النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ـ كِتَابُ الكَفَالَةِ صحيح على شرطهما (١). وذكر أبو داود في ((ناسخه ومنسوخه)) عن عكرمة نسخ الحلف بذوي الأرحام، وعن الضحاك نحوه. وقال النحاس: الذي يجب أن يحمل عليه الحديث -يعني حديث ابن عباس- أن يكون ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ [النساء: ٣٣] ناسخًا لما كانوا يفعلونه وإن كان (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم) غير ناسخ ولا منسوخ(٢). وقال الحسن وقتادة: إنها منسوخة(٣). وممن قال أنها محكمة مجاهد وابن جبير، وبه قال أبو حنيفة، وجعل أولي الأرحام أولَى من أولياء المعاقدة، فإذا فقد ذوو الأرحام ورث المعاقدون وكانوا أحق به من بيت المال، وهو أولى ما قيل في الآية كما قال النحاس. وقد بسطت هذا الموضع في ((شرحي لفرائض الوسيط)» وكتب الفروع. قال الطبري: حديث («لا حلف في الإسلام»(٤) يعارضه حديث أنس السالف، وكان هذا في أول الإسلام، كان آخى بين المهاجرين والأنصار فكانوا يتوارثون بذلك العقد، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه(٥) ، وكانت الجاهلية تفعل ذلك، ثم نسخ بذوي الأرحام، ورد المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بآية الوصية، وإنما قوله: ((ما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة)) فهو ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ (١) (المستدرك)) ٣٠٦/٢. ((الناسخ والمنسوخ)) ٢٠٢/٢. (٢) (٣) ((تفسير الطبري)) ٥٤/٤ (٩٢٦٧)، ٥٥/٤ (٩٢٧)، (٩٢٧١)، (٩٢٧٢). (٤) سبق تخريجه. (٥) رواه سعيد في ((سننه)) ٤/ ١٢٤٠ (٦٢٥)، الطبري في ((تفسيره)) ٥٤/٤ (٩٢٦٨). ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == على يد الظالم الباغي، وهو معنى قول ابن عباس: إلا النصرة والرفادة. إنها مستثناة مما ذكر نسخه من مواريث المعاقدين، وزعم الداودي أنهم في الجاهلية إذا تعاقدوا فإن كان له ورثة سواه فله السدس وإلا ورثه وهذا من قول ابن عباس السالف. وقول البخاري في التفسير: (﴿مَوَالِىَ﴾: أولياء). وفي بعض النسخ (وقال معمر: أولياء: موالي ورثة)(١) . وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الموالي: العصبة -يعني: الورثة- وروى عن مجاهد وجماعات نحوه(٢) . وقوله أيضًا: والمولى أيضًا ابن العم، والمولى: المنعم، والمولى: المعتق والمليك، ومولی في الدين. قلت: هو لفظ مشترك يطلق على أكثر من ذلك. قال الزجاج: المولى: كل من يليك، وكل من والاك في محبة فهو مولى، وذكر أبو موسى المديني من ذلك المعتق والمحب، والجار، والناصر، والمأوى، والصهر. زاد ابن الأثير: الرب والتابع(٣). زاد ابن الباقلاني في ((مناقب الأئمة)): المكان، والقرار. وأما بمعنى المولى فكثير، ولا يعرف في اللغة بمعنى الإمام، فإن قلت: فما وجه دخول حديث ابن عباس ونحوه في الكفالات؟ قلت: أجاب عنه ابن المنير بأن الكفيل والغريم الذي وقعت الحوالة (١) ورد بهامش اليونينة ٤٤/٦: أنها في نسختي: أبي الوقت وأبي ذر الهروي. (٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩٣٧/٣. (٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٢٨/٥. ١٤٣ - كِتَابُ الكُفَالَةِ عليه فينتقل الحق عليه، كما ينتقل هنا حق الوارث عنه إلى الحليف، فشبه أنتقال الحق عن المكلف بانتقاله عنه وله. وفيه: القياس على أصل قد نسخ، وهي قاعدة اختلاف(١). فائدة : الحلف : -بكسر الحاء وإسكان اللام كما ضبطه ابن التين- العهد؛ لأنه لا يعقد إلا بحلف، قاله ابن سيده(٢). فمعنى ( ((لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَام)) ) أي: لا تعاهدوني على فعل شيء كما كانوا في الجاهلية يتعاهدون؛ أرثني وأرثك، والمحالفة في حديث أنس هو الإخاء، كما نقله ابن التين عن تفسير العلماء، قال: وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى: النصرة في الإسلام. (١) ((المتواري)) ص ٢٥٧. (٢) ((المحكم)) ٢٢١/٣. ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٣ - باب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْحِعَ وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ. ٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَنِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلَِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟)). قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُنِيَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرِىُ، فَقَالَ: ((هَلْ عَلَيْهِ مَنْ دَيْنٍ؟)). قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلََّّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٢٢٨٩ - فتح: ٤/ ٤٧٤] ٢٢٩٦ - حَذَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَليّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((لَوْ قَدْ جَاءَّ مَالُ البَحْرَيْنِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). فَلَمْ يَجِئْ مَالُ البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ◌َّ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادِى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِ كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. [٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٣١٦٤، ٣٣٨٣ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٤/ ٤٧٤] ثم ساق حديث سلمة بن الأكوع السالف(١) قريبًا مختصرًا. وحديث جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ وَهِ: (لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَّذَا)). فَلَمْ يَجِئْ مَالُ البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِّ وَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادِى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رسول الله وَِّ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ لِ كَذَا وَكَذَا، فَحَثَىْ لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. (١) برقم (٢٨٩) كتاب: الحوالات، باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز. ١٤٥ كِتَابُ الكَفَالَةِ هذا الحديث يأتي في الخمس والمغازي أيضًا (١). وفيه: جواز هبة المجهول، ولمالك قولان، والمشهور جوازه (٢). وفي بعض الروايات أن مال البحرين هذا كان أرسله العلاء بن (٣) الحضرمي(٣). وفيه: دلالة على سخائه، ولا شك فيه إذا كان المال لا يعده ولا يقدره بمقدار عند بذله. وكذا عند أخذه، وهذا كان منه وعدًا لجابر، وكان من خلقه الوفاء بالوعد، وقد قال تعالى في حقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤] وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد؛ ولذلك نقده الصديق بعده بقوله من غير بينة؛ لأنه عدل بالنص، ولا يظن بمسلم الكذب فضلًا عن صحابي تعمد ذلك، وعند الشافعي والجمهور أن إنجاز الوعد مستحب، وخالف الحسن وبعض المالكية فأوجبوه (٤). و(الحَثْيَة): ملء الكف، قال ابن قتيبة: وهي الحفنة، وقال ابن فارس: هي ملء الكفين(٥) وفقه الباب سلف واضحًا. واختلف فيما إذا تكفل عن حي بغير إذنه؛ فقال الكوفيون والشافعي: لا رجوع به إذا أداه؛ لتبرعه. وعن مالك: له الرجوع لقيامه بواجب(٦). (١) في الخمس برقم (٣١٣٧) باب: ومن الدليل على أن الخمس النوائب المسلمين، وفي المغازي برقم (٤٣٨٣) باب: قصة عمان والبحرين. (٢) أنظر: ((المدونة)) ٣٧٠/٤. (٣) ستأتي برقم (٢٦٨٣) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد. (٤) انظر: ((بريقة محمودية)) ٢٨٥/٢، ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) ١٨٢/١. (٥) ((مقاييس اللغة)) مادة: (حثا). (٦) أنظر: ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى)) ص ٥٥، ((مختصر الطحاوي)) ص١٠٤، = ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤ - باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَِّ وَعَقْدِهِ ٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ بِّهِ- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبٍِ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةً رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّ يَأْتِيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللهِوَِّ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةٌ، فَلَمَّا أَبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الَحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَّهُ ابن الدَّغِنَةِ - وَهُوَ: سَيِّدُ القَّارَةِ - فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابن الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المغْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الَحَقُّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌّ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابن الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافٍ كُفَّارٍ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ، وَلَا