النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
وفيه: أن التعمق في العبادة والإجهاد للنفس مكروه؛ لقلة صبر البشر
على التزامها، لاسيما في الصيام الذي هو إضعاف للجسم، وقد رخص
الله تعالى فيه في السفر لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحلِّ
والترحال، فكيف إذا أنضاف ذَلِكَ إلى من كلفه الله قتال أعدائه
الكافرين؛ حَتَّى تكون كلمة الله هي العليا!؟(١) ألا ترى أنه التَّيَهُ قال
ذَلِكَ في الحديث عن داود (وكان لا يفر إذا لاقى)(٢): أي أنه أبقى
لنفسه قوة؛ لئلا يضعف نفسه عند المدافعة واللقاء، وقد كره قوم من
السلف صوم الدهر، روي ذَلِكَ عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي
ذر، وسليمان، وعن مسروق، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد،
(١) قال ابن القيم رحمه الله: سافر رسول الله صل﴿ في رمضان، فصام وأفطر، وخير
الصحابة بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله.
فلو أتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم، فهل لهم
الفطر؟ فيه قولان: أصحهما دليلًا: أن لهم ذلك وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى
العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من
الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة،
فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛
ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر
للمجاهد أعظمُ من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. والفطر عند اللقاء، من أعظم أسباب القوة. اهـ
(زاد المعاد)) ٢/ ٥٢- ٥٣.
قلت: وحول هذا المعنى روى مسلم (١١٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري قال:
سافرنا مع رسول الله وَّه إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا فقال رسول الله
وَل: ((إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم)). فكانت رخصة فمنا من صام
ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: ((إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم
فأفطروا ... )).
(٢) الحديث الآتي (١٩٧٧)، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٦ - ١٨٧).

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله في صيام داود: ((لا أفضل من ذَلِكَ))
وغيره كما سلف، وقالوا: إنما نهى عن صوم الأبد لما في ذَلِكَ من
الإضرار بالنفس، والحمل عليها في منعها من الغذاء الذي هو قوامها
وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كصلاة النافلة وقراءة القرآن
والجهاد وقضاء حق الزور والضيف، وقد أخبر الشارع بقوله: في
صوم داود: ((وكان لا يفر إذا لاقى)) أن من فضل صومه على غيره إنما
كان من أجل أنه لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي أفضل من
الصوم، وذلك بثبوته لحرب الأعداء عند التقاء الزحوف وتركه الفرار
منهم؛ فكان إذا قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معاني
الصيام، قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء
الفرائض. وعمّا هو أفضل من صومه ذَلِكَ من ثقل الأعمال وهو
صحيح الجسم غير مكروه له صومه ذَلِكَ، وكل من أضعفه صومه
النفل عن أداء شيء من الفرائض فغير جائز له صومه، بل هو محظور
عليه، فإن لم يضعفه عنها عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه
مکروه وإن كان غير آثم.
وكان ابن مسعود يقل الصوم، فقيل له في ذَلِكَ قال: إني إذا صمت
ضَعُفْتُ عن الصلاة وهي أحب إليَّ منه(١). وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم
على عهد رسول الله و 38 من أجل الغزو، فلما توفي ما رأيته يفطر إلا يوم
فطر وأضحى(٢).
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣١٠/٤ (٧٩٠٣)، وابن سعد ١٥/٩، والطبراني
٩/ ١٧٥ - ١٧٦ (٨٨٧٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٥٤/٢ (٢٠١٨). وقال الهيثمي
٢٥٧/٥: رجاله رجال الصحيح.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٢٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: من اختار الغزو على الصوم
من حديث أنس.

٤٦٣
- كِتَابُ الضَّوْمِ
وصححه الحاكم(١)، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين(٢)،
وسرده أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن
عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت الصديق، وعبد الله وعروة ابنا
الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين، وقالوا: من أفطر الأيام
المنهي عن صومها فليس بداخل فيما نهي عنه من صوم الدهر، وحمل
بعضهم النهي عنه لمن تضرر به، وأيده برواية أبي قلابة: أن أمرأةً صامت
حَتَّى ماتت؛ فقال التَّ: ((لا صامت ولا أفطرت))(٣) ومن صام حَتَّى بلغ به
الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذَلِكَ آئم.
وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا:
(من صام الدهر ضيقت عليه جهنم)) وضم أصابعه هكذا على تسعين(٤)
(١) ((المستدرك)) ٣٥٣/٣.
قلت: وهذا قصور في العزو من المصنف - رحمه الله- لأن الحديث بتمامه في
«صحيح البخاري» كا سبق.
ومما يؤخذ على الحاكم أيضًا أنه قال بعد روايته للحديث: صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجاه، وهذا مما يؤخذ عليهما، فالحديث في ((صحيح البخاري))
كما مر.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٦/ ٤٢: هذا الحديث يؤخذ فيه على الحاكم أن أصله في
البخاري فلا يستدرك. اهـ بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣٢٩/٢ (٩٥٦٤).
(٣) رواه معمر بن راشد ١١/ ٢٩٢ (٢٠٥٧١).
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٣٤٩/٨ (٣٥٨٤) كتاب: الصوم، باب: صوم الدهر، ورواه
أحمد ٤١٤/٤، والطيالسي ٤١٤/١ (٥١٦)، وابن أبي شيبة ٣٢٨/٢ (٩٥٥٤)،
والبزار في ((البحر الزخار)) ٦٨/٨ (٣٠٦٣)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٢١٩/٢،
والبيهقي في ((سننه)) ٤/ ٣٠٠، وفي ((الشعب)) ٤٠٣/٣ - ٤٠٤ (٣٨٩١) من طريق
الضحاك بن يسار عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا به.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٣/٣: رجاله رجال الصحيح.
=

