النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كِتَابُ البُيُوع سَعْدٌ: هذا يَا رَسُولَ اللهِ ابن أَخِي عُثْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنهُ، أَنْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هذا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَىْ شَبَهَا بَيْنَا بِعُثْبَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ)). فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطَّ. [انظر: ٢٠٥٣- مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٤ /٤١١] ٢٢١٩ - حَدَّثَنَا ◌ُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَغدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه لِصُهَيْبٍ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرٍ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَّ قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَّا صَبِيٌّ. [فتح: ٤ /٤١١] ٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَحَنَّثُ - أَوْ أَخَنَّتُ بِهَا- فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرِ)). [انظر: ١٤٣٦- مسلم: ١٢٣ - فتح: ٤/ ٤١١] ثم ساق حديث أبي هريرة في إعطاء الكافر آجَرَ سارة زوجة إبراهيم صَلى اللهـ وحديث عائشة: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَام ... الحديث بطوله. وقد سلف(١). وحديث سعد عن أبيه: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٍّ. (١) في البيوع برقم (٢٠٥٣) باب: تفسير المشبهات. ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وحديث حكيم بن حزام: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ - أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلفت مِنْ خَيْرٍ)). الشرح : التعليق الأول أسنده ابن حبان(١) والحاكم من حديث سماك بن حرب، عن زيد بن صوحان، فذكره، قال الحاكم: حديث صحيح عال في ذكر إسلام سلمان(٢). وفيه: حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا كلامي حملوني حتى أتوا بلادهم فباعوني، فقال القَرْه: ((كَاتِبْ يا سَلْمَانَ)) وأسنده البزار أيضًا من حديث محمود بن لبيد، عن ابن عباس، فذكره مطوَّلًا(٣). وعند البخاري حدثنا الحسن، ثنا معتمر، ثنا أبو عثمان، عن سلمان أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب، وسيأتي طرف منه في الفضائل (٤). وقوله: (وسبي عمار وصهيب وبلال)، يعني: أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضًا ويملكون بذلك، وروينا عن ابن سعد بإسناده عن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: إني رجل من العرب من النمر بن قاسط، ولكن سبيت، سبتني الروم غلامًا صغيرًا بعد أن عقلت أهلي (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ١٦/ ٦٤ من طريق عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي عن سلمان، ورواه في ((الثقات)) ١/ ٢٤٩ من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان. (٢) ((المستدرك)) ٣/ ٥٩٩-٦٠٢. (٣) ((البحر الزخار)) ٤٦٢/٦ - ٤٦٨ (٢٤٩٩، ٢٥٠٠). (٤) سيأتي برقم (٣٩٤٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام سلمان الفارسي. ٥٤٣ - ڪِتَابُ البُيُّوع وقومي، وعرفت نسبي(١). ومعنى الآية التي ساقها: أنَّ الله فضَّل الملَّاك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه، واعلم أن المالك لا يشرك مملوكه فیما عنده. وهما من بني آدم، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي رزقكم الله لله وبعضه لأصنامكم، فتشركون بين الله وبين الأصنام، وأنتم لا ترضون ذلك مع عبيدكم لأنفسكم؟! نبه عليه ابن التين. وقال ابن بطّال: إنما تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة الأصنام بعبادة الرب تعالى، فنبههم تعالى على أن مماليكهم غير مساوين لهم في أموالهم، فالله تعالى أولى بإفراد العبادة، وأن لا يشرك معه أحد من عبيده، إذ لا مالك على الحقيقة سواه، ولا يستحق الإلهية غيره(٢). وقال الضحَّاك: هو مثل لله، ولعيسى بن مريم، أي: أنتم لا تفعلون هُذا لغيركم، فكيف ترضون لي باتخاذ بشرًا ولدًا؟!