النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
= كِتَابُ البُيُوع
أخرجه البيهقي، وفيه: ((صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر)) قال البيهقي:
يحتمل أنْ يكون هذا الشك من بعض الرواة، لا أنه على وجه التخيير،
ليكون موافقًا للأحاديث الثابتة في هذا الباب(١).
إذا تقرر ذلك فالكلام على المصراة من أوجه:
أحدها: المحفلة: هي المصراة، مأخوذ من حفل الناس، أي
واحتفلوا إذا اجتمعوا وكثروا، وكل شيء كثرته فقد حفلته، وما كانت
التصرية في الإبل والبقر والغنم وما في معناها يؤخر صاحبها حلبها
حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا رآها من يطلبها يحسبها غزيرة
اللبن فيزيد في ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام
تحفلها. وذكر ابن سيده مادة حفل، وأنها للاجتماع(٢).
وقوله: (وحقن فيه) أي: حبس، وتفسيره في المصرَّاة أنَّه من صرَّيت
صحيح، وليس هو من الصِّرار، إذ لو كان منه كانت مصرورة.
ووقع في ((غريب البخاري)) للقزاز قال: صرت الناقة، وأصرت. قال
ابن التين: وأراه وهلا من الكاتب؛ لأنه قال: تقول: تصريت الماء
تصرية إذا جمعته، فدلَّ على وهله.
قلت: قال ابن سيده: صريت الناقة، وصرت وأصرت: تحفل لبنها
في ضرعها، وصريت الناقة وغيرها من ذوات اللبن، وصرَّيتها
وأصريتها: حفلتها. وناقة صرياء: محفلة، وجمعها: صرايا، على غير
قياس(٣).
(١) ((السنن الكبرى)) ٣١٩/٥.
(٢) ((المحكم)) ٣/ ٢٦٢ (حفل).
(٣) ((المحكم)) ٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثانيها: الأفصح: (لا تُصروا) بضم أوَّله على مثال: لا تزكوا،
وما بعده منصوب على أنه مفعول، وروي رفعه، وروي بفتح أوله من
الصرِّ وأصله: تصريوا، فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى
ما قبلها، لأنَّ واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا، فانقلبت
الياء واوًا واجتمع ساكنان، حذفت الأولى وبقيت واو الجمع.
ويحتمل أنْ يكون أصلها مصررة أُبدلت إحدى الرائين كقوله تعالى:
﴿مَنْ دَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من
جنس، ويحتمل أن يكون أصلها مصرورة، فأبدل من إحدى الرائيين ياءً،
وغلط أبو على البغدادي فذكره في باب الثنائي المضعف، وكلهم ذكرها
في الثلاثي المعتل اللام (١).
(١) قلت: أبو علي البغدادي هذا هو القالي، إسماعيل بن القاسم، والمنقول عنه هذا
ذكره في كتابه ((البارع في اللغة))، كذا ذكره محقق الكتاب (ط. مكتبة النهضة،
بغداد، ودار الحضارة العربية، بيروت) ص ٧١٧ في تذييل ألحقه بالكتاب تحت
عنوان: لحق بما اقتبسته بعض الكتب من البارع من القسم الضائع منه. ناقلًا إياه
عن ((الروض الأنف)).
وعبارة السهيلي في ((الروض)) ٢٧/٢: وقد غلط أبو علي في ((البارع»، فجعل
المصراة بمعنى المصرورة، وله وجه بعيد، وذلك أن يحتج له بقلب إحدى الرائين
ياء، مثل: قصِت أظفاري، غير أنه بعيد في المعنى. اهـ.
والذي أنكره السهيلى وأظن المصنف -رحمه الله- نقله عنه، أو ممن نقله عنه، هو
قول الشافعي -أسكنه الله عليين- كذا نقله عنه الخطابي في ((المعالم)) ٩٥/٣
واستشهد له بقول الشاعر:
مُصَرَّرة أخلافها لم تجدد
وقلت: خذوها هذِه صدقاتكم
وهذا حكاه الحافظ في ((هدي الساري)) ص ١٤٣، وعنه الزبيدي في ((التاج)) ١٩/
٥٩٨ ثم إني رأيت في ((المقصور والممدود))لابن ولاد ص ٦٣ قال: والصري، ثم
ذکر کلامًا فیه.

