النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
-- ڪِتَابُ الصَّوْمِ
أوجب القضاء أن الكفارة عقوبة للذنب الذي ارتكبه، والقضاء بدل عما
أفسده، وكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطء إذا أهدى البدل فكذلك
هنا، واعتل من لم يوجبه أنه ليس في خبر عائشة ولا أبي هريرة في نقل
الحفاظ ذكر القضاء، فيقال له: قد روي من طرق فيها ذكر القضاء لكنها
متكلم فيها(١)، وقد أوضحتها في ((تخريج أحاديث الوسيط)) فناقشنا ابن
حزم؛ فإنه وهَّاها أجمع؛ بسبب أبي أويس وهشام بن سعد وعبد
الجبار بن عمرو(٢)، وذكر ابن بطال منها حديثًا واحدًا عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، ثم قال: وهو من مرسلات سعيد بن
المسيب، وهي حجة عند الفقهاء، وکتاب الله یشهد لصحتها حيث
قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥] ولا تبرأ الذمة إلا بيقين
الأداء وهو قضاء اليوم(٣).
وفي إعطائه القرية للرجل الصاع ليتصدق به، حجة لمالك في اختياره
الإطعام في كفارة المفطر في رمضان(٤)؛ لأنه شبه البدل من الصيام، ألا
ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط في قضاء رمضان حتَّى
يدخل عليه رمضان آخر لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام مع القضاء،
وإنما يؤمر بالإطعام، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه
فدية طعام مساكين﴾ [البقرة: ١٨٤](6) وذكر أبو عبيد عن الأصمعي قال:
(٢) ((المحلى)) ١٨١/٦.
(١) تقدم تخريجه.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٧٢/٤. وحديث عمرو بن شعيب، رواه ابن عبد البر في ((التمهيد))
٧/ ١٦٨، ومرسل سعيد بن المسيب رواه مالك في ((الموطأ)) ص١٩٨ كتاب:
الصيام، باب: كفارة من أفطر في رمضان.
(٤) ((المدونة)) ١٩١/١.
(٥) وذكرها المصنف -رحمه الله- هنا على قراءة نافع وابن عامر فقرأ: (مساكين)
بالجمع، وقرأ ابن کثیر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والکسائي: (مسکین) بالإفراد . =
٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أصل العرق السقيفة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منها زبيل،
فسمي الزبيل عرقًا لذلك، ويقال: العرقة أيضًا.
وزعم الأخفش -أحمد بن عمران- في ((شرح الموطأ)) أنه يسمى
عرقًا؛ لأنه يعمل عرقة عرقة لعرضها واصطفافها، ثم يضم فقال:
عرقة وعرق كعلقة وعلق، والعرقة: الطريقة العريضة ولذلك سميت
درة المكتب عرقة، والصواب فتح الراء. وقال ابن حبيب في ((شرح
الموطأ)): رواه مطرف، عن مالك بالتحريك. وقال ابن التين في
رواية: أبي الحسن: بسكون الراء ورواية أبي ذر بفتحها. وأنكر بعض
العلماء إسكان الراء وقال: إنما هو العظم الذي عليه اللحم.
وفي ((العين)) العرق: مثال سحر، والعرقات كل مضفور أو
مصطف(١)، وعن أبي عمر: العرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر
من القفة. والعرقة: زبيل من قد. بلغة كلب، ذكره في ((الموعب)) وفي
(الجامع)) للقزاز: العرق، ويقال: بسكون الراء وفتحها. وقال ابن
سيده: العرق واحدته عرقة. قال: والزبيل والزنبيل: الجراب.
وقيل: الوعاء يحمل فيه، الزنبيل القفة والجمع زبل وزبلان، وقال
الجوهري: الزبيل معروف فإذا كسرت شددت فقلت زِبَّيل أو زِنبيل؛ لأنه
ليس في كلام العرب فَعليل بالفتح والمكتل شبه الزبيل(٢)، وفي
((الجامع)): الزبيل: الوعاء الذي يرمى به الزبل، وهو فعيل في معنى
مفعول من هذا، وفيه لغة أخرى زنبيل، وإذا جمعوا قالوا: زنابيل.
= انظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٢٧٢/٢ - ٢٧٣، و((الكشف عن وجوه القراءات
السبع» ٢٨٢/١.
(١) ((العين)) ١٥٤/١.
(٢) ((الصحاح)) ١١٣/١.
٢٦٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
٣٠- باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَيْءٌ
فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ
١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنٍِ مُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ وََّ إِذْ جَاءَهُ
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ، قَالَ: ((مَا لَكَ؟)). قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَمْرَأَتٍ وَأَنَّا
صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ
أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)). قَالَ: لَا. فَقَالَ: ((فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِقِينَ مِسْكِينًا؟)).
قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكْثَ النَّبِيُّ ◌َ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أَنِّ النَّبِيُّ ◌َّ بِعَرَقٍ فِيهَا تَُّرٌ-
وَالْعَرَقُ: اِكْتَلُ - قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟)). فَقَالَ: أَنَّا. قَالَ: ((خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ). فَقَالَ
الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَبَتَيْهَا - يُرِيدُ: الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ
بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَطْعِمْهُ
أَهْلَكَ)). [١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١ - مسلم: ١١١١-
فتح: ١٦٣/٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة، وفيه: (هَلَكْتُ) أي: بسبب ما وقع فيه
من الإثم. وفيه: ((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟)). قَالَ: لَا. وكذا: هل تجد في
الصوم والإطعام؟ وفيه: وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ ... الحديث.
ثم ترجم له.
٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣١ - باب المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ
هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ؟
١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ:
إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى أَمْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: ((أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟)). قَالَ: لَا. قَالَ:
((فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟). قَالَ: لَا. قَالَ: ((أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ
مِسْكِينًا؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِعَرَقٍ فِيهِ تَخْرٌ - وَهُوَ: الزَّبِيلُ - قَالَ: ((أَطْعِمْ
هذا عَنْكَ)). قَالَ: عَلَى أَخْوَجَ مِنَّا؟! مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَخْوَجُ مِنَّ. قَالَ:
((فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح ٤ / ١٧٣]
ثم ساق حديث أبي هريرة أيضًا، وفيه: بعرق فيه تمر(١)، وفي
نسخة: فيها، وقال: ((خذ هذا))، وفي نسخة: ((خذها))، وفيه أن
الآخر وهو بكسر الخاء أي الأبعد على الذم، وقيل: الأرذل، وقيل
الأخير: الأبعد، والآخر: الغائب.
وقوله: (وهو الزَّنبيل) كذا هو بنون ثم باء موحدة، وفي بعضها
الزَّبيل، وصحح بفتح الزاي مخففًا وكسرها مع التشديد كما سلف في
الباب قبله.
واختلف العلماء في الواطئ في رمضان إذا وجب عليه التكفير
بالإطعام دون غيره، ولم يجد ما يطعم كالرجل الذي ورد في
الحديث، فقال الزهري: هو خاص به دون غيره(٢)، أي: واستغفر له
(١) سيأتي برقم (١٩٣٧).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٢٢٣/٤ كتاب: الصيام، باب: كفارة من أتى أهله في
رمضان.
٢٦٥
-- كِتَابُ الصَّوْمِ
من ذَلِكَ الذنب، وقریب منه دعوى نسخه كما حكاه ابن التين، ولم يذكر
ناسخه، وفي سقوطها قولان للشافعي وأحمد أظهرهما: لا، كسائر
الكفارات، وهو قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعيسى بن
دينار؛ ولأنه التَّ أمره أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه؛ فدَّل
على ثبوتها في الذمة مع العجز(١).
والقول الثاني: سقوطها كزكاة الفطر؛ ولأنه الكليْ لم يذكر ذَلِكَ
للأعرابي مع جهله الحكم، وهو قول الأوزاعي، وأحمد في رواية(٢)،
وللأول أن يجيب بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز. وكلام القاضي
أبي الطيب من أصحابنا يقتضي أن الثابت في ذمته أحد الخصال
الثلاث، فيكون مخيرًا فيها، وكلام صاحب ((التنبيه)) يقتضي أنه
الإطعام خاصة. وقد شرعها لأجل من لا تلزمه نفقته. وللشافعي في
((الأم)) احتمالان في الحديث، فيحتمل أنه القيا تطوع بالتكفير عنه،
وشرع له صرفه إلى الأهل والعيال، فتكون فائدة الحديث أنه يجوز
للغير التطوع بالكفارة عن الغير بإذنه، وأنه يجوز للمتطوع صرفها إلى
أهل المكفر عنه وعياله، ويحتمل أنه لم يملكه ذلك، وإنما أراد أن
يملكه ليكفر فلما أخبره بحاجته صرفه إليه دفعة، ويحتمل أنه ملكه
وأمره بالتصدق به، فلما أخبره بحاجته أذن له في أكله وإطعامه لعياله
ليبين أن الكفارة إنما تجب إذا فضل عن الكفاية(٣).
وقال المهلب: قوله كله دليل على أنه إذا وجب على معسر كفارة
إطعام وكان محتاجًا إلى إبقاء رمق نفسه وأهله، أن يؤثرها بذلك
(١) ((المغني)) ٤/ ٣٨٥.
(٢) («المغني)) ٤ / ٣٨٥.
(٣) ((الأم)) ٢/ ٨٤.
٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الإطعام، ويكون ذَلِكَ مجزئًا عنه على قول من رأى سقوطها عنه بالعسر،
قال: وإباحته الأكل لا تمنع من بقاء حكم الكفارة في ذمته؛ لأنه لما
أخبر عن حاجته أباح له الانتفاع بما أعطاه، ولم يتعرض لحكم ما في
ذمته، فبقي ذلك بحاله، وفيه أن الصدقة على الفقراء واجبة بهذا
الحدیث.
واختلف العلماء هل كفارته مرتبة كما ذكر في الحديث: العتق فإن
لم يجد صام، فإن لم يجد أطعم. أو مخيرة؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه
والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور ومطرف وابن الماجشون
وابن حبيب في أحد قوليه: بالأول، وهو مشهور مذهب أحمد(١)، ونقله
ابن قدامة عن جمهور العلماء. وفي («المدونة» قال ابن القاسم: لا يعرف
مالك في الكفارة إلا الإطعام لا عتقًا ولا صومًا، وقال في كتاب الظهار:
ما للعتق وماله، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾(٢)
الآية [البقرة: ١٨٤] وأمر المحترق بالصدقة، وروي عنه أنه مخير بين
الثلاثة(٣)، حكاه ابن القصار والبغداديون وابن المنذر، والحجة له
حديثه عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة: أن رجلًا أفطر في
رمضان، فأمره النبي ◌َ﴿ أن يعتق أو يصوم أو يطعم(٤)، و(أو)
موضعها في كلام العرب التخيير ولا توجب الترتيب، ويجوز أن
يكون أبو هريرة قد حفظ الفتيا من رسول الله وَالر في مرتين فرواه مرة
(١) ((المبسوط)) ٧١/٣، ((الأم)) ٨٤/٢، ((المغني)) ٤/ ٣٨٠.
(٢) ((المدونة)) ١٩١/١، ٣١٠/٢.
(٣) (عيون المجالس)) ٢/ ٦٣١، ((المنتقى)) ٥٤/٢.
(٤) رواه مسلم (١١١١) كتاب: الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان
على الصائم ووجوب الكفارة الکبری.
٢٦٧
=ِ كِتَابُ الصَّوْمِ
على التخيير ومرة على الترتيب؛ ليعلمنا الجواز في التخيير أوالترتيب
إلى تقديم العتق، ولا يكون أحدهما ناسخًا للآخر، وأجاب بعضهم
بأنه الصَّ علم مآل أمره، وأنه لا يقدر على العتق والصيام، وهو
باطل؛ لأن مالكًا رواه وفيه الثلاثة بلفظ (أو) ومن لا يقدر لا يقال
له: إن شئت فأعتق، وإن شئت كذا.
وقال الطحاوي: إنما أمره الكثير بكل صنف من أصناف الكفارة
الثلاثة؛ لما لم يكن واجدًا للصنف الذي ذكره له قبله على ما ثبت
في حديث هذا الباب(١).
وقال بعض العراقيين: القصة واحدة والراوي واحد وهو الزهري،
وقد نقل الترتيب والتخيير، ولا يجوز أن يكون خيره ورتبه، فلابد من
المصير إلى إحدى الراويتين، والمصير إلى الترتيب أولى من وجوه
كثرة ناقليها؛ فإن الترتيب رواه سفيان بن عيينة ومعمر والأوزاعي،
وعورض بأنه رواه عن الزهري مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد
وأبو إدريس وفليح وعمرو بن عثمان المخزومي ذكره ابن التين،
والاعتناء بلفظ الشارع بخلاف من خير، فإنما نقل لفظ الراوي وإن
كانا في الحجة سواء، وإذا تعارضا كان المصير إلى من نقل لفظه
أولى؛ ولأن ناقله مفسر؛ لأنه قال له: ((أعتق)) قال: لا أجد، قال:
((فصم))، وناقل التخيير لم يذكر أنه أمره بالصيام والإطعام بعد أن
ذكر الأعرابي عجزه، وهذِه زيادة ولأن فيه احتياطًا؛ لأنها إن كانت
مخيرة فالترتيب أجوز، وإن كانت مرتبة فقد فعل، وانفرد الحسن
البصري فقال: عليه عتق رقبة أو هدي بدنة أو عشرون صاعًا لأربعين
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٦٢/٢.
٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مسكينًا(١) حكاه ابن التين عنه، وحكي عن عطاء: لا صوم عليه وإن لم
يجد رقبة فبقرة أو بدنة(٢). وروى مالك الندب مرسلًا عن سعيد(٣).
واختلفوا في المرأة إذا وطئها طائعة في رمضان: فقال مالك: عليها
مثل ما على الرجل من الكفارة، وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور، وفيه قول
ثانٍ: تجزئ كفارة الرجل عنهما. وثالث: أن الكفارة الواحدة تجزئهما
إلا الصيام فإنه عليهما جميعًا كاملًا عن كل واحد، وإن أكرهها فالصوم
عليه وحده(٤)، حكاه أبو عمر عن الأوزاعي(٥)، وللشافعي أقوال
أظهرها: أن الكفارة عنه. وبه قال أحمد في أصح الروايتين، وفي
قول: عنه وعنها (٦)، وفي قول: عليها كفارة أخرى، وبه قال أبو حنيفة
ومالك كما سبق، وفي قول أن عليه في ماله كفارتين كفارة عنه وكفارة
عنها، وهو مصادم للنص فإنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.
واختلفوا إذا وطئها مكرهة: فقال مالك: عليه كفارتان عنه وعنها،
وكذا إن وطئ أمته كفَّر كفارتين، وقال أبو حنيفة: عليه كقارة واحدة
ولا شيء عليها، وقال الشافعي: ليس عليه إلا كفارة واحدة سواء
طاوعته أو أكرهها كما سلف (٧)، ولا تجري فيها الأقوال، ووجهه أن
الشارع لم يستفصل بين الطائعة والمكرهة، ولو كان الحال يختلف
(١) رواه الدارمي ٧١٩/١ (١١٤٤) كتاب الطهارة، باب: من قال عليه الكفارة.
(٢) ذكره ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١٠١/١٠.
(٣) ((الموطأ)» ص١٩٨ كتاب: الصيام، باب: كفارة من أفطر في رمضان.
(٤) ورد في الأصل بعدها: وبه قال أحمد في أصح الروايتين، وعليها علامة (لا .. إلى)
(٥) ((التمهيد)» ٧/ ١٧٨.
(٦) (بدائع الصنائع)) ٩٨/٢، ((عيون المجالس)) ٦٢٤/٢، ((البيان)) ٥٢١/٣، ٥٢٢،
«المغني)) ٣٧٥/٤.
(٧) ((المبسوط)) ١٣٦/٣، ((عيون المجالس)) ٢/ ٦٣٧، ((البيان)) ٥٢٤/٣.
٢٦٩
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
بيّنه، وحجة الموجب عليها في الطواعية القياس على قضاء ذَلِكَ اليوم،
وفي الكراهية أنه سبب فساد صومها بتعديه الذي أوجب عليه الكفارة عن
نفسه فوجب أن يكفر عنها، وهذا مبني على أصولهم إذا أكرهها فأفسد
حجها بالوطء فعليه أن يحججها من ماله ويهدي عنها، وكذلك إذا حلق
رأس محرم نائم فإنه ينسك عنه؛ لأنه أدخل ذَلِكَ عليه بتعديه من غير
اختيار من المفعول به، ولا يلزم على هذا الناسي والحائض
والمريض وغيرهم من المعذورين إذا أفطروا؛ لأن السبب أتاهم من
قبل الله ، وفي مسألتنا الفطر أتى من قبل الواطئ، والكفارة تتعلق
بالذمة؛ لأن ماله لو تلف لم يسقط.
تنبيهات :
أولاً: إذا قلنا بالتخيير على قول مالك، فروى عبد الملك عنه:
الإطعام أفضل. ومتأخروا أصحابه يراعون الأوقات فإن كان وقت
مجاعة فالإطعام أولى، أو خصب فالعتق أولى، وأفتى بعضهم فيمن
استفتاه في ذَلِكَ من أهل الغنى الواسع: بالصيام لما علم أنه أشق
عليه(١)، وعن ابن أبي ليلى: هو مخير بين العتق والصيام فإن عجز
عنهما أطعم، وإليه ذهب ابن جرير.
ثانيها: التتابع: التوالي، وكافة أهل العلم على تتابع الصوم خلافًا
لا بن أبي لیلی.
ثالثها: حكى الداودي عن ابن مسعود: أن على الواطئ صوم ثلاثة
آلاف يوم، وقد أسلفناه عن إبراهيم، والذي ذكره البخاري عن ابن
مسعود ما تقدم.
(١) ((المنتقى)) ٥٤/٢.
٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم حكى عن النخعي مثل ما حكاه عن ابن مسعود (١)، قال:
ولا يخالف هذا ما حكاه البخاري عن النخعي؛ لأن هذا فيمن أفطر
بأكل، والذي ذكر البخاري فيمن أفطر بجماع كذا ادعى فتأمله(٢).
رابعها: إذا أفطر بأكل فقال ابن عباس: يطعم ثلاثين مسكينًا(٣)،
وقال مالك: ستين. ومثله أبو حنيفة، إلا أنه فصل بين البرُ وغيره كما
سلف، والشافعي قال: لا كفارة عليه. كما سلف (٤).
خامسها: قوله القلي للرجل: ((هل تجد رقبة تعتقها؟)) قال: لا، ظاهر
في شدة فقره، وكذا في الصيام فينظر حَتَّى يجد أو يقوى، وقد صرح
بفقره بعد وأعلمه أن به وبعياله حاجة أشد من حاجته إلى تعجيل الكفارة.
ومعنى: (بدت أنيابه): ظهر. قيل: ضحكه؛ لوجوب الكفارة عليه،
ثم أعطاه الصدقة فضلًا من الله.
ومعنى ((تحرر رقبة)): تعتقها ومنه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَتٍ﴾ [النساء: ٩٢]
يقال: حررت العبد إذا جعلته حرًّا. وللبيهقي: جاء رجل وهو ينتف
شعره ويدق صدره ويقول: هلك الأبعد وأهلكت، وفي لفظ: ويدعو
بالويل(6) ورواية: هلكت وأهلكت، رواها المعلِّى بن منصور عن
(١) قلت: رواه عن النخعي ابن أبي شيبة ٢/ ٣٤٨ (٩٧٨٢) كتاب: الصيام، ما قالوا
في الرجل يفطر في رمضان يومًا ما عليه، و ١١٠/٣ (١٢٥٧٢) كتاب: الأيمان
والنذور، من يفطر يومًا من رمضان، وذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٧/ ١٧١ -
١٧٢، وكذا ابن حزم في ((المحلى)) ٦/ ١٨٩.
(٢) ورد في هامش الأصل: ما قاله ليس الظاهر.
(٣) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٥/ ٣٥٠ (٩١١٨) كتاب: عشرة النساء، وابن عبد البر
في ((التمهيد)) ٧/ ١٧٠.
(٤) ((المبسوط)) ٧/ ١٤، ((المدونة)) ١/ ١٩١، ((الأم)) ٨٦/٢.
(٥) (سنن البيهقي)) ٤/ ٢٢٦ كتاب: الصيام، باب: رواية من رأى الأمر بقضاء يوم.
٢٧١
كِتَابُ الصَّوْمِ
سفيان، وليس بذاك الحافظ، وضعفها الحاكم(١).
سادسها: الرجل، قال ابن بشكوال: إنه سلمة بن صخر البياضي (٢)
فيما ذكره ابن أبي شيبة في ((مسنده)(٣)، وعند ابن الجارود: سلمان بن
صخر (٤)، ولعله(٥) هو المظاهر في رمضان حَتَّى ينسلخ، فلما مضى
نصفه وقع ليلًا، كما أخرجه الترمذي(٦)، وكان من عادته أنه إذا نزى
على أهله ليلًا يطلع الفجر وهو كذلك.
سابعها: أطلق الرقبة فشمل الكافرة والصغيرة، وهو مذهب أبي
حنيفة وأصحابه (٧) وجعلوه كالظهار، وفي الدارقطني من حديث
إسماعيل بن سالم، عن مجاهد، عن أبي هريرة أنه القّها أمر الذي
أفطر في رمضان بكفارة الظهار (٨)، وتشمل أيضًا المعيبة، وهو مذهب
داود لكنه نُقض فالمانع ظاهر، ومالك والشافعي وأحمد يشترطون
فيها الإيمان(٩) بدليل تقيدها في كفارة القتل، وهو مما حمل المطلق
(١) انظر: ((سنن البيهقي)) ٤/ ٢٢٧.
(٢) ((غوامض الأسماء المبهمة)) لابن بشكوال ٢١١/١ - ٢١٢.
(٣) («مسند ابن أبي شيبة)) ٢ / ١٣٦ (٦٢٧).
(٤) في ((المنتقى)) لابن الجارود ٦٣/٣ - ٦٥ (٧٤٤ - ٧٤٥): سلمة بن صخر
الأنصاري.
(٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: كذا ذكره في ((المهذب)) في الظهار المؤقت، وأقره
عليه النووي في حديث ... فيه جماعة.
(٦) الترمذي (١١٩٨) كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر،
وقال: حديث حسن غريب، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٠٩١).
(٧) ((بدائع الصنائع)) ١٠٩/٥.
(٨) ((سنن الدار قطني)) ١٩٠/٢ - ١٩١، ورواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٨٦/٢ - ٨٧
(١٠٨٢) وقال: يرويه يحيى الحماني، قال أحمد: كان يكذب في الحديث اهـ
(٩) ((المدونة)) ٢/ ٣١٤، ((الأم)) ١٣٠/٤، ((المغني)) ١٢/ ٢٢٨.
٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فيه على المقيد، ولا شك أن مقصود الشارع بالعتق تخليص الرقبة من
ربقة الرق؛ لتتفرغ لعبادة الرب جل جلاله ولنُصرة الإسلام، وهذا
المعنى مفقود في الكافر، وقد قال الشارع: ((أعتقها فإنها مؤمنة))(١).
ثامنها: معنى ((تستطيع)): تقوى وتقدر كما سلف، وفي بعض
روايات الحديث(٢): وهل أتيتُ إلا من قبل الصوم(٣). فاقتضى ذَلِكَ
(١) رواه مسلم (٥٣٧)، وأحمد ٥/ ٤٤٨.
(٢) ورد في هامش الأصل: خارج الصحيح.
(٣) لم أجد هذا اللفظ بنصه هكذا، وإنما وجدته بألفاظ أخرى مقاربة جدًا، وكلها من
حديث سلمة بن صخر.
فرواه الترمذي (٣٢٩٩) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المجادلة، وأحمد
٤/ ٣٧، ٥/ ٤٣٦، والدارمي ١٤٥٩/٣ - ١٤٦١ (٢٣١٩) كتاب: الطلاق، باب:
في الظهارة، وابن الجارود ٣/ ٦٣ - ٦٤ (٧٤٤)، وابن خزيمة ٧٣/٤ - ٧٤ (٢٣٧٨)
كتاب: الزكاة، باب: الرخصة في إعطاء الإمام المظاهر من الصدقة ... ، والحاكم
في ((المستدرك)) ٢٠٣/٢ كتاب: الطلاق وقال: صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه، والبيهقي في ((سننه)) ٧/ ٣٩٠ كتاب: الظهار، باب: لا يجزي أن يطعم أقل
من ستين مسكينًا كل مسكين مدًا من طعام بلده، وابن بشكوال في ((غوامض الأسماء
المبهمة)) ٢١٢/١ - ٢١٣، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٢٩٧/٢ (١٧٢٢) والمزي
في (تهذيب الكمال)) ١١/ ٢٨٩- ٢٩٠، وذلك بلفظ: وهل أصابني ما أصابني
إلا في الصيام. والحديث صححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٠٩١).
ورواه أبو داود (٢٢١٣) كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، وذلك بلفظ: وهل
أصبت الذي أصبت إلا من الصيام.
ورواه ابن شيبة في ((تاريخ المدينة المنورة)) ٣٩٦/٢ - ٣٩٨، وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٢١٨٥)، والطبراني ٧/ ٤٣ - ٤٤ (٦٣٣٣)،
وذلك بلفظ: ما دخل علي من البلاء إلا من قبل الصوم.
قال المصنف -رحمه الله -: قال الرافعي: في رواية أنه الظفير قال له: (صم شهرين)
فقال: هل أتيت ألا من قبل الصوم؟
قلت: غريب والمعروف أنه قال: لا أستطيع ذلك. اهـ((خلاصة البدر المنير)) ١/ ٣٢٩ . =
٢٧٣
ڪِتَابُ الضَّوْمِ
=
عدم استطاعته بسبب شدة الشبق، والأصح عندنا أن له العدول عن
الصوم إلى الإطعام بسبب ذَلِكَ.
تاسعها: رواية مالك في ((الموطأ)) فأمره الظّهر أن يكفر بعتق رقبة
أو صيام أو إطعام(١) بـ(أو) كما أسلفناه. قال أبو عمر: لم يختلف
رواة ((الموطأ)) على مالك بلفظ التخيير، وتابعه ابن جريج وأبو إدريس
عن ابن شهاب، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان، بن
بلال، عن يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب(٢).
وقال ابن قدامة: دلالة الترتيب الحديث الصحيح رواه معمر ويونس
والأوزاعي، والليث وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر، وعراك بن
مالك وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم(٣). زاد
أبو عمر: ابن عيينة وشعيب بن حمزة وعبد الرحمن بن خالد بن
مسافر وإبراهيم بن سعد والحجاج بن أرطأة وابن المعتمر، قال: وفي
قول الشعبي والزهري أن على المفطر في رمضان عتق رقبة، أو إطعام
ستين مسكينًا أو صيام شهرين متتابعين (٤)، فأيقن مالك بالتخيير.
= وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن الصلاح: هذا اللفظ لا يعرف، وإن الذي وقع
في الروايات إنه لا يستطيع ذلك. انتهى. وهُذِه غفلة عما أخرجه البزار من طريق
محمد بن إسحاق حدثني الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة فذكر الحديث وفيه
قال: ((صم شهرين))، قال: يا رسول الله هل لقيت ما لقيت إلا من الصيام، ويؤيد
ذلك ما ورد في حديث سلمة بن صخر عند أبي داود في قصة المظاهر زوجته أنه
قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام اهـ ((التلخيص الحبير)) ٢٠٧/٢.
(٢) ((الاستذكار)) ٩٥/١٠.
(١) ((الموطأ)» ص١٩٨.
(٣) ((المغني)) ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ١٩٧ (٧٤٦٨) عن الزهري، وقد ذكرهما ابن
عبد البر في ((الاستذكار)) ٩٦/١٠ - ٩٧.
٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال ابن قدامة: والآخذ بهذا أولى من رواية مالك. قلت: محمد
الزهري أتفقوا على روايته، هكذا سواهما فيما علمنا واحتمال القسمة
فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه(١)، وقد أسلفنا زيادة على
ذَلِكَ فلیح بن سلیم، وعمرو بن عثمان.
عاشرها: أجمعوا كما قال (أبو عمر)(٢) ابن عبد البر: أن المجامع
في قضاء رمضان لا كفارة عليه، حاشى قتادة وحده، وأجمعوا أيضًا أن
المفطر في قضاء رمضان لا يقضيه إلا ابن وهب، وأجمعوا أن من وطئ
فكفر ثم وطئ في يوم آخر فيه أنه عليه كفارة أخرى، وأجمعوا على أنه
ليس على من وطئ مرارًا في يوم واحد إلا كفارة واحدة، فإن وطئ في
يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم آخر، فذهب الأربعة خلا
أبا حنيفة أن عليه لكل يوم كفارة -كفر أو لم يكفر. وقال أبو حنيفة:
عليه كفارة واحدة إذا وطئ قبل أن يكفر(٣)، وقال الثوري: أحب إليَّ
أن يكفر- عن كل يوم، وأرجو أن تجزئه كفارة واحدة ما لم يكفر.
حادي عشرها: ذكر البدنة في هذا الحديث لا أعلمه روي عن رسول
الله وَلّ مسندًا إلا من رواية ليث، عن مجاهد وعطاء جميعًا، عن أبي
هريرة يرفعه: ((أعتق رقبة)) ثم قال: ((انحر بدنة)) ذكره البخاري في
((تاريخه)) عن ابن شريك، عن أبيه، عن ليث، وقال: لا يتابع عليه (٤).
وذكر عطاءً في كتاب ((الضعفاء)) أيضًا بهذا الحديث، وقال: لم يتابع
عليه (٥) .
(١) («المغني)) ٤/ ٣٨١.
(٢) علم فوقها في الأصل : (لا .. إلى).
(٣) ((التمهيد)» ٧/ ١٨١.
(٥) ((الضعفاء)» ص ١٧٨ - ١٧٩ (٢٧٨).
(٤) ((التاريخ الكبير)) ٤٧٥/٦.
٢٧٥
=ِ كِتَّابُ الصَّوْمِ
قال أبو عمر: وأحسن طرقه عندي ما حدثناه عبد الوارث، ثم ساقه
من حديث جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة ثم ساقه، وقال:
فقد وجدنا ذكر البدنة من غير رواية عطاء الخرساني، فلا وجه لإنكار من
أنكر ذَلِكَ عليه، وما أعلم أحدًا أفتى ببدنة إلا عطاء والحسن (١). وقال
ابن حزم: فإن تعللوا في مرسل سعيد بأنه ذكر له بما رواه عطاء الخرساني
عنه من ذَلِكَ فقال سعيد: كذب إنما قلت: قال له: ((تصدق بصدقة)) فإن
الحسن وقتادة وعطاء بن أبي رباح قد رووه أيضًا مرسلًا(٢). وفيه الهدي
للبدنة وأما حديث هارون ابن عنترة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن
عمر: أتى رجلٌ رسول الله بَّه فقال: أفطرت عامة رمضان من غير عذر
ولا سفر فقال له: ((أعتق رقبة)) قال: لا أجد. الحديث(٣).
فقال الرازيان: إنه خطأ وإنما هو حبيب، عن طلق، عن ابن
المسيب، عن رسول الله وَله مرسلًا، قال عبد الرحمن: قلت لأبي:
ممن الوهم؟ قال: لا أدري(٤).
(١) ((التمهيد)) ١١/٢١.
(٢) ((المحلى)» ١٩٠/٦.
(٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ٨٩/١٠ - ٩٠ (٥٧٢٥)، والطبراني في ((الأوسط)) ٨٪
١٣١ - ١٣٢ (٨١٨٤) وقال: لم يرو هذا الحديث عن حبيب إلا هارون، تفرد به:
الصباح بن محارب اهـ
وهو بالسند المذكور، لكن فيه أن الرجل قال: يومًا من رمضان، بدل: عامة
رمضان كما ذكره المصنف وكما في ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٢٤/١.
والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٧/٣ - ١٦٨ وقال: رواه أبو يعلى
والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات اهـ
(٤) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٢٤/١.
٢٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
خاتمة :
من الفوائد الجليلة في بعض طرقه ((فأعتق رقبة))، ((فصم شهرين))،
و("فأطعم ستين مسكينًا))، على الأمر. وقال في آخره: ((فأنتم إذًا))(١).
ومن تراجمه عليه: باب: نفقة المعسر على نفسه(٢)، وأخرجاه أيضًا
من حديث عائشة(٣)، واعلم أن حديث المجامع قد أفرد بالتأليف (٤)
في مجلدين، وقد ذكرنا عيونًا منه هنا وفي ((شرح العمدة)) أيضًا
فليراجع(٥).
(١) سيأتي برقم (٦٠٨٧) كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، و (٦١٦٤) باب:
ما جاء في قول الرجل: ويلك.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٦٨) كتاب: النفقات.
(٣) سلف برقم (١٩٣٥) باب: إذا جامع في رمضان، ورواه مسلم (١١١٢) كتاب:
الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم.
(٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: لعز الدين قاضي الأشمونية، كذا قال شيخنا
المصنف، وقد رأيت أنا بالقاهرة بسوق الكتب قطعة من الكلام عليه فيها ثلاثمائة
وتسعة وثلاثون فائدة، ولم ينقطع الكلام، فلم أعلم لمن هي، والظاهر أنها
للمذكور.
(٥) أنظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٠٨/٥ - ٢٥٤.
٢٧٧
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
٣٢- باب الحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ
قال البخاري: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ
سَلَّامِ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةٌ يقول: إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ
وَعِكْرِمَةُ: الفطر مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابن عُمَرَ
يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ. وَاحْتَجَمَ
أَبُو مُوسَى لَيْلًا. وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ:
احْتَجَمُوا صِيَامًا. وَقَالَ بُكَيْرٌ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ: كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ
عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَىُ. وَيُرْوىْ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ
مَرْفُوعًا: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ). وَقَّالَ لِي عَيَّاشٌَ: ثَنَا
عَبْدُ الأَعْلَىْ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ: عَنِ
النَّبِّ وَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ.
١٩٣٨- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ أَحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهْوَ صَائِمٌ. [انظر:
١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ١٧٤]
١٩٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَذَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَحْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌َ وَهُوَ صَائِمٌ. [انظر: ١٨٣٥ - فتح: ٤ /
١٧٤]
١٩٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَائِيَّ يَسْأَلُ
قَالَ: سُئِلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رضي الله عنه: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الِحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا،
إِلَّ مِنْ أَجْلِ الضَّغْفِ. وَزَادَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّ. [فتح: ٤ /
١٧٤]
٢٧٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّ أَخْتَجَمَ وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ
وَهْوَ صَائِمٌ. وفي رواية أخرى: احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
حدَثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيّاسٍ، ثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ: سُئِلَ أَنَسُ
ابْنُ مَالِكٍ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ
الضَّعْفِ. وَزَادَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َلَيهِ.
الشرح :
أما قول أبي هريرة الأول ففي القيء أنه لا يفطر، فقد روي مرفوعًا
من حديث محمد بن سيرين عنه قال: قال رسول الله وَالر: ((من ذرعه
القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض)) رواه
أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب(١). وصححه
ابن حبان والدارقطني والحاكم(٢)، وقال البخاري: لا يعرف إلا من
هذا الطريق ولا أراه محفوظًا.
وروى معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني عمر بن
الحكم بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول: إذا قاء أحدكم فلا يفطر فإنما
يخرج ولا يدخل (٣)، وهذا عندهم أصح موقوفًا على أبي هريرة، كما
ذكره البخاري.
وقد قام الإجماع على أن من ذرعه القيء لا قضاء عليه، ونقل ابن
المنذر الإجماع أن الاستقاءة مفطرة(٤)، ونقل العبدري، عن أحمد أنه
قال: من تقيأ فاحشًا أفطر.
(١) تقدم تخريجه قريبًا باستيفاء، وهو عند أبي داود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠)،
والنسائي في ((الكبرى)) ٢١٥/٢ (٣١٣٠) وابن ماجه (١٦٧٦).
(٢) تقدم.
(٣) (التاريخ الكبير)) ٩١/١ - ٩٢.
(٤) ((الإجماع)) ص ٥٩.
٢٧٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
وقال ابن بطال: اختلف فيمن استقاء فأفطر، قال الليث والثوري
والأربعة بالقضاء، وعليه الجمهور، وروي ذَلِكَ عن عليٍّ وابن عمر
وأبي هريرة (١). وعن ابن مسعود وابن عباس أنه لا يفطر.
لكن في ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس أنه إذا تقيأ أفطر(٢).
ونقل ابن التين عن طاوس عدم القضاء(٣)، قال: وبه قال ابن بكير.
وقال ابن حبيب: لا قضاء عليه في التطوع دون الفرض (٤).
وقال الأوزاعي وأبو ثور: عليه أيضًا الكفارة مثل كفارة الآكل عامدًا
في رمضان، وهو قول عطاء(٥)، واحتجوا بحديث أبي الدرداء أنه الفيل
قاء فأفطر، رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم
وغيرهما(٦)، وأُعِلّ.
(١) رواها ابن أبي شيبة ٢ / ٢٩٨ (٩١٨٧ - ٩١٨٩) وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٨٠
بتصرف.
(٢) ابن أبي شيبة ٢٩٩/٢ (٩١٩٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢١٦/٤ (٧٥٥٢) كتاب: الصيام، باب: القيء
للصائم.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٤٥/٢.
(٥) ذكره ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١٠/ ١٨٤.
(٦) أبو داود (٢٣٨١) كتاب: الصوم، باب: الصائم يستقيء عامدًا، الترمذي (٨٧)
كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف، النسائي في
((الكبرى)) ٢١٣/٢ - ٢١٥ (٣١٢٠- ٣١٢٩) كتاب: الصيام، في الصائم يتقيأ،
((ابن حبان)) ٣/ ٣٧٧ (١٠٩٧) كتاب: الطهارة، باب: نواقض الوضوء، الحاكم
في ((المستدرك)) ٤٢٦/١ كتاب: الصوم، وقال الترمذي في ((العلل الكبير)) ١/
١٦٨ : سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: جود حسين المعلم هذا الحديث،
قال أبو عيسى: حديث معمر خطأ اهـ
وقال في ((سننه)) ١/ ١٤٦: روى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ
فيه، فقال: عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، ولم يذكر =
٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال أبو عمر: ليس بالقوي (١).
قالوا: وإذا كان القيء يفطر الصائم فعلى من تعمده ما على من تعمد
الأكل والشرب والجماع، وتأوله الفقهاء على أن معنى قاء: استقاء. قال
الطحاوي: ويجوز أن يكون قوله: قاء فأفطر، أي: قاء فضعف فأفطر.
وقد روى فضالة بن عبيد أنه الظّهر دعا بإناء فشرب، فقيل له: يا رسول
الله، هُذا يوم كنت تصومه؟ قال: ((أجل إني قئت فأفطرت)). وهذا
معناه: ولكني قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت، وليس في هذين
الحديثين أن القيء كان مفطرًا له إنما فيهما أنه قاء فأفطر بعد ذَلِكَ (٢).
= فيه الأوزاعي، وقال: عن خالد بن معدان، وإنما هو معدان بن أبي طلحة. اهـ
ورواه البيهقي في ((سننه)) ١٤٤/١ كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء من خروج
الدم من غير مخرج الحدث، وقال: إسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه
اختلافًا شديدًا، ورواه في ٤/ ٢٢٠ كتاب: الصيام، باب: من ذرعه القيء لم
يفطر ومن استسقاء أفطر، وقال: حديث مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول
على ما لو تقيأ عامدًا. اهـ
وخالف البيهقيَّ جماعات فصححوه، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه؛ لخلاف بين أصحاب عبد الصمد فيه، قال بعضهم عن
يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان، وهذا وهم قائله، فقد رواه حرب بن شداد
وهشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير على الاستقامة اهـ
وقال الحافظ: قال ابن منده: إسناده صحيح متصل، وتركه الشيخان لاختلاف في
إسناده اهـ ((التلخيص الحبير)) ٢/ ١٩٠، ونقل أيضًا تصحيح ابن منده له المصنف
في ((خلاصة البدر المنير)) ١/ ٣٢٠. وللألباني بعد تصحيحه له في ((صحيح أبي
داود» (٢٠٦٠) بحث نفيس فانظره فإنه شفى وكفى، يرحمه الله.
(١) ((الاستذكار)) ١٢٧/١٠.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢ / ٩٦ - ٩٧، وقد روى حديث فضالة بسنده.
ورواه أيضًا ابن ماجه (١٦٧٥) كتاب الصيام، باب ما جاء في الصائم یقيء،
وأحمد ٦/ ١٨، ٢٠، ٢١، والطحاوي أيضًا في ((شرح مشكل الآثار)) ٦٤٢/٢ =