النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
ـ كِتَابُ البُيُوع
٤٧- باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ
قَبْلَ أَنْ يَتَفَزَّقَا وَلَمْ يُنْكِرِ البَائِعُ عَلَى المُشْتِي،
أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ.
وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا:
وَجَبَتْ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ.
٢١١٥ - وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَغْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي
فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَّ لِعُمَرَ ((بِعْنِيهِ)). قَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((بِعْنِيهِ)). فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَل
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ)). [٢٦١٠، ٢٦١١-
فتح: ٤/ ٣٣٤]
٢١١٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: بِعْتُ مِنْ
أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثَمَانَ مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِي
حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِ البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ
حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَّ قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنّ سُقْتُهُ
إِلَى أَرْضِ تَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. [انظر: ٢١٠٧ - مسلم:
١٥٣١- فتح: ٤/ ٣٣٤]
وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابن عُمَرَ في بيع الجمل
الصعب بطوله.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَقَالَ اللَّيْثُ(١): حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بِعْتُ مِنْ عُثْمَانَ بن عفان مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ
بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ
يُرَادَّنِي البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ المُتَبَابِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ
اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ
ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
الشرح:
أثر طاوس أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه
به(٢). وعن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: إذا بعت شيئًا على الرضا
قال: الخيار لكليهما حتى يتفرقا عن رضا(٣).
وتعليق الحميدي روى البخاري منه قطعة في باب: من أهدي له
هدية وعنده جلساؤه. فقال: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا ابن عيينة(٤).
وأخرجه الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر وهارون عنه، وأخرجه
أبو نعيم من حديث بشر بن موسى عنه، وكذا هو في ((مسنده)) من رواية
بشر بن موسی عنه.
وتعليق الليث رواه الإسماعيلي من حديث أبي صالح عنه، ورواه
أيضًا من حديث أيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري
به، قال: ورواه أبو صالح، عن الليث: عن يونس أخبرنا القاسم: أنا
ابن زنجویه، ثنا أبو صالح.
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٥٥/٨ (١٤٢٨٥).
(٣) (مصنف عبد الرزاق)) ٨/ ٥٢ (١٤٢٦٩).
(٤) ستأتي برقم (٢٦١٠) كتاب: الهبة.

٢٦٣
-- كِتَابُ البُيُوع
وقال البيهقي: رواه يحيى بن بكير أيضًا عن الليث، عن يونس، عن
الزهري به (١) وذكره أبو نعيم من حديث أبي صالح عنه، ثم قال: ذكره
-يعني: البخاري- فقال: وقال الليث، ولم يذكر من دونه، ويدل على
أن الحديث لأبي صالح، وأبو صالح ليس من شرطه.
إذا تقرر ذلك: فالحديث حجة لمن يرى الافتراق بالكلام في
الحديث السالف في الباب قبله ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّفَا)» وهو بين
في ذلك، ألا ترى أنه التَّ وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل
التفرق من عمر، ولو لم يكن الجمل له ما جاز له أن يهبه لابن عمر
حتى يجب له بافتراق الأبدان.
وأما حديث ابن عمر في مبايعته لعثمان فقد احتج به من قال: إن
التفرق بالأبدان.
واحتج به أيضًا من قال: إنه بالكلام، وكان من حجة الثاني أن
قالوا: لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان، لكان المراد به الحض
والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم وألَّا يفترسه في البيع
على استخباره عن الداء والغائلة، وقد قال التَّه: ((من أقال نادمًا أقال
الله عثرته يوم القيامة)). من حديث أبي هريرة (٢)؛ ألا ترى قول ابن
عمر: (وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا)، وفي رواية:
(١) البيهقي ٢٧١/٥.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وابن حبان ٤٠٥/١١ (٥٠٣٠)،
والحاكم ٢/ ٤٥، والبيهقي ٢٧/٦، من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي
هريرة مرفوعًا بلفظ: ((من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته)).
ورواه ابن حبان ٤٠٤/١١ (٥٠٢٩)، والبيهقي ٢٧/٦ من طريق سمي عن أبي
صالح، به، باللفظ الذي ذكره المصنف هنا.
=

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وكانت السنة يومئذٍ. ذكرها أبو عبد الملك، ولو كان على الإلزام لقال:
كانت، وتكون إلى يوم الدين، فحكى ابن عمر أن الناس حينئذٍ كانوا
يلتزمون الندب، لأنه كان زمن مكارمةٍ، وأن الوقت الذي حدث ابن
عمر بهذا الحديث كان التفرق بالأبدان متروكًا، ولو كان على
الوجوب ما قال: وكانت السنة، فكذلك جاز أن يرجع على عقبيه؛
لأنه فهم أن المراد بالحديث الحض والندب، لاسيما وهو الذي
حصر فعله في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق.
وقال الطحاوي: يحتمل حديث ابن عمر الوجهين جميعًا، فنظرنا
في ذلك، فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان في الفرقة، بخلاف ما ذهب
إليه من قال: إن البيع لا يتم إلا بها. وهو ما رويناه عن ابن عمر
قال: ما أدركت الصفقة حيًّا فهو من مال المبتاع(١).
قال ابن حزم: صح هذا عنه ولا يُعلم له مخالف من الصحابة(٢).
قال ابن المنذر: يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها
=
وللحديث طرق وألفاظ أخرى.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن دقيق العيد في
((الاقتراح)) ص ٩٩: على شرط الشيخين. وصححه ابن حزم في ((المحلى)) ٣/٩،
والمصنف في ((البدر المنير)) ٥٥٦/٦. وقال البوصيري في ((الزوائد)) (٧٣٠):
إسناد طريق ابن ماجه صحيح على شرط مسلم.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) (١٣٣٤).
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١٦/٤.
وأثر ابن عمر هذا سيأتي معلقًا قبل حديث (٢١٣٨) باب إذا اشترى متاعًا أو دابة
فوضعه عند البائع أو مات قبل أن يقبض.
وهناك - إن شاء الله- يأتي مزيد تخريج له.
(٢) ((المحلى)) ٣٨٣/٨، ٣٩٦.

٢٦٥
كِتَابُ البُيُوع
=
المشتري بعد تمام البيع هي من مال المشتري؛ لأنه لو كان عبدًا فأعتقه
المشتري كان عتقه جائزًا؛ بخلاف عتق البائع، فهذا ابن عمر يذهب فيما
أدركت الصفقة حيًّا فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك أنه كان
يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك، وأن البيع
ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتى يهلك من ماله إن
هلك، وهذا من ابن عمر دال على أن مذهبه في الفرقة التي سمعها
من رسول الله ◌َ﴿ فيما ذكروا. وقد وجدنا عن رسول الله صليه ما يدل
على أن المبيع يملكه المشتري بالقول دون التفرق بالأبدان، وذلك أن
رسول الله ◌َ* قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه))(١) فكان
ذلك دليلاً على أنه إذا قبضه حل له بيعه فيكون قابضًا له قبل التفرق
بالأبدان.
وفي ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن
سعيد بن المسيب قال: سمعت عثمان يخطب على المنبر ويقول:
كنت أشتري التمر وأبيعه بربح فقال لي رسول الله وَله: ((إذا اشتريت
فاكتل، وإذا بعت فكِلْ)) (٢) وسيأتي عند البخاري أيضًا معلقًا(٣). وكان
من ابتاع طعامًا مكايلة فباعه قبل أن يكتاله لا يجوز بيعه، فإذا أبتاعه
واكتاله وقبضه ثم فارق بائعه، فكلٌّ قد أجمع أنه لا يحتاج بعد الفرقة
إلى إعادة الكيل. وخولف بين أكتياله إياه بعد البيع قبل التفرق وبين
أكتياله إياه قبل البيع، فدل ذلك أنه إذا أكتاله أكتيالا يحل له به بيعه،
(١) سيأتي برقم (٢١٣٢) كتاب: البيوع، باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة،
ورواه مسلم (١٥٢٥) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٢) ابن ماجه (٢٢٣٠) كتاب: التجارات، باب: بيع المجازفة.
(٣) قبل حديث (٢١٢٦) كتاب: البيوع، باب: الكيل على البائع والمعطي.

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فقد كان ذلك أكتيالًا له وهو له مالك، وإن أكتال أكتيالًا لا يحل له، فهو
كاله وهو غير مالك له، فثبت بما ذكرنا وقوع ملك المشتري في المبيع
بابتياعه إياه قبل فرقة تكون بعد ذلك، فهذا وجه طريق الآثار.
وأما طريق النظر: فرأينا الأموال تملك بعقود في أبدان وفي أموال
وفي أبضاع وفي منافع، فكان ما يملك من الأبضاع هو النكاح، وكأنه
(يملك)(١) بعقده لا بفرقةٍ بعد العقد وكان ما يملك به المنافع هو
الإجارات، وكان ذلك أيضًا مملوكًا بالعقد لا بفرقةٍ بعده، فالنظر
على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع،
وغيرها تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسًا ونظرًا.
وفي الحديث: أن يسأل رب السلعة بيعها وإن لم يعرضها، وأن
البيع لا يحتاج إلى قبض.
وقول البخاري: (ولم ينكر البائع على المشتري) فيه تعسف،
ولا يحمل فعله أنه وهب ما فيه لآخر خيار ولا إنكار؛ لأنه إنما بعث
مبينًا. نبه عليه ابن التين، قال: وليس فيه ما بوَّب له.
ومعنى: (سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُود): يعني: أن الأرض التي أعطيت
بعدها من أرض ثمود ثلاث ليالٍ، والأرض التي أعطاني من المدينة
على ثلاث، وما قرب موضع حاجته، وقد ذكر أن مسافة ما بين
المدينة وخيبر أكثر من أربعة أيام.
وقوله في الترجمة: (أو اشترى عبدًا فأعتقه). كأنه إنما أخذه من
القياس على الهبة، لأن القبض آكد من الهبة.
(١) من (م).

٢٦٧
كِتَابُ البُيُوع
وفي الحديث: جواز بيع الغائب علي الصفة، وهو مذهب جماعات،
وسيأتي ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
وقام الإجماع أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أخذ به من الهبة
أو العتق أنه بيع جائز، واختلفوا إذا لم ينكر ولم يرض بما أخذ به
المشتري، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته وعتقه، ومن
يرى التفرق بالأبدان لا يجيز شيئًا من ذلك، إلا بعد التفرق، وحديث
عمر حجة عليهم، وفي حديث الجمل توقيرهم الشارع، ولا يتقدمونه
في المشي.
وفيه: زجر الدواب، وهبة المبيع للغير وإن لم يأذن البائع كما
سلف. وفي مبايعة ابن عمر جواز بيع الأرض بالأرض.
وفي تلطف ابن عمر وافتراقه من عثمان استعمال الندب؛ إذ ليس من
شأنهم التحيل.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٤٨- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَبْعِ
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِینَارٍ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: ((إِذَا
بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ)). [٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٤٦ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح: ٤ / ٣٣٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي
البُيُوعِ، فَقَالَ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، فكان إذا بايع يقول: لا خلابة(١).
وهذا الرجل هو حَبَّان بن منقذ، بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة
مفتوحة، شهد أحدًا وأصابته آفة في رأسه، وولد ولده محمد بن يحيى بن
حبان، روى له الجماعة، وعمه واسع بن حبان أخرجوا له أيضًا، وروى
مسلم وأبو داود والترمذي لابنه حبان(٢). وقيل: إن هذه القصة لمنقذ بن
عمرو، قال ابن بطال: وهو أصح(٣). وعاش منقذ مائة وثلاثين سنة كما
سيأتي.
وفي ((الاستيعاب)) أنه منقذ(٤)، وذلك محفوظ من حديث ابن عمر
وغيره. والحاكم ذكره من حديث ابن عمر في ولده حَبان، ثم قال:
(١) مسلم (١٥٣٣) كتاب: البيوع، باب: من يخدع في البيع. وفيه يقول: لا خيابة.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (م. د. ت) ٣٤٤/١.
أخرجوا له حديثًا واحدًا في الوضوء: مسلم (٢٣٦) باب: في وضوء النبي ◌َّ وأبو
داود (١٢٠)، والترمذي (٣٥)، وانظر ترجمته في ((الاستيعاب)) ٣٧٩/١ (٤٨٢)،
((أسد الغابة)) ٤٣٧/١ (١٠٢٥).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٤٦/٦.
(٤) ((الاستيعاب)) ١٤/٤ (٢٥٢٩).

٢٦٩
كِتَابُ البُيُوع
متصل الإسناد(١).
وللدارقطني من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أن
رجلًا من الأنصار كان بلسانه لوثة(٢)، فذكر ذلك لرسول الله وله
فقال: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ مرتين)).
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدي
منقذ بن عمرو، وكان رجلًا قد أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه
ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن.
وفيه، وكان عَمَّر عُمرًا طويلًا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في
زمن عثمان حين فشا الناس(٣). وفي لفظ عن ابن عمر: كان حبان
رجلًا ضعيفًا، وكان قد سُفع في رأسه مأمومة، فجعل رسول الله وَيهل
له الخيار فيما يشتري ثلاثًا، وكان قد ثقل لسانه، فكنت أسمعه
يقول: لا خذابة لا خذابة. قال الدارقطني: وكان ضرير البصر (٤).
وفي الطبراني لما عمي قال له التَّ ذلك. ولابن حزم من حديث ابن
إسحاق: أن منقذًا سفع في رأسه مأمومة في الجاهلية فحلت لسانه.
وفيه: ((وأنت بالخيار ثلاثًا))(٥).
(١) ((المستدرك)) ٢٢/٢، وليس فيه قول الحاكم: متصل الإسناد. وإنما صححه
الذهبي.
(٢) ورد بهامش الأصل: الاسترخاء.
(٣) ((سنن الدارقطني)) ٥٥/٣.
((سنن الدار قطني)) ٥٤/٣.
(٤)
(٥) (سنن الدارقطني)) ٥٤/٣ من كلام عمر رضي الله عنه.
(٦) ((المحلى)) ٢٩٦/٨.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال الجياني: شج مع رسول الله وَّ في بعض الحصون بحجر. قال
صاحب ((المطالع)): وكان ألثغ لا يعطيه لسانه إخراج اللام، وكان ينطق
به ياءً أو ذالًا معجمة، وصحف من قال: لا خيانة(١).
و(الخِلَابَة): المخادعة، فلا خلابة، أي: لا خديعة، ولا غش،
ولا كيد، ولا غين ونحو ذلك. قال المهلب: أي: لا تخلبوني فإنه
لا يحل، فإن أطلعتُ على عيب رجعت به.
واختلف الفقهاء فيمن باع بيعًا غبن فيه غبنًا لا يتغابن الناس بمثله،
فقال مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وبأسعارها في وقت البيع لم
يفسخ ولو كثر الغبن، وإن كانا أو أحدهما غير عارفٍ بتقلب السعر
وتغيره وتفاوت الغبن فسخ البيع، إلا أن يريد أن يمضيه. ومن
أصحاب مالك من أعتبر مقدار ثلث السلعة، ولم يجد مالك في ذلك
حدًّا. ومذهبه إذا خرج عن تغابن الناس في مثل تلك السلعة أنه
يفسخ. وبهذا قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له أن
يفسخ في الغبن وإن كثر، وبه قال ابن القاسم؛ وحجتهم هذا
الحديث، لأن من يخدع في عقله بضعف يلحقه الغبن في عقوده،
فجعل له الشارع الخيار لما يلحقه من ذلك، فلو كان الغبن
شيئًا يملك به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط خيار مع استغنائه
عنه(٢).
(١) ورد بهامش الأصل: وفيه أيضًا: لا خيابة. ذكره في ((المطالع)).
[قلت: رواه مسلم بهُذِه اللفظة ((لا خيابة)) (١٥٣٣)].
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٨٠، ((الهداية)) ٤١/٣، ((التفريع)) ٢/ ١٧٣،
(عيون المجالس)) ٣/ ١٤١٨ - ١٤٢٠، ((المنتقى)) ١٠٨/٥، ((القوانين الفقهية))
ص ٢٦٥، ((الأم)) ٦٨/٣، ((المغني)) ٣٦/٦.

٢٧١
- كِتَابُ البُيُّوع
قلت: ذلك بأنه القذيفة قال: ((لك الخيار)) (١) ولم يقل له: اشترط
الخيار. وقال له: ( ((قُلْ: لَا خِلَابَةَ)) ) أي: لا خديعة، فلو كان الغبن
مباحًا لم يكن لقوله: ((لا خِلابة)) معنًى، ولم ينفعه ذلك، فلما كان
ذلك ينفعه جعل له الشارع الخيار بعد ذلك، لينظر فيما باعه ويسأل
عن سعره ويرى رأيه فيه، وإنما جعل ذلك في حبان ليعلمنا الحكم
في مثله، وإنما تعرف الأحكام بما يبينه، فبين من يغبن في بيعه إذا لم
يكن عارفًا بما يبيعه. وأيضًا فقد جعل الشارع الخيار للمتلقي لأجل
الغبن، واعترضه ابن حزم بأن فيه الخيار إلى دخول السوق، ولعله
لا يدخله إلا بعد عام أو أكثر(٢).
قلت: خلاف الغالب، وأيضًا لو أبتاع سلعةً فوجد بها عيبًا كان له
الخيار في الرد لأجل النقص الموجود بها، فلا فرق بين أن يجد النقص
بالسلعة أو بالثمن؛ لأنه في كلا الموضعين قد وجد النقص الذي يخرج به
عن القصد، ولا يرد الغبن اليسير؛ لاحتماله غالبًا.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه سُئل عن جاهل باع حجرًا أو درة
بدرهمين فألفاه، أي: وجده المشتري ياقوتة فلم ير فيه رجوعًا؛ لأن
الغلط ماض على البائع والمبتاع في المساومة، وإنما يرد في البيع
على المرابحة، إلا أن يبيعه بائعه على أنه زجاج فألفاه المشتري
ياقوتة، فإنه يرد البيع، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشتري
زجاجًا، يُرد أيضًا(٣).
وزعم ابن عبد البر أن هذا خاص بحبان، وأن الغبن بين المتبايعين
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ((المحلى)) ٨/ ٣٧٣.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٠٨/٥، ((تبصرة الحكام)) ١٢٧/٢.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لازمه، ولا خيار للمغبون بتسببها، سواء قلت أو كثرت(١)، وهو أصح
الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط
أن يبلغ الغبن ثلث القيمة(٢). وكذا حدَّه أبو بكر بن موسى من الحنابلة.
وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل (٣). ويؤيد الخصوص رواية ابن
لهيعة، عن حبان، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب
في البيوع، فقال: ما أجد لكم شيئًا مما جعله سيدنا رسول الله وَله
لحبان (٤)، ورواية ابن لهيعة أيضًا عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن
جده، قال عمر بن الخطاب الحديث(٥)، لكنهما ضعيفان.
وتمسك بهذا الحديث من لا يرى الحجر على الكبير، لاسيما وقد
جاء في بعض طرقه أن أهل هذا الرجل سألوا رسول الله وصل* أن يحجر
عليه لما في عقوده من الغبن، فلم يحجر عليه، وأمره بقوله: ((لَا خِلَابَةَ)).
قلت: قد يقال: إن الحجر عليه يؤخذ منه؛ لأنهم سألوه ما أنكر
عليهم، وقد قال له: ((قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا)). ويروى:
((واشترط الخيار ثلاثًا))(٦).
(١) ((التمهيد)) ١٧ / ٩.
(٢) انظر: ((التاج والإكليل)) ٣٩٩/٦، ((مواهب الجليل)) ٦/ ٣٩٨.
(٣) انظر: ((المغني)) ٣٦/٦، ٣٧.
(٤) رواه الطبراني في (الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) ٨/٤ والدار قطني ٥٤/٣، والبيهقي
٢٧٤/٥، وأشار الحافظ لضعفه، فقال في ((التلخيص)) ٢٣١/٣: فيه ابن لهيعة.
(٥) انظر: ((سنن البيهقي)) ٢٧٤/٥ قال البيهقي مشيرًا لضعف الطريقين: الحديث ينفرد
به ابن لهيعة.
(٦) تقدم تخريجه وقال المصنف رحمه الله في ((البدر المنير)) ٦/ ٥٣٩ - ٥٤٠: رواية
((واشترط الخيار ثلاثًا)) غريبة قال ابن الصلاح: منكرة لا أصل لها وانظر ((تلخيص
الحبير)) ٢١/٣ - ٢٢.

٢٧٣
- كِتَابُ البُيُوع
ويجوز أن يكون تركه لكونه يسيرًا لا يحجر بمثله.
قال الدودي: أسفر لنفسه فدله على وجه يختص به، ولم يضرب
على يديه. وأجاب ابن العربي بأنه يحتمل أن تكون الخديعة كانت في
العيب أو في الغبن أو في الكذب أو في الثمن أو في العين.
وليست قضية عامة فتحمل على العموم، وإنما هي خاصة في عين
وحكاية حال. وعند المالكية خلاف في الحجر على من يخدع في بيعه،
قال ابن شعبان: نعم. وقال غيره: لا؛ عملًا بهذا الحديث، واستدل به
على أن بيع السفيه إذا لم يكن عليه وصي على الجواز حتى يضرب على
يده، لإجازة الشارع ما تقدم من بيوعه.