يُخْرَجُ، أَّخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المغْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الَحَقُّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشْ جِوَارَ ابنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أَبَّا بَكْرٍ، وَقَالُوا لايْنِ الدَّغِنَةِ: مُزْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَغْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابن الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَغْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَ القِرَاءَةِ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَتَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْتَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ رَجُلًا بَكَّاءٌ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَزْسَلُوا إِلَى ابن الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّ أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَغْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ = ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦١/٤، ((الكافي)) لابن عبدالبر ص٣٣٩، ((المدونة)) ١٥٠/٣، ((مختصر المزني)) ص ١٥٤. ١٤٧ كِتَابُ الكَفَالَةِ - وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّ أَنْ يُغِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لَأَبِي بَكْرِ الاسْتِغْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابنِ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْدَّ إِلَّ ذِمَّتِي، فَإِّ لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنْ أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّ أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَزْضَى بِجِوَارِ اللهِ وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ : ((قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، وَأَيْتُ سَبْخَةٌ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَبَتَيْنِ)). وَهُمَا الَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَل: ((عَلَى رِسْلِكَ، فَإِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِيٍ)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَىْ رَسُولِ اللهِ يََّ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ. [انظر: ٤٧٦ - فتح: ٤ / ٤٧٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةٍ(١): لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ(٢). وذكر جوار ابن الدَّغِنَةِ .. إلى آخره. وقد سلف بعضه في المساجد(٣). وهذا الجوار كان معروفًا بين العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب رسول الله وَلي(٤)، ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعِدا. (١) فوقها في (س): من طريقين. (٢) ورد بهامش الأصل: تقدم بعضه في باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس، أسنده هنا وعزاه هناك لأمكنة ليس منها هذا. (٣) برقم (٤٨٦) باب: المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس. (٤) ورد في هامش الأصل: وقد أجار المطعم بن عدي رسول الله وَليل بعد أن خرج للطائف وحين دخل مكة في صحبه. ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فيه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم أنه يباح له وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه فله ذلك، كما رد الصديق الجوار ورضي بجوار الله ورسوله، والصديق يومئذ كان من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من الأذى محتسبًا على الله واثقًا به، فوفَّى الله له بما وثق به منه ولم ينله مكروه حتى أذن في الهجرة فخرج مع حبيبه، ونجاهما الله من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده ◌ّ من إظهار النبوة وإعلاء الدين وكان للصديق في ذلك من الفضل والصدق في نصر رسوله وبذله نفسه وماله في ذلك ما لم یخف مکانه ولا جهل موضعه. وقط -بالتشديد والضم- وهي الأبد الماضي، تقول: ما رأيته قط، قال أبو علي: قط تجزم إذا كانت بمعنى القليل، وتضم وتثقل إذا كانت في معنى الزمن والحين من الدهر تقول: لم أر هذا قط، وليس عندي إلا هذا قط. وقولها: (وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ)، أي: يطيعان الله، وذلك أن مولدها بعد البعث بسنتين، وقيل: بخمس، وقيل: بسبع، ولا وجه له؛ لإجماعهم أنها كانت حين هاجر بنت ثمانٍ، وأكثر ما قيل: أن مقامه بمكة بعد البعث ثلاث عشرة، وإنما يصح خمس على قول من يقول: أقام ثلاث عشرة بمكة، وسنتين