النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كِتَابُ البُيُّوع أن الناس يخرجون من قبورهم سراعًا إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، ويريدون السرعة فلا يقدرون. وقوله في حديث سمرة: ((فأخرجاني إلى أرض مقدسة)» أي: مطهرة، وهي دمشق وفلسطين. وترجم على الشاهد والكاتب، ولم يذكر فيه حديثًا، وقد ذكرته لك، وكأنه لما أعان على أكل الربا بشهادته وكتابته وكان سببًا فيه معينًا عليه؛ فلذلك ألحق به في اللعن، كما ستعلمه. وروى الجوزي من حديث أبان عن أنس مرفوعًا: ((يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلا يجر شقه)) ثم قرأ الآية (١). قلت: لأن الربا ثقله يعجز عن الإيفاض، والفرق بين البيع (والربا)(٢) بزيادات؛ لأنه في البيع أخذ عوضًا عن ماله، وهو في الربا أخذ من غير مقابل، والإمهال ليس مالًا حتى يجعل عوضًا. قال ابن النقيب: والصحيح أن الآية من العموم الذي خصَّ من المجمل، ثم جمهور العلماء على أن عقد الربا مفسوخ. وقال أبو حنيفة: هو فاسد، إذا أزيل عنه ما يفسده أنقلب صحيحًا. وأكل الربا محرم بنص القرآن -كما سلف- وهو من الكبائر المتوعد عليها بمحاربة الله ورسوله، وبما ذكره في الحديث. قال الماوردي: أجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرمًا في جميع الشرائع(٣). (١) ذكره الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٨/٣ وعزاه للطبراني والأصبهاني، وقال الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١١٦٦): موضوع. (٣) ((الحاوي)) ٧٤/٥. (٢) من (م). ١٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٥- باب مُوكِلٍ الرِّبًا لِقَوْلِهِ وَكَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَّؤْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٨١] قَالَ ابن عَبَّاسِ: هُذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَلَهِ؟. [٤٥٤٤] ٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِ جُحَيْفَةً قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرِى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلَّتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ ثَنِ الكَلْبِ، وَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالْمؤْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢- فتح: ٣١٤/٤] ثم ساق من حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةً قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي أَشْتَرىْ عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُّهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ بَّهِ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. الشرح: أما الآية: فنزلت في بقية من الربا في حق جماعة من الصحابة، والآية مدنية، ويدل على تاريخها حديث عائشة السالف في الباب قبله(١)، وحرمت الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع. ﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنِينَ﴾ على ظاهره، أو من كان، فهذا حكمه، ﴿فَأَذَنُواْ﴾ أي: أيقنوا، أو: فأعلموا غیرکم أنكم على حربهم، تَظْلِمُونَ﴾: لا تأخذون زيادة على رأس المال(٢) ﴿وَلَا نُظْلَمُونَ﴾ بنقص رأس المال ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: في مصحف عثمان: ذا عسرة: (١) سلف برقم (٢٠٨٤). (٢) ورد في هامش (م): وقيل: معنى ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: بحبس رأس المال، فإن الجاهلية كانوا يحبسون ويقولون: زيدوا في الأجل ونزيدكم في المال إذا لم يقدروا على القضاء به. ١٦٣ كِتَابُ البُيُوع نزلت في الربا وأعم، ﴿فَنَظِرَةُ﴾: أي: تأخير، فينظر في دين الربا، أو مطلقًا، أو الإنظار، في دين الربا نصًا، وفي غيره قياسًا، ﴿مَيْسَرَوْ﴾: يسار، وقيل: الموت، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ على المعسر بالإبراء خير من الإنظار ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ إلى جزائه أو ملكه، ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من الأعمال أو الثواب والعقاب، ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ما يستحقونه من الثواب، ولا بزيادة على ما يستحق به من العقاب. وما ذكره البخاري عن ابن عباس أسنده في تفسيره من طريق الشعبي عنه (١). وقال ابن جريج: مكث رسول الله وَلقر بعدها سبع ليال(٢). وقال ابن عباس: أحدًا وثمانين يومًا(٣). واعترض الداودي فقال: إما أن يكون وهم من بعض الرواة أو اختلافًا من القول، وقد قيل: إن آخر آية نزلت: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] والوهم؛ لقربها منها، وقيل: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] من آخر سورة براءة، وفي البخاري بعد هذا: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت خاتمة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٤) الآية [النساء: ١٧٦]. (١) سيأتي برقم (٤٥٤٤). (٢) رواه ابن جرير في «تفسيره)) ١١٥/٣ (٦٣١٢). (٣) رواه البيهقي في ((دلائله)) ١٣٧/٧، وعزاه في ((الدر المنثور)) ١/ ٦٥٣ للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في ((الدلائل)). (٤) سيأتي برقم (٦٣٦٤) كتاب: المغازي، باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع، (٤٦٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: براءة من الله ورسوله. من حديث البراء بن عازب. ١٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال أبي بن كعب: آخر آية نزلت ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) [التوبة: ١٢٨]. وقيل: إن قوله تعالى ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع. وحديث أبي جحيفة من أفراده، وذكره في باب: ثمن الكلب وغيره(٢)، وفي بعض طرقه زيادة: (كسب الأمة)(٣) وفي أخرى: (وكسب البغي)(٤)، وتفرد منه بلعن المصور أيضًا (٥). (١) رواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) ١١٧/٥، وإسحاق بن راهويه كما في («إتحاف الخيرة المهرة)) ٢١٧/٦ (٥٧٢٤) وكما في ((المطالب العالية)) ٦٨١/١٤ (٣٦١٧). وقال الحافظ عقبه: هذا إسناد حسن. والطبري في تفسيره)) ٥٢٤/٦ (١٧٥٢٩-١٧٥٣٠)، والشاشي في ((مسنده)) ٣/ ٣١٠-٣١٢ (١٤١٤، ١٤١٦)، والطبراني ١٩٩/١ (٥٣٣)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٣٨/٢ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه - والبيهقي في ((الدلائل)) ١٣٩/٧، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١/ ٣٤٥ جميعًا من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٦/٧: فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيِّئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات. ورواه أحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) ٢١٨/٦ (٥٧٢٤) وكما في ((المطالب العالية)) ١٤/ ٦٨٤ (٣٦١٦) من طريق منصور عن الحسن، عن أبي بن كعب. والحسن لم يسمع من أبي بن كعب، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الحسن البصري ٣٨٨/١: روى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. قلت: فروايته عن أبي منقطعة ضعيفة. والله أعلم. (٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨). (٢) سيأتي برقم (٢٢٣٧) كتاب: البيوع. (٤) سيأتي برقم (٥٣٤٧). (٥) سيأتي برقم (٢٠٨٦). ١٦٥ كِتَابُ البُيُوع سبببـ وإذا تقرر ذلك : فقد سوى النبي ◌ّلو بين موكل الربا وآكله في النهي؛ تعظيمًا لإثمه، كما سوى بين الراشي والمرتشي في الإثم (١). (١) روى أبو داود (٣٥٨٠) كتاب: الأقضية، باب: في كراهية الرشوة، من حديث عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ولو الراشي والمرتشي. وكذا رواه الترمذي (١٣٣٧) كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢٣١٣) كتاب: الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة، وأحمد ١٦٤/٢، وعبد الرزاق ٨/ ١٤٨ (١٤٦٦٩) كتاب: البيوع، باب: الهدية للأمراء والذي يشفع عنده، والطيالسي ٣٤/٤ (٢٣٩٠)، وابن الجارود ١٧١/٢ (٥٨٦)، ووكيع في ((أخبار القضاة» ٤٦/١، وابن حبان ٤٦٨/١١ (٥٠٧٧) كتاب: القضاء، باب: الرشوة، والحاكم ١٠٢/٤ - ١٠٣ - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في (سننه)) ١٣٨/١٠ - ١٣٩، والبغوي في ((شرح السنة)) ٨٧/١٠ - ٨٨ ٢٤٩٣)، وصححه ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)» ٤٨/٣، والمصنف في ((خلاصة البدر)» ٥٣/٢، والدار قطني في ((العلل)) ١٨٩/٤، والألباني في ((صحيح الترغيب)) (٢٢١١). وفي الباب عن ثوبان وأبي هريرة وأم سلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وعائشة. فأما حديث ثوبان فرواه أحمد ١٧٩/٥، والبزار كما في ((كشف الأستار)» (١٣٥٣)، والروياني ٤١٨/١ - ٤١٩ (٦٣٩)، والحاكم ١٠٣/٤، والبيهقي في «شعب الإيمان)) ٣٩٠/٤ (٥٥٠٣)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٨٥/٣٣، بلفظ: لعن رسول الله وقدر الراشي والمرتشي والرائش. قال البزار: قوله: الرائش، لا نعلمها إلا من هذا الطريق، وإنما يرويه ليث بن أبي سلیم. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٨/٤: فيه أبو الخطاب وهو مجهول، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٢٣٥): منكر. وحديث أبي هريرة رواه الترمذي (١٣٣٦)، وأحمد ٣٨٧/٢، ووكيع في ((أخبار القضاة)) ٤٧/١، وابن الجارود ٢/ ١٧٠ - ١٧١ (٥٨٥)، وابن حبان ١١/ ٤٦٧ = ١٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وموكل الربا: هو معطيه، وآكله: الذي يأخذه. وأمر الله تعالى عباده بتركه والتوبة منه بقوله: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٨]، وتوعد تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله، وليس في جميع المعاصي ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق = (٥٠٧٦)، وابن عدي في ((الكامل)) ٧٨/٦ - ٧٩ في ترجمة عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عون (١٢٠٩)، والحاكم ١٠٣/٤، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٢٥٤/١١، وعبد الكريم القزويني في ((التدوين في أخبار قزوين)) (٤٩٦/٢) بلفظ: لعن رسول الله وَّ الراشي والمرتشي في الحكم. والحديث حسنه الألباني في ((غاية المرام)) (٤٥٧). وحديث أم سلمة رواه الطبراني ٢٣ (٩٥١) قال رسول الله ويلي: (لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم))، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٩/٤: رجاله ثقات، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)): إسناده جيد، وخالفه الألباني فضعفه في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٣٤٥). وحديث ابن عمر رواه وكيع في ((أخبار القضاة)) ٤٦/١، وابن عدي في ((الكامل)) ٨٨/٧ في ترجمة عصمة بن محمد بن فضالة (١٥٣٥) بلفظ: لعن رسول الله وَل﴾ الراشي والمرتشي والماشي في الرشوة، وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢٠٤٨): رواه أحمد بن منيع عن ابن عمر وسنده حسن. وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٣٥٥)، ووكيع في ((أخبار القضاة)) ١/ ٤٧. بلفظ: ((الراشي والمرتشي في النار)). وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٩/٤: فيه من لم أعرفه. وحديث عائشة رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٣٥٤)، ووكيع في ((أخبار القضاة)) ٤٦/١، وأبو يعلى ٧٤/٨ (٤٦٠١)، ٣٦٠/٨ (٤٩٤٧) بلفظ: لعن رسول الله ◌َ﴿ الراشي والمرتشي، وفي بعض الروايات بزيادة: في الحكم. وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه، تفرد به إسحاق وهو لين الحديث، وقد حدث عنه ابن المبارك وغيره. وقال الهيثمي ١٩٩/٤: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو متروك. وانظر: ((الإرواء)) (٢٦٢١). ١٦٧ كِتَابُ البُيُّوع على كل مؤمن أن يجتنبه ولا يتعرض لما لا طاقة له به من المحاربة المذكورة، ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى حين قالت للمرأة التي قالت لها: بعت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم أبتعتها بستمائة درهم. فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله وَّ﴿ إن لم يتب(١). ولم تقل (١) رواه أحمد في ((مسنده)) كما في ((نصب الراية)) ١٦/٤، وكما في ((الدراية)) ١٥١/٢ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أمرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد ... الحديث. ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٨٤/٨ (١٤٨١٢) من طريق معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم ... الحديث. ورواه أيضا عبد الرزاق ١٨٥/٨ (١٤٨١٣) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر تقول سألت عائشة فقلت: بعت زيد بن أرقم جارية ... الحديث، ورواه البغوي في ((مسند ابن الجعد)) (٤٥١) كرواية أحمد السالفة سندًا ومتنا، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٥٤٥/٢ - ٥٤٦ (٢٨٩٧) من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن امرأته -أم يونس العالية بنت أيفع - أن عائشة زوج النبي وَل* قالت لها أم محبة- أم ولد لزيد بن أرقم ... الحديث، والدارقطني ٣/ ٥٢ من طريق معمر عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد ... الحديث، والبيهقي في ((سننه)) ٣٣٠/٥- ٣٣١ من ثلاث طرق: الأول: من طريق أحمد والبغوي. الثاني: من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق، عن العالية قالت: كنت قاعدة عند عائشة فأتتها أم محبة فقالت لها ... الحديث. الثالث: من طريق عبد الرزاق الثاني وذكر فيه أيضًا: امرأة أبي السفر. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨/ ٤٨٧ من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن أمه العالية بنت أيفع أنها حجت مع أم محبة فدخلتا على عائشة ... الحديث مختصرًا وبنحوه رواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ١٨٤/٢ (١٤٥٤) مطولًا، ووقع = ١٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فيه أم مجية بدل أم محبة، وهو تصحیف بَّین. قلت: اختلف في هذا الحديث فبعضهم أبهم اسم السائلة لعائشة، والبعض سماها أم محبة، والبعض ميزها بأنها أمرأة أبي السفر. وأبو السفر هو: سعيد بن يحمد ويقال: ابن أحمد الهمداني الثوري الکوفي روی عنه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج وجماعة أنظر ترجمته في: ((ثقات ابن حبان)) ٧/ ٢٥، و(تهذيب الكمال)) ١٥/ ٤١. قال البيهقي: قال الشافعي: فقيل له: أيثبت هذا الحديث عن عائشة؟ فقال: أبو إسحاق رواه عن أمرأته، قيل: فتعرف امرأته بشيء يثبت من حديثها؛ فما علمته قال شيئًا، وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع إلا مثله اهـ ((معرفة السنن والآثار)) ١٣٦/٨. وأورد ابن حزم الحديث في ((المحلى)) ٢٩/٧ وقال: خبر لا يصح، وقال في موضع آخر ٤٩/٩- ٥٠: هذا الخبر فاسد جدًا من وجوه: الأول: أن أمرأة أبي إسحاق مجهولة الحال لم يرو عنها أحد غير زوجها وولدها يونس، على أن يونس قد ضعفه شعبة بأقبح تضعیف، وضعفه یحیی القطان وابن حنبل. الثاني: قد صح أنه مدّلَّس، وأن أمرأة أبي إسحاق لم تسمعه من عائشة؛ وذلك أنه لم يذكر عنها زوجها ولا ابنها أنها سمعت سؤال المرأة لعائشة ولا جواب عائشة لها، إنما في حديثها: دخلت على عائشة أنا وأم ولد لزيد فسألتها أم ولد زيد، وهذا يمكن أن يكون ذلك السؤال في ذلك المجلس ويمكن أن يكون في غيره - ثم ساق بسنده حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأة قالت: سمعت أمرأة أبي السفر الحديث، ثم قال: فبين سفيان الدفينة التي في هذا الحديث وأنها لم تسمعه أمرأة أبي إسحاق من أم المؤمنين، وإنما روته عن أمرأة أبي السفر، وهي في الجهالة أشد وأقوى من أمرأة أبي إسحاق، فصارت مجهوله عن أشد منها جهالة ونكرة، فبطل جملة، ولله تعالى الحمد، وليس بين يونس وسفيان نسبة في الثقة فالرواية ما روى سفيان. الثالث: من البرهان الواضح على كذب هذا الخبر ووضعه، وأنه لا يمكن أن يكون حقًا أصلًا ما فيه مما نسب إلى عائشة من أنها قالت: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله وَّ﴿ إن لم يتب، وزيد لم يفته مع رسول الله وَلقر = ١٦٩ = ڪِتَابُ البُيُوع لها: إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك - والله أعلم- أن من جاهد في سبيل الله فقد حارب محاربة الله، ومن أربا فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس (ذنبه)(١). = إلا غزوتان بدر وأحد، وشهد بيعة الرضوان ونزل فيه القرآن، وشهد الله له بالجنة على لسان رسوله أن لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فوالله ما يبطل هذا كله ذنب من الذنوب غير الردة، وقد أعاذه الله منها برضاه عنه، وأعاذ عائشة من أن تقول هذا الباطل. الرابع: يوضح كذب هذا الخبر أيضًا أنه لو صح أن زيدًا أتى أعظم الذنوب من الربا المصرح، وهو لا يدري أنه حرام لكان مأجورًا في ذلك أجرًا واحدًا غير آثم، فكيف بعائشة إبطال جهاد زيد بن أرقم في شيء عمله مجتهدًا لا نص في العالم يوجد بخلافه لا صحيح ولا من طريق واهية، هذا والله الكذب المحض المقطوع به، فليتب إلى الله تعالى من ينسبه إلى عائشة، فهُذِه براهين أربعة في بطلان هذا الخبر وأنه خرافة مكذوبة اهــ بتصرف. قلت: في بعض ما قاله ابن حزم نظر: قال ابن سعد في ((طبقاته)) ٤٨٧/٨: العالية بنت أيفع أمرأة أبي إسحاق، دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها. قال ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٨٤/٢: قالوا: العالية امرأة مجهولة فلا يقبل خبرها. قلنا بل هي امرأة جليلة القدر معروفة. اهـ. قال الزيلعي: قال في ((التنقيح)): هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها، فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله وَ ا أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. اهـ ((نصب الراية» ١٦/٤. وأورد ابن كثير في تفسيره) ٤٨٦/٢ حديث ابن أبي حاتم وقال: هذا الأثر