(٣) وقوله: ﴿أَفَنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] أي: فبأن أنعم الله عليهم جحدوا النعمة، وجعلوا ما رزقهم لغيره. وقيل: المعنى: فبأن أنعم الله عليهم بالبراهين جحدوا نعمه. وغرض البخاري في هذا الباب: إثبات ملك الحربي والمشرك، وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وجميع ضروب التصرف، (١) ((الطبقات الكبرى)) ٢٢٧/٣. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٤٢/٦. (٣) ذكره النحاس في ((معاني القرآن)) ٨٧/٤. ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذ أقر الشارع سلمان عند مالكه من الكفار، فلم يَزُل ملكه عنه، وأمره أن يكاتب، وقد كان حرًّا، وأنهم ظلموه وباعوه، ولم ينقض ذلك ملك مالكه، وكذلك كان أمر عمَّار وصهيب وبلال، باعوهم مالكوهم الكفار من مسلمين، واستحقوا أثمانهم، وصاروا ملكًا لهم، ألا ترى أن إبراهيم قبل هبة الملك الكافر(١)، وأن عبد بن زمعة قال الرسول الله وَلّ: (هُذا ابن أمة أبي، ولد على فراشه)، فأثبت لأبيه أمةً وملكًا عليها في الجاهلية، فلم ينكر ذلك. وسماعه الخصام في ذلك دليل على تنفيذ عهد المشرك والحكم به أن يحتكم فيه للمسلمين، ولذلك جوز القيّ عتق حكيم بن حزام وصدقته في الجاهلية، ونبه على عتق القرابة بحكم الشارع في قضائه لأحدهما في قصة سعد، بناء على أن من ملك ذا رحم محرم فهو حرِّ. فإن قلت: كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم، ولا يجوز للكافر ملك مسلم؟ قلت: أجاب عنه الطبري بأن حكم هذه الشريعة: أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام، فهو لغالبه ملكًا، وكان سلمان حين غلب على نفسه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان إيمانه إيمان تصديق بالنبي ◌َّة إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى، فأقره التعليقات مملوكًا لمن كان في يده، إذ كان حكمه القديمة: أن من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيده فهو لسيده، أو كان سيده من أهل صلح المسلمين فهو مملوك لمالكيه(٢). (١) في هامش الأصل: إنما وهبها لسارة. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣. ، ٥٤٥ - كِتَابُ البُيُوع وفيه من الفقه: إباحة المعاريض لقوله: ( ((إنها أُخْتِي)) )، وأنها مندوحة عن الكذب. وفيه: أن أخوة الإسلام أخوة يجب أن ينتمى بها. وفيه: الرخصة في الأنقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة السلطان الظالم، وقبول هدية المشرك، وقد ترجم عليه هناك بذلك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب جل جلاله لمن أخلصها بما يكون نوعًا من الآيات، وزيادة في الإيمان، ومعونة على التصديق والتسليم والتوكل. وقوله: (((فَغُطَ)) ) أي: صوت في نومه، يقال منه: غط غطيطًا، ذكره ابن بطال عن ((الأفعال))(١). وقال ابن التين: غط، أي: خنق، وصرع: أصابه مس الشيطان. قال: وضبط في بعض الأمهات بفتح الغين، وصوابه: ضمها، وكذلك هو في بعض الكتب. وقوله: ( ((رَكَضَ بِرِجْلِهِ)) ) أي: ضرب بها. ومعنى: ((كَبَتَ الكَافِرَ)) صرعه لوجهه، وكبت الله العدو - أيضًا- ردَّه خائبًا، وقيل: أذله وأخزاه، وقيل: أصله کبد أي: بلغ الهم كبده، فأبدل من الدال تاءً، وقيل: معناه: ضربه وأذله، والمعاني متقاربة. يقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى ذلك معاينة، وأنه لم ينل منها شيئًا لما كان عليه من الغيرة. وفيه: ابتلاء الصالحين؛ لرفع درجاتهم. ومعنى: (((أَخْدَمَ)) ) أعطى خادمًا. (١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص ١٩٦، ((شرح ابن بطال)) ٣٤٣/٦. ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == تنبيهات : أحدها: أسلم بلال وسيده كافر وهو بدار الحرب، فثبت ولاؤه عند مالك وابن القاسم للصديق، وقال أشهب: هو حرٌّ بنفس إسلامه، فلا ولاء لأبي بكر فيه. وعمار هو: ابن ياسر أبو اليقظان مولى بني مخزوم، قتل بصفين وهو ابن ثلاث وتسعين، وصهيب: هو ابن سنان أبو يحيى مولى ابن جدعان القرشي. ثانيها: (آجَرَ) بهمزة ممدودة، وقلبت هاءً فصارت: هاجر، وأصل المادة: الترك، وكانت من حفن من كورة أنصنا. و(القرية) جمعها قرى، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض أي: جمعته. قال الداودي: يقع على المدن الصغار والكبار. وقوله: ((من هذِه؟ قال: أختي)) يريد في الإسلام، وهي من المعاريض، وفر من زوجتي بذلك؛ لأن الزوج قد يدفع بالقتل بخلاف الأخ. وقال الداودي: فعله خوفًا من تغلبه عليها. وسيأتي زيادة على ذلك. وفيه: أنَّ من قال لزوجته: أختي، ولم ينو شيئًا لا يكون طلاقًا، وكذا لو قال: مثل أختي لا يكون ظهارًا، وفيه: هدية المشرك للمسلم. وفيه: مستند لمن يقول: إن طلاق المكره لا يقع، ولیس ببین. وقولها: ( (وَأَحْصَنْتُ)) ) أي: عففت، وقال الداودي: أعففت، ولا يعرف هذا الفعل رباعيًّا، وإنما هو ثلاثي. قولها: ( (إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ)) ) فيه خوف سارة أن ينسب إليها قتله. ٥٤٧ كِتَابُ البُيُوع = وفيه: أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر. وقوله: ( ((مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّ شَيْطَانًّا)) ) أي: لأجل الحيلولة التي وقعت بينهما حال دونها إخوانها من الشياطين، وجاء في بعض الروايات لما قبضت يده عنها قال لها: ((ادعي لي))(١) فقال ذلك لئلا تحدث بما ظهر من كرامتها، فيعظم في نفوس الناس وتتبع، فلبس على السامع فذكر الشيطان. وقول ابن عوف لصهيب: (اتق الله ولا تدّع إلى غير أبيك)، أراد عبد الرحمن أن يدعوه لأبيه إن عرفه، ولم ينسب إلى الروم؛ لقوله: ﴿ أَدْعُوهُمْ لَّبَآِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فذكر صهيب أنه لا يعرف أباه، وانتسب إلى مواليه. وحديث حكيم سلف في الزكاة(٢). وقوله هنا: (كُنْتُ أَتَحَنَّتُ - أَوْ أَتَحَنَّثُ- بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ) كذا في الأولى بالمثناة. قال عياض: وهو غلط من جهة المعنى، وأما الرواية فصحيحة، والوهم فيه من شيوخ البخاري بدليل (أو أتحنث) بعده على الشك، والذي رواه الكافة بالمثلثة، وكذا قال ابن التين: ضبط في الأول بالمثناة، وصوابه بالمثلثة كما في الثاني، أي: أتعبد، ولم يذكره أحد من أهل اللغة بالمثناة كما في حديث الوحي: كان يأتي حراء فيتحنث فيه. أي: يتعبد(٣)، وقال أبو العباس: أي: يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، كتأثم وتحرج، زاد القزاز: وتحوب أي: ألقى (١) ستأتي برقم (٣٣٥٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله وَك: ﴿وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. (٢) برقم (١٤٣٦) باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم. (٣) سلف برقم (٣) كتاب: بدء الوحي. ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحوب، وهو: الإثم والذنب، ويحتمل على تقدير الصحة أن يكون أصلها من الحانوت أو الحانة. قال ابن الأثير: كانت العرب تسمي بيوت الخمارين: الحوانيت، والحانة مثله (١)، فعلى هذا التقدير: أتحنث: أتجنب مواضع الخمارين والحانة. وفيه: أنهم كانوا في الجاهلية على بقية من دين إبراهيم، وأنهم کانوا یصنعون شيئًا يريدون به وجه الله. وأن ما أصابوا به من ذلك ثم أسلموا كتب لهم؛ لأنه لا يضيع عمل عامل كمن أحبط من أرتد بعد الإسلام. رابعها: ذكر ابن قتيبة في ((معارفه))، أن القرية: الأردن، والملك: (صاروق)(٢)، وكانت هاجر لملك من ملوك القبط(٣). وعند الطبري: كانت أمرأة ملك من ملوك مصر، فلما قتله أهل عين شمس أحتملوها معهم، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان أخو ،(٤) الضحاك (٤). وذكر السهيلي في ((روضه)) أن سارة هي: بنت توبيل بن ناحور. وقيل: بنت هاران بن ناحور، وقيل: بنت هاران بن تارخ، وهي: بنت أخيه على هذا، وأخت لوط، قاله القتبي في ((المعارف))(٥)، (١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٤٨/١ مادة: (حنت). (٢) ورد في هامش الأصل: رأيت في نسختين من ((الروض)) للسهيلي عن ابن قتيبة: (صادوف). (٣) ((المعارف)) ص ٣٢ بتصرف. (٤) ((تاريخ الطبري)) ١٤٨/١، ١٧٥ بتصرف. (٥) ((المعارف)) ص: ٣١. ٥٤٩ كِتَابُ البُيُوع = والنقاش في ((تفسيره))، قال: وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالًا؛ إذ ذاك ثم إن النقاش ناقض ذلك، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] أنه يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح. قال السهيلي: وهذا هو الحق، وإنما توهموا أنها بنت أخيه؛ لأنَّ هاران أخوه، وهو هاران الأصغر وكانت بنت هاران الأكبر وهو عمه(١). وذكر أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه ((التيجان)): أنَّ إبراهيم العَ خرج من مدين إلى مصر، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلًا ومصر ملكها عمرو بن أمرئ القيس بن بابليون بن سبأ، وكان خال إبراهيم لشدة إعجابه به فوشى به حنَّاط كان إبراهيم يمتار منه، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة، فلما صار إبراهيم خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما، فهمَّ عمرو بسارة ومد يده إليها فيبست، فمد الأخرى فكذلك، فلما رأى ذلك كف عنها. قال: يا سارة هكذا نصيب الرجال معك؟ قالت: أنا ممنوعة من الخلق إلا من بعلي إبراهيم فأمر بدخوله، فقال: لا تحدث يا إبراهيم نفسك بشيءٍ، فقال: أيها الملك إنَّ الله مت جعل قصرك لي كالقارورة فما خفي عليَّ شيءٌ مما فعلتَ فقال الملك: لكما شأن عظيم يا إبراهيم. قال ابن هشام: وكان الحناط أخبر الملك بأنه رآها تطحن، فقال الملك: يا إبراهيم ما ينبغي لهذِه أن تخدم نفسها فأمر له بهاجر. خامسها: وقد أسلفت الإشارة إليه. (١) ((الروض الأنف)) ١٦/١. ٥٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال ابن الجوزي: على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن يقال ما معنى توريته الكلية على الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية أسلم لها؛ لأنه إذا قال: هذِه أختي، قال زوجنيها، وإذا قال: هذِه أمرأتي سكت هذا إن كان الملك يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي أكانت زوجة أو أختًا إلى أن وقع لي أنَّ القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحقّ بها من غيره، فكأن إبراهيم أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله ، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه. قال: واعترض على هذا بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت، وهو متأخر عن هذا الزمن. والجواب: أن لمذهب القوم أصلًا قديمًا أدعاه زرادشت، وزاد عليه خرافات أخر، وقد كان نكاح الأخوات جائزًا من زمن آدم، ويقال: إن حرمته كانت على لسان موسى، قال: ويدل على أن دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أنه القرية أخذ الجزية من مجوس هجر (١)(٢)، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب، ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال: كان من مذهب القوم: أن من له زوجة لا يجوز أن تتزوج إلى أن يهلك زوجها، فلما (١) أبو داود (٣٠٤٣) عن عبد الرحمن بن عوف. وهو في البخاري برقم (٣١٥٦، ٣١٥٧) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. (٢) ورد في هامش الأصل: أو في ((صحيح البخاري)). اهـ. قلت: أنظر الهامش السابق. ٥٥١ = كِتَابُ البُيُّوع علم إبراهيم هذا قال: هي أختي كأنه قال: إن كان الملك عادلًاً فخطبها مني أمكنني دفعه، وإن كان ظالمًا تخلصت من القتل، وقيل: إنَّ النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود، فعدل عن قوله: زوجتي؛ لأنه يؤدي إلى قتله، أو طرده عنها، أو تكلفه لفراقها. وقيل: إن ذلك الجبار كان من سيرته أنه لا يغلب الأخ على أخته ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدل مساق الحديث حكاه القرطبي، قال: وإلا فما الفرق بينهما في حقِّ جبار ظالم؟(١) وهذا من باب: المعاريض الجائزة، كما سلف والحيل من التخلص من الظلمة، بل نقول: إنه إذا لم يتخلص رجل من الظلمة إلا بالكذب الصراح جاز له أن يكذب، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق؛ لكونه ينجي نبيًّا أو وليًّا ممن يريد قتله، أو نجاة المسلمين من عدوهم. سادسها: قوله: (قال الأعرج: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت:) إلى آخره، هو موقوف ظاهر، أو كذا ذكره أصحاب الأطراف، وكأن أبا الزناد روى القطعة الأولى مسندة، وهُذِه موقوفة. (١) ((المفهم)) ٦/ ١٨٥. ٥٥٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠١- باب جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ ٢٢٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: ((هَلَّا أَسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَا بِهَا؟)). قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣- فتح: ٤/ ٤١٣] ذكر حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: (هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟)). فقَالُوا: إِنَّهَا مَيَّةٌ. قَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). هذا الحديث سلف في الزكاة في باب: الصدقة على موالي أزواج النبي ◌َ﴾(١)، وأوضحنا الكلام عليه، ويأتي في الذبائح أيضًا(٢). وجمهور العلماء على جواز بيعها والانتفاع بها بعد الدباغ. وأسلفنا هناك أن الخلاف في أنَّ الإهاب هل هو الجلد مطلقًا أو قبل الدباغ(٣)، وهذا الاستمتاع محمول عند أكثر العلماء على ما بعد دباغه، إلا الزهري. وفيه: دلالة قوية على تحريم أكله، وادعى ابن التين أنه لم يختلف فيه، وهو غريب، فالخلاف عندنا مشهور، بل الراجح عندنا إباحته. (١) برقم (١٤٩٢). (٢) برقم (٥٥٣١) باب: جلود الميتة. (٣) ((المجمل)) ص (١٠٥) مادة: (أهب). ٥٥٣ كِتَابُ البُيُّوع = فائدة : جوَّز ابن وهب بيع زيت الفأرة إذا بُيِّنَ، وخالفه جميع أصحاب مالك، وجوَّزه أبو موسى الأشعري من غير مسلم (١)، وبقول ابن وهب قال أبو حنيفة، وانفرد أحمد فقال: في الجلد لا يستمتع به، وإن دبغ، والحديث حجة عليه(٢). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٧/٥ (٢٤٣٨٥). (٢) ورد بهامش الأصل: احتج بحديث عبد الله بن عكيم وفيه ما فيه. ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٠٢- باب قَتْلِ الخِنْزِيرِ وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ رسول اللّهِ بَيْعَ الخِنْزِيرِ. ٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْبَمَ حَكَمًّا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). [٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩ - مسلم: ١٥٥- فتح: ٤/ ٤١٤] ثم ساق حديث أبي هريرة قَالَ: قال النبيّ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمَّا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتعليق جابر سيأتي بعد مسندًا بلفظ: سمعت النبيَّ وَّر عام الفتح بمكة يقول: ((إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))(٢). ومعنى: (لَيُوشِكَنَّ»: ليسرعن، يقال: أوشك فلان خروجًا من العجلة، وقال الداودي: ليكونن، قال: ويوشك يأتي بمعنى: يكون، وبمعنى: يقرب أن ينزل، أي: من السماء فإنَّ الله رفعه إليها وهو: حي، ((مُقْسِطًا)) أي: عدلًا. وقوله: ( ((فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ)) ) أي: بعد قتل أهله. ((وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ)) أي: يفنيه فلا يؤكل، وقيل: يحتمل أنه ليضعف (١) مسلم (١٥٥) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ◌َد . (٢) برقم (٢٢٣٦) في البيوع)، باب: بيع الميتة والأصنام. ٥٥٥ = = كِتَابُ البُيُوع أهل الكفر عندما يريد قتالهم، ويحتمل أن يقتله بعدما يغلبهم، وإنما كان ذلك؛ لأنه نازل بتقرير هذِه الشريعة. ومعنى ((يَضَعَ الجِزْيَةَ)) يحمل الناس كلهم على الإسلام، ولا حاجة لأحدٍ إذ ذاك إلى الجزية؛ لأنها إنما تؤخذ لتصرف في المصالح، ولا عدو إذ ذاك للدين والمال فاض فلا حاجة إليها. وقوله: ( ((وَيَفِيضَ المَالُ)) ) أي: يكثر ويتسع، وهو بالنصب عطفًا على ما قبله كما ضبطه الدمياطي. قال ابن التين: إعرابه بالضمِّ؛ لأنه مستأنفٌ غير معطوف؛ لأنه ليس من فعل عيسى، قال: ويصح أن يعطف على ما عملت فيه أن فينصب، وظاهره قتل الخنزير مطلقًا، وإن لم تعد حكمته ما أسلفناه. وقال ابن التين في موضع آخر: فيه: إبطال لقول من شذ من الشافعية إذ جوز تركه إذا لم يكن فيه ضراوة، ومذهب الجمهور: أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه. وقد قام الإجماع على أن بيعه وشراءه حرام، وعلى قتل كل ما يُسْتَضَرُ به ويؤذي مما لم يبلغ أذى الخنزير، كالفواسق التي أمر الشارع بقتلها في الحل والحرم للحلال والمحرم، فالخنزير أولى بذلك لشدة أذاه، ألا ترى أن عيسى وَلا يقتله عند نزوله، فقتله واجب كذا قال ابن بطال. ثم قال: وفيه: دليلٌ على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم. واختلف العلماء في الانتفاع بشعره فكرهه ابن سيرين والحكم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الطحاوي عن أصحابه: لا ينتفع من الخنزير بشيء، ولا يجوز بيع شيءٍ منه، ويجوز للخرازين ۔ ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أن (يبيعوا) (١) شعرة وشعرتين للخرازة، ورخّص فيه الحسن وطائفة. ذکر عن مالك: أنه لا بأس بالخرازة بشعره، فعليه أنه لا بأس ببيعه وشرائه. وقال الأوزاعي: يجوز للخراز أن يشتريه، ولا يجوز له بيعه. قال المهلب: وظاهر الحديث: أن الناس كلهم يدخلون في الإسلام، ولا يبقى من يخالفه(٢)، وهو كما قال. وقد استدل به البيهقي في ((سننه)) أن الخنزير أسوأ حالاً من الكلب؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه (٣). (١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): ينتفعوا. ولعله الأنسب. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥. (٣) ((السنن الكبرى)) ٢٤٤/١. ٥٥٧ كِتَابُ البُيُوع = ١٠٣- باب لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلـ ٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بِنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانَا بَاعَ خْرَا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانَا، أَلْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: (قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟)). [٣٤٦٠- مسلم: ١٥٨٢ - فتح: ٤١٤/٤] ٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ يَهُودًّا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا)). [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]: لَعَنَّهُمْ ﴿قُلَ﴾ [الذاريات: ١٠]: لُعِنَ ﴿الْخَرَّصُونَ﴾: الكَذَّابُونَ]. [مسلم: ١٥٨٣ - فتح: ٤/ ٤١٤] ثم أسند حديث ابن عباس بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانَا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟). وحديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ اليهود، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَنْمَانَهَا)). الشرح: تعليق جابر أخرجاه، وهو المذكور قبله، ولفظه: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه))(١). (١) البخاري برقم (٢٢٣٦) البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وذكره ابن أبي حاتم في ((علله)) من حديث عبد الله بن عمرو، وتوقف فيه(١). وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا، وسمى المبهم فقال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله وَل قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)»(٢). وقال المحب في ((أحكامه)) أنه جابر بن سمرة، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا(٣). وقال