النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كِتَابُ البُيُوع = ٥٥- باب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ٢١٣٥ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ وَلِِّ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْن عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ مِثْلَهُ. [انظر: ٢١٣٢ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٣٤٩/٤] ٢١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالٌِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ بَهِ قَالَ: ((مَنِ أَبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). زَادَ إِسْمَاعِيلُ: ((مَنِ أَبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِْعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). [٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٩] ذكر فيه حديث ابن عباس: أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ بِّهِ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ. وحديث ابن عمر: (مَنِ أَبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْبِعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). زَادَ إِسْمَاعِيلُ: ((مَنِ أَبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). الحديثان في مسلم أيضًا(١)، وحديث ابن عمر تكرر. وقوله: (زاد إسماعيل) يعني ابن أبي أويس عن مالك، ولو عبّر بقوله: وقال إسماعيل لكان أحسن، وقد أعترضه الإسماعيلي فقال ردًّا عليه: قد قاله أيضًا الشافعي وقتيبة وابن مهدي عن مالك(٢). (١) رواهما مسلم برقمي (١٥٢٥، ١٥٢٦) كتاب: البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض. (٢) فائدة: قال الحافظ في ((الفتح)» ٣٥٠/٤: قول البخاري: زاد إسماعيل، يريد الزيادة في المعنى؛ لأن في قوله: (حتى يقبضه) زيادة في المعنى على قوله: (حتى = ٣٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: ((فلا يبيعه)) قال ابن التين: كذا وقع، ولفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩١ [الواقعة: ٧٩] وبؤَّب ابن بطّال باب بيع ما ليس عندك، وذكر فيه حديث مالك (م. الأربعة) بن أوس عن، عمر المذكور في الباب قبله فقط، ثم ترجم: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، ثم ذكر حديث ابن عباس وابن عمر فيه (١)، والأمر قريب، والعمل بهُذِه الأحاديث واجب ولم يختلف أحد من العلماء في ذلك - أعني: في الطعام إذا بيع على كيل أو وزن أو عدد- إلَّا عثمان البتي كما سلف، وعنه أيضًا أنَّه أجاز بيع الطعام المسلّم فيه قبل قبضه وهو مردود. = يستوفيه)؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلًا، وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذِه الراوية زيادة. اهـ قلت: كذا قال الحافظ ووجه قول البخاري. لكن تعقبه العيني في ((العمدة)) ٣٤٦/٩ فقال: قال بعضهم. وذكر كلام الحافظ، ثم قال: قلت: الأمر الذي ذكره بالعكس؛ لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض، من حيث أنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الإقباض في الجملة، ولا يقال له: استوفاه. حتى يقبض الكل، بل المراد بهذه الزيادة زيادة رواية أخرى وهو (يقبضه)؛ لأن الرواية المشهورة: حتى یستوفیه. اهـ. قلت: أرى العيني -رحمه الله تعالى- قد أصاب في هذا الموضع. ويدل لذلك أيضًا أن الحافظ أورد هذا الموضع في ((انتقاض الاعتراض)) ٧٣/٢ وذكر كلامه الذي في ((الفتح))، وتعقب العيني له، وسكت، وفيه قرينة على الإقرار والموافقة. (١) (شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٦٠-٢٦٢. ٣٢٣ كِتَابُ البُيُّوع = واختلف المذهب عندهم في مسائل هل يجري فيها هذا الحكم، كالخضروات والفلفل وغير ذلك، ولا يجوز بيع ما ليس عندك ولا في ملكك وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة والعروض كلها، لنهيه العقلية عن ذلك. وروي النهي عن بيع ما ليس عندك وربح ما لم تضمن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث حكيم بن حزام أيضًا، لكن لم يكن إسناده من شرط الكتاب، وإنْ كان الأول صححه الترمذي والحاكم(١)، والثاني صححه الترمذي وحسَّنه (١) ((سنن الترمذي)) (١٢٣٤)، ((مستدرك الحاكم)) ١٧/٢. ورواه أيضًا أبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي ٧/ ٢٨٨، وابن ماجه (٢١٨٨) من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا. هكذا وقع الإسناد عند النسائي وابن ماجه والحاكم، ووقع عند أبي داود والترمذي: حدثنا أيوب، حدثنا عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو. لذا قال السهيلي: هذه رواية مستغربة عند أهل الحديث جدًّا؛ لأن المعروف عندهم أن شعيبًا إنما يروي عن جده عبد الله لا عن أبيه محمد؛ لأن أباه محمدًا مات قبل جده عبد الله، فقف على هذِه التنبيهة في هذا الحديث، فقل من تنبه إليها. ((الروض الأنف)) ٢٥٤/٣. وقال المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ١٥٧/٢ - ١٥٨: ومن روايات عمرو بن شعيب المستغربة. وذكرها وذكر كلام السهيلي. وقال الحافظ المزي في (تهذيب الكمال)) ١٢/ ٥٣٦: هكذا قال غير واحد أن شعيبًا يروي عن جده عبد الله، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد بن عبد الله والد شعيب هذا ترجمة إلا القليل، فدل ذلك على أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيح متصل إذا صح الإسناد إليه. وحديثنا هذا قال عنه الحاكم: حديث على شرط جملة من أئمة المسلمين، صحيح. وأقره المصنف -رحمه الله- في ((البدر)) ٦/ ٥٠٠ وصححه عبد الحق في ((الأحكام)) ٢٣٩/٣ - ٢٤٠. = ٣٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- البيهقي(١) فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس(٢)، وبه یزول اعتراض ابن التين عليه حيث قال: بوَّب له ولم يأتِ فيه إلا بهذين الحديثين، وذلك يدخل في باب بيع ما ليس عندك. فالمعنى: ما يكون = وقال النووي في (المجموع) ٤٦٤/٩: حدیث صحیح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وصححه أيضًا شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى» ٢٩/ ٣٣٤ و٨٤/٣٠، ١٦٢ . والحديث ذكره الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)) ٢/ ١٤ وذكر تصحيح الترمذي وابن خزيمة. وكذا الحافظ ابن حجر في ((بلوغ المرام)) (٨٢١) وزاد تصحيح الحاكم، وسكتا فكأنما أقرا صحته. وحسنه الألباني -رحمه الله- في «الإرواء)) (١٣٠٥ - ١٣٠٦). (١) ((سنن الترمذي)) (١٢٣٢)، ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣١٣/٥ من طريقين: فرواه الترمذي من طريق أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام. ومن هذا الطريق رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والنسائي ٢٨٩/٧، وابن ماجه (٢١٨٧). وهو حديث صححه ابن دقيق العيد على شرط الشيخين في ((الاقتراح)) ص٩٩ . وصححه المصنف في ((البدر المنير) ٤٤٨/٦، ٤٨٩، والألباني في ((الإرواء)) (١٢٩٢). أما البيهقي فرواه في الموضع الذي حسنه فيه من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام، به. ومن هذا الطريق رواه ابن حبان ٣٥٨/١١ (٤٩٨٣) وقال: هذا الخبر مشهور عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، ليس فيه ذكر عبد الله بن عصمة، وهذا خبر غريب. ومن هذا الطريق ضعفه عبد الحق في ((الأحكام)) ٢٣٨/٣ فقال: عبد الله بن عصمة ضعيف جدًّا. وابن التركماني في ((الجوهر)) ٣١٣/٥. قلت: والحديث صح من الطريق الأول، وإن كان في إسناده اختلاف كما قال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)» ١١/٢ وانظر مزيد تفصيل فيه في (البدر المنير)) ٦/ ٤٤٨- ٤٥٢. (٢) في الباب السابق. ٣٢٥ = ڪِتَابُ البُيُوع في ملكك غائبًا من النقدين لا يجوز بيع غائب منها بناجز، وكذلك البرُّ والتمر والشعير لا يُباع بشيء من جنسه، إلا بطعام مخالف لجنسه ولا يدًا بيدٍ، لقوله: ((وإلا هاء وهاء)) يعني: خذ وأعط؛ إحاطة من الله تعالى الأصول الأموال وحرزًا لها، إلا ما رخصت السُّنة بالجواز من بيع ما ليس عندك، ومن ربح ما لم يضمن وهو السلم، فجوزت فيه ما ليس عندك، ومن ربح مما يكون في الذمة من غير الأعيان؛ توسعة من الله تعالى لعباده ورفقًا بهم، وأيضًا إذا امتنع بيع المبيع قبل قبضه فما ليس في ملكه أولى بالمنع. وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين، كما قال ابن المنذر: أحدهما: أن تقول: أبيعك عبدًا أو دارًا مغيبة عني في وقت البيع، فلعل الدار أنْ تتلف ولا يرضاها، وهذا يشبه بيع الغرر. الثاني: أنْ تقول: أبيعك هُذِه الدار بكذا على أنْ أشتريها لك من صاحبها، أو على أنْ يسلمها لك صاحبها، وهذا مفسوخ على كل حال، لأنه غرر، إذ قد يجوز ألا يقدر على تلك السلعة أولا يسلمها إليه مالكها، قال: وهذا أصح القولين عندي، لأني لا أعلمهم يختلفون أنه يجوز أنْ أبيع جارية رآها المشتري، ثم غابت عني وتوارت بجدار، وعُقد البيع، ثم عادت إليَّ، فإذا أجاز الجميع هذا البيع لم يكن فرق بين أنْ تغيب عني بجدار، أو يكون بيني وبينها مسافة وقت عقد البيع. وقال غيره: ومن بيع ما ليس عندك العينة، وهي دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بأن تقول: أبيعك بالدراهم التي سألتني سلعة كذا، ليست عندي أبتاعها لك، فبكم تشتريها مني؟ فيوافقه على الثمن ثم يبتاعها ويُسلمها إليه، فهُذِه العينة المكروهة، وهي بيع ما ليس عندك، وبيع ٣٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ما لم تقبضه، فإن وقع هذا البيع، فسخ عند مالك في مشهور مذهبه وعند جماعة من العلماء. وقيل للبائع: إنْ أعطيت السلعة أبتاعها منك بما أشتريها جاز ذلك، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذي أبتاعها. وقد روي عن مالك: أنه لا يفسخ البيع، لأنَّ المأمور كان ضامنًا للسلعة لو هلكت. قال ابن القاسم: وأحب إليَّ لو تورَّع عن أخذ ما زاده عليه. وقال عيسى بن دينار: بل يفسخ البيع إلّا أنْ تفوت السلعة فيكون فيها القيمة(١). وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز والعراق، كما قال ابن بطال(٢)، قال: وأجمع العلماء أنَّ كل ما يُكال أو يُوزن من الطعام كله مقتاتًا أو غيره، وكذلك الإدام والملح والكسبر وزريعة الفجل الذي فيها الزيت المأكول، فلا يجوز بيع شيء منه قبل قبضه، ومعنى النهي عن بيعه قبل قبضه عند مالك فيما بيع مكايلة أو موازنة لما فيها بيع منه جزافًا على ما سلف. واختلفوا في بيع العروض قبل قبضها، فذهب ابن عباس وجابر إلى أنه لا يجوز بيع شيء منها قبل قبضه قياسًا على الطعام، وهو قول الكوفيين والشافعي(٣)، وحملوا نهيه القيّمة عن ربح ما لم يضمن على العموم في كل شيء، إلّا الدور والأرضين عند أبي حنيفة، فأجاز (١) أنظر: ((المنتقى)) ٣٩/٥. (٢) (شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٦٢. (٣) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤١/٣، ((البيان)) ٦٨/٥. ٣٢٧ = كِتَابُ البُيُوع بيعها قبل قبضها ؛ لأنها لا تنقل ولا تحول، وحمل مالك نهيه عن ربح ما لم يضمن عن الطعام وحده دون العروض والحيوان، فإنَّ ربحها حلال؛ لأنَّ بيعها قبل استيفائها حلال. قال ابن المنذر: والحجة لهذا القول أنَّه التَّ إنما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه خاصة، فدل أنَّ غير الطعام ليس كالطعام، ولو لم يكن كذلك لما كان في تخصيصه الطعام فائدة، وقد أجمعوا أنَّ من اشترى جارية وأعتقها في تلك الحال قبل قبضها أنَّ عتقه جائز، فكذلك البيع -قلت: لا، فالشارع متشوف إلى فك الرقاب- وقال أبو ثور كقول مالك(١). تنبيهات وفوائد: الأول: قال الحميدي فيما حكاه أبو نعيم الأصبهاني: قال سفيان: حديث مالك بن أوس أصح حديث روي في الصرف(٢). وخالف أبو الوليد ابن رشدٍ فقال: أصحها عندي حديث أبي سعيد الخدري(٣) - يعني الآتي بعد (٤)، وكذا قاله أبو عمر ابن عبد البر (٥). ثانيها: قوله: «الذهب بالذهب ربًا)» کذا وقع هنا من طريق عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك. (١) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣. والعبارة