وعورض بأنه يحتمل أن يكون بائعه غير معروف أو غائبًا. وقد قال
ابن القاسم: يفسخ بيعه وإن لم يضرب على يديه، وخالفه جميع
أصحاب مالك(١).
قال ابن حزم: من قال حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة، فله الخيار
ثلاث ليالٍ بما في خلالهن من الأيام، إن شاء رد بعيب أو بغيره
أو بخديعةٍ أو بغيرها بغبن أو بغيره، وإن شاء أمسكه، فإذا انقضت
الليالي الثلاث بطل خياره ولزمه، ولا رد إلا من عيب إذا وجد، فإن
قال لفظًا غير: لا خلابة بأن يقول: لا خديعة، أو لا غش، أو لا كيد،
أو لا غبن، أو لا منكر، أو لا عيب، أو لا ضرر، أو على السلامة،
أو لا داء، أو لا غائلة أو لا خبث، أو نحو هذا لم يكن له الخيار
المجعول لمن قال: لا خلابة؛ لكن إن وجد شيئًا مما بايع على أن
لا يعقد بيعه عليه بطل البيع، وإن لم يجده لزم البيع(٢).
(١) انظر: ((مواهب الجليل)) ١١٥/٦.
(٢) ((المحلى)) ٤٠٩/٨ - ٤١٠.

٢٧٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وحكى ابن التين قولًا أن معنى: لا خلابة في صفة النقد، وفي وفاء
الوزن والكيل، قال: ويحتمل أن يأمره بذلك على وجه الإعذار لبائعه.
وقيل: إنه الكَّى جعل له ذلك علامة يثبت له بها الخيار ثلاثًا. واحتج به
على جواز اشتراطه للبائع والمشتري والأجنبي؛ لإطلاق الحديث.
وفيه: ما كان القوم عليه من أداء الأمانة لمن عاملهم والنصح لمن
استنصحهم.

٢٧٥
- كِتَابُ البُيُوع
٤٩- باب مَا ذُكِرَ في الأَسْوَاقِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ
مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. [انظر: ٢٠٤٨] وَقَالَ
أَنَسُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. [انظر: ٢٠٤٩]
وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. [انظر: ٢٠٦٢]
٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سُوقَّةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((يَغْزُو جَيْشٌ الكُعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ
بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِم). قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ
أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى
نِيَّاتِهِمْ)). [مسلم: ٢٨٨٤ - فتح: ٣٣٨/٤]
٢١١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((صَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَّاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى
صَلَائِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّ الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ
خَطْوَةً إِلَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى
أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ الذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَرْحَمْهُ، مَا
لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ)). وَقَالَ: ((أَحَدُكُمْ فِي صَلَةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ
تَحْبِسُهُ)). [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٣٣٨/٤]
٢١٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هذا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((سَمُوا بِاسْمِيَ،
وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي)».

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢١٢١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَذَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه: دَعَا رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالْتَّفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وََّ، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ. قَالَ:
(سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)). [انظر: ٢١٢٠ - مسلم: ٢١٣١ - فتح: ٣٣٩/٤]
٢١٢٢ - حَذَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ
نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌ََّ
فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكُلِّمُهُ، حَتَّى أَتَىْ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلّسَ بِفِنَاءِ
بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟)). فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ
سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَلَهُ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَحْيِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ
يُحِبُّهُ)). قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَبِ أَنَّهُ رَأَىْ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْقَرَ بِرَكْعَةٍ. [٥٨٨٤-
سلم ٢٤٢١ - فتح: ٣٣٩/٤]
٢١٢٣ - حَدَّثَنَا إِرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، حَذَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعِ،
حَدَّثَنَا ابن عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وََّ، فَيَبْعَثُ
عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ أَشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. [٢١٣١،
٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٣٣٩/٤]
٢١٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َ أَنْ يُبَاعَ
الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٣٩]
ذكر فيه أثر عبد الرحمن السالف أول البيع (١). وَقَالَ أَنَسُ: قَالَ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ: دُلَّونِي عَلَى السُّوقِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وقد
سلف هناك(٢). وفعلهما دال على فضل الكفاف.
ثم ذكر حديث عائشة مرفوعًا: ((يَغْزُو جَيْشُ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ
(١) برقم (٢٠٤٨) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾.
(٢) مسندًا برقم (٢٠٦٢) كتاب: البيوع، باب: الخروج في التجارة.

