النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ - ڪِتَابُ الضَّوْمِ وهي لغة لبعضهم يبدلون اللام ميمًا فيما ذكره أبو القاسم البغوي وغيره(١). ثانيهما: من طريق ابن عمر مرفوعًا: ((ليس من البر .. )) الحديث، أخرجه ابن ماجه(٢)، وقال أبو حاتم: منكر(٣). وقوله: ( ((ليس من البر))) من هنا يراد بها: تأكيد النفي، وأبعد من ذهب أنها للتبعيض. إذا تقرر ذَلِك فإن احتج ظاهري نخعي به، فقال: ما لم يكن من البر فهو من الإثم فدل أن صيامه لا يجزئ في السفر. فجوابه أن لفظه خرج على شيء معين كما سبق في الحديث، ومعناه: ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ كما أسلفناه، = والحديث بلفظ: ((ليس من أم بر أم صيام في أم سفر)). قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٢/ ٢٠٥: هُذِه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميمًا، ويحتمل أن يكون النبي وَلي خاطب بها هذا الأشعري كذلك؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به، وهذا الثاني أوجه عندي، والله أعلم. اهـ وقال الألباني في (الإرواء)) ٤/ ٥٨ - ٥٩، و((الضعيفة)) (١١٣٠): شاذ بهذا اللفظ، وقال معقبًا على كلام الحافظ: إن إيراد الحافظ هذين الاحتمالين قد يشعر القارئ لكلامه أن الرواية ثبتت بهذا اللفظ عن الأشعري، وإنما تردد في كونه من النبي ◌َّ﴾ نفسه، أو من الأشعري، ورجح الثاني. وهذا الترجيح لا داعي له، بعد أن أثبتنا أنه وهم من معمر، فلم يتكلم به النبي ◌َّ ولا الأشعري بل ولا صفوان بن عبد الله ولا الزهري، فليعلم هذا فإنه عزيز نفيس إن شاء الله تعالى. اهـ ((الضعيفة)) ٣/ ٢٦٥، وانظر أيضًا ((الإرواء)) ٥٩/٤ ففيه تعقب آخر على كلام الحافظ. (١) قد أسلفنا قول الحافظ فيه. (٢) تقدم تخريجه، وانظر ((الإرواء)) (٩٢٥). (٣) ((العلل)) ٢٤٧/١. ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والله قد رخص في الفطر، ويصححه صوم الشارع في شدة الحر وحاشاه من الإثم، فالمعنى: ليس هذا أثر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه، إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه؛ وهذا لقوله القّها: ((ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان)) (١)، ومعلوم أن الطواف مسكين، وأنه من أهل الصدقة، وإنما أراد المسكين الشديد المسكنة الذي لا يسأل ولا يُتصدق عليه، وقال بعضهم: معناه: ليس من البر الواجب، وإنما يحتاج إلى هذا من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأما من حمله على القاعدة الشرعية في رفع ما لا يطاق عن هذِه الأمة، وبأن للمريض المقيم ومن أجهده الصوم أن يفطر، فإن خاف من صومه محذورًا عصى بصومه وعليه يحمل قوله الطيار : ((أولئك العصاة))، وأما من حاله غير حال المظلل عليه فحكمه ما سلف من التخيير، وبهذا يرتفع التعارض وتجتمع الأدلة ولا تحتاج إلى فرض نسخ إذ لا تعارض. وقال القاضي أبو محمد: لفظه يحتمل الفضيلة ويحتمل أن يراد به ما هو شرط في إجزاء الفعل فيتوقف إلى البيان، وقد أسلفنا أنه خرج على سبب والفطر رخصة فيأخذ منه، ومن أشد ما یوردونه حدیث ((الصائم في السفر كالمفطر في الحضر))، وقد سلف ضعفه(٢). وقال القاضي أبو محمد: هو موقوف عند أهل النقل. (١) سلف هذا الحديث في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافً﴾ (١٤٧٦، ١٤٧٩). ورواه مسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين لا يجد غنّى ولا يفطن له فيتصدق عليه. (٢) تقدم تخريجه باستيفاء. ٣٤٣ كِتَابُ الصَّوْمِ = وأما حديث ((إن الله وضع عن المسافر الصيام(١)) (٢) فالمراد: وضع الوجوب؛ بدليل بقية الحديث وعن الحامل والمرضع. (١) وقع في الأصل بعدها: وشطر الصلاة وعلم عليها (لا .. إلى). (٢) رواه أبو داود (٢٤٠٨) كتاب: الصوم، باب: اختيار الفطر، والترمذي (٧١٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، والنسائي ٤/ ١٨٠ - ١٨٢ كتاب: الصيام، وضع الصيام عن المسافر، وابن ماجه (١٦٦٧) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، وأحمد ٣٤٧/٤، وابن سعد ٧/ ٤٥، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ١/ ٣٩٤ (٤٣٠)، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٣/ ١٦٢-١٦٣ (١٤٩٣)، وابن خزيمة ٢٦٧/٣ - ٢٦٨ (٢٠٤٢ - ٢٠٤٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المسافر، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١٥/١ - ١٦، والطبراني في ((الكبير)) ٢٦٢/١ - ٢٦٣ (٧٦٢ - ٧٦٦)، وفي ((الأوسط)) ٧/ ١٧ (٦٧٢٤)، والبيهقي في ((سننه)) ١٥٤/٣ كتاب: الصلاة، باب: السفر في البحر كالسفر في البر في جواز القصر، و ٤/ ٢٣١ كتاب: الصيام باب: الحامل والمرضع لا تقدران على الصوم .... ، من حديث أنس بن مالك، رجل من بني عبد الله بن کعب. ووقع في بعض المصادر: أنس بن مالك، رجل من بني الأشهل، أو عبد الأشهل، وهو خطأ؛ قال الحافظ في ((الإصابة)) ١/ ٧٢: الصواب عبد الله بن كعب. قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٨٣): إسناده حسن صحيح. وفي الباب من حديث عمرو بن أمية الضمري. رواه النسائي في ١٧٨/٤ - ١٨٠، وفي ((الكبرى)) ٢/ ١٠٢ - ١٠٣ (٢٥٧٨ - ٢٥٨٠) كتاب: الصيام، وضع الصيام عن المسافر، والدارمي ٢/ ١٠٦٧ (١٧٥٣) كتاب: الصيام، باب: الرخصة للمسافر في الإفطار، وقال الألباني: أخرج النسائي والدارمي من طريق الأوزاعي قال: أخبرني يحيى قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني أبو المهاجر قال: حدثني أبو أمية - يعني: الضمري -: أنه قدم على النبي ◌َّر .. فذكره نحوه. وهذا إسناد صحيح متصل، لكن قوله: أبو المهاجر! وهم من الأوزاعي كما قال = ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فائدة : يجوز أن يكون هذا المجهول هو أبو إسرائيل، روى الخطيب في (مبهماته)) أنه التَّ رأى رجلا يهادى بين ابنيه وقد ظُلل عليه فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: ((إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليمش وليركب)»(١). وفي ((مسند أحمد)) ما يشعر بأنه غيره فإن فيه أنه الثّ دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي فقيل لرسول الله وَّ: هو ذا يا رسول الله لا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ولا يفطر، فقال: ((ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر))(٢). = ابن حبان وغيره، والصواب: أبو المهلب؛ وهو ثقة من رجال مسلم. اهـ ((صحيح سنن أبي داود» ٧/ ١٧١. (١) سلف من حديث أنس (١٨٦٥) أن النبي ◌َّ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: ((ما بال هذا))، قال: نذر أن يمشي. قال: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني)). وأمره أن يركب. (٢) أحمد ٤ / ١٦٨ وفيه: ((وليصم)) بدل قوله: ((وليفطر)). ٣٤٥ = كِتَابُ الضَّوْمِ ٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا في الضَّوْمِ وَالإِقْطَارِ ١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [مسلم: ١١١٨ - فتح: ١٨٦/٤] ذكر فيه حديث أَنَسِ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرٍ، وَلَا المُغْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا بزيادة ذكر رمضان (١)، وهو حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم، والفطر يدل أن ذَلِكَ عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به ولا حجة لأحد مع خلاف السنة الثابتة، وقد ثبت أنه قتل﴾ صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له. (١) مسلم (١١١٨). ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٨- باب مَنْ أَقْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ ١٩٤٨- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ تُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ، لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِّهِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤ / ١٨٦ ] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف قريبًا: فصَام حتى بلغ عسفان فأفطر (١). ولعل سبب فطره أنه قيل له: إن الناس هلكوا إذ أخذوا باختيارك في الصوم فأفطر ليراه الناس فأفطروا بفطره. وقد سلف ذَلِكَ من حديث جابر (٢)، وأن الناس قد شق عليهم الصيام(٣). قال ابن بطال(٤): اختلف العلماء في الفطر المذكور في هذا الحديث، فقال قوم: معناه أنه أصبح مفطرًا قد نوى الفطر في ليلته، هُذا جائز بالإجماع أن يُبَيِّت المسافر الفطر إن اختاره، وقال آخرون: معناه أنه يفطر في نهاره لعل إن مضى صدر عنه، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذَلِكَ في سفره؛ لأنه الَّ صنع ذَلِكَ رفقًا بأمته، وقد جاء (١) سلف برقم (١٩٤٤) باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر. (٢) سلف قريبًا برقم (١٩٤٦). (٣) رواه مسلم (١١١٤ / ٩١) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان .. (٤) إلى نهاية هذا الباب نقله المصنف بتمامه من ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٨٩ -٩٠. ٣٤٧ - كِتَابُ الصَّوْمِ ذاك مبينًا في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر أنه الكَّة خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراع الغميم، فصام الناس وهم مشاة وركبان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنما ينظرون إلى ما فعلت فدعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه، وصام بعض فقيل له: إن بعضهم قد صام فقال: ((أولئك العصاة))، وقد أسلفناه من ((صحيح مسلم)) عن جابر(١)، وهو يبين معنى الترجمة وأنه التَّ إنما أفطر ليراه الناس فيقتدوا به ويفطروا؛ لأن الصيام كان نهكهم وأضرَّ بهم فأراد العَيِّ الرفق بهم والتيسير عليهم أخذًا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأخبر تعالى أن الإفطار في السفر أراد به التيسير على عباده، فمن اختار رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفًا، ومن أختار الصوم وهو يسير عليه فهو أفضل؛ لصحة الخبر أنه صام حين شخص من المدينة متوجهًا إلى مكة حَتَّى بلغ عُسفان والكديد فصام معه أصحابه، إذ كان ذَلِكَ يسيرًا عليهم، وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار لما دنا من عدوه فصار الصوم عسرًا إذا كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في حربهم لوكانوا صيامًا عند لقاء عدوهم، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من الصوم عند الله وأفضل لما يرجون من القوة على العدو، وإعلاء كلمة الدين بالإفطار. وروى شعبة (عن)(٢) عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير أن رسول الله ◌َلي أمر أصحابه يوم فتح مكة فقال: (١) مسلم (١١١٤) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية. (٢) في الأصل: (بن)، والمثبت من مصادر التخريج. ٣٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ((أفطروا فإنه يوم قتال))(١). وروى حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن رسول الله وَالر كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم: ((اشربوا)) فقالوا: يا رسول الله أنشرب ولا تشرب؟ قال: ((إني أيسركم إني راكب وأنتم مشاة)) فشرب وشربوا(٢). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٠٢/٥ (٩٦٨٨) كتاب: الجهاد، باب: الصيام في الغزو، وفيه: عبد الله بن شعبة، عن عمرو بن دينار، بدل شعبة. ورواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢/ ١٤٠ - ١٤١، وقال: قال شبابة: قال شعبة: لم يسمع عمرو بن دينار من عبيد بن عمير إلا ثلاثة أحاديث. (٢) رواه أبو يعلى في («مسنده)) ٤/ ١٤٦ (٢٢٠٨)، والفريابي في ((كتاب الصيام)) ص: ٨٤ (٩٤)، وذكره ابن حزم في ((المحلى)) ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١. ٣٤٩ كِتَابُ الصَّوْمِ ٣٩- باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ ابن عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَقَالَ ابن نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَّهَ: نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْم مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسِّخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأَمِرُوا بِالصَّوْمِ ١٩٤٩- حَدَّثَنَا عَيَّشْ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغَلَى،َ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَرَأَ: فِذْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [٤٥٠٦- فتح: ٤/ ١٨٧] ثم ساق عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَرَأَ: ((فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ)). قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ(١). وَقَالَ ابن نُمَيْرٍ: حدثنا الأَعْمَشُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، ثَنَا ابن أَبِي لَيْلَى قال: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ بَّهِ: نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْم مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ الشرح: أثر ابن عمر أخرجه أيضًا في التفسير وقال: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، (١) وقع في هامش الأصل ما نصه: في نسختي التعليق قبل الحديث. (٢) سيأتي برقم (٤٥٠٦)، وكذا الآية في الأصل، وفي اليونينية ٢٥/٦: (طعام مساکین) ليس عليها تعليق. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وكذا رواه الإسماعيلي في ((صحيحه)). وأثر سلمة أخرجه في تفسيره عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن يزيد بن أبي عبيد، عنه بلفظ قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حَتَّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها(١). وفي ((مستدرك)) الحاكم عنه وقال: صحيح على شرط الشيخين أنه قرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ واحد ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً﴾. قال: زاد مسكينًا آخر فهو خير له وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام، وأمر أن يطعم الذي يعلم أنه لا يطيق(٢). وفي رواية له على شرط البخاري ولا قضاء عليه(٣). وفي الجزء الخامس من حديث أبي عبد الله محمد بن جعفر ونفيل البغدادي، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام يفطر ويطعم نصف صاع، مكان كل يوم(٤). ثم قال: محفوظ من حديث الثوري يعني عن منصور، عن مجاهد عنه. موقوف. وفلیح من حديث عبد الله بن الوليد العدني، عنه، ثم ساقه. وتعليق ابن نمير أسنده أبو نعيم عن أبي إسحاق، ثنا ابن زيدان، ثنا أبو كريب والحسن بن عفان قالا: ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش بلفظ: ثنا صاحب محمد قال: أحيلت الصلاة على ثلاثة أحوال، قال: ونزل رمضان فشق عليهم .. الحديث. (١) سيأتي برقم (٤٥٠٧). (٣) ((المستدرك)) ٤٤٠/١. (٢) ((المستدرك)) ٤٤٠/١ كتاب: الصوم. (٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٢١/٤ (٧٥٧٤) من حديث مجاهد عن ابن عباس بنحوه، وكذا رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) ١٣٨/٢ (ط. الحلبي)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١/ ٣٠٨ (١٦٤١)، والدار قطني ٢٠٧/٢، والبيهقي في («سننه» ٤/ ٢٧١ كتاب: الصيام، باب: الشيخ الكبير لا يطيق الصوم. ٣٥١ = ڪِتَابُ الضَّوْمِ وأسنده البيهقي من حديث علي يعني: ابن الربيع الأنصاري، ثنا عبد الله بن نمير بلفظ، ثنا أصحاب محمد قال: أحيل الصوم على ثلاثة أحوال. ثم ساقه من حديث المسعودي، عن عمر، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكره(١). وهذا يبين الصاحب من هو، لكن قال البيهقي: إنه مرسل، ابن أبي ليلى لم يدرك معاذًا(٢)، وللحازمي من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو به قال: وذكر فيه أن ذَلِكَ كان على وجه التطوع لا على جهة الفرض(٣). إذا تقرر ذَلِكَ فاختلف العلماء في تأويل هذِه الآية؛ فروي عن عائشة وابن عباس في رواية، وعكرمة وسعيد بن جبير وطاوس وعمرو بن دينار ومجاهد: أنهم قرءوها (يَطّوقون) بفتح أوله وثانيه مشددًا (٤)، قال: الذين يحملونه ولا يطيقونه فدية(٥)، فعلى هذا القول الآية محكمة غير منسوخة (١) ((سنن البيهقي)) ٤/ ٢٠٠ .. (٢) السابق. (٣) ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) ص ١١١. (٤) انظر: ((مختصر الشواذ)) ص١٩. (٥) رواه عن عائشة الطبري ١٤٣/٢ (٢٧٧٩)، والبيهقي في ((سننه)) ٤/ ٢٧٢ . وعن ابن عباس، سيأتي برقم (٤٥٠٥). وعن عكرمة وسعيد بن منصور ٢/ ٦٨٤ (٢٦٦)، والطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٧٦)، وعزاه في ((الدر المنثور)) ٣٢٩/١ لوكيع وعبد بن حميد وابن الأنباري. وعن سعيد بن جبير، والطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٧٧)، وعزاه في ((الدر المنثور)) لابن أبي داود في ((المصاحف)). وذكره القرطبي في ((تفسيره)) ٢/ ٢٦٧ عن طاوس وعمرو بن دينار. ورواه عن مجاهد الطبري ١٤٣/٢ (٢٧٨٠). ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == يعني: في الشيخ والحامل والمرضع، وهو قول حسن كما قال أبو عبيد، ولكن الناس ليسوا عليه؛ لأن الذي ثبت بين اللوحين في مصاحف أهل العراق والحجاز والشام ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ولا تكون الآية على هذا اللفظ إلا منسوخة، رُوي ذَلِكَ عن عمر وسلمة بن الأكوع ومعاذ وابن أبي ليلى وعلقمة والنخعي والحسن والشعبي والزهري(١)، ونقله القاضي عياض عن جمهور(٢). فتفرق الناس في ناسخ هذه الآية ومنسوخها على أربعة منازل، لكل واحدة منهن حكم سوى حكم الأخرى: فالفرقة الأولى: وهم أصحاء ففرضهم الصيام ولا يجزئهم غيره لزمهم ذَلِكَ بالآية المحكمة وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهٌ﴾. والثانية: هم مخيرون بين الإفطار والصيام، ثم عليهم القضاء بعد ذَلِكَ -ولا طعام عليهم- وهم المسافرون، والمرضى بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾. والثالثة: هم الذين لهم الرخصة في الإطعام - ولا قضاء عليهم- وهم الشيوخ الذين لا يستطيعون الصيام. (١) رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع، فيما سيأتي (٤٥٠٧) كتاب: التفسير، باب: من شهد منكم الشهر فليصمه، ومسلم (١١٤٥) كتاب: الصيام، باب: نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وعن معاذ، ابنُ جرير ٢/ ١٣٨ (٢٧٤٠) وعن ابن أبي ليلى، ابنُ جرير ١٣٨/٢ (٢٧٤٢)، وابنُ أبي حاتم ٣٠٩/١ (١٦٤٦). وعن علقمة والنخعي، ابنُّ جرير ٢/ ١٣٨ (٢٧٤٣ - ٢٧٤٤). وعن الحسن، ابن جرير ١٣٩/٢ (٢٧٤٥)، وابن أبي حاتم ٣١٠/١ (١٦٤٧). وعن الشعبي والزهري، ابن جرير ٢/ ١٣٩ (٢٧٥٠، ٢٧٥٢). (٢) ((إكمال المعلم)) ٩٩/٤. ٣٥٣ كِتَابُ الصَّوْمِ والرابعة: هم الذين اختلف العلماء فيهم بين القضاء والإطعام، وبكل ذَلِكَ قد جاء به تأويل القرآن، وأفتت به الفقهاء فذهب القاسم وسالم وربيعة ومكحول وأبو ثور إلى أن الشيخ إن استطاع الصوم صام، وإلا فليس عليه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلا أن مالكًا استحب له الإطعام عن كل يوم مدًّا، وحجة هذا القول: أن الله تعالى إنما أوجب الفدية قبل النسخ على المطيقين دون غيرهم وخيَّرهم فيه بين أن يصوموا بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ﴾ ثم نسخ ذَلِكَ وألزمهم الصوم حتمًا وسكت عمن لا يطيق. فلم يذكره في الآية فصار فرض الصيام زائلًا عنهم كما زال فرض الزكاة والحج عن المعدمين الذين لا يجدون إليه سبيلا(١). وأبى ذَلِكَ أهل العراق والثوري، وأوجبوا الفدية على الشيخ وقالوا: إن الزكاة والحج لا يشبهان الصيام؛ لأن الكتاب والسنة فرق بينهما وذلك أن الله تعالى جعل من الصوم بدلًا أوجبه على كل من حيل بينه وبين الصيام -وهو الفدية- كما جعل التيمم بدلًا من الطهور واجبًا على من أعوزه الماء، وكما جعل الإيماء بدلًا من الركوع والسجود لمن لا يقدر عليهما، ولم يجعل من الزكاة والحج بدلًا لمن لا يقدر عليهما، وإلى هذا ذهب الكوفيون والأوزاعي والشافعي، وحُكي عن علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأحمد(٢). (١) ((المدونة)) ١٨٦/١. (٢) ((المبسوط)) ٩٩/٣، ((البيان)) ٤٦٦/٣، ((المغني)) ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأما الفرقة الرابعة: فالحامل والمرضع وفيهما اختلف الناس قديمًا وحديثًا، فقال بعض العلماء: إذا ضعفتا عن الصيام وخافت على نفسها وولدها أفطرت وأطعمت عن كل يوم مسكينًا، فإذا فطمت ولدها قضته، وهو قول مجاهد(١)، وأحمد. وعند الشافعي: إن أفطرتا خوفًا على أنفسهما وجب القضاء بلا فدية أو على الولد فالقضاء والفدية (٢)، وقال المزني: تستحب الفدية، وقيل: تجب على المرضع دون الحامل. وعن إسحاق: يخيران بين القضاء ولا فدية وبين الفدية ولا قضاء. وقالت الظاهرية: لا قضاء ولا فدية. وقال آخرون: عليهما الإطعام ولا قضاء، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة (٣)، وقال آخرون: عليهما القضاء ولا كفارة كالمريض، وهو قول عطاء والنخعي والحسن والزهري وابن جبير وربيعة(٤) والأوزاعي وأبي حنيفة والثوري. وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله، وهو قول أشهب، وفرقة رابعة فرقت بين الحبلى والمرضع؛ فقالت في الحبلى: هي بمنزلة المريض تفطر وتقضي ولا إطعام عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضي، هذا قول مالك في ((المدونة))(٥) والليث، قال أبو عبيد: (١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٣٠٨/١ (١٦٤٠). (٢) ((المغني)) ٤/ ٣٩٣، ((البيان)) ٤٧٣/٣. (٣) رواه عن ابن عباس وابن عمر، عبدالرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢١٨ - ٢١٩ (٧٥٥٨، ٧٥٦١، ٧٥٦٧)، والبيهقي ٤/ ٢٣٠. ورواه عن سعيد بن جبير وقتادة، عبدالرزاق ٤/ ٢١٦ - ٢١٧ (٧٥٥٥ - ٧٥٥٦). (٤) انظر: ((مصنف عبد الرزاق)) ٤/ ٢١٨، و((الدر المنثور)) ٣٢٧/١. (٥) ((المدونة)) ١٨٦/١. ٣٥٥ -- ڪِتَابُ الصَّوْمِ وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ ﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله تعالى حكم في تارك الصوم من غير عذر بحكمين فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى. فلما لم يجد ذكر الحامل والمرضع مسمّى في كل واحدة منهما جمعهما جميعا عليها احتياطا لهما وأخذًا بالثقة، ومن أوجب الإطعام أطعم فقط وقال: ليس كالسفر والمرض، ولكنهما ممن كلف وطوّقه وليس بمطيق فهم من أهل الإطعام فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهي قراءة ابن عباس وفُتْياه(١)، وقد يجوز هُذا على قراءة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي بجهد ومشقة فيتحد معناهما، قاله غير أبي عبيد، ومن أوجب القضاء فقط ذهب إلى أن الحمل والرضاع علتان من العلل؛ ولأنه يخاف فيهما من التلف على الأنفس ما يخاف من المرض، وشاهده حديث أنس: أتيت النبي ◌ّ في إبل لجار لي أخذت فوافقته يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم فقال: ((ادنُ أخبِرُك عن ذَلِك أن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل والمرضع)) (٢) فقرنهما بالمسافر ولا يلزمه القضاء. وقال القاضي عياض: اختلف السلف هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: هي منسوخة، ثم استدل بقول سلمة. ثم اختلفوا هل بقي منها ما لم ينسخ فروي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لكبره، وقال جماعة من (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه باستيفاء، وأنس هذا هو أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن کعب، كما سلف. ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح السلف ومالك وأبو ثور وداود جميعُ الإطعام منسوخ وليس على الكبير إذا لم يطق الصوم إطعام، واستحبه له مالك. وقال قتادة: كانت الرخصة لمن يقدر على الصوم ثم نسخ فيه، وبقيَ فيه فيمن لا يطيق(١). وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض الذَيْن لا يقدران على الصوم(٢) فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برأ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض. وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يفطر، ثم يبرأ فلا يقضي حَتَّى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعدما أفطر(٣)، ويطعم عن كل يوم مدًّا من حنطة، فأما من أتصل صومه برمضان ثانٍ فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط. وقال الحسن وغيره: الضمير في: (يطوقونه) عائد على الإطعام لا على الصوم، ثم نسخ ذَلِكَ، فهي عنده عامة، ثم جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مدٌّ، وقال أبو حنيفة: مدَّان، ووافقه صاحباه. فائدة : (يَطّوقونه) بفتح أوله وثانيه مشددًا كما أسلفته، وقرئ بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو وفتحها، حكاهما ابن التين مع الأولى، وعزا الأولى إلى مجاهد، قال: والناسخ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ خلافًا لابن أبي ليلى كما سلف، قال: وهو أصح من قول (١) رواه الطبري في تفسيره)) ١٤١/٢ (٢٧٦٢). (٢) الطبري ١٤١/٢ (٢٧٥٩) وقد تقدم. (٣) ((إكمال المعلم)) ٩٩/٤ - ١٠٠ بتصرف. ٣٥٧ كِتَابُ الصَّوْمِ ابن عباس أنها محكمة، قال: وحمل (يطيقونه) على (يطوقونه) مجاز بعيد بغير دليل، ولا يقال لمن لا يقدر أن يصوم: أن تصوم خير لك، وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾، قال ابن عباس: زاد مسكينًا آخر (١)، وقال مجاهد: أطعم صاعًا فتطوع بثلاثة أمداد(٢). (١) رواه النسائي ١٩٠/٤ - ١٩١ كتاب: الصيام، تأويل قول الله ثمبك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وفي ((الكبرى)) ٢/ ١١٢ - ١١٣ (٢٦٢٦)، والطبري ١٤٨/٢ (٢٨٠٢)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣٠٩/١ (١٦٤٢)، والطبراني ١٦٨/١١ (٨٨-١١٣)، والدار قطني ٢٠٥/٢ وقال: إسناد صحيح ثابت والحاكم في ((المستدرك)) ٤٤٠/١. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والبيهقي ٤ / ٢٧١ كتاب: الصيام، باب: الشيخ الكبير لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يفطر ويفتدي. وصححه الألباني في ((صحيح النسائي)). (٢) رواه الطبري ١٤٨/٢ (٢٨٠٤). ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤٠- باب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ؟ وقَّالَ ابْن عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَّالَ ابنِ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ العَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا. وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ الإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ١٩٥٠- حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةً قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّ فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَخْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ ◌َّ. [مسلم: ١١٤٦- فتح: ٤/ ١٨٩] ثم ساق حديث عَائِشَةَ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّ فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِّ ◌َلُ. الشرح : أثر ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عنه فيمن عليه قضاء شهر رمضان أن يقضيه مفرقًا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾(١). وأثر ابن المسيب أراد به أن براءة الذمة أولى من التطوع، وقد روى ابن أبي شيبة، عن عبدة، عن سفيان، عن قتادة، عن سعيد: أنه كان لا يرى بأسًا أن يقضى رمضان (١) (سنن البيهقي)) ٤/ ٢٥٨ كتاب: الصيام، باب: قضاء شهر رمضان إن شاء متفرقًا. ٣٥٩ = ڪِتَابُ الصَّوْمِ في العشر (١)، وقد أخرج الدارقطني، عن عمر، عن النبي ◌َّ و أنه كان لا يرى بأسًا بقضاء رمضان في عشر ذي الحجة، ثم ذكره موقوفًا أيضًا (٢)، وعن الحارث، عن علي مرفوعًا: ((لا يقضى رمضان في عشر ذي الحجة))، ثم قال: الموقوف أصح(٣)، زاد ابن أبي شيبة: فإنه شهر نسك، وعن أبي هريرة: لا بأس أن يصومها في العشر، وعن إبراهيم وابن المسيب مثله، وعن عطاء وطاوس ومجاهد: أقض رمضان متى شئت، وقال سعيد بن جبير: لا بأس به، يعني: في العشر، وعن الحسن: أنه كرهه (٤) . وقال ابن المنذر: اختلف في قضاء رمضان في ذي الحجة فكان ابن المسيب والشافعي وغيرهما يقولون: ذَلِكَ جائز إلا أيام النهي، وروینا عن علي أنه كرهه(٥)، وبه قال الحسن البصري، قال: وجوازها أولى؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ إلا يوم النحر وأيام (٦) التشريق(٦). وقوله: ويذكر عن أبي هريرة، إلى آخره، يعني: أنه روي عن أبي (١) ((المصنف)) ٣٢٥/٢ (٩٥١٩) في الصيام، ما قالوا في قضاء رمضان في العشر. (٢) ((علل الدارقطني)) ٢٠٢/٢ - ٢٠٣. (٣) المصدر السابق ١٧٥/٣ - ١٧٦، ورواه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٢/ ٦٠ (٩٠٦) مرفوعًا. ورواه عبد الرزاق في «المصنف)» ٢٥٦/٤ (٧٧١٢) موقوفًا. (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٢٥/٢ (٩٥١٦ - ٩٥١٩، ٩٥٢١ - ٩٥٢٢) كتاب: الصيام، ما قالوا في قضاء رمضان في العشر. (٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٥٦/٤ (٧٧١٢)، والبيهقي ٢٨٥/٤ كتاب: الصيام، باب: جواز قضاء رمضان في تسع ذي الحجة. (٦) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (٧٧١٠)، والبيهقي ٤/ ٢٨٥. ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هريرة مرسلًا(١)، وابن عباس موقوفًا(٢)، وذكر الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعًا من طريق مجاهد عنه -ولم يسمع عنه فيما ذكره البرديجي(٣)- ولعل هذا مراد البخاري بالإرسال، ولفظه عن أبي هريرة: عن النبي وير في رجل أفطر في شهر رمضان، ثم صح ولم يصم، ثم أدركه رمضان قال: ((يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكينًا)»، ثم قال: إبراهيم بن نافع وابن وجيه ضعيفان(٤)، ورواه من طريق مجاهد وعطاء إلى أبي هريرة موقوفًا، وقال: في كل منهما إسناد صحيح موقوف، وفي طريق عطاء: مذًّا من حنطةٍ. ومن طريق مجاهد عن ابن عباس موقوفًا : يطعم عن كل يوم مسكينًا (٥) . (١) رواه عبد الرزاق ٢٣٤/٤ (٧٦٢٠ - ٧٦٢١) عن مجاهد وعطاء، عن أبي هريرة موقوفًا. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٣٦ (٧٦٢٨)، والبيهقي ٢٥٣/٤ (٣) علق عليها في هامش الأصل بقوله: الذي ذكره العلائي عن البرديجي ما نصه: الذي صح لمجاهد من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة على خلاف فيه، قال بعضهم: لم يسمع منه يدخل بينه وبين أبي هريرة عبد الرحمن بن أبي ذئاب. اهـ (٤) ((سنن الدارقطني)) ١٩٧/٢، ومن طريقه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٩٧/٢ (١١٢٢) من طريق بكر بن محمود بن مكرم الفزاري: ثنا إبراهيم بن نافع -أبو إسحاق الجلاب -: ثنا عمر بن موسى بن وجيه: ثنا الحكم، عن مجاهد، عن أبي هريرة. وقال: قال الدارقطني: إسناد صحيح موقوف، وعلى الموقوف العمل، فأما المسند فلا يصح فيه إبراهيم بن نافع، قال أبو حاتم الرازي: كان يكذب، وحدث عن ابن وجيه أحاديث بواطيل، قال: وعمر متروك الحديث كان يضع الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة اهـ (٥) ((سنن الدارقطني)) ١٩٦/٢ - ١٩٧.