مشهور. وقال ابن التركماني: العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان اهـ ((الجوهر النقي)) ٣٣١/٥. (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أو يكون من أربى فقد حارب الله، ولا يكون الشخص محاربا لله وفي الله. ١٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وهُذِه الأشياء المنهي عنها في الحديث مختلفة الأحكام، فمنها ما هو على سبيل التنزه ككسب الحجام، ومنها ما هو على سبيل التحريم كثمن الكلب عندنا(١)، وكره عند المالكية(٢) للضعة والسقوط في حقه، ومنها حرام بين كالربا. وأما اشتراء أبي جحيفة الحجام، ثم قال: (نهى رسول الله وَله عن ثمن الدم (بمحجمه)(٣). وتخلص من إعطاء الحجام أجرة حجامته؛ خشية أن يواقع نهي رسول الله وَلقول عن ثمن الدم على ما تأوله في الحديث، وقد جاء هذا مبينًا في باب ثمن الكلب بعد هذا، قال عون بن أبي جحيفة: رأيت أبي اشترى (عبدًا)(٤) حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألت عن ذلك، فقال: نهى رسول الله و ﴿ عن ثمن الدم(٥). وإنما فعل ذلك على سبيل التورع والتنزه، وسيأتي القول في كسب الحجام بعد هذا. وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فقال الشافعي: لا يجوز بيعها ، كلها سواء كان كلب صيد أو حرث أو ماشية أو غير ذلك، ولا قيمة فيها (٦)، وهو قول أحمد وحماد والحسن(٧). واختلفت الرواية عن مالك في بيعه، فقال في ((الموطأ)): أكره بيع الكلب الضاري وغيره؛ لنهيه ◌َطير عن ثمن الكلب (٨). (١) أنظر ((الحاوي)) ٥/ ٣٧٥. (٢) أنظر ((المنتقى)) ٢٨/٥. (٣) ساقطة من (م) (٤) من (م). (٥) سيأتي برقم (٢٢٣٨). (٦) ((الأم)) ٩/٣. (٧) أنظر ((المغني)) ٦/ ٣٥٢. (٨) ((الموطأ)) ص ٤٠٧. ١٧١ ـ كِتَابُ البُيُوع وروى نافع عن مالك أنه كان يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، وكان يكره بيعه الرجل ابتداءً، وقال نافع: وإنما نهى رسول الله وَّ ر عن ثمن العقور. وقال ابن القاسم: لا بأس بشراء كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها. وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث والماشية. قال سحنون: ويحج بثمنها. وهو قول الكوفيين. وقال مالك: إن قتل كلب الدار فلا شيء فيه، إلا أن يسرح مع الماشية (١). وفي ((مختصر ابن الحاجب)): وفي كلب الصيد قولان(٢). وقال أبو عبد الملك: يجوز في القسم والمواريث دون غيرها. وعن أبي حنيفة: من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته، وكذلك السباع كلها. وقال الأوزاعي: الكلب لا يباع في مقاسم المسلمين، هو لمن أخذه. حجة الشافعي حديث الباب، فإن النهي فيه عام. حجة المخالف أن الله تعالى لما أباح لنا الذي علمناه أفاد لنا ذلك إباحة التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك، وما قالوه هو عين النزاع. قالوا: و﴿مَآ﴾ في الآية بمعنى: الذي، التقدير: الذي أحل لكم من الطيبات والذي علمتم من الجوارح مكلبين، وهذا قول جماعة من السلف. وروي عن جابر: أنه جعل القيمة في كلاب الصيد(٣)، وعن عطاء مثله، وقال: لا بأس بثمن الكلب السلوقي. وعن النخعي مثله (٤). (١) أنظر: ((المنتقى)) ٢٨/٥. (٢) ((مختصر ابن الحاجب)) ص ٢٠٤. (٣) انظر: ((التمهيد)) ٤٠٤/٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣٥٣/٤ (٢٠٩١٠، ٢٠٩١١، ٢٠٩١٥) كتاب: البيوع، من رخص في ثمن الكلب. ١٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أشهب: في قتل المعلم القيمة. وأوجب ابن عمر فيه أربعين درهمًا، وفي كلب ماشية شاة، وفي كلب الزرع فرقًا من طعام، وفي كلب الدار فرقًا من تراب(١)- أي: تراب المعدن دون الرماد. ويقضى على صاحب الكلب بأخذه كما يقضى على الآخر بدفعه، وأجاز عثمان الكلب الضاري في المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله(٢). وقد أذن في أتخاذ كلب الصيد والماشية. وكان النهي منصبًا إلى غير المنتفع به، أو كان النهي فيه، وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه؛ ولذلك لما أعطى الحجام أجرة كان ناسخًا لما تقدمه. وذكر الطحاوي من حديث أبي رافع: أنه التَّ لما أمر بقتل الكلاب أتاه أناس فقالوا : يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيْبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ [المائدة: ٤]، فلما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها(٣)، لكن جاء في ((سنن أبي داود)): (فإن جاء يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا) (٤)، وهو دالٌّ على عدم صحة بيعه. (١) رواه ابن أبي شيبة ٣٥٣/٤ (٢٠٩١٤). (٢) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٨/ ٤٠٣. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٥٧. (٤) أبو داود (٣٤٨٢) كتاب: الإجارة، باب: في أثمان الكلاب. قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٢٦/٤: إسناده صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٤٦٥). ١٧٣ كِتَابُ البُيُوع فصل : وأما النهي عن ثمن الدم فهو على التنزيه على المشهور، وبه قال الأكثرون، وهو مشهور مذهب أحمد، فإنه التقنية أعطاه أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطه، وقال لمحيصة: ((اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك))(١). ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء، والخياطة، وسائر الصناعات، والنهي عن ثمن الدم السائل الذي حرم الله تعالى. وقال أبو جحيفة: أجرة الحجام من ذلك. وهو قول أبي هريرة والنخعي (٢)؛ لأنه قرنه بمهر البغي، وهو حرام، فكذا هو. قالوا: ولأن عمله غير معلوم، وكذا مدة عمله، فالإجارة فاسدة. وقال آخرون: إنه (١) رواه أبو داود (٣٤٢٢) كتاب: التجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٧) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام، وابن ماجه (٢١٦٦) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام والبغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل، وأحمد ٤٣٥/٥ - ٤٣٦، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٣٩/٤ (٢١٢٠)، وابن الجارود ١٦٩/٢ - ١٧٠ (٥٨٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٣١/٤ - ١٣٢ كتاب: الإجارات، باب: الجعل على الحجامة، وأبو عوانة ٣٥٩/٣ (٥٢٩٩) كتاب: البيوع، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١/ ٢٥١- ٢٥٢، ١١٦/٣ - ١١٧، وابن حبان ٥٥٧/١١ - ٥٥٨ (٥١٥٤) كتاب: الإجارة، والطبراني ٣١٢/٢٠ (٧٤٢)، والبيهقي في ((سننه)) ٣٣٧/٩ كتاب: الضحايا، باب: التنزيه عن كسب الحجام، والبغوي في ((شرح السنة)) ١٨/٨ (٢٠٣٤)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٢٢٠/٢ (١٥٨٢) وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ١٢٠/٥ جميعًا من حديث حرام بن محيصة عن أبيه محيصة بن مسعود به. قال الترمذي: حديث حسن، وقال العقيلي في ((الضعفاء)) ٣٥٧/٤: إسناده صالح، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٤٠٠٠) وفيه بحث رائع فليراجع. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠ (٢٠٩٨٥، ٢٠٩٩١) كتاب: البيوع، كسب الحجام. ١٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح يأخذها على أخذ الشعر، وهو قول عطاء: إذا رأى الشعر قبله. وقال آخرون: يجوز للمحتجم إعطاؤها، ولا يجوز للحجام أخذها. ورواه ابن جرير عن أبي قلابة. فإن الشارع أعطاها مع أنه قال: ((إن كسبه خبيث))(١) وفي رواية: (سحت))(٢)، وبه قال ابن جرير إلا أنه قال: يعلفها ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله كان حرامًا. وعن أحمد وبه قال فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ لحديث: ((اعلفه ناضحك ورقيقك)) رواه حرام بن محيصة، عن أبيه مرفوعًا (٣). (١) رواه مسلم (١٥٦٨) كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنورة، وأبو داود (٣٤٢١) كتاب: الإجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٥) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في ثمن الكلب، وأحمد ٤٦٤/٣- ٤٦٥، ١٤١/٤ جميعًا من حديث رافع بن خديج. ورواه أيضًا الحاكم في ((المستدرك)) ٤٢/٢ كتاب: البيوع، من حديث رافع، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه! وهو وهم منه رحمه الله، فالحدیث عند مسلم کما ترئ. قال الألباني في ((الصحيحة)) (٣٦٢٢): تنبيه: رويت الفقرة الأولى من الحديث بزيادة في آخرها : ... وهو أخبث منه، وهي زيادة لا تصح اهـ. قلت: رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٥٤/١ - ١٥٥، والبيهقي في ((سننه)) ١٩/١ من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((ثمن الكلب خبيث وهو أخبث منه)). قال الألباني في ((الضعيفة)) (٣٤٥٩): ضعيف جدًا. (٢) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢١١/٤، والنسائي في ((الكبرى)) ١١٥/٣ (٤٦٩٧) كتاب: المزارعة، باب: عسب الفحل، والطبري في ((تفسيره)) ٤/ ٥٨٠ (١١٩٦١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٩٤/٤، والدارقطني ٧٢/٣ - ٧٣، والبيهقي في (سننه)) ٦/ ٦ كتاب: البيوع، باب: النهي عن ثمن الكلب، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ١٩٠/٢ (١٤٨٥- ١٤٨٦) جميعًا من حديث أبي هريرة، وصحح الألباني هُذِهِ الرواية بمجموع طرقها في الصحيحة (٢٩٩٠) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه. (٣) تقدم تخريجه قريبًا. ١٧٥ كِتَابُ البُيُّوع - قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: الذي يحجم ليس الذي يزين الناس. وذكر ابن الجوزي: أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا. وروى ابن حبيب: أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور. وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر، ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين(١). وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة ولا ينكرونها(٢). وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. قول ابن جرير. فصل : قوله: (ونهى عن الواشمة والموشومة)؛ أي: عن فعل الواشمة. والوشم: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل و(النَُّور)(٣) (٤) فيخضر، وقال الداودي: فيسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله. (١) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١١/ ٨١. (٢) رواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٣٢. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: النور يلج، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر ولك أن تقلب الواو، المضمومة همزة كما في ((الصحاح)). (٤) النَُّور: هو دخان الشحم، أنظر: لسان العرب، مادة: وشم ١٨٩/٥. ١٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح والموشومة: التي يفعل ذلك بها، وفي حديث آخر: ((الموتشمة))(١)، وفي آخر: ((المستوشمة))(٢). وفسر العتبي في حديث آخر ((لعن الواشمة))(٣): أي: التي تنتحل. فصل : وقوله: (وآكل الربا): قال الداودي: هو الذي يأكله، كان هو المربي أو غيره. وقال القزاز: هو الذي يعمل به ويأكل منه، وموكله: الذي يزيد في المال؛ لأنه هو الذي جعل له ذلك وأطعمه إياه. وقال الداودي موكله: الذي يطعمه غيره، وهذا من قوله تعالى ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. قال الخطابي: وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما هو الرابح مغتبطًا والآخر منهضمًا؛ لأنهما في الفعل شريكان، ولله حدود لا تتجاوز في حال العدم والوجد (2). فصل : قوله: (ولعن المصور): ظاهره العموم، وخفف منه ما لا روح فيه كالشجر. وجاء أنه يقال لهم يوم القيامة: ((أحيوا ما خلقتم) (٥). وسيأتي باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، والنهي عن كسب الإماء؛ لأنه رذيلة. (١) ذكر هذا اللفظ الحافظ في ((تلخيص الحبير)) ٢٧٦/١. (٢) سيأتي برقم (٥٩٤٥) كتاب: اللباس، باب: الواشمة. (٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨) باب: بيع الميتة والأصنام. (٤) ((أعلام الحديث)) ١٠١٨/٢. (٥) سيأتي برقم (٣٢٢٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه. من حديث عائشة. ١٧٧ كِتَابُ البُيُوع = ٢٦- باب ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ٢٠٨٧ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ ابن الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)). [مسلم: ١٦٠٦ - فتح: ٣١٥/٤] ذكر حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النبيِ وَ ﴿ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)). معنى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَوا﴾: ينقصه شيئًا بعد شيء، من محاق الشهر؛ النقصان الهلال فيه. ﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ يضاعف أجرها وعدًا منه، أو ينمي المال الذي أخرجت منه. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كل مصرٍ على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا أو إطعامه. (أثيم) متمادٍ في الإثم يريد فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا يزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه. قال المهلب: سئل بعض العلماء عن معنى هُذِه الآية، وقيل له: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة ربما كان مقلًا! قال: معنى ﴿وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾: أي: الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة، فكذلك صاحب الربا يجد عمله ممحوقًا، إن تصدق منه أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا بحاله. وقالت طائفة: إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ، احتجوا لذلك بحديث الباب، فلما كان نفاقها بالحلف الكاذبة في الدنيا، كان محق البركة فيها في الدنيا. ١٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق (١). وروى الطبري في ((تفسيره)) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((الربا وإن كثر فإلى قل))(٢) وقيل: إن تصدق منه فلا يقبل؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن صرف في سبيل الخير لم ينفعه، وربما محقه في الدنيا وتبقى تبعاته. وقيل: يهلك وتذهب بركته، ومحقه الله فامتحق. وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا، وذكره كالتفسير للآية(٣)، فيقال: كيف يجتمع المحاق والزيادة؟ فبين الحديث أن اليمين مزيدة في الثمن، وممحقة للبركة منه، والبركة أمر زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ﴾ أي: يمحق البركة منه -كما سلف- وإن كان عدده باقيًا على ما كان. وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: ((إياكم وكثرة الحلف، فإنه ينفق ثم يمحق)) (٤). (١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣١٦/٨ (١٥٣٥٣) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الربا. (٢) ((تفسير الطبري)) ١٠٥/٣ (٦٢٥٠) معلقًا. ورواه ابن ماجه (٢٢٧٩) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، وأحمد ٣٩٥/١، ٤٢٤، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٧/٢، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (٧٥٨): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، العباس بن جعفر وثقه ابن أبي حاتم وابن المديني وابن حبان، وباقي رجاله على شرط مسلم. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣١٥/٤: إسناده حسن، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٥٤٢)، و((صحيح الترغيب)) (١٨٦٣). مسلم (١٦٠٦) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع. (٤) مسلم (١٦٠٧)، وانظر ((الجمع بين الصحيحين)) ٤٥٩/١ (٧٣٧). ١٧٩ كِتَابُ البُيُوع و(ممحقة))(١) بفتح الميم وكسر الحاء ويصح فتحها، قال صاحب ((المطالع)): كذا قيد القاضي أبو الفضل، والذي أعرف بفتحها. و(منفقة)) بفتح الميم كما قيد ابن التين؛ لأنها مفعلة من نفق ومحق، وعن ابن فارس: ويقال: المحقة، وهو رديء(٢)، وضبطهما النووي بفتح أولهما وثالثهما وسكون ثانيهما(٣). ويقال: نفق البيع ينفق نفاقًا: كثر الراغب. و((الحلف)): اليمين بإسكان اللام وكسرها، ذكره ابن فارس(٤)، وهي اليمين الكاذبة. (١) ورد بهامش (م): وفي رواية: مُمحقة: بالضم وكسر الحاء، اسم فاعل وزنه للمبالغة لا التأنيث. (٢) ((مجمل اللغة) ٨٢٤/٣. (٣) ((مسلم بشرح النووي)) ١١/ ٤٤. (٤) ((المجمل)) ٢٤٩/١. ١٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ٢٧- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَبْعِ ٢٠٨٨- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ - فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعطَ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَّلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] [٢٦٧٥، ٤٥٥١- فتح: ٣١٦/٤] ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ - فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾. حديث الباب من أفراده، وعنده في موضع آخر عن ابن مسعود مرفوعًا في حديث الأشعث(١)، وسيأتي أنها نزلت في من حلف على يمين يقتطع بها مال أمرئ مسلم (٢). ومعنى ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: أمره ونهيه، أو ما جعل في العقل من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق ﴿لَا خَلَقَ﴾: من الخلق، وهو النفس، أو من الخلق أي: لا نصيب لهم مما يوجبه الخلق الكريم. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾ بما يسرهم، بل بما يسوءهم عند الحساب بقوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]، أو لا يكلمهم أصلًا، بل يكل حسابهم إلى الملائكة، ويسمع كلامه أولياؤه، أو يغضب عليهم كما (١) سيأتي برقم (٢٦٧٦ - ٢٦٧٧) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ﴾، و(٤٥٤٩ - ٤٥٤٠) كتاب: التفسير. (٢) سيأتي برقم (٢٦٧٥) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾، و(٤٥٥١) كتاب: التفسير.