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قيل: هو مدح، وقيل: ذم كما أوضحته في ((التحفة)). وفي ابن ماجه
بإسناد فيه ابن لهيعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((صام نوح الدهر
إلا يومين الأضحى والفطر))(١).
= ورواه البزار ٦٧/٨ (٣٠٦٢)، والروياني ٣٦٨/١ (٥٦١)، وابن خزيمة ٣١٣/٣
(٢١٥٤ - ٢١٥٥) من طريق قتادة عن أبي تميمة عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا
به.
ورواه الطيالسي ٤١٤/١ (٥١٥)، وابن أبي شيبة ٣٨٢/٢ (٩٥٥٣)، وعبد بن
حميد ٤٩٤/١ (٥٦٢)، والبيهقي ٣٠٠/٤ من طريق قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي
موسى موقوفًا.
قال العقيلي: لا يصح مرفوعًا، وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) ١٨٩/١
(٧٥٤): رواه أحمد والنسائي في ((الكبرى)) وابن حبان، وحسنه أبو علي الطوسي.
والحديث صححه الألباني بطرقه المرفوعة والموقوفة في ((الصحيحة)) (٣٢٠٢).
قلت: للعلماء في تأويل قوله: ضيقت عليه جهنم، قولان:
الأول: أن تضيق عليه جهنم فلا يدخلها جزاء لصومه.
الثاني: أن يكون إذا صام الأيام التي نهى النبي ◌ّر عن صومها فتعمد مخالفة
الرسول * أن يكون ذلك عقوبة لمخالفة الرسول صل9. وهذان القولان قالهما
البزار في ((البحر)) ٦٩/٨، وابن خزيمة ٣١٣/٣ نقلًا عن المزني.
وعاب ابن حزم على من قال بالقول الأول، فقال: من نوادرهم قولهم: معناه:
ضيقت عليه جهنم حتى لا يدخلها، وهذه لكنة وكذب، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا
لقال: ضيقت عنه، ولم يقل: عليه، وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على
التشديد والنهي عن صومه اهـ ((المحلى)) ١٦/٧.
وأورد ابن القيم هذين القولين في ((الزاد)) ٢/ ٨٣، ومال إلى ترجيح القول الثاني،
وهو الذي ذكره ورجحه الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٢/٤، وكذا الألباني في تعليقه
على ((صحيح ابن خزيمة)).
(١) ابن ماجه (١٨١٤) كتاب: الصيام، باب: صيام نوح الثّها، ورواه البيهقي في
((الشعب)) ٣٨٨/٣ (٣٨٤٦)، والمزي في ((التهذيب)) ١٢١/٣٢ - ١٢٢ من طريق
ابن لهيعة عن أبي قنان، عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو
قال: قال رسول الله اله ... الحديث.
=

٤٦٥
- كِتَابُ الضَّوْمِ
فرع :
قال القاضي والمتولي: صوم داود أفضل من صوم الدهر، وفي كلام
غيرهما إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا بابن عمرو ومن في معناه
تقديره لا أفضل من هذا في حقك، يؤيد هذا أنه لم ينه حمزة بن عمرو
عن السرد، ولو كان ما قاله لابن عمرو أفضل في حق كل الناس لأرشد
حمزة إليه وبينه له.
وقال الغزالي في ((الإحياء)) بعد أن قرر استحباب صوم الدهر: ودونه
مرتبة أخرى وهي صوم نصفه(١). كذا ذكر، وهو أشد على النفس، ومن
لا يقدر على ذَلِكَ فليصم ثلاثة، وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومين، فإذا
صام ثلاثة من أول الشهر، وثلاثة من وسطه، وثلاثة من آخره فهو ثلث
واقع في الأوقات الفاضلة، فإن صام الأثنين والخميس والجمعة فهو
قريب من الثلث.
= قال البوصيري في ((المصباح)) ٧٢/٢: إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وكذا
ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٥٩)، وقال: ثم إن الحديث لو صح، لم يجز
العمل به؛ لأنه من شريعة من قبلنا وهي ليست شريعة لنا على ما هو الراجح عندنا،
لاسيما وقد ثبت النهي عن صيام الدهر في غير ما حديث عنه رَّ حتى قال ◌َّێ،
في رجل يصوم الدهر: ((وددت أنه لم يطعم الدهر)). رواه النسائي بسند صحيح أهـ
(١) ((الإحياء)) ٢٣٨/١.

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
٥٧- باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ
رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِهِ. [انظر: ١٩٦٨]
١٩٧٧- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، أَخْبَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنِ ابن جُرَنجِ، سَمِعْتُ عَطَاءً،
أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو رضي الله عنهما: بَلَغَ النَّبِيَّ
وَ أَنَّ أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّى اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَى، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ
أَنَّكَ تَصُوِمُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي [وَلَا تَنَامُ]؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَثَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنَِكَ
عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا)). قَالَ إِّ لأَقَوِىُ لِذَلِكَ. قَالَ: ((فَصُمْ
صِيَامَ دَاوُدَ الَّْ)». قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: ((كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا
لَاقَى)). قَالَ: مَنْ لِي بِهذِه يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءُ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَّامَ الأَبَدِ.
قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (لَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ)). مَرَّتَيْنِ. [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩- فتح:
٤/ ٢٢١]
رواه أبو جحيفة عن النبي ◌َّ هُذا قد سلف مسندًا قريبًا(١).
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف، وفيه: ((وَإِنَّ لِنَفْسِكَ
وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظَّ».
وفيه أبو العباس المكي الشاعر وهو السائب بن فروخ الأعمى والد
العلاء.
ثم ترجم له:
(١) سلف برقم (١٩٦٨).

٤٦٧
كِتَابُ الضَّوْمِ
٥٨- باب صَوْمٍ يَوْمٍ وَإِفْطَارٍ يَوْمٍ
١٩٧٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةً قَالَ:
سَمِعْتُ بُجَاهِدًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((صُمْ
مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)). قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: ((صُمْ يَوْمًا
وَأَفْطِرْ يَوْمًا)) فَقَالَ: (َقْرَإِ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)). قَالَ إِّ أُطِيقُ أَكْثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى
قَالَ: ((فِي ثَلَاثٍ)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩- فتح: ٢٢٤/٤]
وفي سنده المغيرة، وهو ابن مقسِّم الكوفي، مات سنة ثلاث أو ست
وثلاثین ومائة.
و :

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٥٩- باب صَوْمٍ نبي اللّه دَاوُدَ الطَّيْلا
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبًّا
العَبَّاسِ المَكْيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو
ابْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وََِّّ: «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ
اللَّيْلَ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ
النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ). قُلْتُ: فَإِّ
أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ الَّْ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا
يَفِرُّ إِذَا لَاقَى)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٢٢٤/٤]
١٩٨٠- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، [بْنُ عَبْدِ اللهِآَ عَنْ خَالِدٍ [الحَذَّاءِ]
عَنْ أَبِ قِلَابَةً قَالَ: أَخْبَرَبٍِ أَبُو المَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،
فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَّيّ، فَلَّقَيْتُ لَهُ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمِ
حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرَضِ، وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: ((أَمَاً
يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((خَمْسًا)). قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((سَبْعًا). قُلْكٌ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((تِسْعًا)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: ((إِحْدَى عَشْرَةَ)). ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمٍ دَاوُدَ الَرْلُ شَطْرَ
الدَّهرِ، صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِزْ يَوْمًا)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٢٢٤/٤]
وذكره من طريقين عنه، وفيه أبو قلابة واسمه عبد الله بن زيد، وأبو
المليح واسمه عامر بن أسامة.
وقوله: ( ((إنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت له العين)) ) سلف بيانه
قريبًا(١).
وقوله: (نهتت) هو بالنون ثم هاء ثم مثناة فوق ثم أخرى مثلها،
(١) ورد بهامش الأصل: حرره في ((الكاشف)).

٤٦٩
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
ومعناها: ضعفت، ولأبي الهيثم: نهكت، وليست هذه الكلمة معروفة
في كلامهم حَتَّى ((الصحاح))، كذا بخط الدمياطي في الحاشية، وقال
ابن التين: ضبط بكسر التاء في بعض الروايات وبالفتح في بعضها،
وأعجم التاء ثلاثًا، ثم قال: ولم يذكره أحد من أهل اللغة وإنما ذكره
الهروي، وابن فارس بتاء معجمة باثنتين. قال ابن فارس: النهيت دون
الزئير(١). قال: وكذلك ذكر صاحب ((الصحاح))(٢). قال الهروي: نهت
ينهت أي: صوت، والنهيت: صوت يخرج من الصدر شبيه بالزجر،
وقال في رواية أخرى: نهكت(٣)، ولا وجه له إلا أن يقرأ بضم النون،
من نهكته الحمى إذا نقضته، وسلف عقب باب: ما يكره من ترك قيام
الليل لمن كان يقومه: ((فإنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت عينك ونفهت
نفسك)). ونفهت: أعيت وملَّت، وكذا في كتاب مسلم(٤)، وذكره
الهروي.
وقال الداودي: قوله في داود التَّل: ((ولا يفر إذا لاقى)) يريد أنه لم
يتكلف من العمل ما يوهنه عن لقاء العدو. وقوله في الباب الأول: أسرد
الصوم. أي: أديمه. وقوله: فإما أرسل إليَّ أو لقيته، الشك من عبد الله
راويه، وسببه طول الزمن.
وقوله: ( ((أما يكفيك من الشهر صوم ثلاثة أيام)) ) وسبق: ((صم يومًا
وأفطر يومين)»(٥)، وفي أخرى: وذكر خمسًا وسبعًا وتسعًا، وإحدى
(١) ((مجمل اللغة)) ٨٤٥/٢.
(٢) ((الصحاح)) ٢٦٩/١.
(٣) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) ٣/ ٤٣٧ (٦٥٦).
(٤) مسلم (١١٧٦).
(٥) سلف برقم (١٩٧٦).

