النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كِتَابُ البُيُوع
=
....
عن أبيه عن جده عمر، به.
=
وتابعه المعتز بن سليمان عند الترمذي وهشام بن حسان عند الطبراني في ((الدعاء))
(٧٩٠)، وابن عدي ٢٣٥/٦-٢٣٦ وثابت بن يزيد عند الطبراني (٧٩١).
قال الترمذي: عمرو بن دينار هذا هو شيخ بصري تكلم فيه بعض أصحاب الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن القيم في ((الحاشية)) ٢٨٥/١٣: حديث معلول، لا يثبت
مثله. ثم أورد طرقه عند الترمذي، وذهب يضعفها بتفصيل.
وقال في ((المنار المنيف)) ص ٤٦: حديث معلول، أعله أئمة الحديث.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٠٦/١١: رواه الترمذي وغيره، وفي سنده لين.
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند» (٣٢٧): إسناده ضعيف جدًا،
وضعفه بعمرو بن دينار.
والحديث رواه الترمذي في ((العلل الكبير)) ٢/ ٩١٢، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٣/
٣٠٤ من طريق يحيى بن سليم عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن
عمر، مرفوعًا به.
قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. وانظر:
((علل ابن أبي حاتم)) ١٨١/٢ (٢٠٣٨)، و((علل الدار قطني)) ٤٨/٢ - ٤٩.
والحديث في الجملة بأسانيده ضعِّف، فقال العقيلي ٣٠٥/٣: الأسانيد في هذا
الحدیث فيها لین.
وأومأً شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) ٦٧/١٨ لضعف الحديث.
وهذا الحديث أورده فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني في ((النافلة في الأحاديث
الضعيفة والباطلة)) (٧٤) وقال: حديث منكر. وخرجه تخريجًا نفيسًا، فلينظر.
ونضيف أيضًا أن الحديث رواه الطبراني في ((الدعاء)) (٧٩٣) من طريق أبي خالد
الأحمر عن المهاجر بن حبيب قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول:
سمعت ابن عمر يقول: سمعت عمر، به. ومن هذا الطريق أورده العلامة الألباني
في («الصحيحة» (٣١٣٩) وصححه وعقد فیه بحثًا بلغ عشر صفحات، رد فيه على
من أعله وضعفه، وأتى على بنيانهم من القواعد، فليسارع إليه.
تتمة أخيرة: الحديث رواه ابن السني (١٨٤) عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الألباني في ((الضعيفة)) (٥١٧١): موضوع.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ولذلك إذا لغا في المسجد أو لغط فيه أو عصى ربه لم يضر
المسجد، ولا نقص من فضله، وإنما أضر بنفسه، وبالغ في إثمه. وقد
روي عن على أنه قال: من عصى الله في المسجد فكأنما عصاه في
الجنة، ومن عصاه في الحمام فكأنما عصاه في النار، ومن عصاه في
المقبرة فكأنما عصاه في عرصات القيامة، ومن عصاه في البحر
فكأنما عصاه على أكف الملائكة.
وفي حديث عائشة: أن من كثَّر سواد قوم في معصية أو في فتنة أن
العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك؛ لأن الخسف لما
أخذ السوق عقوبة لهم شمل الجميع. واستنبط منه مالك أن من وُجد مع
قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب أنه يعاقب، ويريد أن المغلوبين على
تكثير السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة، لقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ
مُؤْمِنُونَ﴾ الآية [الفتح: ٢٥].
وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو إخباره بما يكون.
وفيه: أنه لا بأس بمهازلة الصبي وغيره إذا كان واقعًا تحت السن
والفضل، لاسيما إن عضد ذلك أبوه؛ لأنه الظّهر أبوه، والجد أب.
والبيداء: المفازة وجمعها بيد.
وقوله: (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ)، في ((مستخرج أبي نعيم)): فيهم أشرافهم
بالشين المعجمة بدله، وعند الإسماعيلي: وفيهم سواهم، بدل: من
أسواقهم، قال: ورواه البخاري: (وفيهم أسواقهم)، وليس هذا
الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف، فإن الكلام في
الخسف بالناس لا بالأسواق.
قال ابن التين: ولعل هذا الجيش الذين يخسف بهم هم الذين

٢٨٣
= كِتَابُ البُيُّوع
(يهدمون)(١) الكعبة فينتقم منهم، ويكون الذين يبعثون على نياتهم
وحضرت آجالهم بالخسف، كانوا ينكرون بقلوبهم ولا يقدرون على
غير ذلك؛ وقد قال تعالى ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ الآية
[الأنعام: ١٦٥].
قلت: قد يقال: (الحبش)(٢) الذين يقدمون ليسوا من هذِه الأمة.
والشارع قال في ((صحيح مسلم)): ((إن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت
لرجل من قريش قد لجأ إلى البيت)) فذكر الحديث(٣).
فإن قلت: فما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعته وإياهم
الطريق؟ قلت: عائشة لما سألت، قال: ((يبعثون على نياتهم)) فماتوا
بها لما حضر من آجالهم وبعثوا على نياتهم.
وحديث أنس -يعني: الثاني - لا مناسبة له للباب، نعم ذكر في أصله.
وروي أيضًا من حديث جابر وأبى حميد الساعدي ((من تسمى
باسمي فلا يكتني بكنيتي)) (٤).
(١) في (م): يقدمون.
(٢) في (م): إن.
(٣) مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت.
(٤) حديث جابر سيأتي بنحوه برقم (٣٥٣٨)، ورواه مسلم (٢١٣٣).
وأما حديث أبي حميد الساعدي فرواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٩٩٠) من
طريق محمد بن سليمان: ثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن
محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي حميد، به.
قال البزار: لا نعلم لأبي حميد غير هذا الطريق، وابن أبي سبرة لين الحديث.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨/ ٤٧: فيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك .
قلت: قال الحافظ عنه في ((التقريب)) (٧٩٧٣): رموه بالوضع، وقال مصعب
الزبيري: كان عالمًا. فعلى كلٍ فالحديث ضعيف.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأبي هريرة: ((لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي أنا أبو القاسم، والله
يعطي وأنا أقسم))(١).
والبراء بن عازب: ((لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي))(٢).
وعائشة: ((ما أحل أسمي وحرَّم كنيتي))(٣) ذكرها ابن شاهين(٤)،
وذكر عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن محمد بن علي
ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد كانوا كلهم
يكنون بأبي القاسم، وكان لمالك بن أنس ابن يقال له محمد وكنيته
أبو القاسم، فقيل له في ذلك، فقال: لا بأس به. قال: وهذا
الحديث يوجب أن يكون ناسخًا للأول؛ لأن ولدان الصحابة كنوا
بأبي القاسم، وقد روي عن بعض التابعين أنه كان يقول: إذا رأينا
(١) بهذا اللفظ رواه أحمد ٤٣٣/٢، وصححه ابن حبان ١٣٤/١٣ (٥٨١٧).
وأصل الحديث سلف برقم (١١٠)، ورواه مسلم (٢١٣٤) بلفظ: ((تسموا باسمي،
ولا تكتنوا بکنیتي)).
(٢) رواه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٣٧٧ (٤٧٧ - ٤٧٨).
(٣) رواه أبو داود (٤٩٦٨)، وأحمد ١٣٥/٦ - ١٣٦ و٢٠٩/٦، والطبراني في
((الأوسط)) ٩/٢ (١٠٥٧)، وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (٤٨١)، والبيهقي
٣٠٩/٩ - ٣١٠، والحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)» ٢٦/ ٢٣٣، والحافظ
الذهبي في («الميزان)) ١١٨/٥ من طريق محمد بن عمران الحجبي عن جدته صفية
بنت شيبة عن عائشة، به.
وهو حديث ضعيف، ضعفه الذهبي في ((الميزان)) وقال في ((المهذب)) ٣٨٩٧/٨-
٣٨٩٨ (١٤٩٧٩): الحجبي حديثه منكر. وأشار الحافظ في (الفتح)) ١٠/ ٥٧٤،
وفي ((تلخيص الحبير)) ١٤٤/٣ لضعفه. وقال في ((التهذيب)) ٦٦٦/٣: متن منكر،
مخالف الأحاديث الصحيحة.
وضعفه أيضًا الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٥٠١٥).
(٤) ((الناسخ والمنسوخ)) لابن شاهين (٤٧٤ - ٤٧٥، ٤٧٧ - ٤٧٩).

٢٨٥
- كِتَابُ البُيُوع
الرجل يكنى بأبي القاسم كنيناه بأبي القاصم بالصاد من جهة الكره لذلك.
قال وحديث النهي طرقه لا أعلم في أكثرها علة(١).
ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحدٍ
أصلًا، سواء كان اسمه أحمد أو محمدًا أو لم يكن؛ لظاهر الحديث(٢).
وفيه: مذاهب أخر:
أحدها: أنه منسوخ، وأن هذا الحكم كان في الزمن الأول للمعنى
المذكور في الحديث ثم نسخ، فيباح لكل أحد وهو مذهب مالك
وجمهور العلماء.
ثانيها: لا نسخ، والنهي للتنزيه، قاله ابن جرير.
ثالثها: النهى عن التكني بأبي القاسم مختص بمن اسمه محمد
أو أحمد، ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذلك.
رابعها: النهي عن التكني بأبي القاسم مطلقًا، وأن لا يسمى
القاسم؛ لئلا يكنى والده به(٣).
وشذ من منع التسمية بمحمد أيضًا لحديث ((تسمون أولادكم محمدًا
(٤)
وتلعنونهم))(٤).
(١) انتهى من ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٣٧٩ - ٣٨٠ (٤٨٢ - ٤٨٣).
(٢) انظر: ((المجموع)) ٤٢١/٨.
(٣) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٣٣٩، ((المنتقى)) ٧/ ٢٩٧، ((المجموع)) ٤٢١/٨،
(«الفروع)» ٥٦٦/٣.
(٤) رواه أبو يعلى ١١٦/٦ (٣٣٨٦)، وابن عدي في ((الكامل)) ٢/ ٤٨٥، والحاكم ٤/
٢٩٣، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢/ ٢٨٦ من طريق الحكم بن عطية عن ثابت
عن أنس، مرفوعًا به.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ( (وَلَا تَكَنَّوْا)) ) قال ابن التين ضبط في أكثر الكتب بفتح التاء
وضم النون المشددة، ولا أعلم لها وجهًا في تصاريف الكلام، وضبطت
أيضًا بضم التاء والنون على وزن تزكوا، وفي بعضها بفتح التاء والنون
مشددة مفتوحة على حذف إحدى التائين.
و(الْبَقِيع) في الحديث: مقبرة أهل المدينة، وهو في اللغة المكان
المتسع. وقال قوم: لا يكون بقيعًا إلا وفيه الشجر، وهذا البقيع كان
ذا شجر، ثم ذهب منه الشجر وبقي الاسم.
وقوله: (لَمْ أَعْنِكَ) أي: لم أردك، يقال: عنيت بالقول كذا، أي:
أردته.
وحديث أبي هريرة: (حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت
فاطمة).
قال الداودي سقط بعضه على الناقل، وإما أدخل حديثًا في حديث
إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع، وإنما بيتها بين أبيات رسول الله
عَاقٍ(١).
وستلا
قال الحاكم: تفرد الحكم بن عطية عن ثابت.
فتعقبه الذهبي قائلاً: الحكم وثقه بعضهم، وهو لين.
والحديث ضعفه المصنف - رحمه الله- في شرح حديث (٦١٩٩) فيما سيأتي،
بالحكم بن عطية.
وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٤٠٣).
(١) تعقب الحافظ قول الداودي بقوله: ما ذكره أولًا هو الواقع، ولم يدخل
الراوي حديثًا في حديث، وقد أخرجه مسلم (٢٤٢١) بلفظ ((حتى جاء سوق بني
قينقاع، ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة)). فأثبت ما سقط من حديث الباب.
((الفتح)) ٤ / ٣٤١.

٢٨٧
كِتَابُ البُيُوع
=
ومعانقته للحسن فيه إباحة ذلك لغيره، واستحب سفيان معانقة
الرجل للرجل، وكرهها مالك وقال: هي بدعة(١)، وتناظرا فيها
فاحتج سفيان بأنه التَّ فعل ذلك بجعفر (٢)، فقال مالك: هو خاص
له، فقال: ما يخصه بغير ذلك؟ فسكت مالك.
واللُكَعُ: أسلفنا أنه الاستصغار، ويقال: اللؤم. وقال أبو عبيد: هو
عند العرب العبد(٣). وهو في قول الأصمعي: الصبي الذي لا يتجه
المنطق ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع، يعني: التي تخرج مع السلا
من البطن. قال الأزهري: والقول قول الأصمعي، ألا ترى أنه التعليم
قال للحسن وهو صغير: ((أين لكع)) (٤) أراد به لصغره لا يتجه لمنطق
(١) انظر: ((المدخل)) لابن الحاج ٢٩٥/٢.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: والسنة معانقة القادم من سفره.
قلت: وحديث جعفر رواه أبو يعلى ٣٩٨/٣ (١٨٧٦) من طريق إسماعيل بن مجالد،
عن أبيه، عن عامر، عن جابر قال: لما قدم جعفر من الحبشة عانقه النبي تلين.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٢٧٢: رواه أبو يعلى، وفيه: مجالد بن سعيد، وهو
ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الطبراني ١٠٨/٢ (١٤٧٠) من طريق مخلد بن يزيد، عن مسعر بن عون بن
أبي جحيفة، عن أبيه قال: لما قدم جعفر ... الحديث، بنحوه.
ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٢٥٧/٤، والصيداوي في ((معجم الشيوخ)) ص
١٧٠ - ١٧١ من طريق مكي بن عبد الله الرعيني، عن سفيان بن عيينة، عن أبي
الزبير، عن جابر، الحديث ، لكن ليس فيه ذكر المعانقة، وإنما ذكرته؛ لأن في
إسناده سفيان، وهو المناظر لمالك، فيما ذكره المصنف.
والحديث روي من طرق أخرى، أنظرها في ((نصب الراية)) ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥،
و((البدر المنير)) ٥١/٩- ٥٣، و((الدراية)) ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢، ((تلخيص الحبير)» ٤/
٩٦. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٦٥٧).
(٣) ((غريب الحديث)) ٣٣٠/١.
(٤) سيأتي برقم (٥٨٨٤).

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ولا ما يصلحه، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد، وفي ((الموعب)): يوصف به
الحسن والرق واللؤم. وفي ((الجامع)): أصل اللكع من الكلع ولكن قلب.
وفي ((الصحاح)): اللكع: الذليل(١).
قال السهيلي: أراد: تشبيهه بالفلو والمهر؛ لأنه طفل كما أنهما
كذلك، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه لم يكن إلا صدقًا (٢).
وقول (سُفْيَان: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: رَأَيْت نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ)، أراد
البخاري أن يبين سماع عبيد الله المعنعن في السند عن نافع.
وادَّعى ابن التين أن الإتيان بركعة غير معمول به، وذكر ذلك عن
معاوية، وذكر فعله لابن عباس فقال: إنه فقيه.
وقوله في حديث ابن عمر: (حتى ينقلوه حيث يباع الطعام) وفي
لفظ : حتى يستوفيه.
ولمسلم من حديث أبي هريرة: حتى يكتاله(٣). وهو من أفراده،
وانفرد به أيضًا من حديث جابر (٤).
قال ابن عبد البر: وفي حديث القاسم بن محمد نهى أن يبيع أحد
طعامًا اشترى بكيل حتى يستوفيه، قال: والقبض والاستيفاء سواء،
ولا يكون ما بيع من الطعام على الكيل والوزن مقبوضًا إلا كيلًا
أو وزنًا. وهذا لا خلاف فيه، فإن وقع البيع في الطعام على
الجزاف، فقد اختلف في بيعه قبل قبضه وانتقاله(٥).
(١) ((الصحاح)) ١٢٠/٣ مادة: (لكع).
(٢) ((الروض الأنف)) ١٧٧/٣.
(٣) مسلم (١٥٢٨) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٤) مسلم (١٥٢٩).
(٥) ((التمهيد)) ١٣/ ٣٢٩ بتصرف.

٢٨٩
= كِتَابُ البُيُّوع
وقال ابن التين في قوله: (كانوا يشترون الطعام من الركبان على
عهد رسول الله وَّير فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه
حتى ينقلوه حيث يباع الطعام): هذا للرفق بأهل السوق. ومعناه:
أنهم لم يتلقوا الركبان لعلهم قدموا معهم، أو أمروا بهم أو لقوهم
من غير قصد التلقي، ويدل عليه اشتراء النبي ◌َّ من جابر وعمر (١).
وهذا الحديث أبين ما روي عن ابن عمر في هذا، وقد روى مالك
عنه: كانوا يشترون الطعام فيبعث إليهم من يأمرهم بانتقاله(٢)،
فتأول قوم ذلك أنهم أمروا بالانتقال ليوسعوا على أهل الأسواق،
وتأوله قوم على أن الجزاف من الطعام لا يباع حتى ينقل، وهذا
قول أبي حنيفة والشافعي(٣)، واختلف قول مالك في استحباب
ذلك، فعنه في ((المدونة)): لا بأس ببيعه قبل قبضه (٤). قال القاضي
في ((إشرافه)): إذا خلا البائع بينه وبينه، وعنه في ((العتبية)) كراهة
بيعه حتى ينقل، وبه قال ابن حبيب وابن الجلاب. وهذا الحديث
هنا مبين أنهم كانوا يشترون من الركبان. وقيل: إنما منع من بيع
الجزاف قبل نقله؛ لئلا يشترى منه الذي باعه فيكون دراهم بدراهم
أكثر منها(٥).
(١) حديث جابر سلف برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير.
وحديث عمر سيأتي برقم (٢١١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوهب
من ساعته.
(٢) ((الموطأ)) ص ٣٩٧.
(٣) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤٠/٤، ((أحكام القرآن)) للجصاص ٤٦٣/١،
((المجموع)» ٣٢٦/٩.
(٤) ((المدونة)) ١٧٠/٣.
(٥) انظر: ((المنتقى)) ٢٨٠/٤، ٢٨٤.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد فسره ابن عباس فقال: تلك دراهم بدراهم، والطعام مرجاً (١).
وقوله في حديث أبي هريرة: (لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ) قد يكون ذلك
الأمر قد شغل ضميره، أو لفكر في أمر معاده، ولم يكلمه أبو هريرة لما
أحس منه، وهذا كان شأنهم إذا لم يروا منه نشاطًا كفوا عن كلامه إلى أن
يحدث ما يسألونه عنه.