٢٧٧
كِتَابُ البُيُّوع
مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)) - الحديث -. وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ؟ ((ثُمَّ
يُبْعَثُونَ عَلَىْ نِيَّاتِهِمْ)).
وأخرجه مسلم أيضًا(١).
وحديث أبي هريرة السالف في الصلاة(٢): ((صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ
تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بيته وسوقه بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ... )) الحديث بطوله.
وفيه: ( ((ولَا يَنْهَزُهُ)) ) أي: لا يخرجه ولا يدفعه، يقال: نهز الرجل
بنفسه إذا نهض، وهو بضم الياء وفتحها.
والخطوة : -بفتح الخاء وحكي الضم -. ويؤذ: يغتب. وقال:
أبو هريرة: يحدث.
وحديث أنس: كَانَ الَيْرِ بالسوق، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ ...
الحديث. وفي آخره: ((لا تسموا بِاسْمِي، وَلَا تَكَتَّوْا بِكُنْيَتِي)).
وفي رواية (٣): دَعَا رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا القَّاسِم ... الحديث.
وحديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ بَّهِ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يَكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى
سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟))
وفي آخره: ((اللّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ)).
يريد: الحسن(٤) بن علي.
(١) مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم
البيت.
(٢) برقم (٤٧٧) باب: الصلاة في مسجد السوق.
(٣) ورد بهامش الأصل: ساقها بسند آخر يجتمعان في حميد.
(٤) في الأصل فوق الكلمة: الحسين.

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعند الإسماعيلي: جاء الحسن والحسين يشتدوا.
واللكع: الاستصغار، ويقال: اللؤم.
وفيه: (فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) والسِخَابَ: قلادة خرزها طيب.
قال سفيان(١): قال عبيد الله - يعني: ابن أبي يزيد - أخبرني أنه رأى
نافع بن جبير أوتر بركعة.
وحديث موسى بن عقبة، عَنْ نَافِعِ، ثَنَا ابن عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ
الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ رسول اللّهَ بَّهِ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ
يَبِيعُوهُ حَيْثُ أُشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابن عُمَرَ: نَهَى رسول الله ◌َّهِأَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ
حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ.
وأخرجه مسلم أيضًا(٢).
(١) ورد فوق الكلمة في الأصل: معلق.
قلت: وكأنه تعليق سبط بن العجمي، وفيه نظر؛ فإنه ليس تعليقًا، بل هو موصول
بإسناد الحديث قبله مباشرة، حديث (٢١٢٢) والمصنف ذكره هنا ولم يذكر أنه
معلق، وكذا لم يذكره الحافظ في ((تغليق التعليق)).
بل قال في ((الفتح)) ٣٤٢/٤: هو موصول بالإسناد المذكور.
وكذا قال العيني في ((عمدة القاري)) ٣٣١/٩ وزاد: وسفيان هو ابن عيينة،
وعبيد الله هو ابن أبي يزيد المذكور في الحديث؛ وقد نقد الراوي على قوله:
(أخبرني أنه)، وهذا لا يضر، وفائدة إيراد هذِه الزيادة التنبيه على لقي عبيد الله
النافع بن جبير، فلا تضر العنعنة في الطريق الموصول؛ لأن من ثبت لقاؤه لمن
حدث عنه ولم يكن مدلسًا حملت عنعنته على السماع أتفاقًا، وإنما الخلاف في
المدلس أو فیمن لم يثبت لقیه لمن روى عنه. اهـ.
(٢) مسلم (١٥٢٦) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.

٢٧٩
كِتَابُ البُيُوع
=
الشرح :
إنما أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر، ودخول السوق والشراء فيه
للعلماء والفضلاء، وكأنه لم يصح عنده الحديث المروي: ((شر البقاع
الأسواق وخيرها المساجد))(١)، وهذا إنما خرج علي الأغلب؛ لأن
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (١١٩)، و((إتحاف الخيرة
المهرة)» ٢/ ٢٧ (٩٦٩)، وأبو يعلى كما في ((المطالب العالية)) ٤٦٨/٣ (٣٥٠)،
وابن حبان ٤٧٦/٤ (١٥٩٩)، والحاكم ٩٠/١ و٧/٢، والبيهقي ٦٥/٣ و ٧/
٥٠-٥١، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٨٢٦/٢ (١٥٥٠)، والحافظ في
((موافقة الخبر الخبر)) ١١/١ من طريق جرير بن عبد الحميد عن عطاء عن
محارب بن دثار عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلير .. الحديث وفيه
قصة. وفيه: فحدثه أن خير البقاع المساجد وأن شر البقاع الأسواق.