البخاري في أخبار بني إسرائيل، رواه أبو هريرة عن النبي وَلَّ، وأراد هذا (٤). وأخرج أبو داود حديث ابن عباس. وفيه: ((إن الله إذا حرَّم أكل شيءٍ حرم عليهم ثمنه))(٥). وأجاب الخطابي عن فعل سمرة بن جندب نقلًا أنه لم يبعها بعينها، وإنما خللها متأولًا ثم باعها(٦). وإلا فلا يخفى عليه ذلك، وكان واليًا على البصرة، أو يحمل على أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا لكنه حرام، وجواب ثالث: وهو أنه كان يأخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فيبيعها منهم ظنًّا منه جوازه. قاله ابن الجوزي نقلًا عن ابن ناصر، وكان ينبغي له أن يوليهم بيعها، وذكر الإسماعيلي والحافظ أبو بكر في ((مدخله)): أنه يجوز أن يكون لم (١) ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٨٢/١ (١١٤٠). (٢) مسلم (١٥٨٢). (٣) مسلم (١٥٨٣). (٤) سيأتي برقم (٣٤٦٠) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٥) أبو داود (٣٤٨٨). (٦) ((أعلام الحديث)) ١١٠١/٢. ٥٥٩ كِتَابُ البُيُّوع = يعلم تحريم بيعها، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله، ولعزله ولا رضي هذا. وقام الإجماع على تحريم بيع الميتة لتحريم الله تعالى بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية. فإن قلت: ما وجه قوله: ( ((فَبَاعُوهَا، فَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا)) ) مع أشياء كثيرة حرم أكلها دون بيعها، كالحمر الأهلية، وسباع الطير كالبزاة والعقبان وأشباهها؟ قلت: وجهه: أن الشحوم لما كانت محرمة عليهم كان من حقهم اجتناب بيعها کالخمر وشبهه. واختلف العلماء في جواز بيع العذرة والسرقين، فكره مالك والكوفيون بيع العذرة، وقالوا: لا خير في الانتفاع بها، وأجاز الكوفيون بيع السرقين، وزبل الدواب عند مالك نجس فينبغي أن يكون كالعذرة، وأما بعر الإبل وخثاء البقر فلا بأس ببيعه عند مالك. وقال الشافعي: لا يجوز بيع العذرة ولا الروث ولا شيء من الأنجاس، وشرط المبيع أن يكون طاهرًا، وانتفاع الناس بالسرقين، وإن كان نجسًا في الزراعة لا بأس به، وكذا خلطهم إياه بالطين، والبناء للفخار ولوقود النيران، ولا يدل على الملكية ولا الضمان عند الاستهلاك، خلافًا لمن خالف. وفي سماع ابن القاسم: أنه سئل عن قوم لهم خربة يرمي الناس فيها الزبل، فأرادوا ضربه طوبًا وبيعه؛ ليعمروا به تلك الأرض، قال: ذلك لهم، وهذا علی قاعدتهم. ومعنى: ((جَمَلُوهَ)» أذابوه، جملتُ الشيء، أجمله جملاً، وأجملته واجتملته: أذبته، والجميل: الودك. ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال الداودي: ومنه سمي الجمال؛ لأنه يكون عن الشحم، وليس ببين لأنه قد يكون مع الهزال، واستدل به أصحاب مالك على سد الذرائع؛ لأن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى أكل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم، ولهذا قال الخطابي: في هذا الحديث إبطال الحيل والوسائل التي يتوسل بها إلى المحظورات؛ ليعلم أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه(١)، وهو حجة على ابن وهب وأبي حنيفة فيما مضى من إجازتهما بيع الزيت النجس. واعترض بعض الملاحدة على كون الشيء حرامًا ويحل بيعه بما إذا ورث أمة وطئها أبوه، فإنه يحرم على الآبن وطؤها، ويحل بيعها إجماعًا وأكل ثمنها، وهذا تمويه؛ لأن الآبن لا يحرم عليه منها غير الاستمتاع، وهي مباحة للغير بخلاف الشحم، فإن ما عدا الأكل تابع له بخلافها، وفي عموم تحريم الميتة بيع جثة الكافر. وقد روى ابن هشام(٢) وغيره: أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده لرسول الله وَ له عشرة آلاف درهم، فلم يأخذها ودفعها إليهم وقال: ((لا حاجة لنا بجسده (٣) ولا بثمنه))(٣). (١) ((أعلام الحديث)) ١١٠١/٢. (٢) في هامش (الأصل): له أصل في الترمذي من حديث ابن عباس و((الدلائل)) وهو في «المسند» بغیر سیاق الترمذي من حديث ابن عباس أيضًا. (٣) ((سيرة ابن هشام)) ٢٧٣/٣ - ٢٧٤.