النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الصَّوْمِ
٦١- باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ
١٩٨٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ - هُوَ: ابن الحَارِثِ - حَدَّثَنَا
◌ُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّ عَلَى أُمُّ سُلَيْمِ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ،
قَالَ: ((أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّيَ صَائِمٌ)). ثُمَّ قَامَ إِلَى
نَاحِيَّةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمُّ سُلَيْم وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَةٌ. قَالَ: ((مَا هِيَ؟)). قَالَتَّ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ
آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّ دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ)). فَإِّ ◌ِمَنْ أَكْثَرِ
الأَنَّصَارِ مَالًا. وَحَذَّثَتْنِي ابنتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجِ البَصْرَةَ بِضْعْ
وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ.
حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَّسَا رضي الله
عنه، عَنِ النَّبِيِّ بََّ. [٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠ - مسلم: ٢٤٨١ - فتح: ٢٢٨/٤]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَى أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ
وَسَمْنٍ، فقال: ((أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِيَّ وِعَائِهِ، فَإِنِّي
صَائِمٌ)). ثُمَّ قَامَ إِلَىْ نَاحِيَّةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّىْ غَيْرَ المَكْتُوبَةِ .. الحديث،
وفي آخره: وقال: ابن أَبِي مَرْيَمَ، أنَا يَحْيَى بن أيوب، نا حُمَيْدٌ:
سمعت أَنَسّا، عَنِ رسول الله وَهِ.
وفي بعض النسخ: حَدَّثَنَا ابن أبى مريم، وهو من أفراده، وهو من
رواية الآباء عن الأبناء فإن فيه: وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم
الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة وفيه تصنيف للحافظ أبي بكر
الخطيب(١)، وفي رواية محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حميد:
(١) رواية الآباء عن الأبناء هي: أن يروي الراوي عن ابنه، ومثاله: ما رواه العباس بن
عبد المطلب عن ابنه الفضل رضي الله عنهما أن رسول الله وَ لثر جمع بين الصلاتين =

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثلاثة وعشرون ومائة. ذكرها الخطيب في الكتاب المذكور، وعند ابن
اللباد أن المجتمعين من ولد أنس وولد ولده عشرون ومائة.
وفيه: زيارة سيدنا رسول الله وَ ﴿ لأم سليم؛ لأنها خالته من
الرضاعة، كذا قال ابن التين. وقال ابن عبد البر: إحدى خالاته من
النسب؛ لأن أم عبد الله سلمى بنت عمرو بن زید بن أسد بن حراش
ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام بنت ملحان بن
خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم، وأنكره الدمياطي
وقال: إنها خئولة بعيدة لا تثبت حرمة، ولا تمنع نکاحًا.
وفي الصحيح: أنه التّ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على
أزواجه إلا على أم سليم فقيل له في ذَلِكَ، فقال: ((أرحمها؛ قتل أخوها
حرام معي))(١) فبين تخصيصها بذلك ولو كان ثم علة أخرى لذكرها؛ لأن
تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وهُذِه العلة مشتركة بينها وبين
أختها أم حرام، وليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها فلعله كان
ذَلِكَ مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، لكن العصمة قائمة به
فلا حاجة إلى ذَلِكَ ولا حاجة إلى دعوى أن قتل حرام كان يوم بئر
معونة في صفر سنة أربع(٢)، ونزول الحجاب سنة خمس، فلعل
دخوله عليها كان قبل ذَلِكَ؛ لما قلناه.
بالمزدلفة، ومن فوائد معرفة هذا النوع، ألا يظن أن هناك انقلابًا فى السند. انظر:
=
((معرفة علوم الحديث)) ص: ٣١٣ - ٣١٤.
(١) سيأتي برقم (٢٨٤٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل من جهز غازيًا أو خلفه
بخير، ورواه مسلم (٢٤٥٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أم سليم. من
حديث أنس.
(٢) أنظر: ((الاستيعاب)) ٣٩٥/١ (٥١٥)، و((سير أعلام النبلاء)) ٢٤١/١.