والحديث صححه الحاكم ٢/ ٧. وكذا ابن حبان. وقال البوصيري في ((الإتحاف))
٢٨/٢: في الحكم بصحة الحديث نظر؛ فإن جرير بن عبد الحميد سمع من عطاء
بعد اختلاطه، قاله أحمد بن حنبل، وشيخه يحيى بن سعيد القطان.
وقال الحافظ في ((المطالب)) ٤٦٨/٣: صححه ابن حبان. وسكت، فكأنما أقره.
بل صرح بتصحيحه في ((الموافقة)) ١١/١ فقال: حديث حسن صحيح.
والحديث ذكره الألباني في ((الثمر المستطاب)) ٤٩٩/١ - ٥٠٠ ونحا منحى
البوصيري، فقال: جرير ممن سمع من عطاء حديثًا بعد الاختلاط، وقد جاء في
حديث هذا ألفاظ ظاهرة النكارة مما لم يرد في الأحاديث الأخرى. وذلك يدل
على اختلاطه، لكن أصل الحديث صحيح بشواهده. اهـ
قلت: فله شاهد من حديثي جبير بن مطعم وأنس.
فأما حديث جبير بن مطعم: رواه الإمام أحمد ٨١/٤، والبزار كما في ((كشف
الأستار)) (١٢٥٢)، وأبو يعلى ١٣/ ٤٠٠ (٧٤٠٣)، والطبراني ١٢٨/٢
(١٥٤٦)، والحاكم ٨٩/١-٩٠ و٧/٢، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٣٦١/٢
(١١٠٢)، والحافظ في ((الموافقة)) ١/ ١٠ من طريق زهير بن محمد عن عبد الله بن
محمد بن عقيل، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير بن مطعم أن رجلا أتى
رسول الله ◌َل﴾، فذكره، بنحو حديث ابن عمر.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
المساجد يُذكر فيها اسم الله، والأسواق غلب عليها اللغط واللهو،
والاشتغال بجمع الأموال، والكلب على الدنيا من الوجه المباح
وغيره، وأما إذا ذكر الله فيه فهو من أفضل الأعمال؛ لحديث: ((من دخل
السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير. كتب الله له ألف
ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيت في الجنة))(١).
= وصححه الحاكم. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣٣٩/٤: إسناده حسن وتابعه قيس بن
الربيع عن عبد الله بن محمد بن عقيل: رواه الطبراني ١٢٨/٢ (١٥٤٥)، ومن
طريقه الحافظ في ((الموافقة)) ١٠/١ من طريق عاصم بن علي، عن قيس، به.
ومن هذين الطريقين حسنه الحافظ في ((الموافقة)) ١١/١.
وتابعه أيضًا عمرو بن ثابت، رواه الحاكم ١/ ٩٠.
والحديث حسنه الألباني بمتابعاته في ((الثمر)) ٤٩٨/١.
وأما حديث أنس فرواه الطبراني في ((الأوسط)) ٧/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧١٤٠)، ومن
طريقه الحافظ في ((الموافقة)) ٩/١- ١٠ من طريق عبيد بن واقد، عن عمارة بن
عمارة الأزدي، عن محمد بن عبد الله، عن أنس بن مالك، بنحوه.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمارة بن عمارة إلا عبيد بن واقد.
قال الحافظ: وهو ضعيف.
قلت: والحديث رواه مسلم (٦٧١) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((أحب البلاد
إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)).
(١) رواه الترمذي (٣٤٢٨)، والطبراني في «الدعاء)) ١١٦٧/٢ (٧٩٢)، والحاكم ١/
٥٣٨ من طريق أزهر بن سنان عن محمد بن واسع قال: قدمت مكة فلقيني أخي
سالم بن عبد الله بن عمر، فحدثني عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب، مرفوعًا به.
قال الترمذي: حديث غريب.
ورواه الترمذي (٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والطيالسي ١٤/١ - ١٥ (١٢)،
وأحمد ٤٧/١، والبزار في ((البحر الزخار)) ٢٣٨/١ (١٢٥)، والطبراني في
(«الدعاء)» ١١٦٥/٢- ١١٦٦ (٧٨٩)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٨٣)،
وابن عدي ٦/ ٢٣٥ من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله =