النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
= كِتَابُ الإجَارَاتِ
وقد أسلفنا الخلاف فيمن أتجر في مال غيره، وأن طائفة قالوا:
یطیب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، وسواء كان غاصبًا
للمال أو وديعة عنده متعديًا فيه، وهو قول عطاء وربيعة ومالك
والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري
والأوزاعي تنزهه عنه، ويتصدق به.
وطائفة قالت: يرد المال، ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه
شيء، وهو قول أبي حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن.
وطائفة قالت: الربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، وهو
قول ابن عمر وأبي قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق(١). وقال الشافعي:
إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال، وإن
اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمن معروف المقدار غير
معروف بالعين، ثم نقد المال المغصوب منه أو الوديعة، فالربح له،
وهو ضامن لما استهلك من مال غيره.
وادعى ابن بطال أن أصح هذِه الأقوال قول من رأى أن الربح
للغاصب والمتعدي، قال: والحجة له أن العين قد صارت في ذمته،
وهو وغيره في ماله سواء إذ لا غرض للناس في أعيان الدراهم
والدنانير، وإنما غرضهم في تصرفهم فيها، ولو غصبها من رجل
وأراد أن يدفع إليه غيرها مثلها وهي قائمة في يده لكان له ذلك على
أصل قول مالك، وإن كان ذلك فربحها له. وحدیث الباب حجة له،
ألا ترى أن الأجير لما رأى ذلك قال: أتستهزئ بي؛ فدل أن السنة
(١) انظر: ((الهداية)) ٣٣٨/٣، (المنتقى)) ١٨١/٥، ((الإشراف)) ١٣٧/٢-١٣٩،
((الشرح الكبير)) ٢٨٦/١٥، ((الإنصاف)) ٢٨٦/١٥-٢٨٧.

٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
كانت عندهم أن الربح للمعتدي، وأنه لا حق فيه لرب المال، وأخبر
بذلك الشارع، فأقره ولم ينسخه(١).
قلت: تعجبه من كثرة ما رأى مع قلة أجرته، وقد روي عن عمر
ما يدل على أن الربح بالضمان، روى مالك في ((الموطأ)) أن
أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب من بيت
المال، فاشتريا به متاعًا وحملاه إلى المدينة فربحا فيه، فقال عمر:
أديا المال وربحه. فقال عبيد الله: ما ينبغي لك هذا، لو هلك أو نقص
ضمناه. فقال رجل: لو جعلته قرضًا يا أمير المؤمنين؛ قال نعم، فأخذ
منهما نصف الربح(٢)، فلم ينكر عمر قول ابنه: لو هلك المال
أو نقص ضمناه، فلذلك طاب له ربحه، ولا أنكره أحد من الصحابة
بحضرته.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٦/٦-٣٩٧.
(٢) ((الموطأ)) ص ٤٢٧.

٦٣
كِتَابُ الإجَارَاتِ
=
١٣ - باب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ،
ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُعْجُرَ الحَمَّالِ
٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِ، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ
شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنَّصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَمَرَ
بِالصَّدَقَةِ أَنْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَِائَةَ أَلْفٍ،
قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّ نَفْسَهُ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٤ / ٤٥٠]
ذكر حديث أَبِي مَسْعُودٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَمَرَنا بِالصَّدَقَةِ أَنْطَلَقَ
أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ:
مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ.
هذا الحديث تقدم في الزكاة(١)، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو البدري.
وفيه: صدقة المقل، والصدقة من الكسب بالعمل، وذم المال الذي
لا ینفق منه.
وإنما الحديث على الترغيب في الصدقة، لقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى
حُِّّهِ، مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] الآية، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وفيه: ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على اتباع أوامر
الشارع، والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه من الطاعة، وما كانوا
عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم في الأعمال الشاقة عليهم؛ لينالوا
بذلك رضا ربهم، ولذلك وصفهم الله أنهم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾،
وكل هذا كان في أول الإسلام قبل الفتوح.
(١) سلف برقم (١٤١٦) باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة.

٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فكان إذا حدث به أبو مسعود قال: قد وسع الله عليهم لقوله: (وَإِنَّ
لِيَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ).
فأدرك الحالتين معًا وقد ظن المحدث أن أبا مسعود أراد بذلك
نفسه، وقد سلف في الزكاة: وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف(١).
(١) سبق تخريجه.