٤٨٣
= كِتَابُ الضَّوْمِ
وفيه أيضًا: رجوع الطعام إلى أهله إذا لم يقبله من قدم إليه إذا لم
يكن في ذَلِكَ سوء أدب على باذله ومهديه، ولا نقيصة عليه،
ولا يكون عودًا في الهبة.
وقولها: (إن لي خويصة) هو بتشديد (الياء)(١) تصغير خاصة مثل
دابة ودويبة. وفيه حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغي
له أن يفطر بغير عذر ولا سبب يوجب الإفطار، وليس هذا الحديث
بمعارض لإفطار أبي الدرداء حين زاره سلمان وامتنع منه إن لم يأكل
معه، وهُذِه علة للفطر؛ لأن للضيف حقًّا كما قال العَينِ(٢).
وفيه: أن الصائم إذا دعي إلى طعام فليدع لأهله بالبركة ويؤنسهم
بذلك ويسرهم .وفيه: الإخبار عن نعم الله على الإنسان، والإعلام
بمواهبه، وأن لا تجحد نعمه، وبذلك أمر الجليل في كتابه حيث
قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ )﴾
[الضحى: ١١].
(١) في الأصل: الصاد، والصواب ما أثبتناه.
(٢) من ذلك ما سيأتي برقم (٢٤٦١، ٦١٣٧)، ورواه مسلم (١٧٢٧) من حديث
عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي ◌ّهر: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقرونا .. الحديث،
وفي آخره: ((فإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف)).
ومن ذلك ما جاء في حديث أبي الدرداء وسلمان السالف (١٩٦٨) ففي بعض
ألفاظه كما عند الترمذي (٢٤١٣)، وابن خزيمة ٣٠٩/٣ (٢١٤٤): ((ولضيفك
علیك حقا)).
ومن ذلك أيضا ما رواه أبو داود (١٣٦٩) عن عائشة أن النبي وَلجر بعث إلى
عثمان بن مظعون فجاءه، فقال: ((يا عثمان أرغبت عن سنتي؟)) وفيه: ((فاتق الله
يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك
حقا، فصم وأفطر وصل ونم)).
والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٢٣٩) وغير ذلك من
الأحاديث.

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: أن تصغير اسم الرجل على معنى التعطف له والترحم عليه
والمودة له، لا ينقصه ولا يحطه.
وفيه: رد الهدية كما سلف ويخص الطعام من ذَلِكَ؛ لأنه إذا لم يعلم
الناس حاجة فحينئذٍ يحمد رده، وإذا علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله
لأهله كما فعل التّ بأم سليم في غير هذا الحديث حين بعث هو وأبو
طلحة أنسًا إليها؛ لتعد الطعام لرسول الله وَلهو وأصحابه.
وفيه: التلطف بقولها: خادمك أنس.
وفيه: سؤال خير الدنيا والآخرة حيث قال: فما ترك خير آخرة
ولا دنيا إلا دعا لي به.
وفيه: الدعاء بكثرة الولد والمال.
وفيه: أن المال خير للمريد الكفاف،.
وفيه: التصغیر بمعنی الاختصاص، وقد سلف
وفيه: التأريخ بولاية الأمراء لقوله: (مقدم حجاج البصرة) وكانت
ولاية الحجاج سنة خمس وسبعين(١)، وولد لأنس بعد ذَلِكَ وعاش
ممن ولد له قبل قدومه وبعده، ومات سنة ثلاث وتسعين وهو آخر من
توفي من الصحابة بالبصرة.
وقوله: (بضع وعشرون ومائة)، قيل: البضع ما بين الثلاث إلى
التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى التسع، وقيل: ما دون الخمسة،
وقد سلف ذَلِكَ. وقول ابن اللباد: وظاهر ما في البخاري (لصلبي)
خلافه.
(١) انظر: ((البداية والنهاية)) ١١/٩.

٤٨٥
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
وقوله: (مقدم الحجاج) ترید إلى مقدمه فكأنما عدت من دفن قبل
قدومه، ويحتمل أن يكون عُدَّ في البخاري من مات له قبل مقدمه، وعد
غيره من اجتمع له أحياء من ولده وولد ولده(١).
(١) ورد بهامش الأصل: وفائدة الطريق الثاني المعلق تصريح حميد بالسماع من أنس؛
لأنه مدلس.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦٢- باب الصوم من آخر الشهر
١٩٨٣- حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ،
حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بِنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ:
(يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هذا الشَّهْرِ؟)). قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَغْنِي رَمَضَانَ - قَالَ
الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنٍ)). لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ
يَغْنِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ثَابِثْ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ:
((مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ)). [مسلم: ١١٦١ - فتح: ٤ /٢٣٠]
ذكر فيه حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ
رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ: ((يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هذا الشَّهْرِ؟)).
قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ - قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِذَا
أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنٍ)). لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ -وهو شيخ البخاري -: أَظُنُّهُ يَعْنِي
رَمَضَانَ، وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((مِنْ سَرَرِ
شَعْبَانَ)).
قال أبو عبد الله: وشعبان أصح.
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: ((هل صمت من سرر هذا الشهر
شيئًا؟)) يعني: شعبان. من طريقين عن مطرِّف، وهو الصواب(١).
وقوله: (وقال ثابت) أخرجه مسلم عن هداب بن خالد، ثنا حماد بن
(١) مسلم (١١٦١) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وورد بهامش الأصل: في مسلم قبل الطريقين اللتين أشار إليهما الشيخ
طريق أصرح منهما من طريق مطرف: ((أصمت من سرر شعبان؟)) وهُذِه أصرح مما
ذکره.

٤٨٧
- كِتَابُ الضَّوْمِ
سلمة، عن ثابت(١)، وجه كونه صوابًا أن رمضان يتعين صوم جميعه.
وذكر الحميدي في ((جمعه)) مقالة البخاري السالفة(٢). وقال الخطابي:
ذکر رمضان فيه وهم(٣).
و(سرر الشهر) بفتح السين وضمها، وعن الفراء: أنه أجود- أعني:
الفتح - وسراره بالفتح والكسر، وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو قول أبي عبيد - لأنه آخر الشهر يستتر الهلال(٤)، وبه
قال عبد الملك بن حبيب: لثمان وعشرين ولتسع وعشرين، فإن كان تامًّا
فليلة ثلاثين، وأنكره(٥) غيره وقال: لم يأت في صوم آخر الشهر حض.
ثانيها: أنه وسطه، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، كأنه يريد الأيام
الغر من وسطه.
ثالثها: وهو قول الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: سرة الشهر أوله،
وعن الأوزاعي أنه آخره، حكاهما الخطابي(٦)، وحكاهما البيهقي عنه،
وقال: الصحيح آخره(٧)، ولم يعرف الأزهري سرة. وهو ثابت في مسلم
من حديث عمران. وحديث البخاري دال للأول. وادعى ابن التين: أنه
المشهور عند أهل اللغة. وحمل الحديث الخطابي على أن الرجل كان
أوجبه على نفسه نذرًا فأمره بالوفاء، أو كان اعتاده فأمره بالمحافظة عليه.
(١) مسلم (١١٦١/ ١٩٩).
(٢) ((الجمع بين الصحيحين)) ٣٥٠/١.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٩٧٤.
(٤) ((غريب الحديث)) ٢٥١/١.
(٥) ورد تعليق في الأصل: يعنى أنكره على أبي عبيد.
(٦) ((أعلام الحديث)) ٩٧٤/٢، ((معالم السنن)) ٨٤/٢.
(٧) ((سنن البيهقي)) ٢١١/٤.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال: وإنما تأولناه للنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين(١).
وقال ابن التين عقبه: قال غيره: وجهه لمن يتحراه من رمضان،
وحمل هذا على صومه تطوعًا لغير التحري.
وفيه: دليل على ابن سلمة في منعه صومه تطوعًا، وعلى أصحاب
داود حين منعوا صومه أصلًا. وقيل: يحتمل أن يكون جرى هذا جوابًا
من رسول الله وقي لكلام تقدمه لم ينقل إلينا وقيل: أمره به ليودعه.
وقوله: ((يا أبا فلان)) فيه: جواز الكنية.
وقوله: ((فإذا أفطرت)) وقع في مسلم زيادة: ((رمضان))(٢). أي: منه
حذفت، وهي مراده كقوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]
أي: من قومه، وقد جاء إثباتها في الدارمي(٣). وأمره بصوم يومین حض
على ملازمة عادة الخير؛ لكي لا تقطع، ولئلا يمضي على المكلف مثل
شعبان ولم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه أمره بتداركه؛ ليحصل له أجره
من الجنس الذي فوته على نفسه، ويظهر كما قال القرطبي: أنه لمزية
شعبان، فلا يبعد أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره،
ويشهد له كثرة صومه فيه أكثر من صيامه في غيره(٤).
وقال الطبري: من اختار صيامها من آخر الشهر فلكفارة ذنبه.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٩٧٤.
(٢) مسلم (١١٦١).
(٣) (سنن الدارمي)) ١٠٩٠/٢ (١٧٨٣) كتاب: الصوم، باب: الصوم من سرر الشهر.
(٤) ((المفهم)» ٢٣٥/٣.

٤٨٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
٦٣- باب صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ،
وإذا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ
يعني: إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده.
١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَنِجٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ عَبَّادِ قَالَ: سَأَلَّتُ جَابِرًا رَضي الله عنه: نَّهَى النَّبِيُّ وََّ عَنْ صَوْمٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ. زَادَ غَيْرُ أَبِ عَاصِمٍ: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ. [مسلم: ١١٤٣ - فتح: ٤ /٢٣٢]
١٩٨٥- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا
أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: (لَا يَصُومَنَّ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ)). [مسلم: ١١٤٤ - فتح: ٢٣٢/٤]
١٩٨٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةً ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا
غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رضي الله
عنها أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْيِّ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: ((أَصُمْتِ أَمْسٍ؟)).
قَالَتْ: لَا. قَالَ: ((تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَدًّا؟)). قَالَت: لَا. قَالَ: ((فَأَفْطِرِي)).
وَقَالَ حَمَّدُ بْنُ الَجَعْدِ، سَمِعَ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ: فَأَمَرَهَا
فَأَفْطَرَتْ. [فتح: ٤ / ٢٣٢]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجِ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ: سَأَلْتُ جَابِرًا: أنَّهَى رسول الله ◌ِوَ لَه عَنْ
صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ.
ثانيها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسول الله وَّهِ يَقُولُ:
((لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ)).
ثالثها: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا غُنْدَرٌ،

