النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كِتَابُ البُيُوع شرع من قبلنا. وكذا قوله: (((كِلْ لِلْقَوْم)). فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ) وجابر هو الغارم عن أبيه، وهو لائح؛ لأن من باع شيئًا مسمّى ومقدارًا معروفًا من طعام فعليه أن يعينه ويميزه مما سواه، وكذلك من أبتاع بدراهم موزونة معلومة يعطيها للبائع فعليه الوزن والانتقاء، كذا قاله ابن بطال معللًا بأن عليه تعيين ما باعه من الدراهم بالسلعة (١). وعندنا أن مؤنة الكيل على البائع، ووزن الثمن على المشتري. وفي أجرة النقاد وجهان، وينبغي أن تكون على البائع، وأجرة النقل المحتاج إليها في تسليم المنقول على المشتري صرح به المتولي، وقال بعض أصحابنا: على الإمام أن ينصب كيَّالًا ووزَّانًا في الأسواق ويرزقهما من سهم المصالح، ثم إذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين وجب عليه العدل وحرم عليه التطفيف. والأولى للباذل أن يزيد يسيرًا للاحتياط، وللبائع إن تولاه أن ينقص یسیرًا. قال الغزالي: وكل من خلط مع الطعام ترابًا أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة بها فهو من المطففين، وكذا إذا جرَّ البزاز الثوب مع الذراع عند بيعه لغيره. وقال ابن التين: ومعنى ( ((إِذَا أَبْتَعْتَ فَاكْتَلْ)) ) أي: أستوف كما سلف، ليس أن الكيل على البائع والكيل على المشتري، وهذا تضاد لو كان هكذا. وحديث جابر: فيه: الشفاعة في وضع بعض الدين. وفيه: تأخير الغريم بمقدار ما لا يضر بأهل الدين، وكان غرماؤه يهود فلم يشفعوا رسول الله ﴿ كما سيأتي(٢). (١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٥٢. (٢) برقم (٥٤٤٣). ٣٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ومعنى ( ((صَنِّفْ تَمْرََكَ أَصْنَافًا))): أعزل كل صنف على حدة. والعجوة: أحد أنواع تمر المدينة. ( (وَعَذْقَ زَيْدٍ))) بفتح العين. نوع من التمر رديء كعذق ابن حبيق(١). و(العَذْقُ) بفتح العين: النخلة، ويكسرها: الكباسة. وفيه: الإرسال إلى رسول الله وَ﴿ أن يأتي الموضع الذي وعد أن یأتیه. وفيه: جواز الجلوس على التمر. وقوله: ( ((كِلْ لِلْقَوْم)) ) فيه: أن الكيل على البائع كما قدمناه؛ لأنه يوفي عن أبيه، فصار كأَنه البائع، ولهذا أتى به البخاري هنا. وقوله: (وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء): هو من أعلام نبوته، وظهور بركته حين مشى في المجد. وفيه: أن بعض الورثة يقوم مقام بعض. ومعنى ( ((جُذَّ لَهُ)) ) أي: أقطع، وفي رواية أخري: سألهم رسول الله وَالج* أن يقبضوا تمر حائطي ويبرئوه(٢). فائدة: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له بيعه حتى يقبضه (٣)، واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب : (١) روى مالك في ((الموطأ)) ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أنه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذق ابن حبیق .. (٢) ستأتي برقم (٢٣٩٥) کتاب: الاستقراض، باب: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز. (٣) ((الإجماع)) لابن المنذر (٥٤٤). ٣٠٣ كِتَابُ البُيُوع = أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن، وهو قول ابن عباس(١). ثانيها: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون. قاله عثمان بن عفان وابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق(٢). ثالثها: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأراضي، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف(٣). رابعها: مثله، إلا المأكول والمشروب، قاله مالك وأبو ثور. وفي رواية ابن وهب عن مالك: في دون الخضروات. وقال عثمان البتي يجوز بيع كل شيءٍ قبل قبضه، وهو مصادم للنصوص(4). (١) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٨٢/٥، ((المجموع)» ٣٢٧/٦. (٢) انظر: ((المغني)) ١٨٨/٦، ١٨٩. (٣) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ١٨٢/٥. (٤) انظر: ((المنتقى)) ٣٢/٥. ٣٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٥٢- باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ ٢١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ اِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ)). [فتح: ٤ /٣٤٥] ذكر فيه حديث ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِیگرِبَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: ((كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكَ لَكُمْ فيه)). هذا الحديث من أفراده. و(ثَوْر) (خ. الأربعة) هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي من أفراده، أما ثور (ع) بن زيد الديلي، فاتفقا عليه. وأخرجه ابن ماجه من حديث بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن المقدام، عن أبي أيوب، فجعله من مسند أبي أيوب (١). ورواه إسماعيل بن عياش، عن بحير به(٢)، وقال الدارقطني في ((علله)): القول قول بحير لأنه زاد(٣). وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث إسماعيل بن عياش عن محمد بن عبد الرحمن الحمصي، عن عبد الله بن بسر(٤). وقال البيهقي: رواه أبو الربيع الزهراني، عن ابن (١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣٢). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٢١/٤ (٣٨٥٩)، وفي ((مسند الشاميين)) ١٧١/٢ (١١٢٩) من طريق إسماعيل عن بقية عن بحير. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢١٧/٥ من طريق إسماعيل عن بحير، كما ذكره المصنف. (٣) ((علل الدارقطني)) ١٢١/٦ - ١٢٢ (١٠٢١). (٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣١) وجاء عنده: محمد بن عبد الرحمن اليحصبي، وهنا قال المصنف: الحمصي، وكلاهما صواب فاسمه كما ترجمه المزي في ((تهذيب = ٣٠٥ كِتَابُ البُيُوع = المبارك، عن ثور، عن خالد، عن جبير بن نفير، عن المقدام. أخرجه من طريق الإسماعيلي عن المنيعي عنه(١). وكذا ذكره الإسماعيلي في (مستخرجه)) من حديث أبي الربيع كذلك. وفي ((علل ابن أبي حاتم)) عن أبيه: هذا الصحيح؛ لأن ثورًا زاد رجلًا، وهو أشبه بالصواب (٢). أما فقه الباب: فالكيل مندوب فيما ينفقه المرء على عياله؛ والسر فيه معرفة ما يقوته ويستغله، وقد ندب الشارع إليه معللًا بالبركة، ويحتمل أنهم كانوا يأكلون بلا كيل فيزيدون في الأكل، فلا يبلغ بهم الطعام إلى المدة التي كانوا يتقدرونها، فندبهم الشارع إليه؛ أي: أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله تعالى من البركة في مُدِّ أهل المدينة بدعوته. وقال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هُذِه البركة للتسمية عليه؛ فإن قلت: هذا معارض بما ذكرته عائشة: كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى كال علي، فكلته ففني (٣). فالجواب: أن معناه أنها كانت تخرج قوتها بغير كيل، وهي متقوتة باليسير، فيبارك لها فيه مع بركته العفيفى الباقية عليها وفي بيتها، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى، وقيل أيضًا: إنه معارض بما روي أنه الكتف دخل على حفصة فوجدها تكتال، فقال = الكمال)) ٢٥/ ٦١٦ (٥٤٠٣): محمد بن عبد الرحمن بن عرق اليحصبي، أبو الوليد الشامي الحمصي. فهو يحصبي وحمصي، فلينتبه لذلك. (١) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٣٢/٦. (٢) ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٧٧/١ (١١٢٨)، ٣٨٨/١ (١١٦٤). (٣) سيأتي برقم (٣٠٩٧) كتاب: فرض الخمس، باب نفقة نساء النبي بعد وفاته، ورواه مسلم (٢٩٧٣) كتاب: الزهد والرقائق. ٣٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == (لا توكي يوك الله عليك)) (١)، قالوا: قال ذاك في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق، أما إذا كان على معنى المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب، وقد كان الشارع يدخر لأهله قوت سنة، ولم يكن ذلك إلا بعد معرفة الكيل. وقال المحب في ((أحكامه)): أنها كالته ناظرة إلى مقتضى العادة، ولو قصدت البركة في كيلها لانخرقت لها العادة، ويشبه هذا قول أبي رافع: وهل للشاة إلا ذراعان (٢). أو يحمل الأول على القبض أولًا ثم تلف عنه بعد، أو يحمل الأول على ما إذا أراد أدخاره، فإنه إذا كاله بعد شك في الإجابة. فائدة: في الحديث النظر في المعيشة خير من بعض التجارة، ويقال: ما عال من اقتصد(٣). (١) سلف برقم (١٤٣٣) وفيه أنه قال ذلك لأسماء، لا لحفصة! رضي الله عنهما. (٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١/ ٣٩٣، وأحمد ٨/٦ والطبراني ١٣٢٥/١ (٩٧٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع قال: صنع لرسول الله وَلفر شاة مصلية ... الحديث. قال العلامة الألباني -رحمه الله- في (المشكاة)) (٣٢٧): سنده ضعيف. ورواه أحمد ٣٩٢/٦ من طريق أبي جعفر الرازي عن شرحبيل، عن أبي رافع مولى رسول الله ◌َ* قال : .. الحديث. قال الألباني في ((المشكاة)) (٣٢٧): سنده ضعيف، لكن يتقوى بالذي قبله. ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٢٠٣/٦ - ٢٠٤ (٣٤٣٤)، والطبراني ٢٤ (٧٦١) من طريق فضيل بن سليمان عن فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: حدثني عبيد الله أن جدته سلمى أخبرته أن النبي ◌َّم بعث إلى أبي رافع بشاة ... بنحوه. وللحديث طرق أخرى، يستغنى عنها بما ذُكر، وانظر: ((مجمع الزوائد)) ٣١١/٨. (٣) قلت: هو حديث مرفوع رواه أحمد ١/ ٤٤٧، والشاشي في ((مسنده)) ١٦٢/٢ = ٣٠٧ = كِتَابُ البُيُوع وقال أبو الدرداء: من فقهك عويمر إصلاحك معيشتك(١). (٧١٤)، والطبراني في ((الكبير)) ١٠٨/١٠ - ١٠٩ (١٠١١٨)، وفي («الأوسط)) ١٥ == ٢٠٦ (٥٠٩٤)، وابن عدي في ((الكامل)) ٤ / ٥٤٤، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٥٥/٥ (٦٥٦٩) من طريق سُكين بن عبد العزيز العبدي، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَار: ((ما عال من اقتصد)». وهو حديث ضعيف؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٢/١٠: فيه: إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. وقال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله- في تعليقه على ((المسند)) (٤٢٦٩): إسناده ضعيف؛ لضعف الهجري. وفي الباب عن ابن عباس وأنس بن مالك. أما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في ((الكبير)) ١٢/ ١٢٣ (١٢٦٥٦)، وفي ((الأوسط)) ٨/ ١٥٢ (٨٢٤١)، وأبو الشيخ الأصبهاني في ((الأمثال في الحديث)) (٨٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ٥/ ٢٥٥ (٦٥٧٠ - ٦٥٧١) من طريق خالد بن يزيد، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلقوله: ((ما عال مقتصد قط)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠/ ٢٥٢: رجاله وثقوا، وفي بعضهم خلاف. وحديثا ابن مسعود وابن عباس كلاهما ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٤٥٩). وأما حديث أنس بن مالك فرواه الطبراني في ((الأوسط)) ٦/ ٣٦٥ (٦٦٢٧)، وفي ((الصغير)) ٢/ ١٧٥ (٩٨٠)، ومن طريقه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ٧/٢ (٧٧٤) من طريق النعمان بن بشير، عن عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس، عن أبيه، عن جده، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وصله: ((ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد)». وهذا الحديث أوهى من سابقيه فقد قال الهيثمي ٩٦/٨: رواه الطبراني في ((الأوسط)) و(الصغير)) من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، وكلاهما ضعيف جدًا. وضعفه الحافظ كما في ((الفتوحات الربانية)) ٩٤/٥. وكذا العيني في ((عمدة القاري)) ٢٤١/٦، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢٢٠٥)، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٦١١): موضوع. (١) رواه أحمد ١٩٤/٥، والطبراني في ((مسند الشاميين)) ٣٥٢/٢ - ٣٥٣ (١٤٨٢)، = ٣٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ٥٣- باب بَرَكَةٍ ضَاعِ النَّبِيِّ وَهِ ومدِّه فِيهِ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ. ٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ نَخِيَیُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَِّیم الأنَّصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمٌ مَّةَ، وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكّةً، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ الَّيْ لَمِّكَّةَ)). [مسلم: ١٣٦٠ - فتح: ٣٤٦/٤] ٢١٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَیی طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌َّ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكُ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ)). يَغْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ. [٦٧١٤ ، ٧٢٣١ - مسلم: ١٣٦٨ - فتح: ٤ / ٣٤٧] وذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: ((أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ... )) الحديث. وحديث أنس: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ)). يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ. = وابن