الاعتراضية الأخيرة هي من قول المصنف رحمه الله. (٢) ذكره الحميدي في ((مسنده)) ١٥٤/١. (٣) ((بداية المجتهد)) ١٢٨٥/٣. (٤) سيأتي برقم (٢١٧٦ - ٢١٧٧)، ورواه مسلم (١٥٨٤). (٥) ((الاستذكار)) ١٩/ ١٩٧ - ١٩٨. ٣٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وروى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك: ((الذهب بالورق)) (١) وكذا رواه معن وجماعة عن مالك(٢). وقال ابن أبي شيبة: أشهد على ابن عيينة أنَّه قاله كذلك(٣)، ولم يقل: ((الذهب بالذهب)) يعني: في حديث ابن شهاب هذا، ورواه ابن إسحاق عن الزهري كما في الكتاب بزيادة (والفضة بالفضة))(٤)، وكذا رواه أبو نعيم عن ابن عيينة، ولم يقله أحد عن ابن عيينة غيره، وكذا رواه الأوزاعي عن مالك(٥). ثالثها: في البيهقي من حديث مجاهد، عن ابن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما هذا عهد نبينا وَل ◌ّ إلينا، ثم قال: قال الشافعي: هذا خطأ. ثم ساقه بإسناده إلى أن قال: هذا عهد صاحبنا إلينا، ثم قال الشافعي: يعني بصاحبنا: عمر بن الخطاب(٦). واعترضه أبو عمر فقال: هذا غير جيد من الشافعي على أصله، (١) ((الموطأ)) ص ٣٩٤. (٢) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦/ ٢٨٢ من طريق معن بن عيسى وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع، ثلاثتهم عن مالك عن الزهري عن مالك بن أوس، به. ورواه أبو داود (٣٣٤٨) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك بن أنس، به. ورواه ابن حبان ٣٨٦/١١- ٣٨٧ (٥٠١٣) من طريق أحمد بن أبي بكر، عن مالك، به . (٣) رواه أيضًا ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦/ ٢٨٣. (٤) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨٣/٦. (٥) ((التمهيد)) ٢٨٣/٦ ورواية ابن إسحاق رواها الدارمي ٣/ ١٦٧٩ - ١٦٨٠ (٢٦٢٠). (٦) ((السنن الكبرى)) ٥/ ٢٧٩. ٣٢٩ كِتَابُ البُيُوع = والأظهر أنَّ (صاحبنا) أراد به الشارع لا عمر، ثم قال: والناس لا يسلم أحد منهم من السهو (١). قلت: الواهم هو، فإن نافعًا قال: إنَّ ابن عمر لم يسمع من رسول الله ◌َّر في الصرف شيئًا -كما رواه البيهقي وبيَّنْه- إنما سمعه من أبيه (٢) وأبي سعيد(٢). رابعها: من الروايات الباطلة في حديث ابن عمر: (ونهى عن الزبيب بالزبيب)، نبه على ذلك ابن عدي(٣). قاعدة أذكرها هنا تتعلق بحديث مالك بن أوس في الباب قبله وببقية أبواب الربا الآتية ويحال ما بعد عليها: وهي أنَّ الإجماع قائم على أنَّ الذهب عينه وتبره سواء لا تجوز المفاضلة فيه، وكذا الفضة بالفضة ومصوغ ذلك ومضروبه، وهو خلف عن سلف، إلّا شيء يروى عن (١) ((التمهيد)) ٢٤٨/٢. (٢) ((السنن الكبرى)) ٢٧٩/٥. وقال في ((معرفة السنن والآثار)) ٣٨/٨ (١١٠٤٠): هو كما قال الشافعي؛ فالأخبار دالة على أن ابن عمر لم يسمع في ذلك من النبي ◌َّر شيئًا، ثم قد يجوز أن يقول هذا عهد نبينا وَل﴿ إلينا، وهو يريد إلى أصحابه بعد ما ثبت له ذلك عن النبي ◌َل10 في حديث أبي سعيد الخدري وغيره. (٣) روى ابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ٢٤٠ في ترجمة لوذان بن سليمان (١٦٢٠) من طريقه عن هشام بن عروة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة أن يباع تمر حائط نخل في رءوسها بتمر كيلاً ... وفيه: وأن يباع تمر كرم بزبيب كيلا ... الحديث. فهذا لفظه. وروى أيضًا ١٤٩/٨ في ترجمة معاوية بن عطاء بن رجاء (١٨٨٩) من طريقه عن سفيان الثوري: ثنا منصور عن زر، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي وَله ينهي عن الصرف ويقول: ((الذهب بالذهب ... )) وفيه: ((والزبيب بالزبيب ... )) الحديث. باللفظ الذي ذكره المصنف، لكنه عن عمر، لا عن ابنه. والله أعلم. ٣٣٠ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح معاوية من وجوه أنَّه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ، وكان يُجيز في ذلك التفاضل، ويذهب إلى أنَّ الربا لا يكون التفاضل إلَّا في التبر بالتبر، والمصوغ بالمصوغ، وفي العين بالعين(١). والسُّنة المجمع عليها بنقل الآحاد والكافة خلاف ما كان يذهب إليه معاوية، وقام الإجماع على تحريم الربا في الأعيان الستة المنصوص عليها: الذهب، والفضة، والبرُ، والشعير، والتمر، والملح(٢). واختلفوا فيما سواها، فعند أهل الظاهر وقبلهم مسروق وطاوس والشعبي وقتادة، وعثمان البتي فيما ذكره المازري(٣) إلى أنَّه يتوقف التحريم عليها، وأباه سائر العلماء وقالوا: بل يتعدى إلى ما في معناها. فأمَّا الذهب والفضة ففي علتها قولان: أحدهما: أنَّ العلة كونهما قيم الأشياء غالبًا، قاله الشافعي(٤). ثانيهما: أنَّ العلة الوزن في جنس واحد فألحق بها كل موزون، قاله أبو حنيفة. وأمَّا الأربعة الباقية ففيها تسع مذاهب غير مذهب أهل الظاهر: أحدها: أنها الانتفاع، تعدى إلى كل ما ينتفع به، قاله أبو بكر بن كيسان الأصم، فيما حكاه القاضي الحسين. ثانيهما: أنها الجنسية، قاله ابن سيرين والأودي من أصحابنا، فحرم كل شيء بيع بجنسه، كالتراب بالتراب متفاضلًا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٩٨/٤. (٢) أنظر: ((مراتب الإجماع)) لابن حزم ص ١٥١. (٣) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٥٠٤/١. (٤) انظر: ((البيان)) ١٦٣/٥. ٣٣١ ـ كِتَابُ البُيُّوع ثالثها: أنها المنفعة في الجنس، قاله الحسن البصري، فيجوز عنده بیع ثوب قیمته دینار بثوبین قیمتهما دینار، لا بثوب قیمته دیناران. رابعها: أنها تفاوت المنفعة في الجنس، قاله سعيد بن جبير، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير؛ لتفاوت منافعهما، وكذلك الباقلاء بالحمص، والدخن بالذرة. خامسها: أنها كونه جنسًا تجب فيه الزكاة، قاله ربيعة، فحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما، ونفاه عما لا زكاة فيه. سادسها: أنها الاقتيات والادخار، وهو مذهب مالك، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم. سابعها: أنها كونه مكيل جنس أو الوزن مع جنسين، وهو مذهب أبي حنيفة، فحرم الربا في كل مكيل وإن لم يؤكل كالحمص والنورة والأشنان، ونفاه عما لا يُكال ولا يُوزن وإن كان مأكولًا كالسفرجل والرمان. ثامنها: أنَّ العلة الطعم فقط، سواء كان مكيلًا أو موزونًا أم لا، وهو مذهبنا، وإليه ذهب أحمد وابن المنذر. تاسعها: أنها المطعوم الذي يكال أو يوزن، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وقول قديم للشافعي. ونفوه عما لا يؤكل ولا يُشرب، أو يؤكل ولا يوزن كالسفرجل والبطيخ. ومحل بسط أدلة المذاهب كتب الخلاف والفروع، واتفقوا على أنَّ من شرط الصرف أنْ يكون ناجزًا، واختلفوا في حده، فقال أبو حنيفة ٣٣٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح والشافعي: ما لم يفترقا. وقال مالك: إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا. وهذِه متعلقات به: فإنَّ البخاري فرق أبوابه. الأولى: سيأتي في باب بيع الشعير بالشعير: فتراوضنا. يعني: زدت أنا ونقص هو. وفيه: أصطرف مني(١)، أفتعل من الصرف، والأصل أصترف بالتاء، والذهب ربما أنث لغة حجازية، القطعة منه ذهبة، والجمع: أذهاب وذهوب، قاله كله في ((المنتهى)). وقال الأزهري(٢): لا يجوز تأنيثه إلَّا أن يجعل جمعًا لذهبة. وعن صاحب ((العين)): الذهب: التبر، والقطعة منه ذهبة تُذكر وتؤنث(٣). وعن ابن الأنباري: الذهب أنثى، وربما ذكر. وعن الفراء: وجمعه ذهبان. ثانيها: أسلفنا في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، الكلام على ((هاء وهاء)). وقال صاحب ((العين)): هو حرف مستعمل في المناولة، تقول: هاء وهاك، وإذا لم تجئ بالكاف مددت، فكانت المدة في هاء خلفًا من كاف المخاطبة (٤). وعن الفراء: أهل نجد يقولون: ها يا رجل، وأهل نجد بنصبها كقول أهل الحجاز، وبعضهم يجعل مكان الهمزة كافّا. وفي ((المنتهى)): هاء بالهمز والسكون. وفي ((الجامع)): فيه لغات: بألف ساكنة وهمزة (١) سيأتي برقم (٢١٧٤). (٢) ((تهذيب اللغة)) ٢/ ١٢٩٧ (ذهب). (٣) ((العين)) ٤/ ٤٠ - ٤١. (٤) ((العين)) ٤ / ١٠٢. ٣٣٣ ـ كِتَابُ البُيُوع مفتوحة، وهو اسم للفعل، ولغة أخرى: ها يا رجل، فتحذف التاء للجزم، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت، فيقول: ها يا رجل. وذكر السيرافي فيها سبع لغات. ثالثها: قوله: (سواء بسواء)(١). قال ابن التين: ضبط في غير أمِّ بالقصر، وهو في اللغة ممدود مفتوح السين: أي المماثلة في المقادير. وقوله هناك في باب بيع الفضة بالفضة: ((ولا تشفُّوا بعضها على بعض))(٢). الشف: النقصان والزيادة، شفَّ يشفُّ شفًّا: زاد، وأشف يشف: إذا نقص، والاسم منه الشَّف والشِّف. قال ابن التين: أراد في الحديث: لا تزيدوا بعضها على بعض ولا تنقصوا، وكأن الزيادة أولى إلَّا أنَّه عداه بعلى، و(على) مختصة بالزيادة، و(عن) مختصة بالنقصان، ولا يصح حمله على النقص مع (على) إلَّا على مذهب من يجيز بدل الحروف بعضها من بعض، فيجعل (على) موضع (عن) وفيه بعد. رابعها: الربا يقع في التبايع إمَّا بالزيادة أو بالنسيئة، فالزيادة لا تكون إلّا في الجنس الواحد كالذهب بالذهب مثلًا، بخلاف النسيئة فإنها قد تكون فيه وفي الجنسين كالذهب بالورق وعكسه نسيئة، وهذان الأمران حرام عند الشافعي، وبه قال عامة الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة كذلك في النقدين، وقال فيما عداهما : يجوز التفرق قبل القبض، فأجاز فيها النسيئة. (١) في الرواية الآتية برقم (٢١٧٥). (٢) سيأتي برقم (٢١٧٧). ٣٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وذهب جماعة من الصحابة إلى أنَّ الربا إنما هو في النسيئة خاصة، فأمَّا في التفاضل فجائز إذا كان يدًا بيدٍ، حكي ذلك عن ابن عباس وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وعبد الله بن الأثير والبراء بن عازب، واختلف عن ابن عباس؛ ففي مسلم أنَّ أبا سعيد قال له: أرأيت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله وَلقر، أو شيء وجدته في كتاب الله؟ فقال: لا ولأنتم أعلم برسول الله وَل مني، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أنَّ رسول الله وَّير قال: ((إنَّ الربا في النسيئة))(١). وسيأتي في البخاري أيضًا(٢). وفي رواية الأثرم عنه أنه قال: ما أنا بأقدمكم صحبة ولا أعلمكم لكتاب الله، ولكني سمعت زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان: سمعنا رسول الله وقليل يقول: ((لا يصلح بيع الذهب والفضة إلَّا يدًا بيدٍ))، فقال أبو سعيد: إنما سمعته يقول: ((مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربا)). وعند الترمذي(٣) وابن المنذر والأثرم: أنه رجع إلى قول الجماعة. قال ابن التين: ورواية ابن عباس عن أسامة إنْ كانت محفوظة، فيحتمل أنْ يكون سمع بعض الحديث فحكى ما سمع، وذلك أن يكون التّ سُئل عن الذهب بالفضة، أو الشعير بالتمر فقال: ((إنما الربا في النسيئة)». ورد الخطابي قول من زعم النسخ، لأنَّه لم يكن مشروعًا قط حتى نسخ، وهذا مما غلط فيه كثير من العلماء، يضعون التحريم موضع النسخ (١) مسلم (١٥٩٦) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٢) سيأتي برقم (٢١٧٨ - ٢١٧٩) باب: بيع الدينار بالدينار نساء. (٣) الترمذي بعد حديث (١٢٤١) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الصرف. ٣٣٥ كِتَابُ البُيُّوع = لمن يقول: شرب الخمر منسوخ ولم يكن شربه مشروعًا قط، وإنما كانوا يشربونها على عادتهم المتقدمة قبل الحظر(١). ولابن حزم من طريق حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز: قال عبد الله لأبي سعيد: جزاك الله خيرًا ذكرتني أمرًا قد كنت أنسيته، فأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه بعد ذلك(٢). ورواه الطبري بلفظ: فلقيه أبو سعيد فقال: يا ابن عباس ألا تتقي الله حتى متى تؤكل الناس الربا!؟ ثم ساق الحديث يدًا بيد، مثلًا بمثل، فما زاد فھو ربا)». قال ابن حزم: حيان عن أبي مجلز لا حجة فيه؛ لأنه منقطع لم یسمعه من أبي سعید ولا من ابن عباس، قال: وقد روي رجوعه، سليمان بن علي الربعي وهو مجهول لا يدرى من هو، عن أبي الجوزاء، وروى عنه أيضًا أبو الصهباء أنه کرهه، وروى عنه طاوس ما يدل على (التوقف)(٣)، وروى عنه الثقة المختص به خلاف هذا، ثم روى بإسناده إلى سعيد بن جبير عنه أنَّه قال: ما كان الربا قط (هاك وهاك)(٤)، وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه عبد الله حتى مات(٥) وفي حديث سعيد عن أبي صالح قال: صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف. وعن سعيد بن جبير: سألت ابن (١) ((أعلام الحديث)) ١٠٦٨/٢. (٢) ((المحلى)) ٤٧٩/٨. (٣) في الأصل: (الثقة) والصواب المثبت إن شاء الله. (٤) في ((المحلى)) ٤٨٣/٨: في هاء وهات. (٥) ((المحلى)) ٨/ ٤٨٢- ٤٨٣. ٣٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف، فكان يأمر به ولم ير به بأسًا (١). قال ابن حزم: وفي حديث أبي مجلز عن ابن عباس الذي أسلفناه (وكذلك ما يُكال ويوزن) هُذِه اللفظة مدرجة من كلام أبي سعيد ثم أوضحه؛ لأنه لما تم كلام رسول الله وسلم قال أبو مجلز: وكذا ما يُكال، مفصولًا عن الحديث الأول(٢). وروى الأثرم في البيوع عن الحسن البصري: لو لم يرجع عنه لما التفت إليه. فائدة: ذكر محمد بن أسلم قاضي سمرقند في كتاب ((الربا)»: أنَّ من الاحتيال في الربا إذا قال: اشتر هذا حتى أشتريه منك، وأسند عن ابن عمر كراهته، وعن إبراهيم أيضًا. وسماه الحسن: المواضعة وكرهه، وكذا طاوس. قال محمد بن أسلم: ولقد كره الحسن وابن سيرين أن يشتري الرجل التجارة ويحملها إلى منزله، فيضعها في بيته يبتغي بها من يشتريها بالنسيئة. (١) بمعناه رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١١٨/٨ (١٤٥٤٩) وفيه: بستة وثلاثين ليلة. (٢) ((المحلى)) ٨/ ٤٨٣. = كِتَابُ البُيُوع ٣٣٧ ٥٦- باب مَنْ رَأى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُتْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالأَدَبِ فِي ذَلِكَ ٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي سَالمُ بنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ لَّ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا - يَعْنِي: الطَّعَامَ - يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُثْوُوهُ إِلَىْ رِحَالِهِمْ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٥٠] ذكر فيه حديث ابن عمر: رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ لَيه يَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي: الطَّعَامَ - يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُتْوُوهُ إِلَىْ رِحَالِهِمْ. هذا الحديث سلف في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، مع الكلام عليه(١). (١) سلف برقم (٢١٣٣). ٣٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٥٧- باب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ البَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَالَ ابن عُمَرَ: مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيَّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ. ٢١٣٨ - حَذَّثَنَا فَزْوَةُ بْنُ أَبِيِ المغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُشْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتٍِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ إِلَّ يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرِ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الَدِينَةِ لَمْ يَرُغْنَا إِلَّ وَقَدْ أَتَانًا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ◌ََّ فِي هذِهِ السَّاعَةِ إِلَّ لأَمَرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: ((أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ الهِ، إِنَّمَا هُمَا ابنتَايَ. يَغْنِي: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ. قَالَ: ((أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ؟)). قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الصُّحْبَةَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَذْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِخْدَاهُمَا. قَالَ: ((قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ)). [انظر: ٤٧٦ - فتح: ٤/ ٣٥١]. ثم ساق حديث عائشة: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى رسول اللهِ وَّل إِلَّ يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَىِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ .. الحديث. وفي آخره إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: ((قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ)». وشيخ البخاري فيه فروة بن أبي المغراء، معدي كرب الكوفي، وروى الترمذي عن رجل عنه مات سنة خمس وعشرين ومائتين(١). (١) أنظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٢٣/ ١٧٨ (٤٧٢١). ٣٣٩ ـ كِتَابُ البُيُوع وأثر ابن عمر سلف(١)، وصححه ابن حزم(٢)، ولا مخالف كما قال ابن المنذر، فهو كالإجماع. وحديث عائشة سلف في الصلاة مطولًا(٣). وقد اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل أنْ يقبض، فذهب أبو حنيفة والشافعي أنَّه من ضمان البائع. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: من ضمان المشتري. وفرَّق مالك بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام، وما يغاب عليه فهو من ضمان البائع. قال ابن القاسم: لأنَّه لا يعرف هلاكه ولا بينة عليه، ويتهم أن يكون ندم فيه فغيبه، وأمَّا الدواب والحيوان والعقار فمن المشتري. وبالأول قال سعيد بن المسيب وربيعة والليث فيمن باع عبدًا واحتبسه بالثمن وهلك في يده قبل أنْ يأتي المشتري بالثمن ، وأخذ به ابن وهب، وكان مالك قد أخذ به أيضًا. (١) عنى المصنف - رحمه الله- بقوله: سلف، أنه سلف ذكره وقد سلف ذكر هذا الأثر في شرح حديثي (٢١١٥ - ٢١١٦) باب: إذا اشترى شيئًا فوهب ... ولم يعن أنه سلف في ((صحيح البخاري)) فلينتبه لذلك. وأقول: الأثر وصله الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٦/٤، والدار قطني ٣/ ٥٣- ٥٤، والحافظ في ((التغليق)) ٢٤٢/٣ - ٢٤٣ من طريق الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر، به. (٢) ((المحلى)) ٨/ ٣٨٣. وقال في ٣٦٤/٨- ٣٦٥: قول ابن عمر الثابت عنه، وذكره. وقال الحافظ في ((التغليق)» ٢٤٣/٣: موقوف صحيح الإسناد. وصححه أيضًا العلامة الألباني في ((الإرواء)) (١٣٢٥). (٣) سلف برقم (٤٧٦) باب: المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس. ٣٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال سليمان بن يسار: هو من المشتري، سواء حبسه البائع ومنعه من الثمن أم لا. ورجع إليه مالك. احتج الأولون بفساد بيع الصرف قبل القبض، فدل أنه من ضمان البائع، ولا خلاف أنَّ من اشترى طعامًا مكايلة فهلك قبل القبض في يد البائع أنه من البائع، فكذا ما سواه قياسًا، والشارع قد نهى عن بيع ما لم يقبض، لأنه لم يضمن. وفرَّق غيرهم بين الصرف وبين ما نحن فيه بانتفاء حق التوفية هنا. قيل: وإنما نهى عن بيع ما لم يقبض إذا لم يضمن بدليل إتلاف المشتري، فإنه قبض. ووجه استدلال البخاري بحديث عائشة هنا أنَّ قوله الََّة: ((قد أخذتها)) في الناقة لم يكن أخذًا باليد، ولا بحيازة شخصها، وإنما كان التزامه؛ لأنه باعها بالثمن وإخراجها من ملك أبي بكر؛ لأنَّ قوله: ((قد أخذتها)) يوجب أخذًا صحيحًا وإخراجًا للناقة من ذمة الصديق إليه بالثمن الذي يكون عوضًا عنها، فهل يكون الضياع أو التصرف بالبيع قبل القبض إلَّ لصاحب الذمة الضامنة لها؟ وفيه من الفقه: إخفاء السر في أمر الله ك إذا خشي من أهل العصر. وفيه: أنَّ الصديق أوثق الناس عند رسول الله وَّر، وأنه من أمنٌّ الناس عليه في صحبته وماله؛ لأنه لم يرغب بنفسه عنه في حضر ولا سفر ولا استأثر بماله دونه. ألا ترى أنه أعطاه إحدى ناقتیه بلا ثمن فأبى إلّا به، وسره حتى تكون الهجرة خالصة لله. وفي استعداد الصديق الناقتين دلالة على أنه أفهم الناس لأمر الدين، لأنه أعدهما قبل أن ينزل الإذن بالهجرة، لأنه قبل ذلك رجا أنه لابد أن