٣٨٣
كِتَابُ البُيُوع
ثالثها: معنى التصرية: الجمع كما سلف، نهى عن جمع اللبن في
ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أنَّ كثرة لبنها
عادة مستمرة.
وعبارة الشافعي أنه ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها -وهو
صواب- وهي حرام؛ لما فيها من الغش.
رابعها: هذا الحديث أصل في الرد بالغش والتدليس، وقد سلف
من حديث ابن مسعود أنه خلابة، ولا تحل خلابة مسلم، ولا تختص
بالنعم على الأصح عندنا، بل تعم كل مأكول والجارية والإنسان،
نعم لا يرد مع الجارية والإنسان شيئًا، وقد جاء في أبي داود: ((من
باع محفلة فالبيع صحيح ، وللمشتري الخيار))(١). والأصح أنه على
الفور كالرد بالعيب.
وفي قول: يمتد ثلاثة أيام. وهذا مختاري، لحديث أبي هريرة في
مسلم ((فهو بالخيار ثلاثة أيام))(٢) وإذا ردها بعد تلف اللبن رد معها
صاع تمر، سواء اشتراها به أم لا، لحديث الباب، وهو الأظهر عند
الشافعي، وبه قال مالك في رواية، والليث وابن أبي ليلى وأبو
یوسف وأبو ثور وفقهاء الآثار.
والواجب: التمر الوسط من تمر البلد، كما حكاه أحمد بن بُشرى
المصري عن النص، وقيل: يكفي صاع قوت؛ لأنه ورد في أبي داود:
القمح، وليس إسناده بذاك(٣).
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) مسلم (١٥٢٣).
(٣) تقدم تخريجه.

٣٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعن مالك أنه إذا كان في موضع لا تمر فيه فصاع حنطة، وعنه: يُرد
مكيله ما خلف من اللبن تمرًا أو قيمته.
خامسها: قال بحديث المصراة جمهور العلماء منهم ابن أبي ليلى
ومالك والليث وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور،
وخالف أبو حنيفة، وطائفة من أهل العراق، وبعض المالكية، ومالك
في رواية عنه غريبة، وابن أبي ليلى في رواية، فقالوا: يردها ولا يرد
معها صاعًا من تمر، قالوا وهذا الحديث مخالف للأصول المعلومة
من وجوه ثمانية. وقد ذكرتها مع جوابها في ((شرح العمدة))، فليراجع
منه، وذكرت فيه حكاية صحيحة بإسنادي تتعلق به(١)، بل قال أبو حنيفة
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٧/ ٦٣ - ٧٣.
والحكاية التي أشار المصنف - رحمه الله- إليها قال: ومن الحكايات الصحيحة
في هذا الباب ما أنبأنا به عن أبي الفضل أحمد بن عساكر، عن أبي المظفر
عبد الرحيم السمعاني، عن والده عبد الكريم، عن أبي المعمر المبارك الأزجي،
عن أبي القاسم يوسف بن علي الزنجاني، عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال:
سمعت القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا في حلقة الذكر بجامع المنصور،
فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، فاحتج المستدل
بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال الشاب -وكان حنفيًّا -: أبو هريرة غير مقبول
الحديث، قال القاضي: فما إن استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من
سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب من يديها وهي تتبعه فقيل
له: تب تب. فقال: تبت، فغابت الحية فلم ير لها أثرًا. وهذا إسناد جليل صحيح
رواته كلهم ثقات. اهـ ((الإعلام)» ٧/ ٧٠ - ٧١.
قلت: لم يتفرد المصنف -رحمه الله - بذكر هذِه القصة، والتي لا أجد عليها تعليقًا
إلا أن أقول: لا تعليق، وسبحان من لا يعلم مقادير عباده إلا هو. فقد ذكرها
الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام)» ٣٥٤/٤، وفي ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٨/٢ -
٦١٩ معلقة عن أبي سعد السمعاني، ثم قال: إسنادها أئمة، وأبو هريرة إليه
المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول الَّه وأدائه بحروفه، وقد أدى حديث =

٣٨٥
= ڪِتَابُ البُيُوع
ومحمد: التصرية عيب، ولا يرد به. وحكي عن أبي حنيفة أنه يرجع
بأرش التصرية، قالوا: ويعارضه حديث الخراج بالضمان، ووجهه أن
مشتري المصراة ضامن لها لو هلكت عنده واللبن علیه، فلا یکون له،
وأين هذا من قوة ذاك؟ ثم هذا عام وحديث المصراة خاص، ولا يعترض
على السُّنة بالمعقولات.
قال مالك فيما نقله عنه ابن عبد البر: أو لأحد في هذا الحديث
رأي؟ قال ابن القاسم: وأنا آخذ به، إلَّا أنَّ مالكًا قال لي: أرى أهل
البلد إذا نزل بهم هذا أن يعطوا الصاع من عيشهم، قال: وأهل مصر
عيشهم الحنطة (١).
وروي عنه أنه قال: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟
وعنه أنَّه لمّا سُئل عنه قرأ: ﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ﴾ الآية. [النور: ٦٣] وزعم
أبو حنيفة أنَّه كان قبل تحريم الربا، وروى أشهب نحوه عن مالك(٢)،
وأنَّ ذلك كان حين كانت العقوبة بالمال، وهو واهٍ؛ لأنَّه إثبات نسخ
بالاحتمال، وهو غير سائغ.
وقيل: نسخه حديث الخراج بالضمان والكالئ بالكالئ.
ومنهم من حمله على ما إذا اشترط ذلك وليس بشيء، ومنهم من
ادَّعى نسخه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بِهٌِ﴾
[النحل: ١٢٦] ولم يجعلوا حديث المصراة أصلًا يقيسون عليه ولد
المصراة بألفاظه، فوجب علينا العمل به، وهو أصل برأسه.
=
وكذا ذكرها الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ١٢ /٦٥٦ معلقة عن أبي القاسم
الزنجاني.
(١) ((التمهيد)) ١٨/ ٢٠٢.
(٢) أنظر: ((التمهيد)) ٤١١/٨، و((الاستذكار)) ٢١/ ٢٥، ٨٧.

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الجارية إذا ولدت عند المشتري ثم ردت بالعيب. فالشافعي: يحبس
الولد، ومالك يخالفه، ووافقه ابن القاسم، وخالفه أشهب، ومن
جملة ما ردوا به الحديث اضطرابه، حيث قال مرة: ((صاعًا من تمر))
ومرة قال: ((من طعام)). ومرة قال: ((مثل - أو مِثْلي- لبنها قمحًا)).
وجوابه: أنَّ الأخبار كلها متفقة على إثبات الخيار، ومنهم من قال:
إِنَّه مخالف لقوله تعالى: ﴿فَأُعْتَدُواْ عَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
فإذن يعلُّ الحديث بذلك(١).
وقال محمد بن شجاع فيما نقله الطحاوي: نسخه حديث: ((البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا))(٢).
فلمَّا قطع بالفرقة الخيار ثبت بذلك أنْ لا خيار لأحد بعد هذا،
إلَّا ما استثناه الشارع في قوله: ((إلَّا بيع الخيار))(٣) ثم أفسده
الطحاوي بأنَّ الخيار المجعول في المصراة خيار عيب، وخيار العيب
لا تقطعه الفرقة(٤)، وهو كما قال ابن حزم: صحَّ عن ابن مسعود:
((من اشترى محفلة فليرد معها صاعًا من تمر))(٥) وصحَّ أيضًا عن أبي
هريرة من فتياه، ولا مخالف لهما من الصحابة في ذلك، وعن زفر:
يردها وصاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر. وقال ابن أبي
ليلى في أحد قوليه، وأبو يوسف: يردها وقيمة صاع من تمر. وقال
(١) ((التمهيد)) ١٨/ ٢٠٧ - ٢٠٩، ٢١٤ - ٢١٥ بتصرف.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ١٩/٤ والحديث سلف برقم (٢٠٧٩) باب: إذا بيّن البيعان
ولم یکتما ونصحا.
(٣) سلف برقم (٢١١١) باب: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.
(٤) ((شرح معاني الآثار)) ١٩/٤.
(٥) سلف برقم (٢١٤٩).

٣٨٧
كِتَابُ البُيُّوع
أبو حنيفة ومحمد: إنْ كان اللبن حاضرًا لم يتغير ردها ورد اللبن، ولا يرد
معها صاع تمر ولا شيئًا، وإن كان قد أكله لم يكن له ردها، لكن يرجع
بقيمة العيب فقط(١).
وعن داود: لا يثبت الخيار بتصرية البقر؛ لأنها ليست مذكورة في
الحدیث.
قلت: فيه: ((من باع محفلة)) كما تقدم، وهو أعم.
وعند المالكية: لو ردَّ عين اللبن لم يصح ولو اتفقا؛ لأنه بيع الطعام
قبل قبضه.
وقال سحنون: إقاله، فإنْ تعذرت ففي الاكتفاء بصاع قولان
عندهم، ولو ردت بعيب غيره ففي الصاع قولان لهم.
ونقل ابن عبد البر عن مذهب الشافعي وأحمد تعدد الصاع في
(٢)
الأولى(٢).
تنبيهات :
أحدها: أكثر أصحاب مالك أنَّ التصرية عيب خلافًا لبعض
متأخریهم، ذكره ابن التين.
ثانيها: في الحديث أربعة أدلة للجمهور نهيه القليئة عنها، وهي عيب،
وجعل الخيار لمبتاعها، وإيجابه الصاع من التمر، وعندهم لا يجب،
وأن اللبن له قسط من الثمن.
ثالثها: في ((المدونة)) أنه إذا حلبها ثالثة، فإن كان ما تقدَّم أختيارًا
فهو رضا، وقال مالك: له ذلك(٣). وقال محمد: يلزمه. وقال عيسى:
(١) ((المحلى)) ٦٧/٩.
(٣) ((المدونة)) ٢٨٧/٣.
(٢) ((التمهيد)» ١٨/ ٢١٧.

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
يحلف في الثالثة ما كان رضي بها.
رابعها: أنفرد أحمد بقوله: إذا حلبها له الأرش ولا رد، فخالف
النص، وانفرد ابن أبي ليلى وأبو يوسف فقالا: يرد قيمة ما حلب من
اللبن.
خامسها: في الحديث أنَّ بيع شاة لبون بمثلها غير جائز؛ لأنَّ اللبن
يأخذ قسطًا من الثمن، قاله الخطابي(١).
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٠٥٢.
وورد في هامش الأصل ما نصه: فرع: يتعدد الصاع بتعدد المصراة كما نقله ابن
قدامة عن الشافعي. قال بعض أشياخي: ولم أره في كلام أشياخنا يعني الشافعية.

٣٨٩
ـ كِتَابُ البُيُوع
٦٦- باب بَيْعِ العَبْدِ الزّاني
وَقَالَ شُرَيْحٌ(١): إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا.
٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المقْبُرِيُّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ
زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِئَةَ
فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلِ مِنْ شَعَرٍ)). [٢٢٣٤، ٦٨٣٩ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٣٦٩]
٢١٥٣ - ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَئِدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: ((إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ
فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَذْرِي بَعْدَ الثَّالِئَةِ
أَوِ الرَّابِعَةِ. [٢٢٣٢ و٢٢٣٣ و٢٥٥٥ و٢٥٥٦ و٦٨٣٧ و٦٧٣٨ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩]
وعن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا زَنَتِ
الأَّمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ،
ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِئَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ)).
وعنه وزيد بن خالد أنه وَّرَ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ،
قَالَ: ((إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا
وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِفَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
الحديثان في ((الصحيح))(٢).
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.
(٢) الحديث الأول سيأتي برقمي (٢٢٣٤، ٦٨٣٩)، ورواه مسلم (١٧٠٣)، والحديث
الثاني سيأتي بأرقام (٢٢٣٢ - ٢٢٣٣، ٢٢٥٥ - ٢٥٥٦، ٦٨٣٧ - ٦٨٣٨)، ورواه
مسلم (١٧٠٤).

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وفي رواية أيوب بن موسى: ((فليجلدها الحد))(١).
قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا ذكر فيه الحد غيره(٢).
وقال الدار قطني: رواه ابن جريج وعدَّد جماعة، فقالوا: عن سعيد،
عن أبي هريرة، لم يذكروا أبا سعيد(٣).
وفي مسلم كذلك (٤) وذكره البخاري في كتاب المحاربين متابعة من
جهة إسماعيل ابن أمية(٥).
قال الدارقطني: والمحفوظ حديث الليث يعني عن سعيد عن أبيه في
الكتاب(٦).
وقوله: (ولم تحصن): قال الطحاوي: لم يقل هذِه اللفظة غير مالك
عن الزهري.
قال ابن عبد البر: رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب،
كما رواه مالك. قال: وتابع مالكًا على هذا السند يونس بن يزيد
ويحيى بن سعيد، ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، عن
الزهري، عن عبيد الله، عن شبل بن حامد المزني أنَّ عبد الله بن
مالك الأوسي أخبره أنَّ رسول الله وَّهِ سُئل عن الأمة .. الحديث،
(١) رواها مسلم (١٧٠٣/ ٣١)، وستأتي برقم (٢٢٣٤)، ورواها مسلم (١٧٠٣ / ٣٠)
من طريق الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٢) ((التمهيد)) ٩ / ٩٧ - ٩٨.
قلت: كلا توبع أيوب على ذكر الحد، كما سلف تخريجه.
(٣) ((علل الدارقطني)) ٣٧٦/١٠ - ٣٧٨، و((الإلزامات والتتبع)) ص١٣٦ - ١٣٧.
(٤) مسلم (١٧٠٣ / ٣٠).
(٥) ستأتي بعد حديث (٦٨٣٩) كتاب: الحدود، باب: لا يثرب على الأمة.
(٦) ((علل الدارقطني)) ٣٧٨/١٠.

٣٩١
= ڪِتَابُ البُيُّوع
إلَّا أنَّ عقيلًا وحده قال: مالك بن عبد الله، وعكس آخرون، وكذا قال
يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن شبل به، فجمع الإسنادين جميعًا
فيه، وانفرد مالك بإسناد واحد عند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري،
فيه أيضًا إسناد آخر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن
خالد وشبل أنَّه التَيْفُ سُئل عن الأمة إذا زنت .. الحديث، هكذا قال ابن
عيينة في هذا الحديث جعل شبلًا مع أبي هريرة وزيد، فأخطأ وأدخل
إسناد حديث في آخر، ولم يتم حديث شبل. قال أحمد بن زهير:
سمعت يحيى يقول: شبل لم يسمع من رسول الله وَّير شيئًا، وفي
رواية: ليست له صحبة، يقال: شبل بن معبد، وشبل بن حامد، روى
عن عبد الله بن مالك، عن رسول الله وَلقر، قال يحيى: وهذا عندي
أشبه. وقال محمد بن یحیی النيسابوري: جمع ابن عيينة في حديث:
أبا هريرة وزيد بن خالد وشبلًا، وأخطأ في ضمه شبلاً إلى أبي هريرة
وزيد، في هذا الحديث، وإن كان عبيد الله بن عبد الله قد جمعهم فيه،
فإنه رواه عن أبي هريرة وزيد عن رسول الله وَله، وعن شبل، عن
عبد الله بن مالك، عن رسول الله وَل﴿ فترك ابن عيينة حديثه، وضم
شبلًا إلى أبي هريرة وزيد وجعله حديثًا واحدًا، وإنما ذا حديث وذاك
حديث، وقد ميزهما يونس بن يزيد، وتفرد معمر ومالك بحديث أبي
هريرة وزيد، وروى الزبيدي وابن أخي الزهري وعقيل حديث شبل
فاجتمعوا على خلاف ابن عيينة، كذا قال محمد بن يحيى: إن مالكًا
ومعمرًا أنفردا بحديث أبي هريرة وزيد، وقد تابعهما يحيى بن سعيد
الأنصاري(١).
(١) ((التمهيد)» ٩/ ٩٤ - ٩٦ بتصرف.

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: قد خرجه البخاري أيضًا من طريق صالح بن كيسان، عن ابن
شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد(١)، فذكره(٢).
وصححه الترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة (٣).
ورواه النسائي وأدخل بين الأعمش وأبي صالح، حبيب بن أبي
ثابت (٤). وأخرجه من حديث الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة في
الرابعة أو الثالثة ببيعها ولو بضفير، وقال: هذا خطأ (٥).
قلت: وروى أيضًا من حديث عمارة بن أبي فروة، عن ابن شهاب،
عن عروة وعمرة، عن عائشة مرفوعًا: ((إذا زنت الأمة)) الحديث، ذكره
ابن عبد البر، ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن حميد، عن أبي
هريرة، وهذان خطأ(٦).
وروي أيضًا من حديث أبي جميلة عن علي أنه القيّ أُخبر بأمة
فجرت، فأرسلني إليها فقال: ((أقم عليها الحد))، ثم قال: ((أقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم)) أخرجه ابن أبي شيبة (٧)، وممن كان
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وذكر فيه: ولم تحصن.
(٢) سيأتي برقمي (٢٢٣٢ - ٢٢٣٣) باب: بيع المدبر.
(٣) الترمذي (١٤٤٠).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٤/ ٢٩٩ (٧٢٤٢).
(٥) السابق ٣٠١/٤ (٧٢٥٥).
(٦) ((التمهيد)» ٩٨/٩.
(٧) ((المصنف)) ٤٨٧/٥ (٢٨٢٦٧).
ورواه أيضًا أبو داود (٤٤٧٣)، وأحمد ١/ ٩٥، ١٤٥، وعبد الله بن أحمد ١/
١٣٥، ١٣٥ - ١٣٦، والبزار فى ((البحر الزخار)) ١٦/٣ (٧٦٢)، والنسائي في
(«الكبرى» ٣٠٤/٤ (٧٢٦٨ - ٧٢٦٩)، وأبو يعلى في («مسنده)) ٢٧١/١ (٣٢٠)،
والمزي في ((تهذيب الكمال)) ١٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
جميعًا من طريق عبد الأعلى عن أبي جميلة، عن علي، به.
=

٣٩٣
- كِتَابُ البُيُّوع
يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن عمر
وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار -قاله عبد الرحمن بن
أبي ليلى- وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي وأبو ميسرة(١).
إذا عرفت ذلك فمعنى: ((تبين زناها)) أي: ثبت بالبينة أو بالإقرار
أو بالحبل على خلفت فيه، والأمة: المملوكة، وجمعها إماء، وإموان.
وفقه الباب: الحض على بيع العبد الزاني، والندب إلى مباعدة
الزانية.
ومعنى قوله: ((بحبل من شعر)): المبالغة في التزهيد فيها، وليس هذا
من وجه إضاعة المال؛ لأنَّ أهل المعاصي نحن مأمورون بقطعهم
ومنابذتهم.
والضفير: هو الحبل المضفور، فعيل بمعنى مفعول، تقول: ضفرته
إذا فتلته. وقال ابن فارس: هو (حَبْك)(٢) الشعر وغيره عريضًا(٣). وهو
مثل تضربه العرب للتقليل، مثل لو منعوني عقالًا ولو فرسن شاة، ولم
يذكر الحد في الثالثة اكتفاءً بما تقدم من تقرره ووجوبه، وقد قال
تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥].
ورواه ابن أبى شيبة أيضًا ٧/ ٢٨٠ (٣٦٠٧٧) مختصرًا.
=
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٧٣٦، ١١٣٧ - ١١٣٨،
١٢٣٠): إسناده ضعيف. وضعفه العلامة الألباني في ((الإرواء)) (٢٣٢٥).
والحديث رواه مسلم (١٧٠٥) بنحوه موقوفًا.
(١) رواه عنهم جميعًا ابن أبي شيبة ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨ (٢٨٢٦٨ - ٢٨٢٧٠، ٢٨٢٧٢-
٢٨٢٧٨).
(٢) كذا بالأصل، وفي ((المجمل)) ٢ / ٥٦٤: نسجك.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٢ / ٥٦٤.

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يعني بالعذاب: الجلد، لأنَّ الرجم لا ينتصف، وإحصان الأمة
إسلامها عند مالك والكوفيين والشافعي وجماعة كما نقله عنهم ابن
القطان، وقيل: معناه: لم تعتق فيزول بالعتق، وقيل: معناه: ما لم
تتزوج، وقد اختلف فيه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]
هل هو الإسلام أو التزويج -فتحد المزوجة وإن كانت كافرة، قاله
الشافعي- أو الحرية.
وحديث علي: ((أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم
يحصن)). أخرجه مسلم موقوفًا (١) والنسائي مرفوعًا (٢)، فتُحد الأمة على
أي حالة كانت، ويعتذر عن الإحصان في الآية فإنه أغلب حال الإماء،
وزعم أبو عمر أن من قرأ (أحصن) بالفتح فمعناه: تزوجن وأسلمن، ومن
ضم قال: زوجن(٣).
ومعنى ((لا يثرب)): لا يلومن ولا يعذبن بعد الجلد، ويؤيده أنَّ توبة
كعب بن مالك(4)، ومن فرَّ يوم حنين حين تاب الله عليهم(٥)، كانت شرفًا
لهم، ولم تكن لهم ملامة، فبان أنَّ اللوم والتثريب لا يكون إلَّا قبل التوبة
أو الجلد.
وقال الخطابي: معناه لا يقتصر على تعييرها وتوبيخها دون
الجلد(٦)، ولا شك أنَّ الإكثار من اللوم يزيل الحياء والحشمة،
(١) مسلم (١٧٠٥) كتاب: الحدود، باب: تأخير الحد عن النفساء.
(٢)
(«السنن الكبرى)» ٣٠٤/٤ (٧٢٦٨) وقد تقدم بنحوه.
(٣) ((التمهيد)) ٩٨/٩.
سيأتي حديثه هذا مطولاً برقم (٤٤١٨)، ورواه مسلم (٢٧٦٩).
(٤)
(٥)
خبرهم في سورة التوبة [٢٥ - ٢٦].
(٦) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٠٥٣.

٣٩٥
ـ كِتَابُ البُيُوع
وغالب أحوال العبيد عدم الاندفاع باللوم، بخلاف الحر.
العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة (١)
وأوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت، والأمة
كلها على خلافه، وكفى بقولهم جهلا خلاف الأمة له.
واختلف العلماء في العبد إذا زنى، هل الزنا عيب يجب رده به
أم لا؟
فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق
وأبي ثور. وقال الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب.
وقال الكوفيون: هو في الجارية عيب لأنها تستولد دون الغلام،
وكذلك ولد الزنا عيب يرد به.
وقال مالك: إذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب، وإنما جعل الزنا
عيبًا؛ لأنه ربما بلغ الحد به مبلغ تلف النفس، وإنَّ المنايا قد تكون من
القليل والكثير، وإذا صح أنَّه عيب وجب على البائع إعلامه، فإذا رضي
به صح البيع كسائر العيوب، وإذا لم يبِّنه كان للمبتاع رده إن شاء.
فإن قلت: فما معنى أمره العقلية ببيع الأمة الزانية والذي يشتريها يلزمه
من اجتنابها، ومباعدتها ما يلزم البائع.
فالجواب: أنَّ فائدة ذلك -والله أعلم - المبالغة في تقبيح فعلها،
وإعلام أنَّ الأمة الزانية لا جزاء لها إلَّا البيع أبدًا، وأنها لابقاء لها
عند سيد، وذلك زجر لها عن معاودة الزنا وأدب بالغ، ولعل الثاني
يعفها بالوطء، أويبالغ في التحرز عليها أو يزوجها أو يصونها بهيبته،
أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، وأشباه ذلك.
(١) من قول الشاعر: خلف بن خليفة الأقطع. من شعراء العصر الأموي.

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وهل يجلدها السيد أم لا؟
قال مالك والشافعي وأحمد: نعم، وخالف أبو حنيفة فقال: لا يقيمه
إلَّا الإمام بخلاف التعزير، أحتج في ((الهداية)) بحديث ((أربع إلى الوالي))
فذكر منها الحدود(١)، ولا نعلمه(٢).
وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أو لا؟
فيه روايتان عند المالكية، ومنهم منْ فرَّق بين المزوجة فلا يقيمه
السيد، وغيرها فيقيمه، وفي الحديث أنَّ الأمة لا تُرجم وإن كانت
مزوجة، وأنَّ الزاني إذا حد ثم زنى ثانيًا حد أيضًا.
واستنبط بعضهم من قوله: ((ولو بضفير))، جواز البيع بالغبن، لأنه
بيع حقير بثمن يسير، وليس بجيد؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنما هو
مع الجهالة من المغبون، وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض
فلا يختلف فيه؛ لأنه عن علم منه ورضا، فهو إسقاط لبعض الثمن
لاسيما والحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة.
وأجمع فقهاء الأمصار أنَّ العبد في الحد كالأمة.
وانفرد أهل الظاهر فقالوا بجلده مائة، عملًا بظاهر القرآن، لكنهم
خالفوا ظاهره في الأمة؛ فإنهم نصفوا عملًا بالآية الأخرى ﴿فَعَلَيْهِنَ
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وزعم بعضهم فيما حكاه الطحاوي(٣) أنَّ قوله: (ويجلدها) على
التأديب لا الحد، ويحتمل أنَّ الله تعالى أعلم نبيه أنَّ حد الإماء إذا
(١) ((الهداية)) ٣٨٥/٢.
(٢) وأورده الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣/ ٣٢٦ وقال: غريب.
وتبعه الحافظ فقال في ((الدراية)) ٩٩/٢: لم أجده.
(٣) في ((شرح معاني الآثار)) ٣/ ١٣٧.

٣٩٧
- كِتَابُ البُيُوع
زنين قبل الإحصان جلد خمسين، فأعلم بذلك الناس.
وكان الشطر فيهن بعد الإحصان بالتزويج ما هو أغلظ من ذلك إذ
كان هو المفعول بالقياس على الحرائر، ثم أبان الله جل وعز أنَّ
حكمهن بعد الإحصان كحكمهن فيه تخفيفًا ورحمة بقوله: ﴿فَإِذَآ
أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] الآية.
تنبيهان :
أحدهما: تردد ابن شهاب (لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة)، قد جزم
المقبري أنه في الثالثة، كما ذكره البخاري أولًا.
ثانيهما: سقوط الرجم عن الأمة بالإجماع بين العلماء كما أدعاه ابن
التین، وكان قتادة یری زواج المملوك إحصانًا له، وبه قال أبو ثور.
قال: واختلفوا إذا زنت المملوكة ولا زوج لها، فروي عن ابن
عباس لا حد لها(١). وقرأ ﴿أُحْصِنَ﴾ بضم الهمزة، وقال أكثر العلماء:
تجلد وإن لم تزوج ومعنى الإحصان فيهن الإسلام وعليه قرأه ﴿أَخْصِنَّ﴾
بفتح الهمزة(٢)، وقيل: على هذا أيضًا تزوجن، واحتج بقوله تعالى:
﴿ُحْصِنِينَ غَيّرَ مُسَفِحِينٌ﴾ [النساء: ٢٤](٣).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥/ ٤٨٩ (٢٨٢٨٨).
(٢) قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي في ((الكشف عن وجوه القراءات السبع))
١/ ٣٨٥: قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد، وقرأ الباقون بضم
الهمزة وكسر الصاد. وانظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٣/ ١٥٠ - ١٥١.
(٣) تتمة هامة: تعليق شريح المذكور أول الباب - والذي فات المصنف رحمه الله ذكر
من وصله- وصله سعيد بن منصور كما في ((تغليق التعليق)) ٢٥٢/٣: ثنا هشيم: أنا
هشام، عن ابن سيرين أن رجلًا اشترى من رجل جارية كانت فجرت، ولم يعلم
بذلك المشتري، فخاصمه إلى شریح، فقال: إن شاء رد من الزنا.
قال في ((الفتح)) ٣٦٩/٤: إسناده صحيح.

٣٩٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦٧ - باب البَيْعِ وَالشَّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ
٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ
عَائِشَةُ رضي الله عنها دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِّهه
(اشْتَرِي وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنَ العَشِيِّ، فَأَثْنَى
عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أُنَاسِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابٍ
اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ،
شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩]
٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ
إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الؤَلَاءَ. فَقَالَ النَّبِيُّ
وََّ: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قُلْتُ لِنَافِعِ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا؟ فَقَالَ: مَا
يُذْرِينِي. [٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٧٠]
ذكر فيه حديث عائشة في شرائها بريرة من طريقين.
وشيخ البخاري في الثاني حسَّان بن أبي عباد، واسمه حسَّان(١)(٢)،
فهو أبو علي حسَّان بن حسَّان، من أفراد البخاري، قال أبو حاتم: مُنكر
الحديث(٣). قال الكلاباذي: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين(٤).
في هامش الأصل: فى ((الكاشف)»: وقال البخاري: كان المقرئ يثني عليه.
(١)
أي اسم أبي عباد: أبو حسان.
(٢)
(٣)
((الجرح والتعديل» ٢٣٨/٣.
نقله عنه محمد بن طاهر المقدسي في كتاب ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٩٤/١.
(٤)
فائدة: ذكر ابن عدي في كتابه ((أسامي من روى عنهم البخاري في جامعه الصحيح))
ص ١١٧ : حسان بن حسان البصري (٧٢) رجل، وحسان بن أبي عباد البصري
(٧٣) رجل، فجعلهما أثنين. وهو وهم منه- رحمه الله- لأنهما رجل واحد.
=

٣٩٩
كِتَابُ البُيُوع
صرح بذلك الحافظ مغلطاي في ((إكمال تهذيب الكمال)) ٤/ ٦١ (١٢٥٩)،
=
والحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٣٨١/١ وقال في ((الفتح)) ٣٧٠/٤: وحسان، وقع
عند المستملي: ابن أبي عباد، وعند غيره: حسان بن حسان، وهما واحد.
وقال في موضع آخر ٧/ ٣٥٥: حسان بن حسان، هو أبو علي البصري، ويقال
أيضًا: حسان بن أبي عباد، ووهم من جعله أثنين.
وهو ما قرره أبو عبد الله الحاكم في كتاب ((المدخل إلى الصحيح)) ٢٣٠/٢ في
سياقه لذكر أسامي من أخرج البخاري ومسلم حديثهم في ((الصحيح)، فقال:
وأخرج البخاري وحده (٦٣٦) حسان بن أبي عباد. ولم يذكر الآخر، فجعلهما
واحدًا.
وأما عن طعن أبي حاتم فيه وقوله: منكر الحديث.
فرأيت الحافظ -رحمه الله - ترجمه في ((هدي الساري)) ص ٣٩٦ في الفصل
التاسع: في سياق أسماء من طعن فيه من رجال البخاري، والجواب عن هذِه
الاعتراضات. فقال: حسان بن حسان، وهو حسان بن أبي عباد البصري، ثم ذكر
كلام أبي حاتم، وقال: روى عنه البخاري حديثين فقط، أحدهما في المغازي،
والآخر في كتاب الحج. اهـ بتصرف.
وتعقب بأن البخاري أخرج له ستة أحاديث، ليس حديثين فقط، في كتاب العمرة
(١٧٧٨)، وكتاب البيوع (٢١٥٦)، وكتاب الوصايا (٢٧٤٦)، وكتاب المغازي
(٤٠٤٨)، وكتاب التفسير ٤٩٦٠)، وكتاب الاستئذان (٦٢٩٦).
وورد في هامش (م) في هذا الموضع:
قال ابن الرفعة في ((الكفاية)): استنكار بعضهم إذنه في اشتراط الولاء ومنعه منه بعد
ذلك، وأجيب بأن قوله العفيها: ((اشترطي بهم)) المراد به: عليهم، كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾، وقيل: معناه: اشترطي أو لا تشترطي فهو لاغٍ لا يضر
شرطه ولا تركه.
وقيل: أذن فيه ثم منعه؛ ليكون أقطع لعادتهم. كما روي أنهم كانوا لا يرون جواز
الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فأمرهم الفنية بالإحرام بالحج في أشهر الحج،
فأحرموا به، ثم أمرهم بفسخ الإحرام بالحج بالعمرة للمبالغة في رجوعه عمّا كانوا
يعتقدون منعه. وعلى هذا التأويل يكون هذا الشرط خاصًّا في بيع بريرة لا غير،
واختاره العمراني.

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
والأُمَّة مجمعة على أنَّ المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها جائزًا لها
أمرها أنَّ لها أنْ تبيع وتشتري، وليس لزوجها عليها في ذلك اعتراض،
فإنْ كان في البيع محاباة قصدت إليها، فالمحاباة كالعطية، وقد اختلف
العلماء في عطيتها بغير إذن زوجها، وقد سلف في الزكاة.
وفي قوله: ((اشتري وأعتقي)) بعد أن ذكرت له استشارة الزوج.
وفيه: الاستثناء قبل النقل.
وفيه: إذن الشارع لها في الأشتراء.
وفيه: دلالة أنها أعلمته قبل الشراء، وهو دليل على بعض المالكية
القائلين هو بيع فاسد، وأنها أبتاعت عن غير علمه، وقرنت البيع بالعتق.
ففيه: أنَّ البيع الفاسد يفوت بالعتق عنده، والحديث يرده.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ملكت بالقبض في هذا العقد الفاسد ملكًا
تامًا ومذهبه مثلنا، إلَّا أنه قال: يرد المبيع بيعًا فاسدًا مع النماء المنفصل
والمتصل، وإذا وطئ غرم الأرش.
وقال الشافعي: لا تأثير للقبض في البيع الفاسد، وبه قال سحنون
في الحرام البين، وانفصلت الشافعية بوجوه: منها: أنَّه يجوز أنْ يكون
هذا الشرط تقدم العقد، وإنما تفسد المقارنة.
وقيل: إن قوله: ((واشترطي لهم الولاء)) غير محفوظ في الحديث، وإنما رويت
=
هذِه الزيادة من طريق هشام بن عروة، ولم يتابع عليها.
كذا حكاه البغوي وغيره. وفي (الذخائر)) أن بعض الناس فال: إنما وقع البيع على
نجوم كتابها. والجديد أنه لا يصح بيع المكاتب، وأجب عن ذلك بأن بريرة
أظهرت العجز، فعجزها أهلها، وفسخوا العقد بإقدامهم على بيعها، والفسخ
يحصل بالبيع أو مجمل ذلك، وهي قضية عين.