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عشرة. فإما أن يكون أختصر المحدث في بعضها، أو حفظ بعضًا ونسي
بعضًا، أو حدث عبد الله ببعضه تارة وبكماله أخرى.
وقوله في باب: صوم الدهر: بأبي أنت وأمي، أي: أفديك بهما،
وهذا من جملة توقيره وحقيق فدائه بالأنفس.
وقوله: ( (إحدى عشرة») هو الصواب، ووقع في رواية أبي الحسن
بحذف الهاء، والصواب إثباتها، وكذا هو عند أبي ذر. وللأصيلى: أحد
عشر بغير ياء.
ودخوله القَّف على عبد الله، فيه زيارة المفضول وإكرامه، وإلقاء
الوسادة له من باب التكريم، وتواضعه القيمة وجلوسه بالأرض.
والأدم: الجلود. قال الداودي: الأدم: الجلد، والذي ذكره أهل
اللغة: أن الأدم، بفتح الألف والدال: جمع أديم، وهو جمع نادر في
أحرف، ومنه: أفيق وأفق، وأديم وأدم، وأهيب وأهب، زاد الهروي
قضیم وقضم. قال: وهي الجلود البيض، ولم يذكر أنه نادر مثل
ما ذكره الخطابي(١)، والليف: جمع ليفة.
وحق الأهل أن تبقى في نفسه قوة يمكنه معها الجماع، فإنه حق
يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم، كما لها
المطالبة بالنفقة عليها؛ فإن عجز عن واحد منهما طلقت عليه بعد
الأجل في ذَلِكَ، هذا قول أبي ثور وحكاه عن بعض أهل الأثر، ذكره
ابن المنذر (٢)، وجماعة الفقهاء على خلافه في الطلاق إذا عجز عن
الوطء، وسيأتي الكلام في أحكام ذَلِكَ في موضعه من النكاح.
(١) ((غريب الحديث)) للخطابي ٢/ ٥٠٢.
(٢) أنطر ((الإشراق)) ١٢٤/١.

٤٧١
= كِتَابُ الضَّوْمِ
٦٠- باب صِيَامِ الأيَّامِ البِيضِ:
ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ
١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَغْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبَو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَوْصَانٍ خَلِيلٍِ نَِّ بِثَلَاثٍ: صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. [انظر: ١١٧٨ - مسلم: ٧٢١-
فتح: ٢٢٦/٤]
ساق فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي نَّهِ بِثَلَاثٍ: صِيَامٍ ثَلَاثَةِ
أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.
وسلف في باب الضحى في الحضر (١)، وأبو التياح اسمه: يزيد بن
حمید.
واعترض ابن بطال فقال: ليس في حديث أبي هريرة أن الثلاثة
الأيام التي أوصاه بها من كل شهر هي الأيام البيض كما ترجم له،
وهي موجودة في حديث آخر من حديث عبيد الله بن عمرو الرقي،
عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن جرير بن عبد الله
البجلي، عن رسول الله وَليل أنه قال: ((صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام
الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة))(٢).
(١) برقم (١١٧٨).
(٢) رواه بهذا الإسناد النسائي في ((المجتبى)) ٢٢١/٤، وفي ((الكبرى)) ١٣٦/٢
(٢٧٢٨)، وأبو يعلى ٤٩٢/١٣ (٧٥٠٤)، والطبراني في ((الكبير)) ٣٥٦/٢
(٢٤٩٩)، وفي ((الأوسط)) ٢٩٨/٧ - ٢٩٩ (٧٥٥٠)، وفي ((الصغير)) ١٣٤/٢
(٩١٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣/ ٣٩٠ (٣٨٥٣)، والحديث أشار أبو زرعة إلى
صحته، فقال فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٢٦٦/١ - ٢٦٧ (٧٨٥) : =

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وروى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه
قال: أمرني رسول الله وسير بالأيام البيض وقال: ((هو صوم الشهور))(١)،
وروي من حديث عمر وأبي ذر مرفوعًا قال لأعرابي ذكر له أنه صائم:
((أين أنت عن الغرِّ البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة))،
رواه ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن
موسى بن طلحة، عن رجل من بني تميم يقال له: ابن الحوتكية، عن
عمر وأبي ذر(٢). وممن كان يصوم أيام البيض من السلف عمر وابن
مسعود وأبو ذر(٣) ومن التابعين الحسن والنخعي، وسئل الحسن
البصري لم صام الناس الأيام البيض؟ وأعرابي يسمع، فقال
الأعرابي: لأنه لا يكون الكسوف إلا فيها ويحب الله أن لا يكون في
السماء آية إلا كانت في الأرض عبادة(٤). وكذا قال الطحاوي: إن
= روي موقوفًا ومرفوعًا وهو أصح. وقال المنذري كما في ((صحيح الترغيب)) ١/
٦٠٣: رواه النسائي بإسناد جيد، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٦/٤: إسناده
صحيح، وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٨٤٩) وكذا في ((صحيح
الترغيب)) (١٠٤٠).
(١) رواه النسائي ٢٢٤/٤، وابن ماجه (١٧٠٧) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في
صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأحمد ١٦٥/٤، وابن سعد ٧/ ٤٣، وابن حبان ٨/
٤١١ - ٤١٢ (٣٦٥١)، والطبراني ١٩/ (٢٤)، وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن
ماجه)» (٣٧٥).
ووقع عند بعضهم: هو صوم الشهر، وعند البعض: صوم الدهر.
(٢) رواه النسائي ٢٢٣/٤، ١٩٦/٧ - ١٩٧، وأحمد ١٥٠/٥، وعبد الرزاق في
((المصنف)) ٢٩٩/٤ (٧٨٧٤)، ٥١٦/٤- ٥١٧ (٨٦٩٣)، وابن خزيمة ٣٠٢/٣
(٢١٢٧)، والضياء ١/ ٤٢٠ - ٤٢١ (٢٩٩)، وانظر: ((الصحيحة)) (١٥٦٧).
(٣) رواه البيهقي ٢٩٣/٤.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٢٤/٤ - ١٢٥. بتصرف.

٤٧٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
الكسوف يكون فيها دون غيرها، وقد أمرنا بالتقرب إلى الله تعالى
بالصلاة والصيام وغير ذَلِكَ من فعل البر عند الكسوف وأمر بصيامها
لذلك(١).
وقال غيره: كأن البخاري أراد بالترجمة أحاديث ليست على شرطه،
واعترض عليه أيضًا ابن التين وقال: لم يأت بحديث وإنما ذكرها لأجل
حديث أبي ذر في الترمذي(٢)، وليس إسناده عنده بالقوي فأشار أن فيه
حديثًا، وكذا ابن المنير، وقال: الأحوط للمتطوع أن يخصص الثلاث
الذي في حديث أبي هريرة بهذه الأيام؛ ليجمع بين ما صح وما نقل
في الجملة وإن لم يبلغ مرتبة هذِه (٣) الصحة(٤) قلت: جاء في بعض
طرق حديث أبي هريرة ذَلِكَ مصرحًا به فلا حاجة إلى هذا التخرص.
أخرج الإمام أبو محمد عبد الله بن عطاء الإبراهيمي من حديث
يونس بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي صادق، عن أبي هريرة: أوصاني
خليلي بثلاث: بالوتر قبل أن أنام، وأصلي الضحى ركعتين، وصوم
ثلاثة أيام من كل شهر: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وهي
البيض. وجاء فيه أحاديث أخر منها عن معاوية بن قرة، عن أبيه
مرفوعًا: ((صيام البيض صيام الدهر)) أخرجه الدارمي في ((مسنده))(6).
ومنها عن أبي ذر: أمرني النبي 8َّ* بصيام ثلاثة أيام ثلاث عشرة
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٢.
(٢) الترمذي (٧٦١) وقال حسن، وقال الألباني: حسن صحيح.
(٣) ورد بالهامش: كذا في ابن المنير: هُذا في.
(٤) ((المتواري)) ص ١٣٤.
(٥) ((مسند الدارمي)) ١٠٩٣/٢ (١٧٨٨).
وصححه ابن حبان ٤١٣/٨ (٣٦٥٢)، والألباني في ((الصحيحة)) (٢٨٠٦).

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه الترمذي محسنًا(١)، وفي لفظ: ((من كان
منكم صائمًا فليصم الثلاثة البيض))(٢) .
ومنها عن أبي هريرة مرفوعًا: ((صم أيام الغر)) وهو مؤكد لحديثه
السالف، أخرجه يوسف بن حماد في ((الصوم)) له وابن حبان(٣) .
ومنها عن عمر: ((فهلا البيض ثلاثًا))، واستشهد بأبي الدرداء وأبي ذر
وعمار: أما سمعتم من النبي ◌ِّر يقول الحديث فقالوا: نعم(٤).
ومنها عن عبد الملك بن قتادة، عن أبيه: أمرنا النبي ◌ّ أن نصوم
أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة قال: هي كهيئة الذكر،
رواه النسائي(٥) .
ومنها له عن ابن عباس: كان التكّة لا يفطر في أيام البيض في
(٦)
حضر (٦) .
وروينا في كتاب ((الصيام)) للقاضي يوسف من حديث الحارث عن
علي مرفوعًا: ((صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر،
(١) الترمذي (٧٦١). وحسنه أيضا الألباني في ((الإرواء)) (٩٤٧).
(٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٢٠/١١، والضياء في ((المختارة) ٤٢٢/١
(٣٠٠).
(٣) ابن حبان ٨/ ٤١٠ - ٤١١ (٣٦٥٠) كتاب: الصوم، باب: صوم التطوع. ورواه
أيضًا النسائي ٢٢٢/٤، ١٩٦/٧، وفي ((الكبرى)) ١٣٦/٢ (٢٧٢٩)، ١٥٥/٣
(٤٨٢٢)، وأحمد ٣٣٦/٢، ٣٤٦، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥٦٧).
(٤) رواه بنحوه البيهقي ٣٢١/٩.
(٥) النسائي ٢٢٥/٤. وضعفه الألباني في ((ضعيف النسائي)) (١٥٠).
(٦) النسائي ١٩٨/٤ - ١٩٩، وفي ((الكبرى)) ١١٨/٢ - ١١٩ (٢٦٥٤)، وانظر:
(الصحیحة)) (٥٨٠).

٤٧٥
كِتَابُ الضَّوْمِ
=
ويذهب وحر الصدور))(١)، وفي حديث الأعرابي عن رسول الله وَ ل
مثله(٢)، وعن عثمان بن أبي العاصي مرفوعًا: ((صيام حسن ثلاثة أيام
من الشهر)) أخرجه النسائي (٣) .
ومن الغرائب أنه القَّه أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر لما قدم
المدينة ثم نسخ برمضان(٤)، وحجة من أختار صيام الأيام البيض
الآثار السالفة، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر
غير معينة على ظاهر رواية حديث أبي هريرة في الباب.
وروى معمر، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير أن أعرابيًّا
سمع رسول الله وَ ري قال: ((صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر
يذهبن كثيرًا من وغر الصدور))(٥).
قال مجاهد: وغر الصدر: غشه(٦).
(١) رواه البزار (١٠٥٥ - ١٠٥٦/ كشف)، وأبو يعلى ٣٤٦/١ (٤٤٢)، وقال الهيثمي
في ((المجمع)) ١٩٦/٣: فيه: الحجاج بن أرطاة، وفيه كلام.
(٢) رواه أحمد ٧٧/٥ - ٧٨، وابن الجارود في ((المنتقى)) ٣٤٩/٣ (١٠٩٩)، وابن
حبان ٤٩٨/١٤ - ٤٩٩ (٦٥٥٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٦/٣: رواه
أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) النسائي ٢١٩/٤، ورواه أحمد ٢٢/٤، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
١٩٥/٣ - ١٩٦ (١٥٤٢)، والروياني ٤٩٢/٢ (١٥٢٢)، وابن حبان ٤٠٩/٨-
٤١٠ (٣٦٤٩)، والطبراني ٩/ ٥٢ (٨٣٦٤)، وصححه الألباني في ((صحيح
النسائي)) (٢٤/١).
(٤) رواه البيهقي ٢٠١/٤.
(٥) رواه بنحوه ابن حبان في ((صحيحه)) ٤٩٧/١٤ - ٤٩٨ (٦٥٥٧) من طريق مسلم بن
إبراهيم عن قرة بن خالد عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، به.
(٦) رواه عبد الرزاق ٢٩٨/٤ (٧٨٧٢).

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن: علي، ومعاذ،
وأبو ذر، وأبو هريرة(١)، وكان بعض السلف يختار الثلاثة من أول الشهر
وهو الحسن البصري.
وكان بعضهم يختار الاثنين والخميس وهي أم سلمة أم المؤمنين
وقالت: إنه أمرها بذلك(٢)، وكان بعضهم يختار السبت والأحد
والاثنين، ومن الشهر الذي يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن
الشهر الذي يليه كذلك، وهي عائشة أم المؤمنين، وهو في الترمذي
محسنًا(٣).
ومنهم من كان يصوم آخر الشهر وهو النخعي، ويقول: هو كفارة لما
مضى.
فأما الذين اختاروا صوم الاثنين والخميس؛ فلحديث أم سلمة (٤)
وأخبار أخر رويت عن رسول الله وَّله، وأن الأعمال تعرض على الله
(١) رواه البيهقي ٢٩٣/٤.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٥٢). وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) ٣/٤٢٢: منكر.
وسيأتي قريبا زيادة تخريج لهذا الحديث.
(٣) الترمذي (٧٤٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الأثنين والخميس،
ورواه أيضًا في ((الشمائل)) (٣٠٩). قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٧/٤: وروي
موقوفًا وهو أشبه، وصححه الألباني في ((مختصر الشمائل)) (٢٦٠).
(٤) رواه أبو داود (٢٤٥٢) كتاب: الصوم، باب: من قال الأثنين والخميس،
والنسائي ٢٢١/٤، وأحمد ٢٨٩/٦، ٣١٠، وأبو يعلى ٣١٥/١٢ (٦٨٨٩)،
٣٢٦/١٢ (٦٨٩٨)، ٤١٦/١٢ (٦٩٨٢)، والطبراني ٢٣ (٣٩٧)، (١٠١٧)،
والبيهقي ٢٩٥/٤، وفي ((شعب الإيمان)) ٣٩٠/٣ (٣٨٥٤). من طريق هنيدة
الخزاعي، عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسألتها عن الصيام فقالت: كان
رسول الله وَل﴿ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الأثنين والخميس.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود)) (٤٢٢) منكر.

