النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
وللبيهقي من حديث مجاهد عنه: ويقضيه، ثم قال: وروينا عن ابن
عمر وأبي هريرة في الذي لم يصح حَتَّى أدركه رمضان آخر: يطعم،
ولا قضاء عليه، وعن الحسن وطاوس والنخعي: يقضي ولا كفارة
عليه(١). وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ويحيى هو ابن
سعيد(٣) كما أخرجه ابن ماجه مصرحًا به(٤)، وجزم به عبد الحق في
((جمعه))، وجزم الضياء بأنه يحيى القطان، وقيل: يحيى بن أبي كثير،
حكاه ابن التين وهما غريبان، وللترمذي مصححًا: ما كنت أقضي
ما عليَّ من رمضان إلا في شعبان حَتَّى توفي رسول الله وَلِيَ(٥)(٦).
إذا علمت ذَلِكَ فالإجماع قائم على أن من قضى ما عليه من رمضان
في شعبان بعد. فإنه مؤدِّ لفرضه غير مفرط، واختلفوا في جواز قضائه
متفرقًا فقال: قيل متتابعًا، روي ذَلِكَ عن علي وابن عمر وعائشة (٧)،
وبه قال الحسن البصري والنخعي والشعبي ونافع بن جبير بن مطعم
(١) ((سنن البيهقي)) ٤/ ٢٥٣ كتاب: الصيام، باب: المفطر يمكنه أن يصوم ففرط حتى
جاء رمضان آخر.
(٢) مسلم (١١٤٦) كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان في شعبان.
(٣) علق عليها في هامش الأصل بقوله: الأنصاري هو قاضي المدينة للسفاح.
(٤) ابن ماجه (١٦٦٩) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في قضاء رمضان.
(٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: قال أبو عمر: لا يجيء هذا من ثقة
يحتج به. وذكره ابن أبي حاتم في ((علله)).
(٦) الترمذي (٧٨٣) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في تأخير قضاء رمضان.
(٧) رواه عن علي وابن عمر، عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٤٢ (٧٦٥٨، ٧٦٦٠)
كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٥ (٩١٣٤ - ٩١٣٦)
كتاب: الصيام، من كان يقول: لا يفرقه، والبيهقي ٢٥٩/٤ - ٢٦٠.
ورواه عن عائشة، عبد الرزاق ٢٤١/٤ - ٢٤٢ (٧٦٥٧)، والبيهقي ٢٥٨/٤
كتاب: الصيام، باب: قضاء شهر رمضان إن شاء متفرقًا وإن شاء متتابعًا.

٣٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير (١)، وهو قول أهل الظاهر، وقالت
طائفة: يجوز أن يقضى متفرقًا، روي ذَلِكَ عن ابن عباس وأبي هريرة
وأنس ومعاذ وحذيفة ورافع بن خديج(٢)، وهو قول جماعة أئمة
الأمصار منهم الأربعة، وعدد ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) منهم فوق
الثلاثين من الصحابة والتابعين وأتباعهم(٣)، وفيه حديث مرسل (٤)،
وحجة الجماعة ظاهرة بأن عائشة قالت: نزل ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
متتابعات فسقطت متتابعات(٥).
(١) أنظرها في ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٤٢/٤-٢٤٣ (٧٦٥٩)، و((مصنف ابن أبي
شيبة)) ٢٩٥/٢ (٩١٣٧، ٩١٣٩، ٩١٤١-٩١٤٣).
(٢) أنظرها في ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٤٣/٤-٢٤٥ (٧٦٦٤ -٧٦٦٥، ٧٦٧٢ -
٧٦٧٣)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ٢٩٣ (٩١١٤ - ٩١١٦، ٩١١٩، ٩١٢٠)،
و «سنن البيهقي» ٢٥٨/٤.
(٣) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن أبي حاتم ٣٠٦/١-٣٠٧.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٩/٢ (٩١١٣)، والدار قطني ١٩٤/٢ من طريق محمد بن
المنكدر عن النبي ◌ّيقر مرسلًا، وقال الدارقطني: إسناده حسن إلا أنه مرسل وقد
وصله غير أبي بكر عن يحيى بن سليم إلا أنه جعله عن موسى بن عقبة، عن أبي
الزبير عن جابر، ولا يثبت متصلًا. اهـ
وكذا رواه البيهقي ٢٥٩/٢ من طريق الدارقطني، ونقل كلامه السالف وسكت
علیه. لذا تعقبه ابن التركماني قائلا : سكت عنه البيهقي، فهو رضًا به، وکیف یکون
حسنًا وفي إسناده يحيى بن سليم الطائفي، قال البيهقي: كثير الوهم سيئ الحفظ،
وفي ((الكاشف)) للذهبي: قال النسائي: منكر الحديث، وفي ((الميزان)) له: قال
أحمد: رأيته يخلط في أحاديثه فتركته اهـ.
ورواه البيهقي ٢٥٩/٢ من حديث صالح بن كيسان عن النبي وكلام مرسلًا.
وقال عقب حديث ابن المنكدر: روي من وجه آخر ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا،
ومن وجه آخر عن ابن عمرو مرفوعًا في جواز التفريق، ولا يصح شيء من ذلك.
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٤٠ (٧٦٤٨)، والدارقطني ١٩٢/٢ وقال:
إسناده صحيح، والبيهقي ٢٥٨/٤، وزاد نسبته في ((الدر)) ٣٤٨/١ لابن المنذر.

