- الَشِ المِزَارَة
١ - باب: فَضْلِ الزَّرْعِ وَالحَرْثِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ
(٦٤
◌َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ
وقَوْلِهِ: ﴿أَفَيْتُم مَّا تَحُونَ
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا﴾ [الواقعة: ٦٣-٦٥].
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ
الُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَُّ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ
بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».
وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسْ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. [٦٠١٢
- مسلم: ١٥٥٣ - فتح: ٣/٥]
ذكر فيه حديث أنس، فقال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةً،
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًاً،

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)).
وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: ثنا أَبَانُ، ثنا قَتَادَةُ، ثنا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ.
الشرح :
كذا ذكره بلفظ: (وقال لنا مسلم) وهو شيخه بلفظ التحدیث، حتى
جعله بعضهم معلقًا. وأباه أبو نعيم فقال: روى البخاري هذا الحديث
وأتى به لتصريح قتادة فيه بسماعه من أنس ليسلم من تدليس قتادة .
وأخرجه أيضًا مسلم، عن عبد بن حميد، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا
أبان بن يزيد العطار، ثنا قتادة عن أنس(١)، وعنده أيضًا: عن جابر، عن
أم مبشر أنه التَّ دخل نخلاً لها، فسأل: ((مَنْ غرس هذا النخل أمسلم أم
كافر؟» قالوا: مسلم .. الحديث، وفي رواية: دخل على أم معبد أو أم
مبشر الأنصارية(٢)، وفي رواية له: عن جابر، عن امرأة زيد بن
حارثة، بدل: (أم مبشر)(٣). وفي بعض نسخ مسلم: أم بشر، وهو من
أفراده.
قلت: ورأيت من قال من شيوخنا: إن أم معبد هي أم مبشر وأم
بشير، واسمها : خليدة(٤).
قال ابن عبد البر: هي بنت البراء بن معرور الأنصارية(٥). وفي الباب
عن أبي أيوب، ذكره الطبراني(٦) وأبي سعيد.
(١) ((صحيح مسلم)) برقم (١٣/١٥٥٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع.
(٢) المصدر السابق رقم (١٥٥٢).
(٣) المصدر السابق (١١/١٥٥٢).
(٤) ذكره النووي في ((شرح مسلم)) ٢١٤/١٠، ولم یصححه.
(٥) ((الاستيعاب)) ٥١١/٤.
(٦) ((المعجم الكبير» ٤/ ١٤٨ (٣٩٦٨).

٢١٩
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
وخص المسلم بالذكر؛ لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوى به
على العبادة؛ ولأنه الذي يُحصِّل الثواب - بخلاف الكافر- وغايته أن
يخفف العذاب عنه فيمن خص به(١)، وقد يطعم في الدنيا ويعطى
بذلك، ويعني بالصدقة ثوابها مضاعفًا، كما قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١].
وفيه: أن الغراس واتخاذ الضياع مباح وغير قادح في الزهد، وقد
فعله كثير من الصحابة وغيرهم، وذهب قوم من المتزهدة إلى أن ذلك
مكروه وقادح في الزهد، ولعلهم تمسكوا في ذلك بحديث الترمذي
محسنًا، وابن حبان من حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((لا تتخذوا الضيعة
فتركنوا إلى الدنيا))(٢).
ويجاب بأن النهي محمول على الاستكثار من الضياع، والانصراف
إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون في الدنيا، وأما إذا أتخذها
غير مستكثر، وقلل منها، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة غير قادحة في
الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه الشارع بقوله: ((إلا من أخذه
بحقه ووضعه في حقه)»(٣) فإن نوى بما غرس معونة المسلمين ورجاء ثواب
ما يؤكل وشبهه، فذلك من أفضل الأعمال وأكمل الأحوال.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وأما الكافر فإنه يطعم بحسناته في الدنيا ولا يخفف
عنه في الآخرة من العذاب، إلا فيمن ورد فيه النص منهم مثل أبي طالب، وكما
یسقى أبو لهب بعتقه فيه ثويبة.
(٢) ((سنن الترمذي)) رقم (٢٣٢٨)، و((صحيح ابن حبان)) ٢/ ٤٨٧ (٧١٠)، وصححه
الحاكم ٣٢٢/٤ والألباني في ((الصحيحة)): (١٢).
(٣) جزء من حديث: ((إن أكثر ما أخاف عليكم .. )) ويأتي في الرقاق (٦٤٢٧) باب:
ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ورواه مسلم (١٢٢/١٠٥٢) كتاب:
الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنیا.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
ولا يبعد أن يقال: إن أجر ذلك يعود عليه دائمًا أبدًا وإن مات
وانتقلت إلى غيره، ما دام ذلك الغرس أو الضيعة وما تولد منهما إلى
يوم القيامة؛ لما في مسلم ((إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة))(١)
ولو كان كما زعم أولئك لما كان لمن يزرع زرعًا وأكل منه إنسان
أو بهيمة أجر؛ لأنه لا يؤجر أحد على ما لا يجوز فعله، وقد أسلفنا
اختلاف الناس في أفضل المكاسب أهو التجارة أو الصنعة باليد
أو الزراعة، فراجعه.
ويرجح الثالث: بأن الشخص يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته
دابة أو طائر ونحوهما؛ لما في ((صحيح مسلم)) من حديث جابر : ((وما
سرق منه له صدقة، وما أكله السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له
صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة))(٢).
وفي رواية له: ((فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كان له صدقة
يوم القيامة))(٣) قال المهلب: وهذا يدل على أن الصدقة على جميع
الحيوان، وكل ذي كبد رطبة فيه أجر، لكن المشركين لا يؤمر بإعطائهم
من الزكاة الواجبة؛ لقوله العلّة: ((فترد على فقرائهم))(٤).
وفيه من الفقه: أن من زرع في أرض غيره أن الزرع للزارع، ولرب
الأرض عليه كراء أرضه؛ لحديث الباب، فجعل الصدقة للزارع والثواب
له خاصة دون رب الأرض، فعلمنا أنه ليس لرب الأرض حق في الزرع
الذي أخرجته الأرض.
(١) مسلم رقم (١٠/١٥٥٢).
(٢) مسلم (١٥٥٢) كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع.
(٣) السابق.
(٤) سلف برقم (١٣٩٥) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة.