النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كِتَابُ البُيُّوع
وفيه: أنه لا يأكل الصدقة؛ لتخوفه أن يكون ذَلِكَ من الصدقة، وأنها
حرام عليه، وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة.
قَالَ المهلب: تركها تنزهًا عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة،
وليس عَلَى أحد غيره بواجب أن يتبع (الجزازات)(١)؛ لأن الأشياء مباحة
حَتَّى يقوم الدليل عَلَى الحظر، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما
أشكل أمره، ولا يدرى أحلال هو أم حرام واحتملهما ولا دليل عَلَى
أحدهما، ولا يجوز أن يحكم عَلَى من أخذ مثل ذَلِكَ أنه أخذ حرامًا؛
لاحتمال أن يكون حلالًا ، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي
برسول الله وَل﴿ فيما فعل في التمرة، وقد قَالَ لوابصة بن معبد حين
سأله عن البر والإثم فقال: ((البر ما أطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك
في الصدر)) كذا ساقه ابن بطال عن وابصة(٢)، والذي يحضرنا أنه قَالَ
للنواس بن سمعان(٣). وقال ابن عمر: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى
(١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ١٩٧/٦، وفي ((عمدة القاري)) ٩/ ٢٥١:
الجوازات.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/٦.
(٣) حديث النواس رواه مسلم (٢٥٥٣) كتاب: البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم.
وحديث وابصة -هو ابن معبد- حديث مشهور معروف:
رواه أحمد ٢٢٨/٤، والدارمي ١٦٤٩/٣ (٢٥٧٥)، والبخاري في ((التاريخ
الكبير)» ١٤٤/١ - ١٤٥، والحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (٥٥)،
وكما في («إتحاف الخيرة المهرة)) ٢٤٢/١ - ٢٤٣ (٣٥٩/ ١)، وأبو يعلى ٣/
١٦٠ - ١٦٢ (١٥٨٦ - ١٥٨٧)، والطبراني في ((الكبير)» ٢٢ (٤٠٣)، وأبو نعيم في
(الحلية)) ٢٤/٢، ٢٥٥/٦، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٩٢/٦ - ٢٩٣ من طريق
حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن
وابصة، بنحوه.
=

٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حَتَّى يدع ما حاك في الصدر(١).
فإن قلت: إذا وجدت التمرة في البيت فقد بلغت محلها وليست من
الصدقة، قلت: كان * يؤتى بالتمر عند صرام النخل -كما ساقه
البخاري عن أبي هريرة- وإن الحسن أو الحسين أخذ تمرة فجعلها في
فيه، فطرحها من فيه(٢). وهذا أحسن من جواب القابسي أنه يحتمل
أنه ﴿ كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله، فربما علقت تلك
التمرة بثوبه فسقطت عَلَى فراشه فصارت شبهة.
وفيه أيضًا: أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح
في مثله، وأما التمرة واللبابة من الخبز ونحوهما فقد أجمعوا عَلَى أخذها
قال النووي في ((المجموع)) ٩/ ١٧٥ وفي ((الأذكار)) كما في ((نيل الأوطار بتخريج
=
أحاديث الأذكار)) (١٢٥٥) وفي ((رياض الصالحين)) (٥٩١) وفي ((الأربعين
النووية)) الحدیث (٢٧): حديث حسن.
وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٦٨٣): إسناده حسن.
لكن الحديث أشار الحافظ ابن رجب لضعفه في ((جامع العلوم والحكم)) ٢/ ٩٤.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ١٧٥ : فيه أيوب بن عبد الله بن مكرز، قال ابن
عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان.
وقال البوصيري في ((الإتحاف)) ١/ ٢٤٣: مدار هذه الطرق على أيوب بن عبد الله،
وهو مجهول.
وقال الألباني في «صحيح الترغيب)) (١٧٣٤): حسن لغيره.
اعتذار: ذكر شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى» ٤٧٦/١٠ هذا الحديث وقال:
هو في السنن! وهذا خطأ؛ فالحديث - كما في التخريج - ليس في شيء من السنن
الأربعة، إلا في ((سنن الدارمي). وجلَّ من لا يسهو، فالمصنف لم يحضره هذا
الحديث وإنما عزاه لابن بطال! والله أعلم.
(١) سلف معلقًا قبل حديث (٨) وسلف الكلام عليه هناك.
(٢) سلف برقم (١٤٨٥).

٦٣
= كِتَابُ البُيُوع
ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها؛ استدلالً بقوله:
(لأَكَلْتُهَا)) وأنها مخالفة لحكم اللقطة، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب: اللقطة.
وحديث أنس وحديث أبي هريرة يدل أنهما واقعتان، وجد تمرة في
الطريق والثانية عَلَى فراشه.
وأما حديث عائشة فإقراره لهم عَلَى هذا السؤال وجوابه لهم يدل
عَلَى أعتبار التسمية إما عند الذبح أو عند الأكل، والتسمية عند الأكل
مستحبة، وظاهره أنها تنوب عن التسمية عند الذكاة، لا كما نفاه ابن
التين وابن الجوزي حيث قال: قوله: ((سَمُّوا وَكُلُوا)) ليس يعني أنه
يجزئ عما لم يسم عليه ولكن؛ لأن التسمية عند الطعام سنة،
ويستباح بها أكل ما لم يعرف أَسُمِّي عليه أم لا إذا كان الذابح ممن
تصح ذکاته إذا سمی.
قَالَ الداودي: أمر ◌َّ ألا نظن بالمسلمين إلا خيرًا، وأن نحمل
أمرهم عَلَى الصحة حَتَّى يتبين غيره.
وقال مالك في ((الموطأ)): هذا كان في أول الإسلام قبل أن تنزل آية
التسمية (١). وقد روىُ ذَلِكَ مبينًا في حديث عائشة: أن الذابحين كانوا
حديثي عهد بالإسلام وممن يصح أن لا يعلموا أن هذا شرع، وأما
الآن فقد استبان ذَلِكَ حَتَّى لا نجد من لا يعلم أنها مشروعة، ولا نظن
بالمسلمين تركها، فليسم إذا أكل، ويسمي الآكل لما يخشى من
النسيان، قاله الداودي، وهي نزعة مالكية.
وقال ابن بطال: في جواب هذا منه وَّ* من الأخذ بالحزم في ذَلِكَ؛
خشية أن ينسى الذي صاده التسمية، وإن كانت التسمية عند الأكل غير
(١) ((الموطأ)) ص ٣٠٢.

٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
واجبة، لما تقرر من فضل أهل ذَلِكَ القرن، وبعدهم عن مخالفة أمر الله
ورسوله في ترك التسمية عَلَى الصيد (١). وإنما لم تدخل الوساوس في
حكم الشبهات المأمور باجتنابها لقوله وَّي: ((إن الله تجاوز لأمتي عما
حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم)) (٢) فالوسوسة ملغاة مطرحة
لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت. والمالكية حملوا حديث عبد الله بن
زيد عَلَى المستنكح الذي يغتر به ذَلِكَ كثيرًا بدليل شكايته لرسول الله
وَلِّ ذَلِكَ. والشكوى إنما تكون من علة، فإذا كثر الشك في مثل ذَلِكَ
وجب إلغاؤه وإطراحه؛ لأنه لو أوجب له وَل﴾ حكمًا؛ لما أنفك
صاحبه من أن يعود إليه مثل ذَلِكَ التخيل والظن فيقع في ضيق وحرج.
وكذا حديث عائشة مثل هذا المعنى؛ لأنه لو حمل ذَلِكَ الصيد عَلَى
أنه لم يذكر اسم الله عليه، لكان في ذَلِكَ أعظم الحرج، والمسلمون
محمولون عَلَى السلامة، ولا ينبغي أن نظن بهم ترك التسمية،
فتضعف الشبهة فيه، فلذلك لم يحكم بها وغلب الحكم بضدها، لأن
المسلمين في ذَلِكَ الزمن كانوا من القرن الذين أُثني عليهم، فلا يتوجه
إليهم سوء الظن في دينهم(٣).
وكذا قَالَ أبو عمر: في الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم
ولا يدرى هل سمى عليه أم لا؟ أنه لا بأس به، وهو محمول عَلَى
(٢)
((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٠٠.
(١)
رواه مسلم (١٢٧) عن أبي هريرة.
(٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث ابن مسعود الآتي برقم (٢٦٥٢): ((خير
الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )) الحديث. ورواه مسلم (٢٥٣٣).
ورواه مسلم أيضًا (٢٥٣٤ - ٢٥٣٦) من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين
وعائشة، بنحوه.

٦٥
- كِتَابُ البُيُوع
أنه سمى، إذ المؤمن لا يظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمولة
عَلَى السلامة حَتَّى يتبين غيره من تعمد ترك التسمية ونحوه، قَالَ: وبلغني
أن ابن عباس سئل عن الذي نسي أن يسمي الله ◌َفْ عَلَى ذبيحته، قَالَ:
يسمي الله ويأكل ولا بأس عليه(١). وقال مالك مثله.
ومما يدل عَلَى بطلان قول من قَالَ: إن ذَلِكَ كان قبل نزول: ﴿وَلَا
تَأْكُوا﴾ أن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل مكة باديتها هم الذين
أشير إليهم بالذكر في الحديث. ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في
الأنعام بمكة، وأن الأنعام مكية.
قلت: لكن ذكر الثعلبي وغيره أن فيها ست آيات مدنيات نزلن بها.
وأجمع العلماء عَلَى أن التسمية عَلَى الأكل إنما معناها التبرك
لا مدخل لها في الذكاة بوجه من الوجوه. واستدل جماعة العلماء
عَلَى أن التسمية ليست واجبة بهذا الحديث لما أمرهم بأكل ذبيحة
الأعراب بالبادية، إذ يمكن أن يسموا ويمكن أن لا بجهلهم. ولو كان
الأصل أن لا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم
يجز استباحة شيء من ذَلِكَ إلا بيقين من التسمية، إذ الفرائض لا تؤدى
إلا بيقين، والشك والإمكان لا تستباح به المحرمات. قالوا: وأما قوله:
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] فإنما خرج
على تحريم الميتة وتحريم ما ذبح على النصب وأهل به لغير الله، قال ابن
عباس: خاصمت اليهود رسول الله وَله وقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل
(١) ((التمهيد)» ٢٢/ ٢٩٩ - ٣٠٣. وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/
٤٧٩ (٨٥٣٨، ٨٥٤١)، ٤٨١/٤ (٨٥٤٨)، والدار قطني ٤ / ٢٩٦، والحاكم ٤/
٢٣٣، والبيهقي ٢٣٩/٩ من طرق عنه، وبألفاظ مختلفة.

٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مما قتل الله. فأنزل ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾)) الآية(١).
(١) رواه أبو داود (٢٨١٩)، والترمذي (٣٠٦٩)، والطبري في ((نفسيره)) ٣٢٨/٥
(١٣٨٢٩)، والبيهقي ٢٤٠/٩، وابن عبد البر ٣٠٠/٢٢ - ٣٠١، والضياء في
((المختارة)) ٢٥٥/١٠ - ٢٥٧ (٢٦٩ - ٢٧١) من طريق عطاء بن السائب عن
سعید بن جبير عن ابن عباس به.
ووقع عند الترمذي: أتى ناس النبي وَلجر، دون تعيين أنهم اليهود.
ووقع عند الضياء في الحديث الثاني: إن المشركين قالوا.
قال المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) ١١٣/٤: عطاء بن السائب اختلفوا في
الاحتجاج بحديثه، وأخرج له البخاري مقرونًا بجعفر بن أبي وحشية، وفي إسناده
أيضًا عمران بن عيينة، قال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه فإنه يأتي بالمناكير. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن القيم في ((الحاشية)) ١١٣/٤- ١١٤: هذا الحديث له
علل: إحداها: أن عطاء بن السائب اضطرب فيه، فمرة وصله ومرة أرسله. الثانية:
ذكر العلة الأولى التي ذكرها المنذري. الثالثة: ذكر العلة الثانية التي ذكرها
المنذري. الرابعة: أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى النبي وَّ إياه
إنما كان بعد قدومه المدينة.
وقال الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) ١٥٦/٦ - ١٥٧: الحديث فيه نظر من وجوه
ثلاثة :
أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا.
الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية.
الثالث: أن الحديث رواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي بَّ ر، وقال: حسن
غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلًا. اهـ
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٥١٠): حديث صحيح، لكن ذکر اليهود
فيه منكر. والمحفوظ أنهم المشركون أ هـ
وروى أبو داود ( ٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، والطبري ٣٢٦/٥ (١٣٨١٦)،
والحاكم ١١٣/٤، ٢٣١، والبيهقي ٢٤١/٩ من طريق إسرائيل عن سماك عن
عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَيِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح
الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله وعلى ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾. والحديث قال عنه الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . =

٦٧
كِتَابُ البُيُوع
قَالَ أبو عمر: كذا في الحديث: اليهود، وإنما هم المشركون؛ لأن
اليهود لا يأكلون الميتة كما ساقه ابن عباس مرة أخرى(١). والمخاصمة
هي التي قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. يريد قولهم:
ما قتل الله تعالى.
=
وقال الحافظ ابن كثير ١٥٨/٦: إسناده صحيح. وكذا قال الحافظ في ((الفتح))
٦٢٤/٩. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٥٠٩).
قال ابن كثير ١٥٨/٦ : المحفوظ ما روي عن ابن عباس وليس فيه ذکر اليهود. اهـ
بتصرف.
(١) ((التمهيد)) ٣٠١/٢٢. وحديث ابن عباس تقدم تخريجه والكلام عليه.

٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]
٢٠٥٨- حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي
جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ: بَيْتَمَا نَحْنُ نُصَلِي مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيْرٌ،
تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَّ أَثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ:
﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] [انظر: ٩٣٦ - مسلم: ٨٦٣ - فتح:
٢٩٦/٤]
ذكر فيه حديث حُصَيْنٍ - وهو ابن عبد الرحمن- عَنْ سَالِم -وهو ابن
أبي الجعد رافع- قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَّ رسول الله
ـَّهِ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيْرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَّقَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ رسول
الله ◌َّهِ إِلَّ أَثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّ أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾
[الجمعة: ١١].
هذا الحديث سلف بالإسناد المذكور في الجمعة، في باب: إذا نفر
الناس عنه، فراجعه (١). وسلف تفسير الآية قريبًا (٢). وقال قتادة: لم يبق
مع النبي ◌َّ إلا اثنا عشر رجلا وامرأة(٣).
(١) سلف برقم (٩٣٦).
(٢) يراجع أول كتاب: البيوع.
(٣) رواه الطبري ٩٨/١٢ (٣٤١٤٠، ٣٤١٤٢).

٦٩
كِتَابُ البُيُوع
=
٧- باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ
كَسَبَ المَالَ
٢٠٥٩- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ
مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ)). [٢٠٨٣ - فتح: ٢٩٦/٤]
ذكر فيه حديث المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((يَأْتِي
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَاَلِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ)).
هذا الحديث من أفراده.
ونحوه حديث الحسن عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: ((يأتي عَلَى
الناس زمان لا يبالي فيه أحد إلا آكل الربا فإن لم يأكله أصابه من
غباره))، أخرجه الحاكم، ثم قَالَ: إن صح سماع الحسن من أبي
هريرة فهذا حديث صحيح(١).
(١) ((المستدرك)) ١١/٢.
ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٣١)، والنسائي ٧/ ٢٤٣، وابن ماجه (٢٢٧٨) وأحمد
٤٩٤/٢، وأبو يعلى ١٠٥/١١ - ١٠٦ (٦٢٣٣)، ١١٤/١١ (٦٢٤١)، والبيهقي
٢٧٥/٥ - ٢٧٦، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ٩٣/٢
(١٢٧٢)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ١٠/ ٤١٧ من طرق عن الحسن، به.
قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٨٦٤): اختلف في سماع الحسن من أبي
هريرة، والجمهور على أنه لم يسمع منه.
وقال في ((مختصر سنن أبي داود)) ٨/٥: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فهو
منقطع.
وقال الذهبي في ((المهذب)) ٢٠٤٢/٤: لم يصح؛ للانقطاع.
وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (١١٦٧)، و((ضعيف الجامع)) (٤٨٦٤).

٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وهذا يكون لضعف الدين وعموم الفتن، وقد أخبر ير أن الإسلام
بدأ غريبا وسيعود غريباً (١)، وأنذر بكثرة الفساد، وظهور المنكر، وتغير
الأحوال، وذلك من أعلام نبوته.
وفي الحديث: ((من بات كالَّا من عمل الحلال بات والله عنه راضٍ،
وأصبح مغفورًا له))(٢).
و((طلب الحلال فريضة عَلَى كل مؤمن))(٣) ذكره (المنذري) من
(١) رواه مسلم (١٤٥) عن أبي هريرة.
(٢) روي من حديث ابن عباس والمقدام بن معدي كرب.
حديث ابن عباس رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٧/ ٢٨٩ (٧٥٢٠) بلفظ: ((من
أمسئ کالا من عمل یدیه أمسی مغفورًا له».
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٦٣: فيه جماعة لم أعرفهم، وضعفه الحافظ
العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١٦٦٠)، والألباني في ((الضعيفة)) (٢٦٢٦).
وأما حديث المقدام فرواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٤/ ١٠ بلفظ: رأيت
النبي ◌َّ ذات يوم وهو باسط يديه وهو يقول: ((ما أكل العبد طعامًا أحب إلى الله
من کدّ يده، ومن بات کالّا من عمله بات مغفورًا له)).
قال الحافظ الذهبي في ((السير)» ١٤/ ٥٠٠، والألباني في ((الضعيفة)) (١٧٩٤):
حديث منكر. وانظر الحديث الآتي قريبًا برقم (٢٠٧٢).
(٣) روي من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر.
حديث ابن مسعود رواه الطبراني ١٠/ ٧٤ (٩٩٩٣)، وأبو الشيخ الأصبهاني في
((طبقات المحدثين)) ٣/ ٣٢٠ (٥١٠)، والأزدي في ((من وافق اسمه)) ص ٥١، وأبو
الحسين الصيداوي في ((معجم الشيوخ)) ص ١٠٦، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٧/
١٢٦، وفي ((أخبار أصبهان)) ٣٣٩/٢، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١/ ١٠٤
(١٢٢)، والبيهقي في (السنن)) ١٢٨/٦، وفي ((الشعب)) ٤٢٠/٦ (٨٧٤١)،
والحافظ الذهبي في ((السير)) ٤٢٢/١٥، وفي ((تذكرة الحفاظ)) ٩٠٢/٣ من طريق
يحيى بن يحيى، عن عباد بن كثير الرملي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: ((طلب الحلال فريضة بعد
الفريضة)».
==

٧١
كِتَابُ البُيُّوع
وسقط من سند الذهبي في ((السير)»: إبراهيم.
=
والحديث آفته عباد بن كثير؛ قال ابن حبان في ((المجروحين)) ١٦٩/٢ - ١٧٠ : هو
عندي لا شيء في الحديث؛ لأنه روى عن سفيان .. وذكر الحديث، ثم قال: ومن
روى مثل هذا الحديث عن الثوري بهذا الإسناد بطل الاحتجاج بخبره.
وقال الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) في ترجمة عباد بن كثير الرملي (١٤٥):
روى عن الثوري أحاديث موضوعة، وهو صاحب حديث .. فذكره.
وقال أبو نعيم الحافظ في مقدمة ((المستخرج)) ٧٦/١ (١٧٨): عباد بن كثير
الرملي، روى عن الثوري حديث: ((طلب الحلال فريضة))، لا شيء.
وقال البيهقي في ((السنن)): تفرد به عباد بن كثير، وهو ضعيف. وقال في ((الشعب)):
قال الحاكم: بلغني عن محمد بن يحيى أنه قال: لم أكره ليحيى بن يحيى شيئًا قط
غير رواية هذا الحديث.
وقال الذهبي في ((السير)): تفرد به عباد، وهو ضعيف. وقال في (التذكرة)): عباد واٍ.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩١/١٠: عباد متروك.
وقال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٦٨٤): سنده ضعيف.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٦٦٤٥): حديث منكر.
وأما حديث أنس فرواه الطبراني في ((الأوسط)) ٨/ ٢٧٢ (٨٦١٠).
بلفظ: ((طلب الحلال واجب على كل مسلم)).
قال المنذري في ((الترغيب)) (٢٦٥٨): إسناده حسن. وتبعه الهيثمي في ((المجمع))
٢٩١/١٠، وكذا الحافظ في ((مختصر الترغيب والترهيب)) (١٦١).
لكن الحديث ضعف إسناده الحافظ العراقي في («تخريج الإحياء)) (١٦٤٩).
وأورده الألباني في ((الضعيفة)) (٣٨٢٦) وقال: منكر. وجلّى فيه ثلاث علل،
وتعقب المنذريّ والهيثميَّ إذ حسناه.
وأما حديث ابن عباس فرواه أبو عبد الرحمن السلمي في ((طبقات الصوفية)) ص
٢٨١، ومن طريقه القضاعي ٨٣/١ (٨٢) من طريق محمد بن الفضل، عن ليث،
عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: ((طلب الحلال جهاد)). وزاد السلمي: ((وإن
الله يحب المؤمن المحترف)).
والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٣٠١).

٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
حديث ابن عباس في ((ترغيبه وترهيبه))(١).
وهو مثل مقارعة الأبطال في سبيل الله(٢)، فأخبر بما ذكره تحذیرًا؛
لأن فتنة المال شديدة.
قَالَ ابن سيرين: لو علمت مائدة يؤكل عليها رغيف حلال لانتحلت
به. وكان هذا عَلَى وجه التوقي، وقد دُعي أبو هريرة إلى طعام، فلما أكل
لم ير نكاحًا ولا ختانًا ولا مولودًا، قَالَ: ما هذا؟ قيل: خفضوا جارية،
قَالَ: هذا طعام ما كنا نعرفه، ثم قاءه. وقال: يقال: أول ما ينتن من
الإنسان بطنه(٣). ذكره ابن التين.
وقال أبو خالد الأحمر: سمعت الثوري يقول: كان أقوام يدعون
إلى الحلال فلا يقبلونه، وإنهم لفي جهد، يقولون: نخاف منه عَلَى
أنفسنا (٤).
= وخالف محمد بن مروان، محمد بن الفضل، فيما رواه ابن عدي في (الكامل)) ٧/
٢١٣ فرواه عن ليث عن مجاهد، عن ابن عمر، فجعله من مسند ابن عمر.
قال الحافظ في ((التهذيب)» ٦٩٢/٣: حديث منكر.
والحديث أورده السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٨٠١) وقال: لحديث ابن
مسعود شواهد -فذكره عن أنس وابن عباس وابن عمر- وقال: وبعضها يؤكد
بعضًا، لاسيما وشواهدها كثيرة. وأورده أيضًا ابن الديبع الشيباني في ((تميز
الطيب)) (٩٧٧) عن ابن مسعود، وقال: له شواهد كثيرة.
(١) وانظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري ٣٤٤/٢ -٣٤٥.
(٢) يشير المصنف إلى ما رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٨٦/٢ (١٢٣٢) عن السكن
يرفعه: ((طلب الحلال مثل مقارعة الأبطال في سبيل الله، ومن بات عيبًا من طلب
الحلال بات والله قت عنه راضٍ)). وقد ضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٣٦٢١).
(٣) الشطر الأخير هذا صح عن جندب، فيما سيأتي برقم (٧١٥٢): ((إن أول ما ينتن
من الإنسان بطنه، فمن استطاع ألا يأكل إلا طيبًا فليفعل ... )) الحديث.
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٧/ ١٠.

٧٣
- ڪِتَابُ البُيُّوع
وروى إسماعيل بن عياش، ثَنَا حميد الطويل، عن أنس يرفعه: ((إن
مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة: الإيمان أصلها، والزكاة فرعها،
والصيام عروقها، والتآخي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف
عن محارم الله ثمرتها فكما لا تكمل هذه الشجرة إلا بثمرة طيبة
لا يكمل الإيمان إلا بالكف عن محارم الله))(١).
وعن عتبة بن يزيد قَالَ: قَالَ عیسى صلوات الله وسلامه عليه: ابن
آدم الضعيف آتق الله حيثما كنت، و کل کسرتك من حلال.
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: ((من نبت لحمه من سحت فالنار
أولى به))(٢).
(١) رواه الديلمي كما في ((الفردوس)) ٤/ ١٤٥ (٦٤٤٧).
(٢) قطعة من حديث رواه الطبراني في ((الكبير)) ١١٤/١١ (١١٢١٦) من طريق حمزة
النصيبي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢١٢/٥: فيه: أبو محمد الجزري ولم أعرفه، وبقية
رجاله رجال الصحيح.
وقال المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ٣٥٧/٩: حمزة النصيبي، هو آفته،
فإنه وضاع.
وقال الألباني في ((الصحيحة)) ١٩/٣: رجاله كلهم ثقات غير حمزة هذا، قال في
((التقريب)): متروك متهم بالوضع. اهـ
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢١٧/١١ - ٢١٨ (١١٥٤٤)، والبيهقي في ((الشعب))
٣٩٣/٤ - ٣٩٤ (٥٥١٨) من طريق حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال الهيثمي ٢٩٣/١٠: فيه حسين بن قيس، وهو متروك. وقال الذهبي في
((الميزان)) ٦٩/٢: حديث منكر. وقال في ((التلخيص)) ٤/ ١٠٠ حنش وهو لقب
حسن بن قيس- ضعيف، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٩٧٠).
لكنه تابعه إبراهيم بن أبي عبلة، رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢١١/٣ (٢٩٤٤)،
وفي ((الصغير)) ١٤٧/١ (٢٢٤)، وفي ((مسند الشاميين)) ٦١/١ (٦٣)، وأبو نعيم
في ((الحلية)) ٢٤٨/٥.

٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وروى أبان بن أبي عياش: قَالَ أنس: قلت: يا رسول الله اجعلني
مستجاب الدعوة، قَالَ: ((يا أنس أطب كسبك تستجاب دعوتك، فإن
الرجل يرفع إلى فمه اللقمة من حرام فلا (تستجاب)(١) له دعوة أربعين
يومًا)»(٢) وفي الصحيح: ((ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام
فأنى يستجاب لذلك))(٣).
قال الهيثمي ١١٧/٤: فيه: سعيد بن رحمة، وهو ضعيف.
=
وقال الألباني في ((الصحيحة)) ١٨/٣: إبراهيم بن أبي عبلة ثقة من رجال الشيخين.
وتابعه أيضا خصيف. رواه الخطيب ٧٦/٦، ومن طريقه ابن الجوزي في ((العلل
المتناهية)) ٢٧٧/٢ (١٢٧٢) وضعفه.
وقال الألباني في ((الصحيحة)) ١٨/٣: خصيف صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره.
وروى الطبراني في ((الأوسط)) ٦/ ٣١٠- ٣١١ (٦٤٩٥)، وعنه ابن مردويه كما في
((تفسير ابن كثير) ٢/ ١٤٤ - ١٤٥ من طريق أبي عبد الله الجوزجاني، عن ابن جريج،
عن عطاء عن ابن عباس قال: تليت هذِه الآية عند رسول الله وَله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
كُواْ مِنَا فِىِ الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن
يجعلني مستجاب الدعوة فقال له النبي وَّاقي ((يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب
الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل
منه عمل أربعين يومًا وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى)» به.
قال الحافظ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ٢٦٠: إسناد فيه نظر. وقال
الحافظ في ((التلخيص)) ١٥٠/٤: أعله ابن الجوزي. وقال الألباني في ((الضعيفة))
(١٨١٢): ضعيف جدًّا. وكذا قال في ((ضعيف الترغيب)) (١٠٧١).
وفي الباب عن كعب بن عجرة وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، أنظر تخريجها
في ((البدر المنير)) ٣٥٥/٩ - ٣٥٧، و((تلخيص الحبير)) ١٤٩/٤، و((الكاف الشاف))
٦٢٢/١، و((الضعيفة)) (٣٤٥٨).
(١) فوقها في الأصل: كذا؛ وذلك لأن الجادة: (تستجب) على الجزم في جواب الطلب.
(٢) لم أهتد إليه عن أنس، وتقدم تخريجه عن ابن عباس، وفيه سعد بن أبي وقاص،
بدل أنس.
(٣) رواه مسلم (١٠١٥) عن أبي هريرة.

٧٥
كِتَابُ البُيُوع
١٢- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿﴿أَنْفِقُوا)(١) مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ مَشْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ
مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ،
وَلِلْخَازِنَ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)). [انظر: ١٤٢٥- مسلم:
١٠٢٤ - فتح: ٣٠٠/٤]
٢٠٦٦ - حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ جَعْفٍَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كُسْب
زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ)). [٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠- مسلم: ١٠٢٦ - فتح:
٤/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث عائشة رفعته: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ
مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ
ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)).
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ زَوْجِهَا مِنْ
غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ».
هذا باب في أصل الدمياطي هنا، وهو مؤخر بعده في الشروح كلها
وفي غيره(٢).
(١). في الأصل: (كلوا) وعليها في الهامش: التلاوة (أنفقوا).
(٢) وقع في ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٠١، و((فتح الباري)) ٤/ ٢٩٧، و((عمدة القاري)) ٩/
٢٥٤، و(شرح الكرماني) ١٩٠/٩، و((منحة الباري)) ٤/ ٤٩٢، و((التوشيح)) ٤/
١٥٠٥، واليونينية ٥٥/٣، و((صحيح البخاري بحاشية السندي)) ٤/٢ مكان هذا =

٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: في التبويب (﴿أَنفِقُواْ﴾) كذا هو في بعض الروايات، وفي
بعض رواة أبي الحسن: (كلوا)، والأول: التلاوة، ولعل الثاني سبق
قلم، فالآية الأخرى ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾(١) [البقرة: ٥٧]
والطيب: الحلال وكذا كل ما في القرآن من ذكر الطيبات.
وحديث عائشة سلف في باب: من أمر خادمه بالصدقة(٢) سواء متنا
الباب، باب: التجارة في البر وغيره، وتحته حديثان: (٢٠٦٠ - ٢٠٦١) وبعده
=
باب: الخروج في التجارة. حديث (٢٠٦٢). وهو الباب الآتي بعد هنا أيضًا.
وأما الباب المذكور هنا فوقع في ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٥ بعد باب: التجارة في
البحر. وفي ((الفتح)) ٣٠٠/٤، و((العمدة)) ٢٦٠/٩، والكرماني ١٩٤/٩،
و((المنحة)) ٤٩٥/٤، و((التوشيح)) ٤/ ١٥٠٨، واليونينية ٣/ ٥٦، و((الصحيح
بحاشية السندي)) ٢/ ٥ بعد باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَمُوا أَنفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾.
وهو الباب الآتي هنا بعد باب: التجارة في البحر.
(١) وقع في ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٠٥: (كلوا) أي: على الخطأ، لذا قال: الآية التي
ترجم بها وقع فيها غلط من الناسخ، والله أعلم، وصوابها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
ووقع في ((الفتح)) ٤/ ٣٠٠: (أنفقوا) على الصواب. وقال الحافظ: حكى ابن
بطال أنه وقع في الأصل: (كلوا) بدل: (أنفقوا) وقال: إنه غلط. اهـ
وكذا رأيته في رواية النسفي، وقد ساق الآية في كتاب الزكاة على الصواب.
قلت: هو باب رقم (٢٩) بعد حديث (١٤٤٤).
ووقع في ((عمدة القاري)) ٢٦٠/٩: (أنفقوا) وقال: في ((التلويح)): وفي بعض
النسخ -كلوا من طيبات ما كسبتم - فالأول التلاوة، وكأن الثاني من طغيان القلم.
ووقع أيضًا في ((شرح الكرماني)) ٩/ ١٩٤: (أنفقوا) وقال: وفي بعضها: (كلوا)
بدل: (أنفقوا)، وهو سهو. وكذا وقع في ((المنحة)) ٤٩٦/٤ وقال صاحبه: في
نسخة: (كلوا) وهو غلط. ووقع أيضًا في ((التوشيح)) ١٥٠٨/٤ على الصواب:
(أنفقوا). وقال في هامش ((اليونينية)) ٥٦/٣: لأبي الوقت: (كلوا) بدل: (أنفقوا).
(٢) ورد بهامش الأصل: لكن هناك قال: عن شقيق وهنا: عن أبي وائل فذكره هناك
باسمه، وهنا بكنيته.

٧٧
كِتَابُ البُيُّوع
=
وإسنادًا(١)، ولا تنافي بينه وبين حديث أبي هريرة؛ لأن قوله: ( ((لها
نِصْفُ أَجْرِهٍ)) )(٢) يريد أن أجر الزوج وأجر مناولة الزوجة يجتمعان
فيكون لكل النصف، فذلك النصف هو أجرها كله، والنصف الذي
للزوج هو أجره كله. وعلى هذا تتخرج رواية أبي الحسن: ((فله نصف
أجره))(٣) أي: نصف أجرها.
قلت: والأول: لم يعين أجرها ولا مقداره، وفي الثاني: للزوج
نصف أجره لكونه لم يأذن، فلو أذن استوفى الأجر كله.
وقال المنذري: هو عَلَى المجاز أي: أنهما سواء في المثوبة كل
واحد منهما له أجر كامل، وهما أثنان فكأنهما نصفان. وقيل: يحتمل
أن أجرهما مثلان، فأشبه الشيء المنقسم بنصفين، وأن نية هؤلاء
وإخراجهم الصدقة ماثلت قدر ما خرج من مال الآخر بغير يده
أو يكون ذَلِكَ فضلًا من الله، إذ الأجور ليست بقياس، ولا بحسب
الأعمال، وذلك من فضل الله العميم.
وفي الآية: الأمر بالإنفاق والصدقة من حلال الكسب والتجارة.
وفي الحديث: صدقة المرأة من غير إذن زوجها، وإنما يباح ما يعلم
أن نفسه تطيب به ولا يشح بمثله فيؤجر كل منهما؛ لتعاونه عَلَى الطاعة،
وقد سلف بسطه في الزكاة. وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) و((سنن
البيهقي)) من حديث ابن عمر رفعه، أن رسول الله وَليه ((إن عليها
(١) برقم (١٤٢٥).
(٢) كذا في أصل نسخة المصنف -رحمه الله - وفي ((صحيح البخاري بحاشية السندي))
٦/٢: فله نصف أجره.
وسیذکرها المصنف قريبًا.
(٣) انظر: ((اليونينة)) ٥٦/٣، و((منحة الباري)) ٤/ ٤٩٧.

٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
-في هذِه الحالة - الوزر وله الأجر))(١). قَالَ البيهقي: فإن كان هذا
محفوظًا فيحمل الأول عَلَى إنفاقها مما أعطاها الزوج من قوتها،
وبذلك أفتى أبو هريرة(٢).
(١) ((مسند الطيالسي)) ٤٥٧/٣ (٢٠٦٣)، ((سنن البيهقي)) ١٩٤/٤، ٢٩٢/٧.
ورواه أيضًا مسدد كما في («إتحاف الخيرة المهرة)) ٤/ ٧٥ (٣١٩٦/ ٢)، وفي
((المطالب العالية)) ٣٣١/٨ (٢/١٦٦٤)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٣٨/٢-
٣٩ (٨١١)، وأبو يعلى كما في ((المطالب)) ٥/١٦٦٤. من طرق عن ليث بن أبي
سليم، عن عطاء، عن ابن عمر.
قال الحافظ الذهبي في ((المهذب)) ٦/ ٢٨٧٥: ليس ليث بحجة.
وقال الحافظ في ((المطالب)) ٨/ ٣٣٢: ليث بن أبي سليم ضعيف.
لذا ضعف الألباني الحديث في ((الضعيفة)) (٣٥١٥).
(٢) ((سنن البيهقي)) ٢٩٣/٧.

٧٩
كِتَابُ البُيُوع
٨- باب التِّجَارَةِ فِي البَرِّ، وغيره
وَقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ:
كَانَ القَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ، ولكن إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ
وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ.
٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن ◌ُرَنْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنٍ عَمْرُو بْنُ دِینَارٍ،
عَنْ أَبِي اِنْهَالِ قَالَ: كُنْتُ أَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَزْقَمَ رضي الله عنه. فَقَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َ
وَحَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ يَغْقُوبَ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ نُحَمَّدٍ، قَالَ ابن جُرَنِجٍ: أَخْبَرَنٍِ
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَامِرُ بْنُ مُضْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا اِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ
عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَزْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ◌َِّ، فَسَأَلْنَا
رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَدَّا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً
فَلَا يَصْلُحُ)). الحديث ٢٠٦٠ [٢١٨٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩ - فتح: ٢٩٤/٤] الحديث ٢٠٦١ [٢١٨١،
٢٤٩٨، ٣٩٤٠ - مسلم: ١٥٨٩ - فتح: ٤ /٢٩٧]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ قَالَ: كُنْتُ أَنَّجِرُ فِي
الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ. فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ.
وعن ابن جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا
سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ
الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَسَأَلْنَاه عَنِ
الصَّرْفِ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَدَا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ)».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١).
(١) مسلم (١٥٨٩) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن بيع الورِق بالذهب دينًا.

٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وشيخ البخاري: أبو عاصم أسمه الضحاك بن مخلد، وابن جريج
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أحد الأعلام، أخو محمد
قَالَ: ما دون العلم بتدوين أحد، مات سنة خمسين ومائة، وأبو المنهال
اسمه عبد الرحمن بن مطعم البصري الراوي عن ابن عباس والبراء،
وعنه عمرو بن دينار، مات سنة ست ومائة(١)، وليس بأبي المنهال
ذاك سيار بن سلامة الراوي عن أبي برزة فاعلمه(٢)، والبر في الترجمة
-بفتح الباء والراء المشددة، وكذا هو مضبوط في أصل الدمياطي،
وسيترجم بعده: التجارة في البحر، وقال بعض شيوخنا: اختلف في
هذا التبويب هل هو البر بفتح الباء أو ضمها أو بالزاي.
قَالَ: وبكلها جاءت النسخ ولم أر متقنًا ضبطها(٣).
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ١٧/ ٤٠٦ (٣٩٥٨).
(٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ١٢/ ٣٠٨ (٢٦٦٧).
(٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤/ ٢٩٧ وقد وقع عنده: (البز) بفتح الباء والزاي
المعجمة: اختلف في ضبط البز فالأكثر على أنه بالزاي، وصوب ابن عساكر أنه
بالراء وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذِه بباب، وهو: التجارة في البحر،
وكذا ضبطها الدمياطي، وقرأت بخط القطب الحلبي ما يدل على أنها مضبوطة
عند ابن بطال وغيره بضم الموحدة وبالراء، قال: وليس في الباب ما يقتضي تعيينه
من بين أنواع التجارة.
ووقع في ((عمدة القاري)) ٩ / ٢٥٤: ((البر)) بفتح الباء الموحدة والراء- وقال:
قيل: بفتح الباء والزاي، وقيل: بضم الباء والراء.
قيل: الأكثر على أنه بالزاي؛ وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه، وكذلك
ليس في الحديث ما يقتضي تعيين (البر) بضم الباء والراء، والأقرب أن يكون بفتح
الباء والراء، وإلى هذا مان ابن عساكر.
ووقع في ((التوشيح)) ١٥٠٥/٤: (البر) بفتح الباء والراء، وقال السيوطي: ضبط
بالراء ضد البحر، وبالزاي.
وقال زكريا الأنصاري في ((المنحة)) ٤٩٢/٤: (البر) بفتح الموحدة وبراء، وفي =