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
عن شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ
وَهِ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: ((أَصُمْتِ أَمْسٍ؟».
قَالَتْ: لَا. قَالَ: ((تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟)). قَالَتْ: لَا. قَالَ: ((فَأَفْطِرِي)).
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الجَعْدِ، سَمِعَ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ (١)، أَنَّ جُوَيْرِيَةً
حَدَّثَنْهُ: فَأَمَرَهَا فَأَقْطَرَتْ.
الشرح: حديث جابر أخرجه مسلم إلى قوله: ورب هذا البيت(٢).
وغير أبي عاصم هو يحيى بن سعيد القطان كما بينه النسائي حيث قال:
حَدَّثَنَا عمرو بن علي، عن يحيى، عن ابن جريج، أخبرني محمد بن
عباد بن جعفر قلت لجابر: أسمعت رسول الله وَ نهى عن أن ينفرد
يوم الجمعة بصوم؟ قال: إي ورب الكعبة(٣). وكذا قال البيهقي.
قوله: (زاد غير أبي عاصم) ذكرها يحيى بن سعيد القطان عن ابن
جريج، إلا أنه قضى بإسناده فلم يذكر فيه عبد الحميد بن (جبير) (٤).
ورواه الإسماعيلي، عن القاسم بن زكريا، عن عمرو بن علي، عن
يحيى بن سعيد وأبي عاصم، عن ابن جريج، عن محمد .. الحديث،
ثم قال: ذكر البخاري حديث أبي عاصم، عن ابن جريج، عن
عبد الحميد، عن ابن (عباد)(٥).
وقد روينا من حديث أبي عاصم أيضًا كما قال يحيى: وتابعه
فضيل بن سليمان وحفص بن غياث أيضًا، وكذا رواه عن ابن جريج
(١) ورد بالهامش: فائدة التعليق تصريح قتادة بالسماع من أبي أيوب.
(٢) مسلم (١١٤٣) كتاب: الصيام، باب: كراهية صيام يوم الجمعة منفردًا.
(٣) ((السنن الكبرى)) ١٤١/٢ (٢٧٤٧).
(٤) في الأصل: (جعفر). وانظر: ((سنن البيهقي) ٣٠٢/٤.
(٥) في الأصل: حماد وهو خطأ. والمثبت من ((صحيح البخاري))

٤٩١
- كِتَابُ الضَّوْمِ
النضر بن شميل وحجاج، عند النسائى(١). ورواه أبو سعيد محمد بن
مبشر، عن ابن جريج، عن عبد الحميد: سمع محمد بن عباد -يعني:
فيما ذكره البخاري قال: وليس أبو سعيد كهؤلاء.
قلت: وفيه حمل منه على البخاري وليس بجيد؛ لأن ابن جريج رواه
عنه- كما رواه البخاري - الجم الغفير، منهم ما رواه أبو قرة في ((سننه))
عن ابن جريج وهو من أثبت الناس فيه، فقال: ذكر ابن جريج: أخبرني
عبد الحميد بن جبير أنه أخبره محمد بن عباد به. وكذا رواه الدارمي في
((مسنده)) عن أبي عاصم(٢). ورواه أيضًا عن أبي عاصم، أبو موسى
محمد بن المثنى، كما ساقه ابن أبي عاصم في كتاب ((الصيام)). ورواه
مسلم من حديث عبد الرزاق، أنا ابن جريج به (٣). ورواه علي بن
المفضل المقدسي من حديث إبراهيم بن مرزوق، ثنا أبو عاصم.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم والأربعة (٤). وفي رواية لمسلم:
((لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم
الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم))(٥).
وفي رواية للحاكم: ((يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم
صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» (٦)، وللنسائي من حديث أبي
(١) («السنن الكبرى)) ١٤٠/٢- ١٤١ (٢٧٤٦، ٢٧٤٨).
(٢) ((مسند الدارمي)) ١٠٩٤/٢ (١٧٨٩) كتاب: الصوم، باب: النهي عن الصيام يوم
الجمعة.
(٣) مسلم (١١٤٣).
(٤) مسلم (١١٤٤)، أبو داود (٢٤٢٠)، الترمذي (٧٤٣)، النسائي في ((الكبرى)) ٢/
١٤٢ (٢٧٥٦)، ابن ماجه (١٧٢٣).
(٥) مسلم (١١٤٤/ ١٤٨).
(٦) ((المستدرك)) ٤٣٧/١.
=