عدي في ((الكامل)) ٢/ ٢١١، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٥٤/٥ (٦٥٦٥) من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّير أنه قال: ((من فقه الرجل رفقه في معيشته)) وعند بعضهم بلفظ: ((من فقهك رفقك في معيشتك)». وأعل الهيثمي الحديث في ((المجمع)) ٤/ ٧٤ بأبي بكر فقال: رواه أحمد، وفيه: أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط. ورواه ابن الأعرابي في ((المعجم)) ١٠٩١/٣ (٢٣٥١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ٢١١ من طريق فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء، قوله. والحديث أورده الألباني مرفوعًا وموقوفًا في ((الضعيفة)) (٥٥٦) وضعفه. أما اللفظ الذي ذكره المصنف -رحمه الله- والذي ظاهره أن أبا الدرداء يعظ نفسه؛ لأن أبا الدرداء اسمه عويمر، فلم أجده، والله أعلم. ٣٠٩ كِتَابُ البُيُّوع = ويأتي في الاعتصام أيضًا، وكفارة الأيمان(١)، وأخرجه مسلم والنسائي في المناسك(٢) فيه الدعاء بالبركة، فيما ذكر وهو علم من أعلام نبوته، فما أكثر بركته، وكم يؤكل منه ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله. والمراد بالبركة في المد والصاع: ما يكال بهما، وأضمر ذلك لفهم السامع، وهذا من باب تسمية الشيء بما قرب منه، وكان مد أهل المدينة صغيرًا؛ لقلة الطعام عندهم فدعا لهم بالبركة في طعامهم، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاءً لبركة دعوته والاستنان بأهل البلد الذي دعا لهم. وقد أسلفنا الكلام في حرم المدينة آخر الحج، والخلاف في الجزاء في قتل صيدها. وفي الحديث: المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل (مكة)(٣)، وهو أصل لكل مكيل وموزون، وإنما يأتم الناس فيهما، ثم ألا ترى أن التمر يكال في المدينة ويوزن في كثير غيرها، والسمن عندهم موزون ویکال في كثير غيرها. (١) في كفارات الأيمان برقم (٦٧١٤). وفي ((الاعتصام)) برقم (٧٣٣١) باب ما ذكر النبي ◌َّ وحض على أتفاق أهل العلم. (٢) مسلم (١٣٦٨) كتاب: الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي ◌َّز، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٤ (٤٢٦٩). (٣) في (ج): المدينة. ٣١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٥٤- باب مَا يُذْكَرُ في بَيْعِ الطَّعَامِ وَالْحُكْرَةِ ٢١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوَزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ الذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ نُجَازَفَةٌ، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُتْوُوهُ إِلَىْ رِحَالِهِمْ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٣٤٧/٤] ٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ، عَنِ ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ نَهَىْ أَنْ تَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَاً. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُزْجَئون [التوبة: ١٠٦]: مُؤَخَّرُونَ.] [٢١٣٥ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٤ / ٣٤٧] ٢١٣٣ - حَدَّثَنِي أَبَوِ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَّرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا بَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). [انظر: ٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٣٤٧/٤] ٢١٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنَ الغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ الذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ. فَقَالَ: أَخْبَرٍَّ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)). [٢١٧٠، ٢١٧٤- مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٣٤٧/٤] ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ: رَأَيْتُ الذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةٌ، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهَ حَتَّى يُتْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. وحديث ابن عباس: نَهَى رسول الله وَّهِ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأُ. ٣١١ - كِتَابُ البُيُوع وحديث ابن عمر: (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). وحديث مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)). وذكر مثله في البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير. الشرح: هُذِهِ الأحاديث كلها في مسلم أيضًا(١) وسلف بعضها، منها حديث (٢) ابن عمر(٢). ورواه -أعني: حديث مالك- ابن حزم من طريق ابن وهب بإسقاط عمر، ثم قال: مالك لا يعرف له سماع من رسول الله وَّلقر وفي إسناده مجهول وكذاب(٣)، وعنى بالمجهول: جبير بن أبي صالح، لكن وثق(٤)، ومالك هذا هو النصري بالنون والصاد المهملة، أدرك الجاهلية، وقيل: له صحبة، ولا يصح، وإن ذكرها أبو نعيم وأبو عمر وغيرهما(٥)، (١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم برقم (١٥٢٧/ ٣٨) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض. وحديث ابن عباس الثاني رواه مسلم برقم (١٥٢٥). وحديث ابن عمر الثالث رواه مسلم برقم (١٥٢٦). وحديث مالك بن أوس الرابع رواه مسلم برقم (١٥٨٦) كتاب: المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا. (٢) حديث ابن عمر الأول سلف في البيوع برقم (٢١٢٣) باب ما ذكر في الأسواق. وحديثه الثالث سلف برقم (٢١٢٤). (٣) ((المحلى)) ٨/ ٤٨٧. (٤) انظر: ((ثقات ابن حبان)) ٤/ ١١٢. (٥) ذكر ذلك أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٥/ ٢٤٧٨ (٢٦٢٧)، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣ (٢٢٨١). وقال البغوي في ((معجم الصحابة)) ٢٥٧/٥: يقال: إنه رأى النبي وَلغة. = ٣١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == بل البخاري في ((تاريخه))(١). مات سنة اثنتين وتسعين(٢). ونصر هذا أخو حسم، وفي أسد خزيمة نصر بن قعين. (وَالْحُكْرَةِ): بضم الحاء المهملة: حبس الطعام عن البيع مع الاستغناء عنه عند الحاجة إليه إرادة غلائه. والجزاف -بالتثليث- بيعك الشيء واشتراؤك بلا كيل ولا وزن. قال ابن سيده: وهو يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل(٣). = وذكره ابن قانع في كتابه ((معجم الصحابة)) ٤٩/٣ (٩٩٥) وروى له حديثًا عن النبي له. وجزم بذلك الحافظ فقال في ((التقريب)) (٦٤٢٦): له رؤية. (١) ((التاريخ الكبير)) ٣٠٥/٨ (١٢٩٦). ويبدو -والله أعلم- أن الكلام هنا فيه سقط أو بتر، وينبغي أن تكون عبارة المصنف، رحمه الله: بل البخاري في ((تاريخه)) جزم بأن صحبته لم تصح. أو نحو ذلك. والله أعلم. وهذا هو ما في ((تاريخ البخاري)) قال: وقال بعضهم: له صحبة، ولم يصح. قلت: والقول بعدم صحبة مالك هو قول الأكثر: فقال ابن سعد في ((طبقاته)) ٥٦/٥ - ٥٧: لم يبلغنا أنه رأى النبي ◌َّ- وقال ابن معين في ((تاريخ الدوري)» ٥٢/٣- ٥٣: ليست له صحبة، أو لم يسمع من النبي ◌َلـ وكذا جزم بعدم صحبته ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢٠٣/٨ (٨٩٦). وابن حبان في ((الثقات)) ٣٨٢/٥، بل قال: من زعم أن له صحبة فقد وهم. وقال الجياني في ((تقييد المهمل)) ١/ ١٣٠: مالك بن أوس من كبار التابعين وقدمائهم. وقال الحافظ الذهبي في ((السير)) ١٧١/٤: أدرك حياة النبي وَّير. لكنه جزم في ((تاريخ الإسلام)) ٦/ ٤٦٤ فقال: قيل: له صحبة، ولم يصح. (٢) أنظر تمام ترجمته في ((أسد الغابة)) ١١/٥ (٤٥٥٩)، و((الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة)) ١٣٤/٢/ ٨٧٣)، و((الإصابة)» ٣٣٩/٣ (٧٥٩٥). (٣) ((المحكم)) ٧/ ٢١٣. ٣١٣ كِتَابُ البُيُوع = ولم يرو مالك لفظة (مُجَازَفَةً) وفسرها بأنهم كانوا يريدون بيعه بالدين(١)، وأما بالنقد فلا بأس. واعترضه ابن التين بأنه إذا باعه من غير بائعه لا فرق بين دين ونقد. وفي قوله: (مُجَازَفَةً): جواز بيع الجزاف، وأن الغرر اليسير معفو عنه في البيع. وقوله: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأْ) تأوله أن يشتري منه طعامًا بمائة إلى أجل ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين، وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم والطعام مرجأ غائب. وليس هذا تأويله عند أكثر العلماء، وقيل: معناه: أن يبيعه من آخر ويحيله به. قال ابن فارس: أرجأت الشيء: أخرته (٢)، وأرجيت أيضًا، ذكره الخطابي(٣). قال ابن التين: والذي سمعناه بغير همز، وبهمزة في بعض النسخ. وقوله: ( ((هاء وهاء))) قال الهروي: اختلف في تفسيره، وظاهر معناه: أن يقول كل واحد منهما: هاء فيعطيه ما في يده. وقيل: معناه: هات وهاك، أي: خذ وأعط، وهو ممدود لكنهم يقرءونه بالقصر. وقال الخطابي: الهمزة في هاء وهاء بدل من الكاف، كأنه قال: هاك أي: خذ، وقد يقال بالكسر (٤). واختلف العلماء في بيع الطعام جزافًا قبل أن يقبض، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود إلى أنه (١) (الموطأ)) ص٣٩٣-٣٩٤. (٢) ((المقاييس)) ص ٤٤٥، و((مجمل اللغة)) ٤٢٣/٢-٤٢٤ مادة: [رجو]. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٠٤٣/٢. وفيه: ورجأت. (٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٦٣ - ١٦٤. ٣١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لا يجوز بيعه قبل قبضه (١)، وروي عن مالك أيضًا، وقال ابن عبد الحكم: إنه استحسان من قوله(٢). وقالت طائفة: يجوز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه، روي ذلك عن عثمان بن عفان، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد، وهو المشهور عن مالك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، حجة القول الأول ظاهر حديث ابن عمر، وعموم نهيه عن بيع الطعام قبل استيفائه، فدخل فيه الجزاف والكيل، وقد أشار ابن عباس إلى أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم بدراهم والطعام لغو، فأشبه عنده العينة. قال الأبهري: العينة من باب سلف جر منفعة. والحجة للثاني أن من باع جزافًا فلم يبع إلا ما وقعت حاسة العين عليه، ولذلك سقط الكيل عن البائع، والاستيفاء إنما يكون بالكيل أو الوزن، هذا مشهور عند العرب، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿فَأَوْفٍ لَنَا اُلْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] و﴿وَأَوْفُوْ اَلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿الَّذِينَ [المطففين: ٢] فإنما عنى بالاستيفاء في إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ المكيل والموزون خاصة، وما عدا هُذِه الصفة فلم يبق فيه إلا التسليم فيما يستوفى من جزاف الطعام كالعقار وشبهه. فإن قلت: لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهي عن ذلك بضرب الناس عليه، فدل على أن حكم الجزاف حكم المكيل. فالجواب: أنهم إنما أمروا بانتقال طعامهم وإن كان جزافًا؛ لأنهم (١) انظر: ((مشكل الآثار)) ١٩٢/٤ - ١٩٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٥٩/٤- ١٤٦٠، ((المبسوط)) ٩/١٣، ((البيان)) ٦٧/٥ - ٦٨، ((المجموع)) ٣٢٧/٩ - ٣٢٨، («المغني)) ١٨٨/٦ - ١٩١. (٢) أنظر: ((المدونة)) ١٦٦/٣، ((المنتقى)) ٢٩٠/٣. ٣١٥ = كِتَابُ البُيُّوع كانوا بالمدينة يتبايعون بالعينة، فكذلك يجب أن يؤمروا بانتقال الجزاف في كل موضع يشهد فيه العمل بالعيب؛ ليكون حاجزًا بين دراهم بأكثر منها؛ لأنه إذا باعه بالمكان الذي أبتاعه بدراهم أكثر منها كان الطعام لغوًا وكانت دراهم بأكثر منها، وقد روي عن ابن عمر أنَّ النهي إنما ورد في المكيل خاصة، وروى ابن وهب من حديث ابن عمر: نهى رسول الله ور أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه(١). وفي حديث ابن عمر: (رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله بَّه حتى يئووه إلى رحالهم) إباحة الحكرة؛ لأنه لو لم يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم في بيعهم ولم يؤذن لهم في حبسه، هذا قول أئمة الأمصار، وبه يزول أعتراض الإسماعيلي بأن البخاري بوب لها ولم يذكرها. ورخصت طائفة لمن يقع الطعام من أرضه أو جلبه من مكان في حبسه، ومنعت من ذلك لمشتريه من الأسواق للحكرة، وروي ذلك عن عمر والحسن البصري، وبه قال الأوزاعي. قال مالك فيمن رفع طعامًا من ضيعته فرفعه: فليس بحكرة. وقال الشافعي وأحمد: إنما يحرم احتكار الطعام الذي هو قوت دون سائر الأشياء. وقالت طائفة: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه(٢). روي عن عمر ومجاهد(٣). (١) رواه أبو داود (٣٤٩٥)، وأصله في ((الصحيحين)). (٢) انظر: ((البيان)) ٣٥٥/٥، ((المغني)) ٣١٧/٦. (٣) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٥٥/٧ - ٢٥٦ عن عمر موقوفًا. وقد روي مرفوعًا : رواه أبو داود (٢٠٢٠)، والبخاري في ((التاريخ)) ٢٥٥/٧ من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمارة بن ثوبان، عن موسى بن باذان قال: أتيت يعلى بن أمية، فقال: إن رسول الله وَّلو قال: ((احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه)». ٣١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي مسلم: ((لا يحتكر إلا خاطئ)) من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة (١)، وروي عن عمر وعثمان أنهما نهيا عنها(٢). ومعنى هذا النهي عند الفقهاء، في وقت الشدة، فيما ينزل بالناس من حاجة، يدل على ذلك أن سعيد بن المسيب راوي الحديث عن معمر كان يحتكر الزيت، فقيل له في ذلك فقال: كان معمر يحتكر(٣). = وهو حديث ضعيف، أورده الذهبي في ((الميزان)) ٤٣٠/١ وقال: هذا حديث واهي الإسناد. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٤٦). ورواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٣٢/٢ - ١٣٣ (١٤٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» ٥٢٧/٧ (١١٢٢١) من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمر [ووقع عند الطبراني: (عبد الله) خطأ] بن عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعًا: ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)». وهو حديث ضعيف أيضًا، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠١/٤: فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة. وضعفه الألباني أيضًا في ((ضعيف أبي داود)» ١٠/ ١٩٣ فقال: عبد الله بن المؤمل، ضعيف الحديث. وضعف الحديث في ((ضعيف الجامع)) (١٨٣))، وفي ((ضعيف الترغيب)» (١١٠٧) وقال: منكر. قلت: ويشبه أن يكون أصحها هي رواية عمر الموقوفة. (١) مسلم (١٦٠٥) كتاب: المساقاة، باب: تحريم الاحتكار في الأقوات. (٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٠٦/٤ - ٣٠٧ (٢٠٣٨١، ٢٠٣٨٤). (٣) رواه أحمد ٤٥٤/٣ من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن معمر العدوي قال: قال رسول الله وَله: ((لا يحتكر إلا خاطئ)). وكان سعيد بن المسيب يحتكر الزيت. وروی عبد الرزاق ٢٠٢/٨ - ٢٠٣ (١٤٨٨٦)، وابن أبي شيبة ٤٥٨/٤ (٢٢٠٧٠) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت. والحديث في ((صحيح مسلم)) ١٦٠٥/ ١٢٩ بنحو ما ذكر المصنف، لكن دون ذكر (الزيت). ٣١٧ كِتَابُ البُيُوع وفي ((مسند أحمد)) (١): كان يحتكر النوى والخبط والبزر (٢)، وجاء في الاحتكار أحاديث ضعيفة لا نطول بذكرها. وقال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أنت تحتكر، قال: ليس هذا بالذي قال رسول الله وَله، إنما قال: ((أن يأتي الرجل للسلعة عند غلائها فيغالي بها))، وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه فإذا احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير(٣). (١) ورد بهامش الأصل: وفي ((المسند)) من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((احتكر طعامًا أربعين يومًا فقد برئ من الله تبارك تعالى، وبرئ الله تبارك وتعالى منه)) الحديث. قلت (المحقق): هو في ((المسند)) ٣٣/٢. وأورده الألباني في ((غاية المرام)) (٣٢٤) وقال: حديث ضعيف منكر غير محفوظ، ليس بجيد ولا موضوع. (٢) لم أجده في ((مسند أحمد))، وروى ابن أبي شيبة ٤٥٩/٤ (٢٢٠٧١) عن مسلم الخياط قال: كنت أبتاع لسعيد بن المسيب النوي والعجم والخبط، فيحتكره. وقال أبو داود السجستاني في ((السنن)) ٧٢٩/٣: كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخبط والبزر. (٣) لم أجده ولا بنحوه إلا في ((شرح ابن بطال)) ٢٥٩/٦ ويبدو- والله أعلم - أن المصنف -رحمه الله- نقله منه، أو ممن نقله منه !! وروى الحاكم ١٢/٢، وعنه البيهقي ٦/ ٣٠ من طريق إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة- مرفوعًا: ((من احتكر يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله)). والحديث سكت عليه الحاكم، وتعقبه الذهبي في ((التلخيص)) فقال: الغسيلي كان يسرق الحديث. وقال في ((المهذب)) ٢١٥٨/٤ (٩٠٨٧): حديث منكر؛ تفرد به إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وكان ممن يسرق الحديث. وأعله به المنذر في ((الترغيب والترهيب)) ٢/ ٣٦٥ (٢٧٤٤) فقال: رواه الحاكم من رواية إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وفيه مقال. وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (١١٠٨). = ٣١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فبان أن معنى النهي عن الحكرة في وقت حاجة الناس. روى ابن القاسم، عن مالك أنه قال: من اشترى الطعام في وقت لا يضر بالناس اشتراؤه فلا يضره أن يتربص به ما شاء. وهو قول الكوفيين والشافعي. قال