على قول من يقول: أقام عشرًا بها. وتزوجها بنت ست، وقيل: سبع، وبنى بها بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعاشت بعده ثمانيًا وأربعين سنة. وقولها: (فَلَمَّا أَبْتُلِيَ المُسْلِمُونَ) تريد بأذى المشركين. ١٤٩ كِتَابُ الكَفَالَةِ = وقولها: (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا) قال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب: خروج البدوي من البادية إلى المدن، يقال: هاجر البدوي: إذا حضر وأقام كأنه ترك الأولى للثانية(١). و(الْغِمَادِ) -بكسر الغين المعجمة في الأصل وضبطه عند ابن فارس بضمها- قال: وهي أرض(٢). و(الدَّغِنَة): بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون، قال أبو الحسن: كذا يرويه جميع الناس، وأهل العربية يضمون الدال والغين ويشددون النون، وعند المروزي بفتح الغين. قال الأصيلي: كذا قرأه لنا. وقيل: إنما كان ذلك؛ لأنه كان في لسانه استرخاء لا يملكه، والصواب الأول، يقال: الدثنة، والدغن: الدجن، والدثنة: المسترخية اللحم، والدغنة أمه وقيل: رايته. و(الْقَارَةِ) حي من العرب، وهم أرمى الناس بالنبل، ومنه المثل: قد أنصف القارة من راماها. (أَسِيحَ): أذهب، لا يريد موضعًا بعينه حتى يجد موضعًا فيستقر به. وقوله: (تَكْسِبُ المَعْدُومَ) إلى آخره سلف في الإيمان(٣). وقول ابن الدَّغِنَةِ: (إِنَّ أبا بكر لَا يَخْرُجُ مثله، وَلَا يُخْرَجُ)، أي: إن رغب فيه، وكذا ينبغي أن كل من ينتفع بإقامته لا يخرج ويمنع منه إن أراده، حتى قال محمد بن مسلمة في الفقيه: ليس له أن يغزو؛ لأن ثم من ينوب عنه فيه، وليس يوجد من يقوم مقامه في التعليم، ويمنع (١) ((تهذيب اللغة)) ٤/ ٣٧١٧ (هجر). (٢) ((المجمل)) مادة: (غمد). (٣) في بدء الوحي برقم (٣) باب منه. ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == من الخروج إن أراده، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُوا كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقوله: (وأنا لك جار)، أي مجير؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّ جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] والجار يكون المجير والمستجير أي: أنا مؤمِّنُك ممن أخافك منهم. و(الأَشْرَاف) جمع شريف. وقوله: (فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ)، هو بكسر الفاء تقول: طفق يفعل كذا مثل ظلّ مثله، قال صاحب ((الأفعال)): طفق بالشيء طفوقًا: إذا أدام فعله ليلًا ونهارًا(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْئًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣]. وقوله: (ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ)، أي: ظهر له غير ما كان يفعله. فابتنى مسجدًا بفناء داره، وهو أول مسجد بني في الإسلام، قاله أبو الحسن. قال الداودي: بهذا يقول مالك وفريق من العلماء أن من كانت لداره طريق متسع له أن يرتفق منها بما لا يضر بالطريق(٢). ومعنى (يَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ): يزدحمون حتى يسقط بعضهم على بعض، وأصله التكسر، ومنه ريح قاصفة: شديدة تكسر الشجر. وقوله: (أَنْ نُخْفِرَكَ)، هو بضم النون رباعي من أخفر إذا عاهد ثم غدر، وخفرته: منعته وحميته، وأخفرته: نقضت عهده، وأخفرته أيضًا جعلت منه خفيرًا، وأخفرت القوم أيضًا: إذا وصلوا إلى عدوهم، وهي في خفارتك. وقول الصديق: (أَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ)، أي: حماه. (١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص ٢٧٠. (٢) انظر: ((الشرح الكبير)) ١٨٣/١٣. ١٥١ = ڪِتَابُ الكَفَالَةِ وفيه: جوار المشرك للمسلم والرجوع إلى ما هو أفضل كما سلف. و(السبخة) بفتح الباء وصفها بالنخل والسبخة، وكان قبل ذلك رآها بصفة تجمع الحبشة والمدينة، فظنت الحبشة فهاجر بعضهم إليها، ثم أري تمام الصفة فانصرفوا إلى المدينة. و((رِسْلِكَ)) بكسر الراء هيئتك كما أنت وهو السير الرفيق، أما الرَّسْل -بفتح الراء- فهو السير السهل، وضبطه في الأصل بكسر الراء، وفي بعض الروايات بفتحها. وقول البخاري: (وقال أبو صالح: حدثني عبد الله .. ) إلى آخره، رواه الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، أنا عبد الله بن وهب، أنا يونس، عن الزهري. ومن حديث يونس، أنا ابن وهب، ثم قال: ذكر أبو عبد الله - يعني البخاري- من هذا الحديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، فقط من حديث الليث، عن عقيل، عن الزهري. واقتص باقيه من غير ذکر خبر عن عبد الله بن صالح، أنا عبد الله، عن يونس به. وهو غیر ابن وهب، وقد ذكرته بإسناده، عن أبي الطاهر ويونس، عن ابن وهب، وجوده معمر، ولما ذكره أبو نعيم من حديث ابن السرح عن ابن وهب قال: روى -يعني: البخاري- حديث يونس، عن أبي صالح المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس. وقال الجیاني: في رواية ابن السكن، قال. أبو صالح سلمويه: ثنا عبد الله بن المبارك. قال: وأبو صالح هذا اسمه سليمان بن صالح مروزي، روى ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - البخاري عن ابن أبي رزمة عنه(١)، وحكى أيضًا عن الأصيلي، وتبعه (٢) المزي (٢). وأما الدمياطي فقال في ((حاشية الصحيح)) عند أبي صالح: محبوب (د.