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الدرداء مرفوعًا: ((يا أبا الدرداء، لا تختص الجمعة بصيام دون الأيام»،
الحديث(١).
وحديث جويرية من أفراده. ومحمد شيخ البخاري، ذكر أبو نعيم
الأصبهاني في ((مستخرجه)) والإسماعيلي أنه ابن بشار بندار.
قال الجياني: لم ينسبه أحد من شيوخنا في شيء من المواضع،
ولعله محمد بن بشار، وإن كان محمد بن المثنى يروي أيضًا عن
شعبة، زاد أبو نضر: ومحمد بن الوليد البسري أيضًا روى عن غندر
في ((الجامع الصحيح)) (٢). وقال علي بن المفضل: الأقرب أنه بندار.
وأبو أيوب أسمه يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك العتكي
المراغي نفسه، وحماد بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد ضعفوه، وقال
أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وذكره عبد الغني في ((الكمال)) وقال:
استشهد به البخاري بحديث واحد متابعة، ولم يذكر أن غيره أخرج
ورواه أيضًا أحمد ٣٠٣/٢، ٥٣٢، وإسحاق ٤٥١/١ (٥٢٤)، وابن أبي عاصم
=
في ((الآحاد والمثاني)) ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨ (٢٥١٢)، وابن خزيمة ٣١٥/١ - ٣١٦
(٢١٦١)، والطحاوي ٧٩/٢ من طريق معاوية بن صالح، عن أبي بشر، عن
عامر بن لدين الأشعري، عن أبي هريرة مرفوعًا به.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أن أبا بشر هذا لم أقف
على اسمه، وليس بيان بن بشر ولا بجعفر بن أبي وحشية، وشاهد هذا بغير هذا
اللفظ مخرج في الكتابين، وقال الذهبي: أبو بشر مجهول، وشاهده في
الصحيحين. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٥٣٤٤): منكر.
قلت: والشاهد الذي أشار إليه الحاكم والذهبي في الصحيحين هو حديث الباب
(١٩٨٥).
(١) النسائي في ((الكبرى)) ١٤١/٢ - ١٤٢ (٢٧٥٢)، ورواه أحمد ٤٤٤/٦، وابن
الجوزي في ((التحقيق)) ١٠٥/٢ (١١٦٧).
(٢) ((تقييد المهمل)» ١٠٣٣/٣-١٠٣٤.

٤٩٣
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
له (١)، وأسقطه في ((الكاشف))(٢)، وفي النسائي من حديث ابن المسيب،
عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله وَ* دخل على جويرية بنت
الحارث .. الحديث(٣).
وفي ((مسند أحمد))، عن ابن عباس مرفوعًا: ((لا تصوموا يوم
الجمعة وحده))(٤)، ومن حديث قتادة أيضًا(٥).
وفي الترمذي محسنًا من حديث ابن مسعود: قلَّ ما رأيت رسول الله
(١) حماد بن الجعد، قال ابن معين: ضعيف ليس بثقة، وليس حديثه بشيء، ولينه
أبو زرعة، وضعفه النسائي.
انظر: ((تهذيب الكمال)» ٨٢٨/٧ (١٤٧٥).
(٢) قلت: كذا قال، وتبعه العيني في ((عمدة القاري)) ١٧٨/٩!
لكن وجدت الحافظ الذهبي قد ترجمه في ((الكاشف)) ٣٤٨/١ (١٢١٤) وأثبته
فقال: حماد بن الجعد، عن قتادة وثابت، وعنه أبو داود الطيالسي وهدبة، لين.
خت. اهـ
والاعتذار عنهما فيما وقعا فيه بما قالاه محققا الكتاب فقالا: الترجمة على
الحاشية، ووضع لها المصنف لحقًا، ولم تظهر في الصورة تماما. فيبدو أن
المصنف -رحمه الله- لم تظهر له هذِه الترجمة. والله أعلم.
(٣) ((سنن النسائي)) ١٤٢/٢ (٢٧٥٣).
(٤) (مسند أحمد)) ٢٨٨/١. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٩/٣: فيه الحسين بن
عبد الله بن عبيد الله، وثقه ابن معين، وضعفه الأئمة.
(٥) رواه ابن سعد ٧/ ٥٠٢، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٤/ ٢٧٧
(٢٢٩٧)، والطحاوي ٧٩/٢، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١٥٥/١،
والطبراني ٢٨١/٢ (٢١٧٣)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٦١٣/٢ (١٦٦٣)،
والحاكم ٦٠٨/٣، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ١٠٥/٢ (١١٧٠)، والمزي في
((التهذيب)) ٥١١/٥.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الحافظ في
((الفتح)) ٢٣٤/٤: إسناده صحيح، وعزاه للنسائي.