مالك: وجميع الأشياء في ذلك كالطعام، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يشتري في سنة الرخص طعامًا لسنين لنفسه وعياله مخافة الغلاء. قال مالك: وأما إذا قل الطعام في السوق واحتاج الناس إليه، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر بالمسلمين، فليخرجه إلى السوق ويبعه بما أبتاعه ولا يزدد فيه (١). فعلى هذا القول تتفق الآثار، ألا ترى أن الناس إذا استوت حالتهم في الحاجة فقد صاروا شركاء، ووجب على المسلمين المواساة في أموالهم، فكيف لا يمنع الضرر عنهم، وقد جمع رسول الله وَل الأزواد بالصهباء عند الحاجة(٢)، ونهى عن أدخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث للدافة(٣). ورواه أحمد ٣٥٤/٢ من طريق أبي معشر عن محمد بن عمرو، به، بنحوه. = وانظر: ((الصحيحة)) (٣٣٦٢). وهذا الحديث إنما خرجته؛ لأنه ذكر فيه المغالاة، التي ذكرها المصنف هنا بلفظ آخر. (١) أنظر: ((المدونة)) ٢٩٠/٣، ((البيان)) ٥/ ٣٥٥، ((المغني)) ٦/ ٣١٧، ((المحلى)) ٩/ ٦٤. (٢) سلف هذا الحديث برقم (٢٠٩) كتاب: الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ. (٣) رواه مسلم (١٩٧١) من حديث عبد الله بن واقد. وفي الباب بنحوه عن سلمة بن الأكوع سيأتي برقم (٥٥٦٩)، ورواه مسلم (١٩٧٤)، وغيرهما في ((الصحيحين)). ٣١٩ = = ڪِتَابُ البُيُوع وجمع أبو عبيدة بين أزواد السرية، وقسمها بين من لم يكن له زاد وبین من کان له(١). وأمر عمر أن يحمل في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، وقال: إنَّ المرء لا يهلك عن نصف شبعه(٢). فرع: يصح بيع الصبرة مجازفة، وفي كراهته قولان: أظهرهما : نعم، وكذا صبرة الدراهم، وعن مالك: لا يصح بيعه إذا كان بائع الصبرة جزافًا يعلم قدرها(٣). وروى الحارث بن أبي أسامة بسند فيه الواقدي من حديث عمران بن أبي أنس: سمع رسول الله وَل عثمان يقول: في هذا الوعاء كذا وكذا، ولا أبيعه إلَّا مجازفة. فقال: ((إذا سميت كيلاً فكِلْ)) (٤). (١) رواه بنحوه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤١٣/٤٩. (٢) روى البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٦٢) عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال عام الرمادة ... الحديث، وفي آخره: الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت بأهل بيت من المسلمين لهم سعة، إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء. فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدًا. وذكره بنحوه هكذا ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١/ ١٩٢ - ١٩٣. وقال الألباني: صحيح الإسناد. وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ٣١٦/٣ عن ابن عمر أيضًا أن عمر قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف عن أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا بطونهم. (٣) انظر: ((المدونة)) ١٦٩/٣ - ١٧٠، ((النوادر والزيادات)) ٦/ ٣٨- ٣٩. (٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) (٤٣٠)، وكما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٢٩٧/٣ (٢٧٦٨/ ٣): حدثنا محمد بن عمر الواقدي: ثنا عبد الحميد، عن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، به. ولمن يذكر المصنف -رحمه الله- هنا (عن أبيه). والحديث ضعفه عبد الحق في (الأحكام)) ٢٣٨/٣ - ٢٣٩ فقال: الواقدي متروك. وضعفه أيضًا البوصيري في ((الإتحاف)). ٣٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وروى عبد الرزاق قال: قال ابن المبارك عن الأوزاعي رفعه: (لا يحل لأحد باع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه))(١). وروى ابن أسلم في كتاب ((الرِبَا)) عنْ واصل قال: سألت مجاهدًا وعطاءً والحسن وطاوس عن الرجل يشتري طعامًا جزافًا لا يعلم كيله ورَب الطعام قد عرف كيله؟ فكرهوه كلهم. وقال ابن قدامة: إباحة بيع الصبرة جزافًا مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافًا، فإذا اشتراها جزافًا لم يجز بيعها حتى ينقلها، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وقد سلفت فيه رواية أخرى: بيعها قبل نقلها. واختاره القاضي، وهو مذهب مالك، قال: ونقلها قبضها، كما جاء الخبر (٢). (١) ((المصنف)) ١٣١/٨ (١٤٦٠٢). وضعفه عبد الحق في ((الأحكام)) ٢٣٩/٣ فقال: هذا منقطع فاحش الانقطاع. (٢) ((المغني)) ٦/ ٢٠٢.