٤٧٧
ــ كِتَابُ الصَّوْمِ
فيهما فأحبوا أن تعرض أعمالهم عليه وهم صيام(١).
وأما مختار عائشة؛ فلئلا يكون من أيام السنة إلا قد صامته، وأما
مختار الحسن؛ فلما رواه سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن
عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله وَالله يصوم من غرة كل شهر
ثلاثًا(٢)، وصوب الطبري تصحيح كل الأخبار.
(١) منها ما رواه أبو داود (٢٤٣٦) كتاب: الصوم، باب: في صوم الأثنين والخميس،
والنسائي ٢٠١/٤ - ٢٠٢، وأحمد ٢٠٠/٥، ٢٠١، ٢٠٤ - ٢٠٥، ٢٠٨ - ٢٠٩،
والطيالسي ٢٣/٢ (٦٦٦)، وابن سعد ٧١/٤، والدارمي ١٠٦٩/٢ - ١٠٩٧
(١٧٩١)، والبزار في ((البحر الزخار)) ٦٩/٧ (٢٦١٧)، والنسائي في ((الكبرى))
١٤٧/٢ - ١٤٨ (٢٧٨١ - ٢٧٨٣)، وأبو القاسم البغوي في ((مسند أسامة)) (٤٩)،
وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٢٢٥/١ (٧٧١)، وفى ((الحلية)) ١٨/٩، والبيهقي
في ((سننه)) ٢٩٣/٤، وفي ((الشعب)) ٣٧٧/٣ - ٣٧٨ (٣٨٢٠)، وفي ((فضائل
الأوقات)) (٢٩١)، والضياء في ((المختارة)) ٤/ ١٤٢ - ١٤٣ (١٣٥٦ - ١٣٥٨) من
طرق عن أسامة بن زيد مرفوعًا. والحديث صححه الحافظ في ((الفتح)) ٢٣٦/٤.
ومنها: ما رواه الترمذي (٧٤٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم الأثنين
والخميس، ورواه في ((الشمائل)) (٣٠٨)، وابن ماجه (٤٠١٧) كتاب: صيام يوم
الاثنين والخميس ، وأحمد ٣٢٩/٢، والدارمي ١٠٩٨/٢ (١٧٩٢) والمزي في
((التهذيب)) ٢٠١/٢٥-٢٠٢ من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعًا.
قال البوصيري في ((المصباح)) ٧٧/٢: إسناده صحيح رجاله ثقات.
وأصله في ((صحيح مسلم)) (٢٥٦٥) دون ذكر الصوم.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٥٠) كتاب: الصوم، باب: في صوم الثلاث من كل شهر،
والترمذي (٧٤٢) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الجمعة، وأحمد ١/
٤٠٦، والبزار في ((البحر الزخار)) ٢١٥/٥ (١٨١٨)، وأبو يعلى ٢٠٦/٩
(٥٣٠٥)، وابن خزيمة ٣٠٣/٣ (٩١٢٩)، وابن حبان ٨/ ٤٠٣ (٣٦٤١)،
والبيهقي ٢٩٤/٤، والبغوي في ((شرح السنة)) ٣٥٨/٦ (١٨٠٣) من طريق
شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود به.
=

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ولكن لما صحَّ عنه أنه اختار لمن أراد صوم الثلاثة أيام من كل شهر
الأيام البيض، فالصواب اختيار ما أختار، وإن كان غير محظور عليه أن
يجعل صوم ذَلِكَ ما شاء من أيام الشهر؛ إذ كان ذلك نفلًا لا فرضًا.
فإن قلت: قد أسلفت أنه كان يصوم الاثنين، والخميس، والثلاثة
من غرة الشهر، قلت: نعم، ولا يدل على أن الذي اختار للأعرابي من
أيام البيض كما اختار وأن ذَلِكَ من فعله دليل على أن أمره له ليس
بواجب وإنما هو ندب وأن لمن أراد من أمته صوم ثلاثة أيام من كل
شهر يختار ما أحب من أيام الشهر؛ فيجعل صومه فيما اختار من
ذَلِكَ كما كان التَّ يفعله، فيصوم مرة الأيام البيض، ومرة غرة
الهلال، ومرة الأثنين والخميس؛ إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم
يعلمهم أنه له خاص دونهم. وفي النسائي بإسناد صحيح من حديث
جرير مرفوعًا: ((صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، الأيام
البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة))(١).
قال القرطبي: كذا رُوِّيناه عن متقني شيوخنا برفع (أيام) و(صبيحة)
على إضمار المبتدأ كأنه قال: أيام البيض عائدًا على ثلاثة أيام،
و(صبيحة) ترفع على البدل من (أيام)، ومن خفض فيها فعلى البدل
= ورواه النسائي ٢٠٤/٤، وفي ((الكبرى)) ١٢٢/٢ (٢٦٧٧) من طريق أبي حمزة،
عن عاصم به.
قلت: وقع عند بعضهم بزيادة: وقلما كان يفطر يوم الجمعة.
قال النسائي: أبو حمزة هذا اسمه: محمد بن ميمون مروزي.
والحديث صححه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١٠/ ٢٦٠ ونقل الحافظ في
((التلخيص)) ٢١٦/٢ تصحيح ابن عبد البر للحديث وسكت، فكأنما أقره على
تصحيحه له، وقال الألباني في «صحيح أبي داود)) (٢١١٦): إسناده حسن.
(١) تقدم تخريجه.

٤٧٩
كِتَّابُ الصَّوْمِ
=
من الأيام المذكورة(١) .
وذكر الجواليقي فيما تخطئ فيه العامة من ذَلِكَ قولهم: الأيام
البيض، يجعلون البيض وصفًا للأيام، والأيام كلها بيض وهو غلط،
والصواب أن يقال: أيام البيض، أي: أيام الليالي البيض؛ لأن البيض
صفة لها دون الأيام، ثم هذا الحديث مقيد لمطلق الثلاثة الأيام التي
صومها كصوم الدهر، ويحتمل أن يكون التقليفي عينها؛ لأنها وسط
الشهر وأعدله كما قال: ((خير الأمور أوساطها))(٢).
واختلف في: أي أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعة من
الصحابة والتابعين منهم عمر، وابن مسعود، وأبو ذر: صوم الأيام
البيض أفضل، وقد سلف ذَلِكَ مبسوطًا. وفي حديث ابن عمر: كان
التي يصوم ثلاثة أيام من كل شهر أول أثنين والخميس الذي بعده
والخميس الذي يليه(١)، وفي حديث عائشة عند مسلم: كان لا يبالي
(١) ((المفهم)) ٢٣٣/٣.
(٢) رواه ابن سعد ٧/ ١٤٢، وابن أبي شيبة ١٨٧/٧ (٣٥١١٨)، والبيهقي في
((الشعب)) ٢٦١/٥ (٦٦٠١) عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن
الشخير، قوله.
ورواه البيهقي ٢٧٣/٣ عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد، عن
هارون، عن كنانة الحديث وفي آخره قال عمرو: بلغني أن رسول وس لو قال: ((أمرًا
بين أمرين وخير الأمور أوساطها)).
قال البيهقي: هذا منقطع، وقال الشوكاني في ((الفوائد)) (٩٥): رواه البيهقي
معضلًا، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (١٢٥٢). وانظر: ((المقاصد
الحسنة)) (٤٥٥)، و((الضعيفة)) (٣٩٤٠).
(٣) رواه النسائي ٢٢٠/٤، وفي ((الكبرى)) ١٣٥/٢ (٢٧٢٢)، والبيهقي في ((الشعب))
٣٨٩/٣ (٣٨٥١) من طريق شريك، عن الحر بن صباح عن ابن عمر به.
ورواه أبو يعلى ٣٢٦/١٢ (٦٨٩٨) من طريق الحسن بن عبيد الله عن الحر بن =

٤٨٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
من أي الشهر صام(١). وحاصله ثلاثة أيام من كل شهر حيث صامها في
أي وقت أوقعها كما قالت عائشة، واختلاف الأحاديث يدل على أنه لم
يرتب على زمن بعينه من الشهر. ومن الغريب إبدال الخامس عشر بالثاني
عشر مع أن الاحتياط صومه معه.
فصل :
قوله: (أوصاني خليلي) فيه: جواز قول الصاحب لرسول الله وَلته،
ذلك ولا يقول: أنا خليله لقوله: ((لو كنت متخذًا خليلا لتخذت أبا بكر
خليلاً، ولكن إخوة الإسلام)) وقد تقدم(٢).
وقوله: (وأن أُوتر قبل أن أنام)) قال الداودي: فيه جواز النفل بعد
الوتر وتعجيل الوتر قبل القيام لما يخشى من غلبة النوم (٣)(2).
(٣)(٤)
الصباح، عن هنيدة الخزاعي، عن امرأته، عن أم سلمة قالت: قال لنا رسول الله
وَ له: ((صم من كل شهر ثلاثة أيام من أوله، الاثنين والخميس، والخميس الذي
یلیه». وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه شريك، عن
الحر بن الصباح، عن ابن عمر أن النبي صل* كان يصوم من الشهر الاثنين،
والخميس الذي يليه ثم الاثنين الذي يليه، فقالا: هذا خطأ، إنما هو الحر بن
صباح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن أم سلمة عن النبي ◌َّ اهـ ((علل ابن
أبي حاتم)) ٢٣١/١ (٦٧١).
(١) مسلم (١١٦٠) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ...
(٢) سيأتي برقم (٤٦٦)، كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد ورواه
مسلم (٢٣٨٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق.
(٣) ورد بهامش الأصل: آخر ٢ من ٧ من تجزئة المصنف.
(٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخمسين كتبه مؤلفه غفر الله له.