٣٦٣
=
كِتَابُ الصَّوْمِ
قلت: قد أخبرت بسقوطها فلا حكم لها حَتَّى تثبت القراءة وذلك
حجة لنا، وناقض ابن حزم فادعى الوجوب لقوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [آل
عمران: ١٣٣]، ثم قال: فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة؛ لقوله: ﴿فَمِدَةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ولم يحد له حدًّا (١).
وقال أبو عمر في ((استذكاره)): روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر
أنه كان يقول به، يصوم قضاء رمضان متتابعًا من أفطر من مرض
أو سفر(٢)، وعن ابن شهاب: أن ابن عباس وأبا هريرة: اختلفا فقال
أحدهما: يفرق، وقال الآخر: لا يفرق(٣)، وعن يحيى بن سعيد،
سمع ابن المسيب يقول: أحب إليَّ أن لا يفرق قضاء رمضان وإن
تواتر(٤)، قال أبو عمر: صح عندنا عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما
أجازا أن يفرق قضاء رمضان(٥) .
وصحح الدارقطني إسناد حديث عائشة: نزلت ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَّ﴾ متابعات، فسقطت متتابعات(٦).
وقال ابن قدامة: لم يثبت عندنا صحته، ولو صح فقد سقطت اللفظة
وهي لا يحتج بها وإن صحَّ حملناه على الاستحباب والأفضلية(٧).
(١) ((المحلى)) ٦/ ٢٦١.
(٢) ((الموطأ)) ص ٢٠٢ كتاب: الصيام، باب: ما جاء في قضاء رمضان.
(٣) ((الموطأ)» ص ٢٠٢.
(٤)
((الموطأ)» ص٢٠١.
(٥) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٥ (٧٦٦٤ - ٧٦٦٥، ٧٦٧٢ - ٧٦٧٣)، وابن أبي
شيبة ٢/ ٢٩٣ (٩١١٤)، والبيهقي ٤ / ٢٥٨، وقد تقدم. وانظر: ((الاستذكار))
١٠ / ١٧٧ - ١٧٩.
(٦) ((سنن الدارقطني)) ١٩٢/٢، قد تقدم.
(٧) («المغني)) ٤٠٩.

٣٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال غيره: لو ثبت كانت منسوخة لفظًا وحكمًا؛ ولهذا إنه لم يقرأ
به في الشواذ، وادعى القرطبي أنها قراءة في قراءة ابن مسعود(١).
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من كان عليه صوم رمضان فليسرده
ولا يقطعه))(٢)، أنكره ابن أبي حاتم على رواية عبد الرحمن بن
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦/ ٢٨٣.
(٢) رواه الدار قطني ١٩١/٢ - ١٩٢، والبيهقي ٢٥٩/٤ كتاب: الصيام، باب: قضاء
شهر رمضان إن شاء متفرقًا وإن شاء متتابعًا، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٩٩/١-
١٠٠ (١١٣١) من حديث حبان بن هلال، عن عبد الرحمن بن إبراهيم القاص،
عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا.
قال الدارقطني: عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث، وقال البيهقي
عبد الرحمن بن إبراهيم مدني قد ضعفه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني،
وأورده عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوسطى)) ٢٣٨/٢ وقال: رواه
عبد الرحمن بن إبراهيم، وقد أنكره عليه أبو حاتم ووثقه وضعف اهـ.
وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)» ٢٥٩/٣ في ترجمة عبد الرحمن بن إبراهيم
القاص (٤٨٠٣): من مناكيره عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((من
كان عليه صوم)) .. الحديث.
وقد تعقب ابن القطان قول من قال: إن هذا الحديث أنكره أبو حاتم، فقال:
لا يتعين أن یکون الذي أنکره أبو حاتم هو هذا الحدیث بعينه، ولعله حدیث آخر،
ثم قال: أعلم أن هذا الحديث لا بأس به؛ لأن رجاله لا بأس بهم، وليس فيهم من
يوضع فيه النظر إلا هذا القاص، وهو لا بأس به، وما جاء من ضعفه بحجة،
واستضعافهم إياه، إنما هو بالقياس إلى غيره، فيقول قائلهم: ليس بالقوي.
وهذا الحكم في كل من يحفظ دون حفظ غيره وهم بلا شك متفاوتون، وحال هذا
الرجل لا بأس بها.
قال ابن معين: عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، مدني وهو ثقة، وقال أبو زرعة :
لا بأس به، أحاديثه مستقيمة، وقال البخاري: قال حبان: حدثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم، ثقة.
والمقصود أن تعلم أنه مختلف فيه، والحديث من روايته حسن والله أعلم اهـ =

٣٦٥
- ڪِتَابُ الصَّوْمِ
إبراهيم القاص(١). واختلف العلماء في المسافر والمريض إذا فرط في
قضاء رمضان حَتَّى جاء رمضان آخر، فروي عن أبي هريرة وابن عباس
أنه يصوم الذي حصل فيه فإذا خرج قضى ما كان عليه وعليه الفدية (٢)،
وهو قول عطاء والقاسم والزهري(٣)، ومالك والأوزاعي والثوري
والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس عليه
إلا القضاء فقط ولا إطعام عليه (٤)، وحكاه البخاري عن إبراهيم وهو
النخعي، وقال سعيد بن جبير وقتادة: يطعم ولا يقضي(٥)، وحجة من
قال بالإطعام ما حكاه الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: فتشت عن
أقاويل الصحابة في هذه المسألة فوجدت عن ستة منهم قالوا: عليه
(بيان الوهم والإيهام)) ٣٧٥/٥- ٣٧٧ بتصرف.
=
وقال الحافظ رادًا على ابن القطان ومضعفًا للحديث: قد صرح ابن أبي حاتم عن
أبيه أنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن اهـ ((التلخيص الحبير)) ٢٠٦/٢.
وقال الألباني في ((تمام المنة)) ص ٤٢٤ جملة القول، أنه لا يصح في هذا الباب
شيء لا سلبًا ولا إيجابًا.
(١) (الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٢١١/٥ في ترجمة عبد الرحمن بن إبراهيم
القاص (٩٧٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه عن عطاءٍ، عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٣٤ (٧٦٢٢) كتاب: الصيام،
باب: المريض في رمضان وقضائه. ورواه عن القاسم ابنُ أبي شيبة ٢٩٥/٢
(٩١٤٦) كتاب: الصيام، من كان يقول: لا يفرقه. ورواه عن الزهري، عبد الرزاق
٤ / ٢٣٧ (٧٦٣٤).
(٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢١/٢، ((عيون المجالس)) ٦٤٩/٢، ((الأم)) ٢/
٨٨، ((البيان)) ٤٥١/٣، ((المغني)) ٤ / ٤٠٠ - ٤٠١.
(٥) رواه عن سعيد بن جبير، ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٤ (٩١٢٢) ما قالوا في تفريق
رمضان. ورواه عن قتادة، عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٣٥ (٧٦٢٥) كتاب:
الصيام، باب: المريض في رمضان وقضائه.

٣٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
القضاء والفدية ولم أجد لهم مخالفًا، فإن قلت: فالشارع أمر الواطئ في
رمضان بالقضاء على ما ورد كما مضى ولم يذكر له حدًّا، قلت: قد حدته
عائشة هنا إلى شعبان فعلم أنه الوقت المضيق، فإذا ثبت أن للقضاء وقتًا
يؤدى فيه ويفوت ثبتت الفدية؛ لأنه يشبه الحج الذي يفوت وقته.ألا ترى
أن حجة القضاء إذا دخل (وقتها)(١) وفات وجب الدم، فكذا إذا فات
الصوم وجبت الفدية، واختلفوا فيما يجب عليه إن لم يصح من مرضه
حَتَّى دخل رمضان آخر المقبل، فقال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن
جبير: يصوم عن الثاني ويطعم عن الأول ولا قضاء عليه(٢)، وقال الحسن
والنخعي وطاوس والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق: يصوم الثاني
ويقضي الأول ولا فدية عليه؛ لأنه لم يفرط(٣).
تنبيهات :
أحدها: إنما حمل عائشة رضي الله عنها على قضاء رمضان في
شعبان الأخذ بالرخصة والتوسعة؛ لأن ما بين رمضان عامها ورمضان
العام المقبل وقت للقضاء، كما أن وقت الصلاة له طرفان، ومثله
قوله القليّة: ((ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر
صلاة حَتَّى يدخل وقت صلاة أخرى))(٤).
(١) في الأصل: فيها .
(٢) رواه عن ابن عباس عبد الرزاق ٤/ ٢٣٧ (٧٦٣٠)، والدارقطني ١٩٦/٢.
وعن ابن عمر، عبد الرزاق ٢٣٥/٤ (٧٦٢٣)، والدارقطني ٢ / ١٩٦.
وعن سعيد بن جبير، عبد الرزاق ٤/ ٢٣٧ (٧٦٣٠) مقترنًا بابن عباس.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٣٦، ٢٤١ (٧٦٢٦، ٧٦٥٤)، وذكره عنهم البيهقي ٤/ ٢٥٣
كتاب: الصيام، باب: المفطر يمكنه أن يصوم ففرط حتى جاء رمضان آخر.
(٤) قطعة من حديث طويل رواه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة، كتاب: المساجد،
باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.

٣٦٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
وقد بيَّنت السبب المقتضي للتأخير هو الشغل برسول الله وَلّ هذا
محل الرفع وهو الاستمتاع أو التصرف في حوائجه، وورد أنها
قالت: كانت كل واحدة منهن مهيئة نفسها لرسول الله وَليه مرصدة
لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذَلِكَ، ولا تدري متى يريده، ولم
تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن، وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها
عليه وهذا من أدبهن، وقد أتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها
صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة الثابت في
مسلم: ((ولا تصوم إلا بإذنه)) (١) وصومها من شعبان إنما كان؛ لأنه
كان يصوم معظم شعبان(٢). وفي ((علل ابن أبي حاتم)): فما أقضيها
إلا في شعبان من العام المقبل، وكان ◌ٍ*و يصوم شعبان إلا قليلا،
قال أبي: هذِه الكلمة الأخيرة: كان يصوم شعبان إلا قليلا، لم يروها
غير ابن إسحاق(٣).
قال الباجي في ((منتقاه)): والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير
القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع (٤).
(١) مسلم (١٠٢٦) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.
(٢) أنظر ((مسلم بشرح النووي)) ٨/ ٢٢، فقد أورد النووي هذا الكلام بتمامه، ويبدو أن
المصنف قد نقله عنه، لكن النووي قال: وبقولها في الحديث الثاني: فما تقدر
على أن تقضيه، ثم ساق باقي الكلام.
قلت: والحديث الذي أشار إليه النووي رواه مسلم (١١٤٦) كتاب: الصيام،
باب: قضاء رمضان في شعبان.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٣٩/١ (٦٩٥). وروى النسائي في ((المجتبى)) ٢٠٠/٤ -
٢٠١ كتاب: الصيام، باب: صوم النبي ◌َّلير بأبي هو وأمي، وفي ((الكبرى)) ٢/
١٢٠ (٢٦٦٤) من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن
عائشة قالت: كان رسول الله پ# یصوم شعبان کله.
(٤) ((المنتقى)) ٧٢/٢.

٣٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه؛ لأنه
واجب، ويحمل الحديث على التطوع(١).
ثانيها: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من قضى ما عليه
من أيام رمضان في شعبان بعده فهو مؤذٍّ لفرضه غير مفرط(٢)، قلت:
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من أدرك رمضان وعليه منه شيء لم
يقضه لم يتقبل منه ومن صام تطوعًا وعليه شيء منه لم يقضه لم يتقبل
منه))، ضعيف، كما نبه عليه ابن أبي حاتم في ((علله))(٣).
ثالثها: الإطعام في ذَلِكَ مد لكل مسكين عند جمهور القائلين به،
وقال أشهب: يطعم في غير المدينة مدًّا ونصفًا وهو قدر شبع أهل
(٤)
مصر (٤).
وقيل: إنه استحباب، وقال الثوري: يطعم نصف صاع.
(١) ((المفهم)) ٢٠٨/٣.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٢٩/١٠.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٥٩/١ (٧٦٨). والحديث رواه أحمد ٣٥٢/٢، والطبراني
في ((الأوسط)) ٣٢١/٣ (٣٢٨٥) وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة
إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٩/٣، ١٧٩
وقال في الموضع الأول: فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام! وبقية رجاله
رجال الصحيح، وقال في الثاني: هو حديث حسن !!
وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة)) ٣/ ١١٨ (٢٣٣٤): فيه عبد الله بن
لھیعة.
قلت: ولم يزد على هذا، فكأنه يشير إلى ضعفه.
وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٨٣٨) فليراجع.
(٤) في ((النوادر والزيادات)) ٥٤/٢. قال أشهب: يجزئه مد لكل يوم بالمدينة ومكة،
وليخرج بغيرها مدًا وثلثًا، يريد الوسط من شبع كل بلد.

٣٦٩
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
رابعها: لو منعه مانع من قضائه بعد الإمكان فلا شيء عليه عند
البغداديين من المالكيين، وقيل: إنه معنى ما في ((المدونة)) وفي رواية
عيسى: نعم. وعن مالك: أنه إذا استمر المرض إلى الموت يطعم
عنه، وقال ابن الماجشون: إذا غلب عنه حَتَّى جاء رمضان آخر كفر.
حكاه ابن التين عنهم.
خامسها: قال الخطابي: إن للزوج منع زوجته من الخروج إلى
الحج(١).
قال ابن التين: يريد حج النافلة، قلت: لا بل له أن يمنعها من الحج
الفرض على الأصح من مذهب الشافعي.
(١) ((أعلام الحديث)) ٩٩٨/٢.

٣٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ءُ
٤١- باب الحَائِضِ تَتْكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى
خِلَافِ الرَّأْي، فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ أَتِّبَاعِهَا، مِنْ
ذَلِكَ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ.
١٩٥١- حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ
عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((أَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ
تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا)). [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٤ / ١٩١]
ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رسول اللهِ وَّهِ: ((أَلَيْسَ إِذَا
حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا)).
هذا الحديث سلف في أثناء الحيض مطولًاً(١)، وأثر أبي الزناد
حسن بيِّن، وأبدله ابن بطال بأبي الدرداء فاجتنبه(٢)، وهو أصل لترك
الحائض الصوم والصلاة، وفيه من الفقه أن للمريض أن يترك الصيام
وإن كان فيه نقص القوة إذا كان يدخل عليه المشقة والخوف. ألا ترى
أن الحائض ليست تضعف عن الصيام ضعفًا قويًا، وإنما يشق عليها
بعض المشقة من أجل نزف دمها وضعف النفس عند خروج الدم،
معلوم ذَلِكَ من عادة البشر، فخفف بالترك وأمرت بإعادة الصيام عملًا
بقوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا﴾ والنزف مرض، بخلاف الصلاة فإنها
(١) سلف برقم (٣٠٤) باب: ترك الحائض الصوم.
(٢) قلت: قاله أيضًا العيني في ((عمدة القاري)) ١٢١/٩ قال: أبدله ابن بطال بأبي
الدرداء، يعني قائل هذا الكلام هو أبو الدرداء الصحابي. اهـ
والذي في المطبوع من ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٩٧: أبو الزناد، فيحتمل أنه كان في
الأصل منه: أبو الدرداء، ونقله المحقق على الصواب، وأن المصنف - رحمه
الله- والعيني قد نقلاه من الأصل الذي فيه أبو الدرداء. والله أعلم.

٣٧١
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
أكبر الفرائض وأكثرها ترددًا وكما يلزم من المحافظة على وضوئها
والقيام إليها وإحضار النية للمناجاة ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾
[البقرة: ٤٥] وهي التي حطها الله تعالى في أصل الفرض من خمسين
إلى خمس فلو أمرت بإعادتها لتضاعف عليها الفرض؛ إذ المرأة
نصف دهرها ونحوه حائض، فكأن الناس يصلون صلاة واحدة
وتصلي هي في كل صلاة صلاتين.
فرع: طهرت قبل طلوع الفجر ونوت ليلًا، صح عندنا وعند مالك
وأهل العراق(١)، وخالف ابن مسلمة فقال: تصومه وتقضيه.
فرع: طهرت في أثناء النهار لم يلزمها إتمامه خلافًا للأوزاعي، قال
مالك: أوزاعِيُّكم يا أهل الشام كلّف فتكلف، وكان رجلًا صالحًا.
وقال ابن بطال(٢): اختلف الفقهاء في المرأة تطهر من حيضها في
أثناء النهار، والمسافر يقدم والمريض يبرأ، فقال أبو حنيفة والأوزاعي
وأحمد وإسحاق: يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار، وإن قدم المسافر
مفطرًا فلا يطأ زوجته لعظم حرمة الشهر، وقال مالك والشافعي وأبو
ثور: يأكلون بقية يومهم، وللمسافر المفطر يقدم وطء زوجته إذا
وجدها طهرت من حيضها(٣)، حجة الأولين قوله الكلي يوم عاشوراء:
(من أكل فليمسك بقية نهاره))(٤) فأمرهم بالإمساك مع الفطر، وهذا
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤/٢، ((المدونة)) ١٨٤/١.
(٢) إلى نهاية الباب نقله المصنف من ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٩٨ - ٩٩. بتصرف.
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٤/٢، ((المدونة)) ١٤٨/١، ((روضة الطالبين))
٢/ ٣٧٢، ٣٧٣، ((مسائل أحمد برواية الكوسج)) ٢٨٥/١.
(٤) سلف برقم (١٩٢٤) باب: إذا نوى بالنهار صومًا، ورواه مسلم (١١٣٥) كتاب:
الصيام، باب: من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه.

٣٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المعنى موجود في الإقامة الطارئة في أثناء النهار، وحجة الباقين الآية
﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باقٍ،
والفطر رخصة للمسافر، ومن تمامها أن لا يجب عليه أكثر من يوم،
فلو أمرناه بالإمساك والقضاء منعناه منها وأوجبنا عليه في بدل اليوم
أكثر من يوم، والله تعالى إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ لذلك
الحائض كان يلزمها أكثر من يوم وإنما يلزم الصيام من يصح منه
الذي لا قضاء معه.
وأما صوم عاشوراء فإنما خوطبوا به إذ ذاك ولم يعلموا غيره، وأيضًا
فإنهم متطوعون وأمره بالإمساك لهم على وجه الاستحباب.

٣٧٣
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
٤٢- باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ
وَقَالَ الَحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ.
١٩٥٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
عَمْرِو بْنِ الَحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفٍَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُزْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ
وَلِيُّهُ)). تَابَعَهُ ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ يَخْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْن أَبِي جَعْفٍَ. [مسلم:
١١٤٧ - فتح: ٤ / ١٩٢]
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ
الأَغْمَشِ، عَنْ مُسلِمِ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ،
أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ قَالَ :- فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)). قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ
الحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بهذا الحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا
بُجَاهِدًا يَذْكُرُ هذا عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنِ الَحَكَمِ وَمُسْلِمِ البَطِينِ وَسَلَّمَةَ بْنِ
كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ أَمْرَأَةً لِلنَّبِيِّ وََّ: إِنَّ
أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَخِيَى وَأَبُو مُعَاوِيَّةَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ بَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي
أُنَيْسَةَ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ أَمْرَأَةً لِلنَّبِيِّ وَلَّ: إِنَّ
أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَرِيزِ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: قَالَتِ
امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ: مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [مسلم: ١١٤٨ - فتح: ٤ /
١٩٢]
ثم ذكر حديث عائشة أَنَّ النبي ◌ِِّ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ
عَنْهُ وَلِيُّهُ)).

٣٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإسناده ثماني وهو غريب في البخاري، والذي بعده سباعي وشيخه
محمد بن خالد هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن
فارس بن ذؤيب الذهلي، مولاهم النيسابوري، مات(١) بعد البخاري،
وقد أخرجه مسلم أيضًا(٢). ثم قال: تابعه ابن وهب، عن عمرو ورواه
یحیی بن أيوب، عن ابن أبي جعفر.
وحديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ
فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)). قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الحَكَمُ وَسَلَمَةُ، وَنَحْنُ
جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بهذا الحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا
يَذْكُرُ هُذا عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
وَيُذْكَرُ(٣) عَنْ أَبِي خَالِدٍ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الحَكَمِ وَمُسْلِمِ البَطِينِ
وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. وَقَالَ يَحْيَى (٤) وَأَبُو
مُعَاوِيَّةً: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ
أَمْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ. وَقَالَ(٥) عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي
أُنَيْسَةَ، عَنِ الحَكْمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ
لِلنَبِّ وَِّ: إِنَّ أُمِّيَ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَّذْرٍ. وَقَالَ (٦) أَبُو حَرِيزِ: حدثني
عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ وَِّ: إنَّ أمي ماتت وَعَلَيْهَا
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: توفي سنة ٢٥٨ وله ٨٦ سنة.
(٢) مسلم (١١٤٧) باب: قضاء الصيام عن الميت.
(٣) في الأصل كتب فوقها: معلق كذا.
(٤) في الأصل كتب فوقها: كذا معلق.
(٥) مثل سابقه.
(٦) مثل سابقه .

٣٧٥
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
الشرح :
أثر الحسن غريب وهو فرع ليس في مذهبنا، وهو الظاهر كما لو
استؤجر عنه بعد موته من يحج عنه عن فرض استطاعته، وآخر يحج
عنه عن قضائه، وآخر عن نذره في سنة واحدة فإنه يجوز.
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا، ومتابعة ابن وهب رواها مسلم
عن هارون الأيلي وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب(١). وطريق يحيى بن
عبيد الله بن أبي جعفر أخرجها البيهقي من حديث عمرو بن الربيع بن
طارق، عن يحيى به(٢)، ومحمد بن خالد سلف، وما ذكرناه فيه هو
ما ذكره أبو علي الجياني عن أبي نصر والحاكم(٣)، واقتصر عليه
الدمياطي وغيره ولم يصرح البخاري باسمه في شيء من ((الجامع)).
وقال ابن عدي في ((شيوخ البخاري)): محمد(٤) بن خالد بن جبلة
الرافقي(٥) وقال ابن عساكر: قيل إن البخاري روى عنه، وقال أبو نعيم
في (مستخرجه)): رواه -يعني: البخاري- عن محمد بن خالد بن خلِّي
(س)(٦) وهو غريب، وعبيد الله بن أبي جعفر المذكور في إسناده: هو
أبو بكر المصري أحد الأعلام. وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث
(١) مسلم (١١٤٧) باب: قضاء الصيام عن الميت.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٥٥/٤ كتاب: الصيام، باب: من قال يصوم عنه وليه.
(٣) (تقييد المهمل)) ١٠٥٤/٣- ١٠٥٥.
(٤) في هامش الأصل: ولم يرو البخاري عن محمد بن خالد بن جبلة، ولم يرو عنه
غير النسائي، والصحيح في اسمه محمد بن جبلة وقيل: محمد بن خالد بن جبلة.
(٥) ((شيوخ البخاري)) ص١٩١ (٢١٩). ط. دار البشائر الإسلامية.
(٦) في هامش الأصل: لم نر في البخاري محمد بن خالد بن خليّ ولا روى له
إلا النسائي فاعلمه.

٣٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عبيد الله هذا فذكر الحديث فقال: ليس بمحفوظ وهذا من قبيل عبيد
الله بن أبي جعفر هو منكر الأحاديث، كان فقيهًا، وأما الحديث
فليس فيه بذاك.
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتعليق أبي خالد أخرجه
مسلم عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد الأحمر(٢)، وللترمذي
-وقال: صحيح -: حَدَّثَنَا أبو سعيد وأبو كريب، عن أبي خالد - بإسقاط
الحكم -: وعليها صوم شهرين متتابعين، وكذا للنسائي(٣).
وقال البخاري فيما نقله الترمذي عنه في ((علله)): جوده أبو خالد،
واستحسنه جدًّا، قال: وروى بعض أصحاب الأعمش مثل ما روى (أبو
خالد) (٤)
.(
وتعليق يحيى وأبي معاوية أخرجهما أبو داود في طريق ابن العبد
وغيره عن مسدد، عن يحيى وهو ابن سعيد، وحَدَّثَنَا محمد بن العلاء،
عن أبي معاوية به(6)، وفي حديث أبي بشر، عن ابن جبير عنه: أن
أمرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرًا فنجاها الله فلم
تصم حَتَّى ماتت، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله(٦).
(١) مسلم (١١٤٨).
(٢) مسلم (١١٤٨ / ١٥٥).
(٣) الترمذي (٧١٦ - ٧١٧) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الصوم عن الميت،
النسائي في ((الكبرى)) ١٧٣/٢ - ١٧٤ (٢٩١٤) كتاب: الصيام، باب: صوم الحي
عن الميت.
(٤) في الأصل: أبو خيثمة والصواب ما أثبتناه. ((علل الترمذي الكبير)) ٣٣٩/١ - ٣٤٠.
(٥) أبو داود (٣٣١٠) كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء فيمن مات وعليه صيام
صام عنه وليه.
(٦) أبو داود (٣٣٠٨) باب: في قضاء النذر عن الميت.

٣٧٧
- ڪِتَابُ الضَّوْمِ
وتعليق عبيد الله أخرجه مسلم من حديث زكرياء بن أبي زائدة، عن
عبيد الله(١) بن عمرو الرقي به (٢)، وتعليق أبي حريز أخرجه البيهقي من
حديث الفضيل عنه، وفيه: أمرأة من خثعم(٣)، وأبو حريز: هو قاضي
سجستان عبد الله بن الحسين الأزدي، مختلف فيه، وثق، وقال ابن
عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وجاء عنه أنه يؤمن
بالرجعة (٤). وفي أفراد مسلم من حديث بريدة قال: بينا أنا جالس عند
رسول الله ◌َ* إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله إن أمي كان عليها
صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((صومي عنها)(٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فمن مات وعليه صوم فاته بعذر ولم يتمكن منه
فلا تدارك له ولا إثم، وأبعد أبو يحيى البلخي -فيما حكاه القاضي
(١) في متن الأصل: عبد الله، وصوبه في الهامش بقوله: صوابه عبيد الله.
(٢) مسلم (١٥٦/١١٤٨) وفيه من حديث زكرياء بن عبدي، ليس زكرياء بن أبي زائدة
كما ذكر المصنف، وهو الصواب؛ لأن زكرياء الذي يروي عن عبيد الله بن عمرو
الرقي هو ابن عدي، انظر ترجمتهما في ((تهذيب الكمال)) ٣٥٩/٩ (١٩٩٢)، ٩/
٣٦٤ (١٩٩٤).
(٣) ((سنن البيهقي)) ٢٥٦/٤.
(٤) قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: منكر الحديث، وسئل عنه أيضًا فقال: يحيى بن
سعيد كان يحمل عليه، لا أراه إلا كما قال، وقال يحيى بن معين: ثقة، وفي رواية
عنه قال: ضعيف، ووثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ليس بمنكر
الحديث، يكتب حديثه، وقال أبو داود: ليس حديثه بشيء، وضعفه النسائي،
وقال الحافظ في ((التقريب)) (٣٢٧٦): صدوق يخطئ.
انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٥/ ٧٢ (١٨٧)، و((الجرح والتعديل)) ٣٤/٥
(١٥٣)، و(الكامل)) لابن عدي ٢٦٠/٥ (٩٨١)، و((تهذيب الكمال)) ١٤/ ٤٢٠
(٣٢٢٧).
(٥) مسلم (١١٤٩) باب: قضاء الصيام عن الميت.

٣٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الحسين- أنه تجب عليه الكفارة والحالة هذه، فإن فاته بغير عذرٍ أو به
وتمكن ففي صوم الولي عنه قولان للعلماء:
أحدهما: يصوم عنه وليه، وهو قول طاوس(١)، والحسن(٢)،
والزهري(٣)، وقتادة(٤)، وبه قال أبو ثور وأهل الظاهر(٥) واحتجوا
بأحاديث الباب، قال محمد بن عبد الحكم: ولا أرى بأسًا به.
وفيه قول ثانٍ: أنه يصوم عنه في النذر خاصة ويطعم عنه في قضاء
رمضان، وهو قول أحمد والليث وإسحاق وأبي عبيد وحكاه ابن قدامة
عن ابن عباس وأبي ثور (٦).
والثاني: لا يصوم أحد عن أحد، وهو قول ابن عمر (٧)، وابن
عباس(٨)، وعائشة(٩)، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٣٩ (٤٦٤٦) كتاب: الصيام، باب:
المریض في رمضان وقضائه.
(٢) ذكره البيهقي ٢٥٧/٤، وابن حزم في ((المحلى)) ١٦٧/٥ عن الحسن بن حي،
وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨/٩.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٤٠ (٧٦٤٨).
(٤) ذكره البيهقي ٤/ ٢٥٧.
(٥) أنظر: ((المحلى)) ٢/٧.
(٦) انظر: ((المغني)) ٤/ ٣٩٨، ((مسائل أحمد برواية الكوسج)) ٢٨٨/١.
(٧) رواه البيهقي ٤/ ٢٥٤.
(٨) رواه النسائي في ((الكبرى)) ١٧٥/٢ (٢٩١٨) كتاب: الصيام، باب: صوم الحي
عن الميت، وقال ابن التركماني: سنده صحيح على شرط الشيخين خلا ابن
عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم اهـ ((سنن البيهقي)) ٢٥٨/٤.
(٩) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٣/٣ (١٣٩٨) ((تحفة))، وقال ابن
التركماني كما في حاشية ((سنن البيهقي)) ٢٥٨/٤: إسناده صحيح.

٣٧٩
- كِتَابُ الصَّوْمِ
وعزاه إلى الجمهور القاضي عياض(١)، وابن قدامة(٢)، وحجة هؤلاء:
أن ابن عباس لم يخالف في فتواه ما رواه إلا لنسخ علمه، لكن العبرة بما
رواه على الأصح وكذلك روى عبد العزيز بن رُفيع، عن عمرة، عن
عائشة أنها قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام عنه(٣)،
ولهذا قال أحمد: إن معنى حديث ابن عباس في النذر دون القضاء
من أجل فتيا ابن عباس، وقد ذكره البخاري في بعض طرقه في
الباب، وقال أبو داود في حديث عائشة: معناه في النذر (٤).
ومعنى الأحاديث: الأول: أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام
وهو الإطعام، وقد جاء مثل ذَلِكَ في قوله الَّ: ((الصعيد الطيب
وضوء المسلم)»(٥) فسمي التراب وهو بدل باسم مبدله وهو الوضوء
(١) ((إكمال المعلم)) ١٠٤/٤- ١٠٥.
(٢) انظر: ((المبسوط)) ٣/ ٨٩، (عيون المجالس)) ٢/ ٦٥٠، ((الأم)) ٨٩/٢، ((المغني))
٤/ ٣٩٨.
(٣) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٣/٣ (١٣٩٨) تحفة، وذكره ابن عبد البر
في ((التمهید» ٢٩/٩.
(٤) ((سنن أبي داود)) ١/ ٣٧٠ بعد حديث (٢٤٠٠).
(٥) رواه أبو داود (٣٣٢) في الطهارة، باب: الجنب يتيمم. الترمذي (١٢٤) في
الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، والنسائي ١/ ١٧١ في الطهارة،
باب: الصلوات بتيمم واحد، وأحمد ١٥٥/٥، ١٨٠/٥، والطيالسي ١/ ٣٨٩-
٣٩٠ (٤٨٦)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٣٨/١ (٩١٣) كتاب: الطهارة،
باب: الرجل يعزب عن الماء، والبزار في ((البحر الزخار)) ٩/ ٣٨٧ - ٣٨٩
(٣٩٧٣ - ٣٩٧٤)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١/ ٢٥٧، ١٧٥، وابن حبان ٤/
١٣٥ - ١٤٠ (١٣١١ - ١٣١٣) كتاب: الطهارة، باب: التيمم، والدارقطني ١/
١٨٦ - ١٨٧، والحاكم في ((المستدرك)) ١٧٦/١ - ١٧٧ كتاب: الطهارة- وقال:
هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، والبيهقي ٧/١ كتاب: الطهارة، باب: منع
التطهير بما عدا الماء من المائعات، و٢١٢/١ باب: التيمم بالصعيد الطيب. من =

٣٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فيصيرون كأنهم صاموا عنه، ولو جاز أن يقضي عمل البدن عن ميت قد
فاته ذَلِكَ العمل لقيل به في الصلاة، والإجماع على خلافه، كما نقله
أبو عمر(١) وألزم به في الإيمان أيضًا، ولو ساغ لكان الشارع فعله
عن عمه أبي طالب، وقام الإجماع على منعه، وإنما وقع الاختلاف
في الصوم والحج فيجب أن يرد حكم ما اختلف فيه إلى ما أتفق
عليه، ولما لم يجز الصيام عن الشيخ الهرم في حياته كان بعد وفاته
أولى ألا یجوز.
وذهب الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه واجب
أن يطعم عنه من رأس ماله وإن لم يوص إلا أبا حنيفة فإنه قال: يسقط
ذَلِكَ عنه بالموت.
وقال مالك: الإطعام غير واجب على الورثة إلا أن يوصى به ففي
ثلثه (٢)، فإن قلت: من أوجب الإطعام فإنما هو لتشبيهه التَّ بالدَّين.
قلت: هو حجة لنا؛ لأنه قال: أفأقضيه عنها؟ ونحن نقول: قضاؤه أن
يطعم عن كل يوم مسكينًا، وأما حديث ابن عمر مرفوعًا: ((من مات
وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا)) فأخرجه ابن ماجه
= حديث أبي ذر مطولًا مختصرًا. وصححه ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٣/
٣٢٧-٣٢٨، ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧، وقال الحافظ في ((فتح الباري)) ٢٣٥/١: إسناده
قوي، وقال في ٤٤٦/١: صححه الترمذي وابن حبان والدارقطني. اهـ
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)» ٣٥٨ - ٣٥٩ وفيه بحث نفيس فليراجع.
وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٣١٠) وصححه ابن
القطان في ((بيانه)) ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦١/١: رجاله
رجال الصحيح.
(١) ((التمهيد)» ١٥٤/٢٢.
(٢) ((المدونة)) ١٨٧/١.