س) بن موسى الأنطاكي الفراء، عنه، وأبو داود والنسائي(٣) عن رجل عنه، قال أحمد بن عبد الله: ثقة صاحب سنة (٤)، مات سنة ثنتين أو إحدى وثمانين ومائتين. خاتمة : إن قلت: ما وجه هذا الحديث في الكفالة؟ أجاب ابن المنير بأن قال: أدخله في الكفالة، وينبغي أن يناسب كفالة الأداء(٥) كما ناسب (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٣] كفالة الأموال. ووجهه: أن مجير الصديق كأنه تكفل للجار ألا يضام من جهة من أجاره منهم، وضحى لمن أجاره عمن أجاره منهم لا يؤذيه فتكون العهدة عليه(٦). (١) ((تقييد المهمل)) ٦١٩/٢ - ٦٢٠. (٢) كما في ((تحفة الأشراف)) ١١٣/١٢. (٣) قال الحافظ في ((النكت)) ١١٣/١٢: وقال أبو نعيم لما استخرج طريق الليث قلت: خالف الجميع الحافظ شرف الدين الدمياطي فكتب في حواشي نسخته: أبو صالح هذا هو محبوب بن موسى ولم أر له فيه سلف، فإنه لم يذكره أحد ممن صنف في رجال البخاري ولا في شيوخه، ولا رأيت له ترجمة في (تاريخه الكبير)) والله أعلم. (٤) ((الثقات)) للعجلي أحمد بن عبد الله ٢٦٦/٢. (٥) كذا في الأصول: وفي هامش الأصل: لعلها: الأبدان. (٦) «المتواري)» ص ٢٥٨. ١٥٣ ـ كِتَابُ الكَفَالَةِ ٥ - باب الذَّيْنِ ٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَقَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَّلُ: ((هَلْ تَرََكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟)). فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءٌ صَلَّى، وَإِلَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَلَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرََكَ مَالَا فَلِوَرَثَتِهِ)). [٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣ - مسلم: ١٦١٩ - فتح: ٤ / ٤٧٧] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أنه التَّ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ: ((هَلْ تَرََ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ .. )) الحديث. فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ .. إلى آخره. وقد سلف قبل الكفالة واضحًا(١)، وأدخله ابن بطال في باب من تكفل عن الميت دينًا، وقال فيه: تكفل الشارع بدين من مات من أمته معدمًا وتحمل كل دينهم وضياع عيالهم، وقد جاء بهذا اللفظ ((من ترك كلَّا أو ضياعًا فعليّ))(٢)(٣). وقوله: ( ((فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ)) ) أي: مما يفيء الله عليه الغنائم والصدقات (١) سلف ذكره في شرح حديث (٢٢٨٩) ص١٢٥. (٢) سيأتي برقم (٦٧٤٥) كتاب: الفرائض، باب: ابني عم أحدهما أخ الأم والآخر زوج. من حديث أبي هريرة. ومسلم من حديثه أيضًا (١٦١٩) كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته، بمعناه وله من حديث جابر (٨٦٧) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (٣) (شرح ابن بطال)) ٤٢٦/٦، ٤٢٧. ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح التي أمر الله بقسمتها على الغارمين والفقراء، وجعل للذرية نصيبًا في الفيء وقضى منه دين المسلم، وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين على ما سلف، فإن لم يفعله وقع القصاص منهم في الآخرة. + + + + + + ٠٠٠٠٠ ٤٠ كِتَابُ الوَقَالَةُ +ـ + + 2 ٤٠- كِتَابُ الوكالة ١- باب وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في القِسْمَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِّ نَ عَلِيَّا فِي هَذْبِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا. ٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُذْنِ التِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٤/ ٤٧٩] ٢٣٠٠ - حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَذَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ تَزِيدَ، عَنْ أَبِيِ الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامٍِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ أَغْطَاهُ غَنَمَا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ وَلِِّ فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ أَنْتَ)). [٣٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥- مسلم: ١٩٦٥ - فتح: ٤ / ٤٧٩] ثم ساقه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ التِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. وحديث عقبة بن عامر أنه ◌َّ﴿ أَعْطَاهُ غَنَمَا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لرسول الله ◌َِّ فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ أَنْتَ)). ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الشرح : التعليق الأول سلف عنده مسندًا (١)، وحديث جلال البدن سلف أيضًا (٢)، وحديث عقبة يأتي في الضحايا(٣). والوكالة -بفتح الواو وكسرها- التفويض ويقع على الحفظ أيضًا، ومنه ﴿حَسْمُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وهي في الشرع إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه، وهي مندوب إليها بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ﴾ [المائدة: ٢]. إذا تقرر ذلك فوكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، وهو بمنزلة الأجنبي في أن ذلك مباح منه. وحديث علي بين في الترجمة، وأما حديث عقبة فليس فيه وكالة الشريك؛ لكنه وكله الثّ على قسمة الأضاحي، وهو شريك للموهوب لهم، فتوكيله القيمة على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الضحايا. وفيه: الشركة في الهدي، واختلف قول مالك إذا كان تطوعًا (٤). وفيه: الوكالة على الصدقة بالهدي. وفيه: التفويض إلى الوكيل كما ذكره الداودي، ويحتمل أن يكون عَيّن له ما يعطيه ومن يعطيه فلا يكون في ذلك تفويض. (١) سلف برقم (١٧١٦) كتاب: الحج، باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا. (٢) سلف برقم (١٧٠٧) كتاب: الحج، باب: الجلال للبدن. (٣) برقم (٥٥٤٧) باب: قسمة الإمام الأضاحي بين الناس. (٤) انظر: ((الذخيرة)) ٣٥٤/٣. ١٥٩ = كِتَابُ الوَكَالَةِ وفيه: الأضحية بما يعطي. وفيه: الاختصاص بالأضحية بالجذع من المعز؛ لأن العتود من أولاد المعز، وجمعه أعتدة وعدَّان وعتدان، وفي ((الصحاح)): العتود: ما رعى وقوي وأتى عليه حول(١). (١) ((الصحاح)) ٥٠٥/٢ (عند). ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢- باب إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، جَازَ ٢٣٠١- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ المَاحِشُونِ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةً، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ: الرَّحْمنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِسْمِكَ الذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدُ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمٍ بَذْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُخْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَىْ تَجْلِسٍ مِنَ الأَنَّصَارِ فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ. فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنَّصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابنهُ، لأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا- وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا - فَلَمَّا أَذْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: آبْرُكْ. فَبَرَكَ، فَأَلَّقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالشَّيُوفِ مِنْ تَحْتِي، حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثََّ فِي ظَهْرٍ قَدَمِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ يُوسُفُ صَالِحًا وَإِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ. [٣٩٧١ - فتح: ٤ / ٤٨٠] ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن عوف. قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظُهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ: الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ ... الحديث. وفي آخره في بعض النسخ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ يُوسُفُ صَالِحًا وَإِبْرَاهِيمُ بن عبد الرحمن بن عوف أَبَاهُ. الشرح : هذا الحديث ليس مطابقًا للتبويب، إذ ليس فيه وكالة، إنما تعاقدا أن يجير كل واحد منهما صاغية صاحبه، كذا قال ابن التين، وقد يقال: هو