وفي حديث: ( ((اللَّهُمَّ أَخْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ)) ). يقال أحب يحب
وهي اللغة المشهورة. وحكى حب ثلاثي، وحكى المبرد قراءة (يَخْبِيْكم
الله) [آل عمران: ٣١] كأنه من حببت وأُدغم في موضع الجزم(٢)، وهو
مذهب تميم وقيس وأسد، ورد عليه بأنه (يحبَّكم الله) بإظهار
التضعيف وفتح الباء من يحب، ولا يكادون يقولون حب، في
الماضي، إنما يُقال في المستقبل فقط، هذا هو المشهور، على أنهم
قالوا في يحب أيضًا: إنها لغةٌ، وقال غيره: إنها شذوذ، وفي المثل
السائر: من حب طب(٣).
(١) رواه البيهقي ٣١٢/٥.
(٢) انظر: ((الكامل في اللغة والأدب)) ٢٦٧/٢. ط. دار الكتب العلمية.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد الخمسين كتبه مؤلفه. وأسفله قال:
(آخر ٦ من ٧) من تجزئة المصنف.

٢٩١
كِتَابُ البُيُوع
٥٠- باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبٍ في الشُّوقِ
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، حَذَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ
قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ
رَسُولِ اللهِ وَّهَ فِ التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، والله إِنَّهُ لَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَغضِ صِفَتِهِ فِي
القُرآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَزْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِزْزًا لِلْأُمُِّّينَ، أَنْتَ عَبْدِي
وَرَسُولِ، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظُ وَلَا غَلِيظِ وَلَا سَخَّابٍ فِ الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ
بِالشَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولكن يَغْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ اللَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ
يَقُولُوا: لَا إلنه إِلَّ اللهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيْنَا عُمْيًا، وَأَذَانًا صُمَّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا. تَابَعَهُ عَبْدُ
العَزِيزِ بْنُ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابن سَلَامٍ:
غُلْفٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ
تَخْتُونًا. [٤٨٣٨- فتح: ٤ / ٣٤٢]
ذكر فيه حديث فليح، ثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ
ابْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِي، فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ وَّلِ فِي
التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ ...
الحدیث.
وفيه: (وَلَا سَخَّابِ فِي الأَسْوَاقِ) إلى آخره، تابعه عبد العزيز بن أبي
سلمة عن هلال، وقال: سعيد عن هلال، عن عطاء، عن ابن سلام:
غلف: كل شيء في غلاف، سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل
أغلف: إذا لم يكن مختونًا.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشرح :
متابعة عبد العزيز أسندها البخاري فقال: حدثنا عبد الله، عن
عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال به (١)، وهو حديث تفرد به
البخاري، وعبد الله هذا قال ابن السكن: هو ابن مسلمة، وقال
أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني:
عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث وإلى ذلك أشار أبو مسعود،
على أن الحاكم أبا عبد الله قطع أن البخاري لم يخرج في ((صحيحه))
عن كاتب الليث(٢). وقد روى البخاري في كتاب ((الأدب)) هذا
الحديث عنه(٣).
وأما قول سعيد بن هلال، فأخرجه الطبراني في ((معجمه)) ثنا
المطلب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن
خالد بن يزيد، عن (سعيد بن أسامة)(٤)، عن هلال، عن عطاء، عن
(١) سيأتي برقم (٤٨٣٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا﴾.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٩٩٣/٣ - ٩٩٤.
(٣) ((الأدب المفرد)) (٢٤٧). وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٨٥/٨: قوله: (حدثنا
عبد الله بن مسلمة) أي: القعنبي، كذا في رواية أبي ذر وأبي على بن السكن،
ووقع عند غيرهما: (عبد الله) غير منسوب، فتردد فيه أبو مسعود بين أن يكون
عبد الله بن رجاء وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وقال الجياني: عندي أنه
عبد الله بن صالح، ورجح هذا المزي وحده؛ لأن البخاري أخرج هذا الحديث في
((الأدب المفرد)» عن عبد الله بن صالح.
قلت: لكن لا يلزم من ذلك الجزم به، وما المانع أن يكون له في الحديث الواحد
شيخان عن شيخ واحد؟ وليس الذي وقع في ((الأدب)) بأرجح مما وقع الجزم به في
رواية أبي علي وأبي ذر، وهما حافظان. اهـ
وانظر: ((اليونينية)) ١٣٥/٦.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((معجم الطبراني الكبير)): (سعيد بن أبي هلال).

٢٩٣
كِتَابُ البُيُوع
=
عبد الله بن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله وَله، الحديث(١).
وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام،
عن أبيه، عن جده، ثم قال: حسن غريب(٢).
والصخب عند أهل اللغة: الصياح، قال صاحب ((العين)): صخب
صخبًا، إذا صاح(٣)، ولم يذكره في حرف السين وهو في النسخ كما
قدمناه بالسين، ونقله ابن بطال عن بعض النسخ، وقال أبو حاتم: أمَّا
ما كان مع الخاء فتجوز كتابته بالسين والصاد (٤).
وبخط الدمياطي: الصخب بالسين والصاد: اختلاط الأصوات،
قال: وقيل: الصوت الشديد، قيل: الفصيح بالصاد، وهي بالسين لغة
قبيحة لربيعة، أعنى: السخب، وقال الفراء أيضًا: هما لغتان.
قال ابن التين: والذي ذكره غيره من أهل اللغة بالصاد، وهو في
البخاري بالسين. ومعنى (أجل): نعم.
وكان عبد الله بن عمرو كما روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن
واهب عنه، رأى في المنام كان في إحدى يديه عسلًا وفي الأخرى سمنًا
وكأنه يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله وَله فقال «تقرأ الكتابين
التوراة والقرآن))، فكان يقرأهما(٥).
(١) ((المعجم الكبير)) ص ١٢١ - ١٢٢ (١٦٣). ط. دار الراية.
(٢) الترمذي (٣٦١٧). وقال الألباني في ((مشكاة المصابيح)) (٥٧٧٢): ضعيف.
(٣) ((العين)) ٤ / ١٩٠.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٥٤/٦.
(٥) رواه أحمد ٢٢٢/٢، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٦/
٢٠ (٣٨٧٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٨٦/١، والخطيب البغدادي في ((الفقيه
والمتفقه)» ٢٨٣/٢ (٩٨٠).

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (شَاهِدًا) أي: شاهدًا بالإبلاغ، وقيل: لمن أطاعه. وقيل:
على تصديق من قبله من الأنبياء، وقيل: مبشرًا بالجنة ونذيرًا من
النار. روي عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله وَل
عليًّا ومعاذًا وقال: ((يسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أُنزل عليَّ الليلة: ﴿إِنَّا
أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾(١). [الأحزاب: ٤٥])).
(سميتك بالمتوكل): بأن قد أيقن بتمام وعد الله وتوكل عليه.
وقوله: (وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ) أي: حافظهم وحافظ دينهم. يقال:
أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن
الأخذ. والأميون: العرب؛ لأن الكتابة عندهم قليلة.
وقوله: (سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) يعنى: لقناعتك باليسير من الرزق،
واعتمادك علي في الرزق والنصر، والصبر عند انتظار الفرج، والأخذ
بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكل عليه، فسمي
المتوكل.
وقوله: (لَيْسَ بِفَظّ) أي: سيئ الخلق.
(وَلَّا غَلِيظِ): وهي الشدة في القول، وهما حالتان مكروهتان.
= قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٨٤/٧: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف.
وكذا أشار الحافظ لضعفه في ((الإصابة)) ٣٥٢/٢ فقال: في سنده ابن لهيعة .
وقال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله- في تعليقه على («المسند» (٧٠٦٧): إسناده
صحیح.
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) كما في ((تفسير ابن كثير)) ١٨٦/١١، والطبراني
٣١٢/١١ (١١٨٤٠) من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن
شيبان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩٢/٧: فيه عبد الرحمن العرزمي، وهو ضعيف.

٢٩٥
كِتَابُ البُيُوع
=
وقول القائل لعمر: أنت أفظ وأغلظ (١). قيل: لم تأت هنا للمفاعلة
بينه وبين من أشرك معه، بل بمعنى: أنت فظ غليظ على الجملة لا على
التفصيل.
والسخاب: الكثير الصياح والجلبة، ولم يكن سخابًا في سوق
ولا غيره، بل كان على خلقٍ عظيم.
وفيه: ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذِه الصفة المذمومة من
الصخب، واللغط والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه، والأيمان
الحانثة؛ ولهذا قال القّه: ((شر البقاع الأسواق)» (٢) كما مضى لما
يغلب على أهلها من هذِه الأحوال المذمومة.
ومعنى (لَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ): لا يسيء إلى من أساء إليه على
سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة، لكن يأخذ بالفضل كما
قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال: ﴿آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] وسمى جزاء السيئة سيئة للمجاورة.
والمراد (بالملة العوجاء) أي: المعوجة، ما كانوا عليه من عبادة
الأصنام، وتغيير ملة إبراهيم عن استقامتها، وإمالتها بعد قوامها،
فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ووضحت أعلامه،
وأيد الله نبيه بالصبر والإنابة والسياسة في نفوس العالمين والتوكل
على الله.
وقوله: (وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنَا عُمْيًا) كذا للأصيلي كما نقله ابن التين،
جعل عميًا، نعتًا للأعين، وهو جمع عمياء، وفي بعض روايات
(١) سيأتي برقم (٣٢٩٤) كتاب: بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ورواه مسلم
برقم (٢٣٩٦) كتاب: فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله عنه.