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَلم يفطر يوم الجمعة(١). وقال أبو عمر: حديث صحيح (١). وقال ابن
بطال: رواه شعبة، عن عاصم فلم يرفعه فهي علة فيه (١). قال أبو عمر:
وروى ابن عمر أيضًا أنه قال: ما رأيت رسول الله وَلفر مفطرًا يوم جمعة
قط (٤). رواه ابن أبي شيبة من حديث ليث، عن عمير بن أبي عمير،
عنه(٥). قلت: ليث ضعيف.
وعن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه (٢١. ورواه
ابن عباس أيضًا مرفوعًا أنه لم ير رسول الله بمثلقول أفطر يوم جمعة قط، رواه
ابن شاهين من حديث ليث، عن عطاء عنه (٧). ومن حديث صفوان بن
سليم، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((من صام يوم
الجمعة أعطاه الله عشرة أيام من أيام الآخرة غرًا لا يشاكلهن أيام
الدنیا))(٨).
(١) الترمذي (٧٤٢) وقد تقدم.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٦٠/١٠.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٣١/٤.
(٤) ((الاستذكار)) ٢٦٠/١٠.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٠٤/٢ (٩٢٦٠) كتاب: الصيام، باب: من رخص في
صوم يوم الجمعة.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٤/٢ (٩٢٥٩) كتاب: الصوم، من رخص في صوم يوم
الجمعة.
(٧) ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (٣٨٨) من حديث ليث، عن طاوس، عن ابن
عباس، ومن هذا الطريق رواه البزار (١٠٧٠/ كشف)، وابن الجوزي في
((التحقيق)) ١٠٦/٢ (١١٧٣). قال الهيثمي ٣/ ٢٠٠: فيه: ليث بن أبي سليم، وهو
ثقة ولكنه مدلس.
(٨) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٣٩٣/٣ (٣٨٦٢ - ٣٨٦٣)، وفيه: ((كتب الله له عشرة
أيام عددهن من أيام الآخرة)). وأورده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٨٠/٢ =

٤٩٥
- كِتَابُ الضَّوْمِ
وفي ((الموضوعات)) للنقاش: ((من صام يوم الجمعة غفر له ذنوب
خمسين سنة، ومن صام يوم السبت حرم الله لحمه على النار)).
قال ابن شاهين: الأحاديث المصرحة بفضل صومه طريقها فيه
أضطراب، ولا يدفع (فضل)(١) صومه، وأما صومه الظّهر فيجوز أن
یکون كما أمر لغيره، ويجوز أن يكون هو له دون غيره، كما كان يأمر
بالإفطار في النصف من شعبان(٢)، ويصوم هو شعبان كله(٣)، قال:
والحديث الأول خرج على وجه النهي عن التفرد بصيامه، فإذا أنضاف
إليه يوم قبله أو بعده خرج عن النهي ولا يكون طريقه النسخ (٤).
إذا تقرر ذلك: فاختلف العلماء في صوم يوم الجمعة، فنهت طائفة
عن صومه إلا أن يصام قبله أو بعده على ما جاء في هذِه الأحاديث،
روي ذلك عن أبي هريرة وسلمان وعلله علي وأبو ذر بأنه يوم عيد
وطعام وشراب فلا ينبغي صيامه. وقد أسلفنا رواية الحاكم فيه، وهو
قول ابن سيرين والزهري، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ومنهم
من قال: ليفطر ليقوى على الصلاة في ذلك اليوم والدعاء والذكر
(١٥٧٩) وقال: رواه البيهقي، عن رجل من جشم، عن أبي هريرة، وعن رجل من
=
أشجع، عن أبي هريرة أيضًا، ولم يسم الرجلين، وقال الألباني في ((ضعيف
الترغيب)» (٦٣٤): منكر.
(١) في هامش الأصل: لعله: عدم.
(٢) يشير إلى ما رواه أبو داود (٢٣٣٧) عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا أنتصف شعبان
فلا تصوموا)).
والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٥).
(٣) يدل لذلك ما سلف برقم (١٩٧٠)، ورواه مسلم (١١٥٦/ ١٧٦) وانظر: ((الناسخ
والمنسوخ)) لابن شاهين ص٣٢٩.
(٤) ((الناسخ والمنسوخ)) ص٣٢٨.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بعدها. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠] وروى ذلك
عن النخعي، كما قال ابن عمر: لا يصام يوم عرفة بعرفة من أجل
الدعاء (١). ومنهم من قال: الحكمة فيه لئلا يعتقد وجوبه وهو منقوض
بالصوم المرتب كعرفة وغيرها، ومنهم من قال: إنه أفضل الأيام،
فخشي افتراضه كقيام رمضان، فلما توفي رسول الله وَّلقر صامه عمر
ومنهم من قال: لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمت اليهود في
السبت وفيه نظر؛ لأن فيه وظائف حث الشارع عليها، وعبر بعضهم
فيه عنه بأنه يوم يجب صومه على النصارى، ففي صومه تشبيه لهم.
وقال الطحاوي بعد أن روى حديث أبي هريرة: ((إن يوم الجمعة
عيدكم)) كره أن يقصد إلى يوم بعينه بصوم للتفرقة بينه وبين شهر
رمضان وسائر الأيام؛ لأن فريضة الله في رمضان بعينه وليس كذلك
سائر الأيام(٢).
والمعتمد الأول أن معناه: التقوي على وظائفه، وإنما زالت الكراهة
بصوم يوم معه لجبر ساقه فحصل من فتور أو تقصير في وظائف الجمعة
بسبب صومه. وللشافعي قول أنه لا یکره إلا لمن کان إذا صامه منعه عن
الصلاة التي لو كان مفطرًا لفعلها، رواه المزني في ((جامعه الكبير)). وفي
لفظ: لا يتبين لي أنه نهى عن صومه إلا على الاختيار.
قال ابن الصباغ: وحمل الشافعي أحاديث النهي على من كان
الصوم يضعفه ويمنعه من الطاعة. وقال صاحب ((البيان)) -من
(١) انظر (مصنف عبد الرزاق)) ٤/ ٢٧٩ (٧٨٠٣)، ٤/ ٢٨٠ (٧٨٠٥)، ٤/ ٢٨١
(٧٨١٠، ٧٨١١)، ٤/ ٢٨٢ (٧٨١٣)، ((روضة الطالبين)) ٢/ ٣٨٧، ((المغني)) ٤/
٤٢٦ - ٤٢٧، ((مسائل أحمد برواية الكوسج)) ٢٩٣/١.
(٢) (شرح معاني الآثار)) ٧٩/٢.

٤٩٧
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
أصحابنا- في كراهة إفراده بالصوم وجهان: المنصوص الجواز(١). وقال
الماوردي: مذهب الشافعي أن معنى نهي الصوم فيه أنه يضعف عن
حضور الجمعة والدعاء فيها، فكل من يضعفه الصوم عن حضورها
كان مكروهًا وإلا فلا بأس به، وقد داوم رسول الله وَدليل على صوم
شعبان، ومعلوم أن فيه جمعات كان يصومها وكذلك رمضان فعلم أن
معنی نهي الصوم فيه ما ذكرناه(٢).
وقال الغزالي في ((الإحياء)»: يستحب الصوم في الأيام الفاضلة في
الإسبوع، ثم ذكر الاثنين والخميس والجمعة، فلعله أراد الجمعة مع
(٣)
الخميس (٣).
ولو أراد اعتكاف يوم الجمعة فهل يستحب له صومه ليصح اعتكافه
بالإجماع، أو يكره لكونه أفرده بالصوم؟ فیه احتمالان، ويستثنى عندنا
من النهي ما إذا وافق عادة له بأن نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد
أبدًا فوافق الجمعة. صرح به النووي في ((شرح المهذب)) (٤).
وأجازت طائفة صيامه، روي عن ابن عباس أنه كان يصومه
ویواظب عليه (٥).
قال مالك في ((الموطأ)): لم أسمع أحدًا من أهل العلم ومن يقتدى به
ينهي عنه. وصيامه حسن، ورأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان
يتحراه (٦)، قيل: إنه كان محمد بن المنكدر.
(١) ((البيان)) ٥٦١/٣.
(٢) ((الحاوي الكبير)) للماوردي ٤٧٨/٣.
(٣) («الإحياء)) ٢٣٧/١.
(٥) أنظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٠٤/٢ (٩٢٥٩).
(٦) ((الموطأ)) ص ٢٠٧.
(٤) ((شرح المهذب)) ٤٧٩/٦.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن بطال: وأحاديث النهي أصح، ثم قال: وأكثر الفقهاء على
الأخذ بأحاديث الإباحة؛ لأن الصوم عمل بر فوجب أن لا يمنع منه
إلا بدليل لا معارض له (١).
قلت: وأي دليل أقوى من الأحاديث الصحيحة السالفة والمعارض
لم يصح أو مؤول، وروى ابن القاسم عن مالك، أنه كره أن يجعل على
نفسه صوم يوم مؤقت.
قال ابن التين، عن بعضهم: يحتمل أن تكون هذه رواية مالك في
منع صوم يوم الجمعة، وأنصف الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا الحديث
بالمنع ولو بلغه لم يخالفه، قال: ولا يبالي صام الذي يليه قبله أو بعده؛
لأن من صام يوما سواه فقد صام قبله أو بعده؛ لأنه لم يقل اليوم الذي
يليه. قال: وحديث جويرية يدل أن قبله يوم الخميس وبعده يوم السبت؛
لأنه قال لها: ((أصمت أمس؟)) قالت: لا. قال: ((أفتريدين أن تصومي
غدًّا؟» قالت: لا، ولم يسألها هل صامت قبل أمس؟ ولا هل تصومين
بعد غد؟ وقال ابن التين: ورد في صومه أحاديث متفقة المعنى:
حديث أبي هريرة وجويرية وطريق أبي هريرة الآخر يعني: عند
مسلم(٢)، وهي أحاديث صحيحة والتعلق بها واجب.
فائدة: حديث أبي هريرة الذي سقناه عن مسلم احتج به جماعة من
العلماء على كراهة الرغائب التي هي ليلة أول الجمعة في رجب (٣)،
(١) (شرح ابن بطال)) ١٣١/٤.
(٢) مسلم (١١٤٤).
(٣) قلت: روى ابن عساكر في (تاريخ دمشق)) ٤٠٨/١٠ من طريق إبراهيم بن أبي
يحيى عن أبي قعنب عن أبي أمامة الباهلي مرفوعًا: ((خمس ليال لا ترد فيهن
الدعوة: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة، وليلة الفطر
وليلة النحر)).
=