٦٥
كِتَابُ الإجَارَاتِ
١٤ - باب أَخْرِ السَّمْسَرَةِ
وَلَمْ يَرَ ابن سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ
بَأْسًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هُذا الثَّوْبَ
فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابن سِيرِينَ: إِذَا قَالَ:
بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحِ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ
بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)).
٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَذَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: نَهَى رَسُولُ اللهِ وََّ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا
يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابن عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: ((لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ)؟ قَالَ:
لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
ثم أسند حديث ابن عباس: نَهَى النبي ◌َِّ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا
يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابن عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
الشرح :
أثر ابن سيرين وعطاء وإبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا حفص،
عن أشعث، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم ومحمد بن سيرين قالا :
لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يدًا بيد.
وحدثنا وكيع، ثنا ليث أبو عبد العزيز قال: سألت عطاء عن
السمسرة، فقال: لا بأس بها(١)
(١) ((المصنف)) ٤٥٧/٤ (٢٢٠٥٩، ٢٢٦٠).

٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
وكان حماد يكره أجر السمسار، إلا بأجر معلوم، وكان سُفيان يكره
السمسرة(١).
وأثره الأخير(٢) أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن هشيم، عن يونس،
عنه(٣).
وأثر ابن عباس أخرجه أيضًا، عن هشيم، عن عمرو بن دينار، عن
عطاء، عنه، وكان شريح لا يرى أيضًا بذلك بأسّا، وكذا الشعبي
ومحمد بن شهاب والحكم وعطاء، وكرهه إبراهيم والحسن وطاوس
في رواية(٤)، وفي أخرى: لا بأس به(٥).
وحديث: ((المسلمون على شروطهم)) أسلفنا فيما مضى أنه في أبي
داود (٦) وفي ((مصنف ابن أبي شيبة))، عن عطاء: بلغنا أن النبي وَلِّ قال:
((المؤمنون عند شروطهم)) (٧) وأخرجه الدارقطني من طرق من حديث أبي
هريرة مرفوعًا بلفظ البخاري (٨)، ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن
(١) السابق ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٧، ٢٢٠٦١).
(٢) تحتها في الأصل: يعني ابن سيرين.
(٣) ((المصنف)) ٣٠٧/٤ (٢٠٣٩١).
(٤) ((المصنف)) ٤/ ٤٥٧.
(٥) السابق ٣٠٧/٤ (٢٠٣٩٠ - ٢٠٣٩٨) عنهم جميعًا.
(٦) روى أبو داود (٣٥٩٤) من طريق سليمان بن بلال أو عبدالعزيز بن محمد -شك
الشيخ - عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وللحديث طرق أخر
عن أبي هريرة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
(٧) («المصنف)) ٤٥٣/٤ (٢٢٠١٦)، قال الحافظ في ((التغليق» ٢٨٣/٣: مرسل قوي
الإسناد. وقال عنه الألباني في ((الصحيحة)) ٦/ ٩٩٣ : بلاغ مرسل صحيح، رجاله
كلهم ثقات رجال مسلم، وكذا قال في ((الإرواء)) ١٤٦/٥.
(٨) (سنن الدارقطني)) ٢٧/٣. ورواه أيضًا أحمد ٣٦٦/٢، والحاكم ٤٩/٢، وابن
حزم في ((الإحكام)) ١١/٥- ١٢، والبيهقي ٧٩/٦، ١٦٦، ٢٤٩/٧، من طريق =

٦٧
كِتَابُ الإجَارَاتِ
=
عوف المزني، عن أبيه، عن جده مثله، بزيادة: ((إلا شرطًا حرم حلالًا
أو حلل حرامًا))(١) .
= كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، به. بلفظ: ((المسلمون)).
قال الحاكم: رواة هذا الحديث مدنيون، ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب.
والحديث أعله ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٧/ ٢٤٩ بكثير بن زيد؛ فقال:
ضعفه النسائي وغيره.
وتعقب الحافظ الذهبي في ((التلخيص))؛ فقال: لم يصححه الحاكم، وكثير ضعفه
النسائي، وقواه غيره.
وبكثيرٍ أعل الحديث أيضًا عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام)) ٣/ ٢٧٥، وقال شيخ
الإسلام كما في ((مجموع الفتاوى)) ١٤٧/٢٩: وكثير بن زيد، قال ابن معين في
روايته: هو ثقة، وضعفه في رواية أخرى. وقال المصنف رحمه الله في ((البدر))
٥٥٢/٦: كثير بن زيد فيه مقال؛ لكن حديث أبي هريرة هذا قال عنه النووي في
((المجموع)) ٩/ ٤٦٤: إسناده حسن أو صحيح.
وقال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)» ٥٤/٢: إسناد حسن. وكذا قال المصنف
رحمه الله في ((خلاصة البدر المنير)) ٦٩/٢.
وقال الحافظ في ((التغليق)) ٢٨٢/٣: كثير بن زيد، أسلمي، لينه ابن معين،
وأبو زرعة، والنسائي؛ وقال أحمد: ما أرى به بأسا، وحديثه حسن في الجملة.
وقال العلامة الألباني في ((الإرواء)) ١٤٣/٥ : كثير حسن الحديث.
(١) ((سنن الدار قطني)) ٢٧/٣.
ورواه أيضا الترمذي (١٣٥٢)، والحاكم ١٠١/٤، وابن حزم في ((الإحكام))
٢٢/٥، والبيهقي ٧٩/٦، ٢٤٩/٧، من الطريق الذي ذكره المصنف.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
والحديث أعله ابن حزم في ((الإحكام)) ٢٢/٥ بكثير، وكذا شيخ الإسلام كما في
((مجموع الفتاوى)) ١٤٧/٢٩، وقال الحافظ الذهبي في ((التلخيص)) ١٠١/٤ :
حدیث واهٍ.
وقال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)) ٥٤/٢: قد نوقش الترمذي في تصحيحه هذا
الحديث، وما شاكله من الأحاديث الضعاف؛ فإن كثيرًا هذا كذبه الشافعي، وتركه
أحمد وغير واحد من الأئمة.

٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سـ
ومن حديث خُصيف، عن عائشة مرفوعًا ((المسلمون على شروطهم
ما وافق الحق))(١)، ومن حديث أنس مثله(٢).
وقال المصنف رحمه الله في ((البدر المنير)) ٦٨٨/٦: حديث واهٍ بمرة، بسبب كثير
هذا. وكذا ضعفه في ((الخلاصة)) ٨٧/٢.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) (٨٩٥): رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛
لأن راويه كثير بن عبد الله ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه.
وأطلق القول بضعفه في ((التلخيص الحبير)) ٢٣/٣، وكذا ضعفه الشوكاني في
((النيل)) ٦٨٢/٣، وابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٢٤٩/٧، والألباني في
((الإرواء)) ١٤٤/٥.
(١) (سنن الدار قطني)) ٢٧/٣.
ورواه أيضا الحاكم ٤٩/٢-٥٠، والبيهقي ٢٤٩/٧ من طريق إسماعيل بن
عبدالله بن زرارة، عن عبدالعزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن
عروة، عن عائشة، مرفوعًا، به.
وسقط هنا عروة فجعله عن خصيف، عن عائشة، وهو خطأ؛ فلعله سقط من
الناسخ، والله أعلم.
والحديث ضعف إسناده البيهقي ٢٤٩/٧، وعبد الحق في ((الأحكام)) ٢٧٦/٣،
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢٣/٣: حديث واهٍ. قال الألباني في ((الإرواء))
٥/ ١٤٤ : إسناد ضعيف جدًّا.
(٢) ((سنن الدار قطني)) ٢٧/٣-٢٨. ورواه أيضًا الحاكم ٤٩/٢-٥٠، والبيهقي ٢٤٩/٧
من طريق عبدالعزيز بن عبدالرحمن الجزري، عن خصيف، عن عطاء بن أبي
رباح، عن أنس بن مالك، مرفوعًا، به.
والحديث ضعف البيهقي إسناده أيضًا، وكذا عبدالحق ٢٧٦/٣، وقال الحافظ في
((التلخيص)) ٢٣/٣: إسناده واهٍ.
وقال الألباني في ((الإرواء)) ١٤٤/٥: إسناده ضعيف جدا.
قلت: وفي الباب: عن رافع بن خديج، وابن عمر.
فحديث رافع بن خديج رواه الطبراني ٤/ ٢٧٥ (٤٤٠٤)، وابن عدي في ((الكامل))
٧/ ١٦٢، والإسماعيلي في ((المعجم)) ٧٤٩/٣ من طريق قيس بن الربيع، عن
حكيم بن جبير، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، مرفوعًا، به.
=

٦٩
كِتَابُ الإجَارَاتِ
=
إذا تقرر ذلك؛ فقد اختلف العلماء في أجرة السمسار، فأجازه غير
من ذكرهم البخاري، منهم الأربعة، قال مالك: يجوز أن يستأجره على
بيع سلعته إذا ضرب لذلك أجلًا، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا
الثوب ولك درهم، أنه جائز وإن لم يؤقت له ثمنًا، وهو جعل،
وكذلك إن جعل في كل مائة دينار شيئًا وهو جُعْل.
= قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٥/٤: فيه حكيم بن جبير، وهو متروك، وقال:
أبو زرعة محله الصدق، إن شاء الله.
وأما حديث ابن عمر فرواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٢٩٦)، والعقيلي في
((الضعفاء)) ٤٨/٤، وابن حزم في ((الإحكام)) ٢٢/٥، من طريق محمد بن
الحارث، عن محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر،
مرفوعًا، بنحوه.
قال البزار: عبدالرحمن له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم.
وقال العقيلي: هذا يروى بإسناد أصلح من هذا؛ بخلاف هذا اللفظ.
وقال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني، وهو
ضعيف. وقال الهيثمي ٨٦/٤: محمد بن عبدالرحمن ضعيف جدا.
وبعد: فالحديث تغالى فيه ابن حزم رحمه الله فضعفه تارة ووهاه ثانية، وقال: إنه
مكذوب. ثالثة.
انظر: ((المحلى)) ٣٧٠/٧، ٨١/٨، ١٦١، ١٦٣، ٣٥٨، ٣٧٥، ٤٠٨، ٤١٤-
٤١٥، ٩/ ٤٤، ١١٩، ١١٦، ١٧٠، ٢٣٠.
وفي المقابل: فإن الأكثر على تصحيحه أو تحسينه.
قال شيخ الإسلام كما في ((مجموع الفتاوى» ١٤٧/٢٩: هذِه الأسانيد، وإن كان
الواحد منها ضعيفًا، فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا، وقال الشوكاني في
((النيل)) ٣/ ٦٨٣: الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها
أن یکون المتن الذي اجتمعت علیه حسنا.
والحديث صححه الألباني في ((الإرواء)) (١٣٠٣)، ثم قال: وجملة القول: أن
الحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره.
وقال في ((الصحيحة)) (٢٩١٥): حديث صحيح بمجموع طرقه.

٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أحمد: لا بأس أن يعطيه من الألف شيئًا معلومًا. وذكر ابن
المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره .
وقال أبو حنيفة: إن دفع إليه ألف ألف درهم يشتري له بها بزًّا بأجر
عشرة دراهم فهو فاسد، وكذلك لو قال: اشتر مائة ثوب، فهو فاسد،
فإن اشترى فله أجر مثله، ولا يجاوز له ما سمى من الأجر .
وقال أبو ثور: إذا جعل له في كل ألف شيئًا معلومًا لم يجز، وإذا
جعل له في كل ثوب شيئًا معلومًا لم يجز؛ لأن ذلك غير معلوم، فإن
عمل على ذلك فله أجر مثله، وإن أكتراه شهرًا على أن يشتري له
وہبيع، فذلك جائز.
وحجة من كرهه أنها إجارة في أمد غير (١) محصور، والإجارة مفتقرة
إلى أجل معلوم.
وحجة من أجازه أنه إذا سمى له ما على المائة فقد عرفت أجرة كل
ثوب واستغني عن الأجل فيه، لأنه عندهم من باب الجعل، وليس على
المشتري إذا لم يطلب الشراء شيء من أجل السمسار عند من أجازه وإنما
عليه أجره إذا طلب الشراء أو طلب البيع(٢).
وقوله: (لَا يَكُونُ لَّهُ سِمْسَارًا): يعني: من أجل الضرر الداخل على
التجار لا من أجل أجرته؛ لأن السمسار أجير، وقد أمر الشارع بإعطاء
الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، عن أبي هريرة(٣).
(١) تكررت (غير) في الأصل قبل كلمة (أمد) وبعدها. وقال في الهامش: لعل إحداهما
زائدة.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ٤١٩/٣، ((الإشراف)) ١٢٧٤/٢-١٢٨، ((المغني)) ٤٢/٨.
(٣) لم أقف عليه من هذِه الطريق، وقال ابن حجر في ((الدراية)) ١٨٦/٢: ذكر ابن =

٧١
كِتَابُ الإجَارَاتِ
=
وأما قول ابن عباس: بع هذا الثوب، فما زاد على كذا فهو لك.
وقول ابن سِيرِينَ: بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحِ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ، فإن العلماء(١) لا يجيزون هذا البيع، وممن كرهه: النخعي
والحسن والثوري والكوفيون. وقال مالك والشافعي: لا يجوز، فإن
باع فله أجر مثله. وأجازه أحمد وإسحاق، قالا: وهو من باب
القراض، وقد لا يربح المقارض (٢).
وحجة الجماعة أنه قد يمكن أن لا يبيعه بالثمن الذي سمى له،
فيذهب عمله باطلًا، وهو من باب الغرر، وهي أجرة مجهولة أو جُعْل
مجهول، فلا يجوز.
وأما حجة من أجازه فحديث ((المسلمون على شروطهم)) ولا حجة
لهم فيه، عملًا ببقية الحديث: ((إلا شرطًا حرم حلالا أو حلل حرامًا))
ومعنى الحديث: الشروط الجائزة بينهم .
وقال ابن التين: أجرة السمسار ضربان: إجارة وجعالة، فالأول
يكون مدة معلومة فيجتهد في بيعه، فإن باع قبل ذلك أخذ بحسابه،
وإن انقضى الأجل أخذ كامل الإجارة. والثاني: لا تضرب فيها الآجال،
هذا هو المشهور من المذهب، ولكن لا تكون الإجارة والجعالة
= طاهر في الكلام على أحاديث الشبهات أن أبا إسحاق الكوري أحد الضعفاء رواه
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
والحديث مروي عن أبي هريرة من طرق أخرى، وروي عن صحابة آخرين وانظر:
((البدر المنير)) ٣٧/٧ - ٣٨، و((نصب الراية)) ١٢٩/٤ - ١٣٠ و((الدراية)) الموضع
المشار إليه.
(١) في ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٤٠٢: فإن أكثر العلماء. والمصنف ينقل عنه هذِه الفقرات.
ولفظة ابن بطال أضبط.
(٢) انظر: ((الإشراف)) ١٢٨/٢، ((المغني)) ٢٦١/٧.

٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إلا معلومتين، ولا يستحق في الجعالة شيئًا إلا بتمام العمل، وهو البيع.
والجعالة الصحیحة، أن یسمي له ثمنًا إِن بلغه باع، أو یفوض إليه،
فإن بلغ القيمة باع، وإن قال الجاعل: لا تبع إلا بأمري فهو فاسد. وقال
أبو عبد الملك: أجرة السمسار محمولة على العرف تقلُّ من قوم وتكثر
من قوم، لكن جوزت لما مضى من عمل الناس عليه على أنها مجهولة،
قال: ومثل ذلك أجرة الحجام والسقاء. قال ابن التين: وهذا الذي ذكره
غير جار على أصول مالك وإنما يجوز من ذلك عنده ما كان ثمنه معلومًا
لا غرر فيه، وقول ابن عباس وابن سيرين لما يتابعا عليه، والدليل عليهما
قوله التَّهُ: ((من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره))(١).
قلت: أخرجه البيهقي. وتوبعا كما سلف قال: واحتجاج ابن سيرين
بالحديث(٢) يريد فيما يجوز من الشروط، بدليل قوله في قصة بريرة: ((ما
كان(٣) من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))(٤).
قلت: الظاهر أن البخاري هو الذي أورد هذا الحديث لا ابن
سيرين(٥)، والحديث لابد من تأويله، والاستثناء السالف فيه مهم،
(١) ((السنن الكبرى)) ٦/ ١٢٠ (١١٦٥١) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن
الأسود عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه: لا يساوم الرجل .. وفي آخره هذا اللفظ.
قال البيهقي: وقيل من وجه آخر ضعيف عن ابن مسعود.
وانظر للمصنف ((البدر المنير)) ٧/ ٣٨ - ٣٩. و((التلخيص)) لابن حجر ٦٠/٣.
والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٣١٦).
(٢) يعني حديث: ((المسلمون شروطهم)). علقه البخاري بعد كلام ابن سيرين.
(٣) في الأصل: كل والمثبت من ((صحيح البخاري)) (٢١٦٨).
(٤) سلف برقم (٢١٦٨) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل.
(٥) يشير المصنف إلى حديث المسلمون عند شروطهم وأن البخاري هو الذي علقه
لا ابن سيرين كي لا يظن أحد أنه منسوب لابن سيرين.

٧٣
ـ كِتَّابُ الإجَارَاتِ
وإلا لو أخذ بظاهره لاستحلت المحرمات، قال: فإن ترك ذلك رد إلى
أجرة مثله إن باع أو بلغ القيمة بالإشهار، وإن لم يبلغ ذلك فاختلف هل
له أجر أم لا؟ وإن قال: لك من كل دينار تبيعها به حبة أو حبتان لم يجز
ذلك، وإن قال: إن بعتها بكذا فلك من كل دينار حبتان أو درهم
أو ما سمى جاز، وكأنه جاعله به، فإن باع بأكثر لم يكن له
إلا ما سمَّى، إذ لو أزداد ذلك لفسد؛ لجهل ما يبيع به، قال: وقد
قيل: ما ذكره ابن عباس وابن سيرين يجوز على وجه إذا كان الناس
يعلمون أن السلعة (تسوى)(١) أكثر مما سماه له من الثمن، ومن قيمة
إجارته على بيعها بالشيء البين، وهذا غير ظاهر؛ لأنه جاعله بشيء
غير معلوم، ولا اعتبار بأنها تسوى أكثر؛ لأن الحاصل في الجعل غير
معلوم، والمغابنة في بياعات الناس موجودة.
ومن اشترط في إجارته فوق ما يسوى لا بأس به إذا كان معلومًا،
وإنما يصح ما ذكره لو وجبت الإجارة فأعطي أقل فحينئذٍ يكون أداء
الفاضل تفضلًا لا معاوضة في مقابلته، وأما ابتداءً فهو مقصود
مراعى. فلا بد أن يكون معلومًا.
(١) كذا في الأصل وأعلاها (كذا) وقال ابن منظور في ((لسان العرب)) ٤/ ٢١٦١:
قال الليث: يسوى نادرة ثم قال: وقد روي عن الشافعي: وأما لا يُسوى فليس
بعربي.

٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٥ - باب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ
في دار الحَرْبِ؟
٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ مُسلِمٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنَا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي
عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا والله لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا والله
حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِّ لَيِّتْ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ
لي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ
• [مريم: ٧٧]. [انظر: ٢٠٩١ - مسلم: ٢٧٩٥ - فتح: ٤ / ٤٥٢]
لَأُوتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا
ذكر فيه حديث خَبَّابِ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنَا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ
وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا والله لَا أَقْضِيكَ
حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: والله حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي
لَمَيِّثْ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ
فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ وَكَّ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيِّنَّ مَالًا
[مريم: ٧٧].
وَوَلَدًا
الشرح :
هذا الحديث سلف في باب القين والحداد(١).
وكره العلماء أن يؤاجر الرجل المسلم نفسه من مشرك في دار
الحرب أو دار الإسلام، وقد أسلفت أنه حرام (٢)؛ لأن في ذلك ذلة
وصغار إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا نحرمه، فيما لا يعود على
(١) سلف برقم (٢٠٩١).
(٢) سلف في باب استئجار المشركين عند الضرورة، وباب: إذا استأجر .. في شرح
حديث عائشة: استأجر النبي وَلفر وأبو بكر رجلًا من الديل (٢٢٦٣-٢٢٦٤).

٧٥
= كِتَابُ الإجَارَاتِ
المسلم بضر ولا فيما لا يحل مثل عصير خمر ورعي خنزير، أو عمل
سلاح أو شبه ذلك .
وأما في دار الإسلام فقد أغنى الله بالمسلمين وبخدمتهم عن
الاضطرار إلى خدمة المشركين، وقد أمر الله عباده المؤمنين بالترؤس
على المشركين فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَّدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] فلا يصلح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة
لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز؛ لأنه لما جاز لنا
أن نأخذ أموالهم بالمعاوضة منهم في أثمان ما بيع منهم كان كذلك
المنافع الطارئة منا، ألا ترى أن خبابًا عمل للعاصي بن وائل وهو
كافر، وجاز له ذلك.
والقين سلف في البيوع قريبًا وأنه الحداد.
واختلف أصحابنا فيما إذا أجر المسلم نفسه لكافر إجارة عين،
والأصح عندنا صحتها، نعم يؤمر بإزالة الملك عنها على الأصح.

٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٦ - باب مَا يُعْطَى فِي الرُّفْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ
بِفَاتِحَةِ الكِتَّابِ
وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ
أَجْرًا كِتَابُ اللهِ)). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِظُ المُعَلِّمُ إِلَّ أَنْ
يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ
المُعَلِّم. وَأَغْطَى الحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابن سِيرِينَ
بِأَجْرِ الَقَسَّامِ بَأْسًا. وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ فِي
الحُكْمِ. وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الخَرْصِ.
٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِ الْمُتَوَكُّلِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: أَنْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَّ فِي سَفْرَةِ سَافَرُوهَا، حَتَّى
نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ
الَخَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هؤلاء الرَّهْطَ الذِينَ
نَزَّلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ،
وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، والله
إِنّ لأَزَقِي، ولكن والله لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا
◌ُغْلًا. فَصَالُوهُمْ عَلَى قَطِيعِ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ
الْعَلَمِينَ ﴾ [الفاتحة: ٢] فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ:
فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الذِي صَالُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: أَقْسِمُوا. فَقَالَ: الذِي رَقَى لَا
تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتَ النَّبِيَّ ◌َ فَنَذْكُرَ لَهُ الذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرْنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولٍ
اللهِ وََّ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: ((وَمَا يُدْرِيَكَ أَنَّهَا رُقْيَة)) ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ أَصَبْتُمُ، أَقْسِمُوا
وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)). فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَِّ. وَقَالَ شُغْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ:
سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكُّلِ بهذا. [٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩ - مسلم: ٢٢٠١ - فتح: ٤/ ٤٥٣]

٧٧
= كِتَابُ الإجَارَاتِ
ثم ساق حديث أبي سعيدٍ في الرقية بالفاتحة وقال: ((اقْسِمُوا
وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا)). وَقَالَ شُعْبَةُ: ثَنَا أَبُو بِشْرِ: سَمِعْتُ أَبَا
المُتَوَكِّلِ بهذا.
الشرح :
سقط في بعض النسخ من هذِه الترجمة لفظ: على أحياء العرب(١)؛
لأن الحكم لا يختص به، وعلى إثباتها سببه أن الواقعة وقعت فيهم.
وتعليق ابن عباس يأتي مسندًا (٢)، وهو حجة على الحنفية والزهري
وابن إسحاق والحسن بن حي في عدم الأخذ، وادعى بعضهم نسخَهُ
بحديث القوس المهداة الآتي(٣)، وهو عجيب.
وأثر الشعبي رواه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن عثمان بن
الحارث عنه، قال: وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أيوب بن عائذ الطائي
عنه به (٤).
وأثر الحكم رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، أنا شعبة
عنه به.
(١) جاء في هامش اليونينة ٩٢/٣: قوله: على أحياء العرب. هذه الجملة مضروب
عليها في اليونينية وفرعها، وهي ثابتة في أصول كثيرة، بل قال ابن حجر: هي ثابتة
عند الجميع. اهـ
قلت: كلام الحافظ في ((الفتح)) ٤٥٣/٤: كذا ثبتت هذه الترجمة للجميع. هذا
نص عبارته إلا أن ابن بطال أسقطها في ((شرحه)) ٤٠٤/٦ مما يعني أن كلام
الحافظ ليس على إطلاقه.
(٢) سيأتي مسندًا مطولًا بمثل حديث أبي سعيد برقم (٥٧٣٧) كتاب: الطب، باب:
الشروط في الرقية بقطيع من الغنم.
(٣) في هامش الأصل: أي في كلام المصنف لا في البخاري.
(٤) ((المصنف)) ٣٤٦/٤ (٢٠٨٢٦، ٢٠٨٣٤).

٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأثر الحسن قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص، عن أشعث عنه:
لا بأس أن يأخذ على الكتاب أجرًا، وكره الشرط(١).
وأثر ابن سيرين قال أيضًا: حدثنا وكيع، ثنا همام، عن قتادة، عن
يزيد الرشك، عن القاسم قال: قلت لابن المسيب ما ترى في كسب
القسام، فكرهه قلت: إني أعمل فيه حتى يعرق جبيني، فلم يرخص
لي. قال قتادة: وكان الحسن یکره کسبه. قال قتادة وقال ابن سيرين:
إن لم يكن خبيئًا فلا أدري ما هو؟(٢).
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم(٣) والأربعة (٤).
والتعليق الأخير أسنده الترمذي عن محمد بن المثنى، عن
عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة به. ثم قال: صحيح وهو أصح
من حديث الأعمش، عن أبي بشر، عن أبي نضرة(٥)؛ ورواه النسائي
عن زياد بن (ميمون)(٦)، عن هشيم. وعن بندار، عن غندر، عن
شعبة، جميعًا عن أبي بشر به(٧). وفي ابن ماجه: بعثنا النبي وَّ في
ثلاثين راكبًا(٨)، وفي النسائي، وذلك ليلًا(٩).
(١) ((المصنف)) ٣٤٦/٤ (٢٠٨٣١).
(٢) ((المصنف)) ٤٧٨/٤ (٢٢٥٨).
(٣) مسلم (٢٢٠١) كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن.
(٤) رواه أبو داود (٣٤١٨)، (٣٩٠٠)، والترمذي (٢٠٦٣) والنسائي في ((الكبرى)) ٤/
٣٦٤-٣٦٥ (٧٥٣٢، ٧٥٣٣) وابن ماجه (٢١٥٦).
(٥) الترمذي (٢٠٦٤).
(٦) في النسائي: أيوب. وهو الصواب فهو الذي يروي عن هشيم، أنظر: ((تهذيب
الكمال)» ٣٠/ ٢٧٥- الرواة عن هشيم.
(٧) النسائي في ((الكبرى)) ٤/ ٣٦٤ (٧٥٣٣)، و٤/ ٣٦٧ (٧٥٤٧).
(٨) ابن ماجه (٢١٥٦).
(٩) ((السنن الكبرى)) ٣٦٤/٤ (٧٥٣٣).

٧٩
كِتَابُ الإجَارَاتِ
وسيأتي عند البخاري عن ابن عباس: فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة
الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا :
أخذت على كتاب الله أجرًا(١)!
وادعى ابن العربي اضطرابه، ففي رواية: أن أبا سعيد قرأ ورقى،
وفي أخرى: أن غيره الراقي(٢).
قلت: الذي فيه أنه الراقي. وفي رواية أن رجلًا رقى، كنى به عن
نفسه، فلا اضطراب(٣).
ويعارض هذا بحديث القوس التي أهديت لعبادة لما علمه سورة.
وقوله له: إن كنت تحب أن تطوق بها طوقًا من نار فاقبلها، أخرجه
أبو داود من حديث المغيرة بن زياد، عن عبادة عن الأسود بن ثعلبة، عن
عبادة(٤). وأين هو من هذا؟! المغيرة ضعيف.
وكذا قوله لأبي بن كعب: إن كان شيء یتحفك به فلا خیر فیه،
أخرجه ابن أبي شيبة(٥).
قال الجورقاني في ((موضوعاته)): إنه باطل بسبب عبد الرحمن بن
أبي مسلم، وأبي عبيدة بن فضيل بن عياض. وهما ضعيفان، قال:
(١) سيأتي برقم (٥٧٣٧) وسبق تخريجه.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٣١٩/٨.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: في بعض طرق مسلم من حديث أبي سعيد: فقام رجل
منا ما كنا نظنه يحسن رقية .. الحدیث.
وفيه: فقلنا: أکنت تحسن رقیة؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب. وفي رواية له:
ما كنا نأبنه برقية. وهذا ظاهر في أنه غيره إلا أن يقال: إنه وقع مرتين.
(٤) أبو داود (٣٤١٦).
(٥) ((المصنف)) ٣٤٧/٤ (٢٠٨٣٨).

٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وكذا حديث عبادة حديث باطل بسبب ابن المغيرة، فإنه منكر
الحديث(١).
قلت: وكذا حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((من أخذ على تعليم القرآن
قوسًا قلده الله مكانها قوسًا من نار)) أخرجه سمويه في ((فوائده)).
وقد أخرجها ابن الجوزي في ((علله))(٢).
وكذا قول عبد الله بن شقيق فكره أرش المعلم، فإن أصحاب رسول
الله ◌َلو كانوا يكرهونه ويرونه شديدًا. وقول إبراهيم النخعي: كانوا
يكرهون أن يأخذوا على الغلمان في الكتاب أجرًا.
وروى أحمد والطحاوي من حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري
مرفوعًا: ((تعلموا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا
به))(٣).
وروى الترمذي من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: ((اقرءوا القرآن
وسلوا الله به فإن بعدكم قوم يقرون القرآن يسألون به الناس)) (٤)، ولا بن
بطال (أنهم احتجوا بحديث)(٥) ابن مسعود مرفوعًا: ((اقرءوا القرآن
(١) ((الأباطيل والمناكير)) ١٢٨/٢ - ١٣١ (٥٢٢، ٥٢٣)
(٢) ((العلل المتناهية)) ٧٤/١ - ٧٥ (٩١- ٩٢) روى حديثي أبي بن كعب، وعبادة بن
الصامت. وليس حديث أبي الدرداء كما يوهم عطف المصنف عليه، فانتبه.
(٣) («المسند» ٤٢٨/٣ (١٥٥٢٩)، و((شرح معاني الآثار)) ١٨/٣ (٤٢٩٦- ٤٢٩٧).
(٤) رواه الترمذي (٢٩١٧) وقال: حسن، ووقع في بعض نسخه: ليس إسناده بذاك،
ورواه الطبري ١٦٧/١٨ ووقع في المطبوع منه حثمة بن أبي حثمة عن الحسن عن
عمران وهو خطأ وصوابه خيثمة بن أبي خيثمة البصري عن الحسن به، ورواه
جماعة آخرون غير من ذكرنا وحسنه الألباني، كما في («الصحيحة» (٢٥٧).
(٥) في الأصل: (من حديث) والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٤٠٥/٦ وهو الأليق
للسياق.