(٢) سبق تخريجه.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الشيخ أبي الحسن: أعين عُمي، فأضاف أعين إلى عُمي وهو جمع
أعمى، وكذلك الكلام في الآذان أيضًا.
وقوله: (وَقُلُوبًا غُلْفًا) فليس هو إلا جمع أغلف سواء كان مضافًا
أو غير مضاف، وترك الإضافة فيه بيِّن، وذلك كله ممن قبل الإسلام
وخرج من الكفر إلى الإيمان. وقرأ ابن عباس ﴿غُلّفُْ﴾ -بضم اللام-
كأنه جعله جمع غلاف، وهي قراءة الأعرج وابن محيصن(١). قال ابن
عباس: مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد(٢).
وقوله: (غُلْف) كل شيء في غلاف يريد أنه مستور عن الفهم
والتمييز، وقال مجاهد: غُلْف: عليها غشاوة(٣). وقال عكرمة: طابع (٤).
وفي الحديث: مدح النبي ◌َّ ببعض صفاته الشريفة - التي خصه الله
تعالى وجبله عليها، وقد وصفه الله تعالى في آخر سورة براءة نحو هذه
الصفة.
وهذا الباب أخره ابن بطال بعد باب: بركة صاعه، فاعلمه(٥).
(١) انظر: ((مختصر شواذ القرآن)) ص ١٥، و((الحجة للقراء السبعة)) ١٥٣/٢ - ١٥٤،
و((تفسير القرطبي)) ٢٢/٢.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره)) ١/ ٤٥٢ (١٥١٦)، وكذا ابن أبي حاتم ١/ ١٧٠ (٨٩٣).
(٣) رواه الطبري ٤٥١/١ (١٥٠٤).
(٤) رواه ابن أبي حاتم ١٧١/١ (٨٩٩).
(٥) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٥٣/٦.

٢٩٧
كِتَابُ البُيُوع
٥١- باب الكَيْلِ عَلَى البَائِعِ وَالْمُعْطِي
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَلُوهُمْ أَوْ قَزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]
يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]:
يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا)).
وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ قَالَ لَهُ: ((إِذَا بِعْتَ فَكِلْ،
وَإِذَا أَبْتَعْتَ فَاكْتَلْ)).
٢١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((مَنِ أَبْتَاعَ طَّعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى
يَسْتَوْفِيَهُ)). [انظر: ٢١٢٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٤]
٢١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله
عنه قَالَ: تُوُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ نَّهِ عَلَى
غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َلِّ :
(اذْهَبْ فَصَنَّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًّا، العَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمّ
أَرْسِلْ إِلَيَّ)). فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَزْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَغْلَاهُ، أَوْ فِي
وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ: ((كِلْ لِلْقَوْم)). فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ
يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَ قَالَ فِرَاسْ، عَنِ الشَّغْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: فَمَا زَالَ
يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((جُذَّ لَهُ،
فَأَوْفٍ لَهُ)). [٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠ - فتح: ٤ / ٣٤٤]
ثم ذكر حديث ابن عمر: ((مَنِ أَبْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)).
وسلف قريبًا في آخر ما ذكر في الأسواق.
وحديث جابر في وفائه دين والده ثُمَّ قَالَ: (((كِلْ)(١) لِلْقَوْمِ)). فَكِلْتُهُمْ
(١) ساقطة من الأصل.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَقَالَ)(١)
فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَِّّ وَِّ: فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى
أَدَّاهُ. (وَقَالَ)(٢) هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ رسول الله وَّةِ: ((جُذَّ
لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ».
الشرح: أما الآية فما فسره البخاري فسره الأخفش وأبو عبيدة وكذا
الفراء، فقال: الهاء في موضع نصب، تقول في الكلام: قد كلتك طعامًا
كثيرًا، وكلتني مثله، وقوله: (﴿أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾﴾ [المطففين: ٢] يريد من
الناس وهما يتعاقبان: علىُ ومَنْ هنا؛ لأنه حق عليه(٣).
وهُذِه السورة مكية، وقيل: مدنية. وقيل: نزلت في طريقه من مكة
إلى المدينة. وقال السدي: استقبل بها رسول الله وَل- وهو داخل
المدينة من مكة- شرفها الله- وقيل: أولها مدني وآخرها مكي. وقال
ابن عباس: كان يمر عليٍّ على الحارث بن قيس وناس معه فيسخرون
من علي ويضحكون؛ ففيه نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا
يَضْحَكُونَ ﴾﴾ إلى آخر السورة. وقال السدي فيما حكاه الواحدي عنه
في ((أسبابه)): قدم رسول الله وس ور المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينة
ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. فأنزل الله الآية(٤). وقال
الطبري في تفسيره)): كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما
حرفين ويقف على كالوا وعلى وزنوا، ثم يبتدئ فيقول: هم
يخسرون، والصواب عندنا الوقف على هم(٥).
(١) فوقها في الأصل: سند معلق.
(٢) فوقها في الأصل: سند معلق.
(٣)
((معاني القرآن)) للفراء ٢٤٥/٣ - ٢٤٦.
(٤)
((أسباب النزول)) (٨٥٠).
(٥) ((تفسير الطبري)) ١٢/ ٤٨٤.

٢٩٩
كِتَابُ البُيُّوع
=
والتعليق الأول ذكره ابن أبي شيبة من حديث طارق بن عبد الله
المحاربي بإسناد جيد(١)، والثاني - ويذكر عن عثمان- أسنده
الدار قطني بإسنادٍ ضعيف إلى منقذ مولى سراقة، وليس بمشهور عن
عثمان، قال له النبي ◌َّهُ: ((إذا ابتعت طعامًا فاكتل، وإذا بعت
فكِل)) (٢). ولابن أبي حاتم، عن محمد بن حمير، عن الأوزاعي،
حدثني ثابت بن ثوبان، حدثني مكحول، عن أبي قتادة قال: كان
عثمان يشتري الطعام ويبيعه قبل أن يقبضه، فقال له النبي وَلّى: (وَإِذَا
أَبْتَعْتَ فَاكْتَلْ إِذَا بِعْتَ فَكِلْ)) ثم قال: قال أبي: هذا حديث منكر
الإسناد(٣). وأخرجه ابن ماجه(٤) من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن
وردان، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان(6)، وعن جابر: نهي
رسول الله يل عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، صاع البائع
وصاع المشتري.
وفي إسناده ابن أبي ليلى(٦).
ومعنى ((إذا بعت فكل)) أي: أوفِ. ((وَإِذَا أَبْتَعْتَ فَاكْتَلْ)) أي: أستوف
بكيل لا لك ولا عليك. نبه عليه ابن التين.
(١) وصله ابن أبي شيبة في ((مسنده)) ٣٢٢/٢ - ٣٢٣ (٨٢٢).
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٧/٣.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٨٣/١ - ٣٨٤ (١١٤٥).
(٤) ورد بهامش الأصل: وما أخرجه ابن ماجه هو في ((مسند أحمد)) أطول منه. قال
أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد الله بن لهيعة به إلى سعيد. قال:
سمعت عثمان رضي الله عنه، وهو يخطب على المنبر: كنت أبتاع التمر من بطن
من اليهود، يقال لهم: بنو قينقاع فأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي ◌َّر فقال: ((يا عثمان،
إذا اشتريت فاکتل وإذا بعت فکِلْ)).
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣٠).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٢٨).

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والتعليقان إثر حديث جابر سلفا في الصلاة موصولين(١) وستكون لنا
عودة إليه في الأطعمة.
و(فِرَاسٌ) هو ابن يحيى أبو يحيى الهمداني المعلم.
و(وَهْبٌ) هو ابن كيسان، أبو نعيم، مولى عبد الله بن الزبير المدني
التابعي، مات سنة ست. وقيل: سنة سبع وعشرين ومائة(٢).
وروي عنه أنه قال: رأيت سعد بن مالك وأبا هريرة وجابر بن عبد الله
وأنس بن مالك يلبسون الخز(٣)، ومغيرة الراوي عن الشعبي عن جابر هو
ابن مقسم الضبي، مات بعد الثلاثين ومائة.
أما فقه الباب: فالذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال
ويوزن من المبيعات على البائع ومن عليه الكيل والوزن فعليه أجرة
ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، وقال الثوري:
كل بيع فيه كيل أو وزن أو عدّ فهو على البائع حتى يوفيه إياه، فإن
قال: أبيعك النخلة فجذاذها على المشتري، قال: وكل بيع ليس فيه
كيل ولا وزن ولا عد فجذاذه وحمله ونقصه على المشتري، والقرآن
الذي ذكره البخاري يشهد لحديث عثمان في الباب، وكذا قصة
يوسف القليمي أن البائع عليه الكيل، قال تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنّ أُوْفِي
اُلْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٥٩] وقوله: ﴿فَأَوَّفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] ومع أنه
(١) قلت: عزو المصنف -رحمه الله- وصل هذين التعليقين لكتاب الصلاة، وهم؛
فالتعليق الأول إنما سيأتي موصولًا في كتاب: الوصايا برقم (٢٧٨١)، والثاني
يأتي موصولًا في كتاب: الاستقراض، برقم (٢٣٩٦).
(٢) ورد بهامش من الأصل: الثاني اقتصر عليه في ((الكاشف)) في ترجمة مغيرة، توفي
سنة ١٣٣ و((الوفيات)».
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٧٧/١١، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٤/
٢٥٦، والبيهقي في ((الشعب)) ١٦٥/٥، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٩/٢٣.