٤٩٩
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
وصلاة نصف شعبان(١).
= قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٨٥٢)، وفي الضعيفة، (١٤٥٢): موضوع.
وروى البيهقي في ((فضائل الأوقات)) (١١) من طريق خالد بن الهياج، عن أبيه،
عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي مرفوعًا: ((في رجب يوم
وليلة من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة، وقام
مائة سنة)). وروى عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣١٧/٤ (٧٩٢٧)، ومن طريقه
البيهقي في ((شعب الإيمان)» ٣٤٢/٣ (٣٧١٣)، وفي ((فضائل الأوقات)) (١٤٩):
أخبرني من سمع البيلماني يحدث عن أبيه، عن ابن عمر قال: خمس ليال لا ترد
فيهن الدعاء: ليلة الجمعة، وأول ليلة من رجب. وليلة النصف من شعبان، وليلتي
العيد. هكذا موقوفا.
قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) ٢٣٤/٢٢ في سياق الحديث عن البدعة:
وكذلك لما أحدث الناس اجتماعا راتبا غير الشرعي، مثل الاجتماع على صلاة
معينة: أول رجب. أو أول ليلة جمعة فيه، وليلة النصف من شعبان، فانكر ذلك
علماء المسلمين. وقال أيضا ١٣٤/٢٣ : صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين،
لم يسنها رسول الله رَطاهر ، ولا أحد من خلفائه والحديث المروي فيها كذب بإجماع
أهل المعرفة بالحديث، وكذلك الصلاة التي تذكر أول ليلة جمعة من رجب، وفي
ليلة المعراج. فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أنه أحاديثه كلها موضوعة.
وقال في موضع آخر ٤١٤/٢٣: صلاة الرغائب في أول جمعة من رجب. والألفية
في أول رجب ونصف شعبان، وأمثال ذلك فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام،
ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع. وقال في (منهاج السنة النبوية)) ٤٣٣/٧-
٤٣٤: ما يروى في صلاة الأسبوع. كصلاة يوم الأحد والاثنين، وما يروى من
الصلاة المقدرة ليلة النصف، وأول ليلة جمعة من رجب ونحو ذلك كلها كذب.
وقال شيخ الإسلام ابن القيم في («المنار المنيف)) (١٦٧، ١٦٩): أحاديث صلاة
الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله وَليه .
وحديث: ((لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة
الرغائب))، حديث مكذوب. اهـ بتصرف.
(١) ينظر المصادر السالف النقل منها فيما يخص أول جمعة في رجب وليلها. وينظر
أيضا ((الضعيفة)) (٢١٣٢).

٠
٥
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦٤- باب هَلْ يَخُصُّ الأَيَّامِ مِنَ شَيْئًا؟
١٩٨٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَذَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَخْتَصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا؟
قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُطِيقُ؟! [٦٤٦٦ -
مسلم: ٧٨٣ - فتح: ٢٣٥/٤]
ذكر فيه حديث عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ يَخْتَصُ
مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَلَّهِ يُطِيقُ؟!
معناه: أنه كان لا يخص شيئًا من الأيام دائمًا ولا راتبًا إلا أنه كان
أكثر صيامه في شعبان، وقد حضَّ على صوم يوم الأثنين والخميس،
لكن كان صيامه على حسب نشاطه. فربما وافق الأيام التي رغب فيها
وربما لم يوافقها.
وفي أفراد مسلم عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة: أكان رسول
الله وَّ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي
أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم(١).
ونقل ابن التين عن بعض أهل العلم: أنه يكره أن يتحرى يومًا من
الأسبوع بصيام؛ لهذا الحديث. وهو قريب من تبويب البخاري.
ومعنى (ديمة): دائم، مثل الديمة من المطر.
(١) سبق تخريجه.