النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كِتَابُ الحَوَالاتِ = ٣ - باب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ ٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ إِذْ أُنِيَّ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: ((هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟). قَالُوا: لَا. قَالَ: ((فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟)). قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرِىٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: ((هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)). قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَهَلْ تَرََكَ شَيْئًا؟)). قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: ((هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟)). قَالُوا: لَا. قَالَ: ((فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)). قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِا يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. [٢٢٩٥ - فتح: ٤ /٤٦٦] ذكر فيه حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله وَّهِ إِذْ أَتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: ((هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)). قَالُوا: لَا .. إلى أن قال: ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: ((هَلْ تَرََكَ شَيْئًا؟)). قَالُوا: لَا. قَالَ: ((فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟)). قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِا يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. هذا الحديث من أفراده، وهو أحد ثلاثياته، وللترمذي مصححًا عن أبي قتادة لما قال: هو علي يا رسول الله، قال: ((بالوفاء؟)) قال: بالوفاء(١). ولابن ماجه: فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به (٢). ولأبي داود من حديث جابر: قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله(٣). (١) الترمذي (١٠٦٩). (٢) ابن ماجه (٢٤٠٧). (٣) أبو داود (٣٣٤٣). ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن جابر فجعل رسول الله وله يقول: ((هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء)) قال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله وَل﴿ إذا لقي أبا قتادة يقول: ((ما صنعت الديناران)) حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول الله قال: ((الآن حين بردت عليه جلده))(١) وللطحاوي مثله، وفيه: فقال أبو اليسر أو غيره: هو .(٢) عليَّ(٢) . وللطبراني من حديث أسماء فقال أبو قتادة: أنا بدينه يا رسول الله(٣) وللدارقطني من حديث عليٍّ نحوه (٤). إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها : ترجم البخاري على الحوالة وذكر حديثًا في الضمان؛ لأن الحوالة والحمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب، وهو قول ابن أبي ليلى، وإليه ذهب أبو ثور؛ فلهذا أجاز أن يعبر عن الضمان بما حال؛ لأنه كله نقل ذمة رجل إلى ذمة آخر، ونقل ما على رجل من دين إلى آخر. والحمالة في حديث أبي قتادة براءة الذمة الميت فصار كالحوالة سواء. وقد اختلف العلماء في الرجل يضمن دينًا معلومًا عن ميت بعد موته ولم يترك الميت وفاء، فقالت طائفة: إن الضمان له لازم، ترك الميت شيئًا أم لا، هذا قول ابن أبي ليلى، وبه قال مالك والشافعي. (١) ((المستدرك)) ٥٨/٢. (٢) ((شرح مشكل الآثار)) ٣٣٤/١٠ (٤١٤٥). (٣) ((المعجم الكبير)) ٢٤/ ١٨٤ (٤٦٦). (٤) ((السنن)) ٤٦/٣ - ٤٧. ١٢٣ = كِتَابُ الحَوَالاتِ وقال أبو حنيفة: لا ضمان على الكفيل؛ لأن الدين قد توي، فإن ترك شيئًا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، فإن ترك وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به. قال ابن المنذر: فخالف الحديث، وفي أمتناعه العليا أن يصلي عليه قبل ضمان أبي قتادة وصلاته عليه بعده البيان الواضح على صحة ضمانه، وأن من ضمن عن ميت دينًا فهو له لازم ترك الميت شيئًا أم لا؛ لأنهم قالوا له: ما ترك وفاء (١). ثانيها : فيه حجة على أبي حنيفة أيضًا في قوله أنه لا تصح الكفالة بغير قبول الطالب، وخالفه أبو يوسف فقال: الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن. وقال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأراه لازمًا. وأجازه الشافعي إذا عرف مقدار ما تكفل به. وقال الطحاوي: قد أجاز الكثير ضمان أبي قتادة من غير قبول المضمون له، فدل على صحة قول أبي يوسف(٢). ثالثها : اختلفوا إذا تكفل عن رجل بمال هل للطالب أن يأخذ ممن شاء منهما. فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: يأخذ أيهما شاء من المطلوب أو من الكفيل حتى يستوفي حقه، وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال: لا يأخذ الكفيل إلا أن (١) انظر: ((الهداية)) ٩٧/٣، ((بدائع الصنائع)) ٣/٦، ((المعونة)) ٢٠٢/٢-٢٠٣، ((القوانين الفقهية)) ص ٣٢٠، (البيان)) ٣٠٤/٦-٣٠٥، ((روضة الطالبين)) ١٤٠/٤، «المغني)) ٨٣/٧-٨٤. (٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٠٤، ((مختصر اختلاف العلماء)» ٢٥٩/٤، ((الروضة)) ٢٥٩/٤، (المغنى)) ١٠٤/٧-١٠٥. ١٢٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح يفلس الغريم أو يغيب. وقالت طائفة: الكفالة والحوالة والضمان سواء، ولا يجوز أن يكون شيء واحد عن أثنين على كل واحد منهما، هذا قول أبي ثور. وقال ابن أبي ليلى: إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالًا تحول على الكفيل وبرئ صاحب الأصل إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء، واحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبي قتادة؛ ولذلك صلى عليه رسول الله وَله. وحجة مالك أن يأخذ الذي عليه الحق فإن وفَّى بالدين وإلا أُخذ ما نقصه من الحميل، فلأن الذي عليه الحق قد أخذ عوض ما يؤخذ منه ولم يأخذ الحميل عوض ما يؤخذ منه، وإنما دخل على وجه المكرمة والثواب فكانت التبدئة بالذي عليه الحق أولى إلا أن يكون الذي عليه الحق غائبًا أو معدمًا فإنه يؤخذ من الحميل، فإنه معذور في أخذه في هذِهِ الحال(١). قال ابن بطال: وهذا قول حسن، والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء، وحجة هذا القول الحديث السالف عن رواية الطحاوي، فإن فيه: فجاءَهُ من الغد يتقاضاه فقال: إنما كان ذلك أمس، ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه، فدل أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه، وأن للطالب أن يأخذ بعد الكفالة أيهما شاء، ولما كان الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه كان صاحب الحق مخيرًا أن يأخذ ممن شاء منهما (٢). (١) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٠٣، ((المعونة)) ٢٠٢/٢، ((عيون المجالس)» ٤/ ١٦٧١-١٦٧٢، ((الإشراف)) ٥٠/٢، ((الروضة)) ٢٦٤/٤، ((المغني)) ٨٦/٧. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٤٢٠. ١٢٥ ـ كِتَابُ الحَوَالاتِ رابعها : تركه القليفان الصلاة على المديان إنما هو أدب للأحياء لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب، وكان هذا في أول الإسلام قبل الفتوح الذي جعل الله منه نصيبًا لقضاء دين المسلم فلما فتحت قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته)) أخرجاه من حديث أبي هريرة (١). وهُذِه عقوبة في أمور الدين أصلها المال، فلما جاز أن يعاقب في طريق دينه على سبب المال جاز أن يعاقب في المال على سبيل الدين، كما توعد العقلية من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته، وسيأتي ناسخه في آخر باب من تكفل عن ميت دينًا إن شاء الله(٢). فرع : لا رجوع إذا ضمن عن الميت في التركة لتطوعه، خلافًا لمالك إن أدعى الرجوع. خامسها : فيه إشعار بصعوبة أمر الدين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة وأبعد بعضهم فقال: إنما كان يمتنع من دين غير جائز، والصواب ما قدمناه. سادسها : حديث أبي هريرة السالف صريح في نسخ المنع، وفي رواية (١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٢٩٨) كتاب: الكفالة، باب: الدين، ومسلم (١٦١٩) كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالا فلورثته. (٢) سيأتي برقم (٢٢٩٥) كتاب: الكفالة. ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = للحازمي وإن قال: إنها غير محفوظة إلا أنه جيد في باب المتابعات من حديث ابن عباس أنه لما امتنع من الصلاة جاءه جبريل فنزل على رسول الله وَّ فقال: إن الله مك يقول إنما الظالم عندي في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، وأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه، فصلى عليه النبي ◌َّر، وقال بعد ذلك: ((من ترك ضياعًا .. ))(١) الحديث، وقيل: نسخه قوله تعالى: ﴿وَالْغَرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر أن ذلك في الأحياء، وقيل: فيهما، قاله ابن حبيب. سابعها : قضاء دين الميت المعسر كان من خصائصه وفي الإمام بعده وجه لسد رمقه، وإن كان يحتمل - كما قال القرطبي- أنه يكون تبرعًا من مكارم أخلاقه(٢)، وقيل: كان يقضيه من ماله. قال ابن بطال في باب من تكفل عن ميت دينًا: فإن لم يعط الإمام عنه شيئًا وقع القصاص منه في الآخرة ولم يحبس الميت عن الجنة بدین له مثله في بيت المال؛ إلا أن يكون دينه أكثر مما له في بيت المال، وإن لم يتعين عنده مال فمن ماله، يعلمه الذي أحصى كل شيء عددًا، ومحال أن يحبس عن الجنة من له الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على الانتصاف منه في الدنيا مما يفي بدينه(٣). (١) رواه الحازمي في ((الاعتبار)) ص٩٩. وقال: هذا الحديث بهذا السياق غير محفوظ وهو جيد في باب المتابعات. (٢) ((المفهم)» ٤/ ٥٧٥. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٨/٦. ١٢٧ كِتَابُ الحَوَالاتِ خاتمة : الجنازة. بالكسر للسرير، وبالفتح للميت وقيل: عكسه، وقيل: لغتان كما سلف في موضعه. وقوله في الأولى: ( ((هل ترك شيئًا؟) ) قال الداودي: لا أراه محفوظًا؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين لا يسأل عما ترك. وفيه: أن ضمان الدين عن الميت يبرأ به، لأنه صلى عليه إذ ذاك. قال الخطابي: وفيه فساد قول من قال: إن المؤدي عنه يملكه أولًا على الضامن؛ لأن الميت المضمون عنه الدين لا يصح له ملك، وهذا نسب إلى مالك. + + + + + ٣٩ كِتَاب العمالة M ٣٩ - كِتَابِ العَالَةَ ١- باب الكَفَالَةِ(١) في القَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْهَا ٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزُّنَادِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه بَعَثَهُ مُصَدِّقَا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ أَمْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلاً حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَّرَهُ بِالْجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المزْتَدِينَ: أَسْتَتِئْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ. فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الَحَكَمُ: يَضْمَنُ. [فتح: ٤٦٩/٤] ٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ هُزمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿وَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي (١) في هامش (س): في نسخة: كفارة. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح إِسْرَائِيلَ: ((سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَثْتِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى باللهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلِ مُسَمِّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا، يَقْدَمُ عُّلَيْهِ لِلأَجْلِ الذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَّ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِ كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا، أَبْعَثُ إِلَيْهِ الذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ أَنْصَرَفَ، وَهْوَ فِي ذَلِكَ بَلْتَمِسُ مَرْكَبًا، يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ التِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الذِي كَانَ أَسْلَقَهُ، فَأَتَّى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ والله مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبٍ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثَّتَ إِلَيَّ بِشَىء؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَى عَنْكَ الذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ. فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا)). [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٤٦٩/٤] كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: القروض بدل (القرض). وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍوِ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ أَمْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرجل (كفلاء)(١) حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ. (١) كذا بالأصل. ١٣٣ = ڪِتَابُ الكَفَالَةِ وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ: أَسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ. فَتَابُوا وَكَفَلَّهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَىء عَلَيْهِ. وَقَالَ الحَكَمُ: يَضْمَنُ. وَقَالَ اللَّيْثُ .. فساق حديث الخشبة التي فيها ألف دينار، وقد سلف(١). أما أثر أبي الزناد فذكره مختصرًا، وقد طوله ابن وهب في ((موطئه)) عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وساقه الطحاوي أيضًا من طريقه: حدثني محمد، عن أبيه حمزة أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقًا على بني سعد بن هذيم فأتى حمزة بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأة: صدقي مال مولاك. وإذا المرأة تقول: بل أنت أدّ صدقة مال ابنك. فسأل حمزة عن أمرهما فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، فقالوا: هذا المال لابنه من جاريتها. فقال حمزة: لأرجمنك بحجارتك، فقال له أهل الماء: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عمر بن الخطاب فجلده مائة ولم ير عليه رجمًا، فأخذ حمزة بالرجل كفلاء حتى قدم على عمر فسأله عما ذكر أهل الماء من جلد عمر إياه مائة جلدة وأنه لم ير عليه رجمًا، قال: فصدقهم عمر بذلك من قولهم، وإنما درأ عنه (عبد الرحمن)(٢)؛ لأنه عذره بالجهالة(٣). وعند الطحاوي أيضًا من حديث جون بن قتادة عن سلمة بن المحبق أن رجلًا زنى بجارية أمرأته فقال الكليه: ((إن كان استكرهها فهي حرة (١) فوقها في (س): اختصرها المصنف. (٢) كذا بالأصل، وفي الهامش: صوابه: عمر. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ١٤٧/٣ (٤٨٧٦). ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فعليه مثلها)) زاد في حديث قبيصة بن حريث، عن سلمة ولم يقم عليه حدًّا. قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته، قالوا: وقد عمل بذلك ابن مسعود. وخالفهم فيه آخرون، فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصنًا والجلد إن لم يكن. وروى حديث هشام عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم أن رجلًا وقع بجارية امرأته، فأتت امرأته النعمان بن بشير فأخبرته؛ فقال: أما إن لك عندي في ذلك خبرًا عن رسول الله وَله إن كنت أذنت له جلدته مائة، وإن كنت لم تأذني له رجمته. قال: قوله: (جلدناه مائة) هي عندنا تعزير، كأنه درأ عنه الحد بوطء الشبهة، وعزره بركوبه ما لا يحل له، فإن قيل: أفيعزر الحاكم مائة؟ قلنا: نعم قد عزر رسول الله 3003 مائة. حديث النعمان عندنا ناسخ لما رواه ابن المحبق، وذلك أن الحكم كان في أول الإسلام يوجب عقوبات في أموال وأبدان لقوله: إنا آخذوها وشطر ماله. وحديث أبي هريرة: في ضالة الإبل: غرامتها ومثلها معها. وفي حديث عمرو بن العاصي: في مراح الماشية ففيه غرامة مثله و جلدات نکال حتى نسخ بتحريم الزنا. وأما ما ذكر عن ابن مسعود فقد خولف فيه، روى عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قال: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته. وحمزة بن عمرو أيضًا لم ينكر عليه عمر قوله: الأرجمنه، فوافق عليًّا، وما رواه النعمان قد أنكر على ابن مسعود إذ لم ير عليه حدًّا ١٣٥ = كِتَابُ الكَفَالَةِ لما بلغه: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، فلم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده. قد أفتى علقمة بخلاف قول صاحبه ابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه(١). وقال الداودي: لعل حمزة أخذ الكفيل، يجب عليه من نقص الجارية. وقال ابن المنير: أخذ البخاري من الكفالة بالأبدان في الحدود الكفالة بالأبدان في الديون من طريق أولى، فمن هنا وقعت المطابقة. وقوله في الترجمة: (وغيرها) يعني: غير الأبدان. أي: ظاهر بالحقوق المالية لحديث الخشبة(٢)، وهو أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، والكفالة في القرض الذي هو السالف بالأموال كلها جائزة، والكفالة بالأبدان في الحدود غير صحيحة ويسجن المدعى عليه في الحد حتى ينظر في أمره، إلا أن جمهور الفقهاء قد أجازوا الكفالة بالنفس، وهو قول مالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد، واختلف عن الشافعي فمرة أجازها ومرة ضعفها، وقالت طائفة: لا تجوز الكفالة بالنفس(٣). ولم يختلف الذين أجازوها في النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لا يلزم الكفيل قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة الحكم في البدن، وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود (١) من قول المصنف (وعند الطحاوي) في هذا الموضع في ((شرح معاني الآثار) ٣/ ١٤٤ - ١٤٨، وفيه تصرف كثير يوهم أنه من كلام المصنف. (٢) ((المتواري)) ص٢٥٦. أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)» ٢٥٣/٤-٢٥٥، ((المبسوط)) ١٦٢/١٩، («عيون (٣) المجالس» ١٦٦٩/٤-١٦٧٠، ((الإشراف)) ٥٥/٢، ((البيان)» ٣٤٢/٦-٣٤٤، («المغني)) ٩٦/٧-٩٧. ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والقصاص وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعي للقصاص: بينتي حاضرة، كفلته ثلاثة أيام. واحتج لهما الطحاوي بما روى حمزة عن عمر (١)، وابن مسعود، وجرير، والأشعث أنهم حكموا بالكفالة في النفس بمحضر من الصحابة حتى كتب إلى عمر في ذلك(٢)، ولا حجة فيه؛ لأن ذاك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق، لا أن ذلك لازم لمن تكفل إذا زال المتكفل به؛ لأنه يؤدي ما ضمن في ذمته عمن تكفل عنه، وإنما تصح الكفالة في الأموال؛ لأنه يؤدي ما ضمن في ذمته عمن تکفل عنه. وأصل الكفالة في المال قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. أي: كفيل وضامن. واختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو بالوجه هل يلزمه ضمان المال؟ فقال الكوفيون: لا، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والليث والأوزاعي: نعم ويرجع به على المطلوب، فإن نفاه فلا. حجة المانع أنه تكفل بالنفس فقط فكيف يلزم ما لم يتكفل به (٣). وفي حديث الخشبة أن من صح منه التوكيل على الله فإنه مليّ بنصره وعونه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. فالناقر توكل عليه ووثق به في تبليغها وحفظها، والذي سلف وطلب الكفيل صح منه التوكل على الله أيضًا؛ لأنه قنع به كفيلاً فوصل الله إليه (١) سبق تخريجه. (٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٥/٤. (٣) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٤/٦، ((الكافي)) لابن عبد البر ص٣٩٨، ((البيان)) ٦/ ٣٤٦، ((المغني)) ٧/ ٩٧. ١٣٧ = كِتَابُ الكَفَالَةِ ماله، وسيأتي حكم أخذ الخشبة حطبًا لأهله في اللقطة إن شاء الله تعالى. وقوله: (فَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ)، أي: فلم يرجمه وضربه المائة تعزيرًا. وفيه: دليل على مانع وصول التعزير إلى الحد، ومذهب مالك مجاوزته بحسب اجتهاد الإمام (١). وفي حديث الخشبة جواز الأجل في القرض. ومعنى: ( ((زَجَّجَ مَوْضِعَهَا)) ) أصلح موضع النقر وسواه. قال الخطابي: ولعله من تزجج الحواجب وهو: لقطه شعره الزائد عن حد منبته، وإن أخذ من الزج فيكون النقر قد وقع في طرف من الخشبة فشد عليه زجًّا ليمسكه ويحفظ ما في بطنه(٢). وفيه: أن ما يقذفه البحر لواجده. قال الداودي: وفيه تبدئة الکاتب بنفسه. ولعله أخذه من قوله: ((وصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَی صَاحِبِهِ» ولیس بیین. وفيه: طلب الكفيل في القرض. و( ((جَهَدْتُ)) ) بفتح الهاء من المشقة ويقال: أجهدت. (١) ((المنتقى)) ١٤٣/٧. (٢) ((أعلام الحديث)) ١١٣٣/٢. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ســ ٢ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ(١) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) [النساء: ٣٣] ٢٢٩٢ - حَذَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِذْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَّةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٣] قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَا قَدِمُوا المَدِينَ يَرِثُ الْهَاجِرُ الأَنَّصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِهِ، لِلْأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ وَِّ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٣] إِلَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ. [٤٥٨٠، ٦٧٤٧ - فتح: ٤ / ٤٧٢] ٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآَخَىْ رَسُولُ اللهِ وَ لَهَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدٍ ابنِ الرَّبِيعِ. [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٧٢٤ - فتح: ٤ / ٤٧٢] ٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمْ قَالَ: قُلْتُ لأَنَّسِ رضى الله عنه: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّ قَالَ: ((لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟)) فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنَّصَارِ فِي دَارِي. [٦٠٨٣، ٧٣٤٠ - مسلم: ٢٥٢٩ - فتح: ٤ / ٤٧٢] ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسِ: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قَالَ: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ ◌َّهِ بَيْنَهُمْ، (١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمر ونافع وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (عقدت) بغير ألف. وانظر ((الحجة للقراء السبعة)) ١٥٦/٣، ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) ٣٨٨/١-٣٨٩. ١٣٩ كِتَابُ الكَفَالَةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) إِلَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآَخَى رَسُولُ اللهِ وَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وعن عَاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رسول الله ◌َِّ قَالَ: ((لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ))؟ فَقَّالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. الشرح : هذا الحديث(١) يأتي في الاعتصام(٢) أيضًا، وأخرجه مسلم في الفضائل(٣)، وأبو داود في الفرائض(٤). وأما الموالي في الآية فالأشبه الوارث، وقيل: العاصب. والآية الأولى (عاقدت) مفاعلة من عقد الحلف، وقرئ ﴿عَقَّدَتْ﴾ هو حلف الجاهلية توارثوا به نسخ بآية الأرحام أو الأخوة التي آخاها الشارع بين المهاجرين والأنصار توار توابها ثم نسخت بقوله ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] أو نزلت في أهل العقد بالحلف يرثون نصيبهم من النصر والنصيحة دون الإرث، ومنه حديث: ((لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة))(٥). أو نزلت في ابن التبني أمروا أن يوصوا لهم عند الموت، أو فيمن أوصى بشيء ثم هلكوا أمروا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، أقوال. (١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: يعني الأخير. (٢) برقم (٧٣٤٠) باب: ما ذكر النبي ◌َّ وحضَّ على أتفاق أهل العلم. (٣) مسلم (٢٥٢٩) باب: من فضائل نساء قريش. (٤) أبو داود (٢٩٢٦) باب: في الحلف. (٥) مسلم (٢٥٣٠) باب: من فضائل نساء قريش. ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ـيـ وقد قال البخاري في التفسير: (عَاقَدَتْ) هو: مولى اليمين وهو الحليف(١). وذكره ابن أبي حاتم عن جماعة عدتهم ثلاثة عشر نفسًا منهم مجاهد(٢)، وأسنده عبد الرزاق عنه(٣). وفي ((تفسير عبد بن حميد)) من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة: العقد خمسة: النكاح، والشريك لا يخونه ولا يظلمه، والبيع، والعهد، قال تعالى ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والحلف. وذكر الآية (٤) . وقال مقاتل في ((تفسيره)): كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلما نزلت آية الميراث جاء رجل إلى رسول الله وَل﴿ فذكر له ذلك فنزلت: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم) يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث(٥) . ولما ذكر البخاري في التفسير حديث ابن عباس قال: سمع أبو أسامة إدريس، وإدريس طلحة -يعني ابن مصرف الراوي - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(٦). وكذا صرح به غير واحد منهم: الحاكم في (مستدركه))، وقال: (١) سيأتي قبل رقم (٤٥٨٠) باب: قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾. (٢) ((تفسير بن أبي حاتم)) ٩٣٨/٣. (٣) (تفسير عبد الرزاق)) ١٥٥/١ (٥٦٥). (٤) ذكره السيوطي في ((الدر) ٤٤٨/٢ وعزاه لعبد بن حميد. (٥) (تفسير مقاتل)) آية (٣٣) النساء. (٦) برقم (٤٥٨٠) باب: قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلَِ﴾.