النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
الماء في حلقه، فقالت طائفة: صومه تام ولا شيء عليه، هذا قول
عطاء (١) وقتادة في الاستنثار، وبه قَالَ أحمد وإسحاق. وقال الحسن:
لا شيء عليه إن مضمض فدخل الماء في حلقه (٢).
وهو قول الأوزاعي. وكان الشافعي يقول: لو أعاد احتياطًا،
ولا يلزمه أن يعيد، ومحله إذا لم يبالغ فإن بالغ أفطر، وقال أبو ثور:
لا شيء عليه في المضمضة والاستنشاق، وإلى هذا ذهب البخاري (٣).
وقالت طائفة: يقضي يومًا مكانه، هذا قول مالك والثوري، وقال
أبو حنيفة وأصحابه في المضمضة: إن كان ذاكرًا لصومه قضى، وإن
کان ناسيًا فلا شيء عليه.
وفرق آخرون بين المضمضة للصلاة المكتوبة والنافلة، فأوجبوا
القضاء في النافلة وأسقطوه في المكتوبة، روي هذا عن ابن عباس
والنخعي وابن أبي ليلى(٤).
وحجة من أوجب القضاء أن الموصل إنما هو المبالغة فيهما فقط
لا هما والاحتراز منهما ممكن عادة وإن لم يبالغ فالمضمضة سبب
ذَلِكَ أيضًا، وهذا بمنزلة القبلة إذا حصل معها الإنزال سواء كانت
القبلة مباحة أو غير مباحة؛ لأنه لما كانت القبلة مع الإنزال تفطر،
كذلك المضمضة مع الأزدراد.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣٢٢/٢ (٩٤٨٦).
(٢) السابق (٩٤٨٤).
(٣) بقوله في الباب: ولم يميز بين الصائم وغيره، فقال الحافظ في ((التغليق)) ١٦٧/٣
و ((الفتح)) ١٦٠/٤: وقول المصنف: ولم يميز بين الصائم من غيره، قاله تفقهًا.
(٤) ((المصنف)) (٩٤٨٣، ٩٤٨٧) وفيه: عن حماد عن إبراهيم النخعي في الصائم
يتوضأ فيدخل الماء حلقه من وضوئه، قال: إن كان ذاكرًا لصومه فعليه القضاء وإن
كان ناسيًا فلا شيء عليه. وانظر: ((المجموع)) ٣٥٧/٦، ((المغني)) ٣٥٦/٤ -٣٥٧.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأظن أبا حنيفة إنما فرق بين الذاكر لصومه والناسي عَلَى أصله في
كل من أكل ناسيًا في رمضان أنه لا شيء عليه، وقد سلف في باب
الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا(١).
ولا معنى لقول من فرق بين الوضوء للمكتوبة والنافلة بغير دليل
ولا حجة.
ثانيها :
اختلف في السعوط للصائم (٢)، فذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه
والأوزاعي وإسحاق إلى أنه إذا استعط فعليه القضاء. يعنون أنه إذا أحتاج
إلى التداوي.
وقال مالك: إذا وصل طعم ذَلِكَ إلى فيه لضرورة إلى التداوي عليه
القضاء، وقال الشافعي: إذا وصل ذَلِكَ إلى دماغه عليه القضاء، غير أن
أصله أنه لا كفارة عَلَى من أكل عمدًا، قَالَ إسحاق: إن دخل حلقه عليه
القضاء والكفارة، وبه قَالَ أبو مصعب(٣).
قَالَ ابن المنذر: وقال قائل: لا قضاء عليه، وقد روينا عن النخعي
روايتين: كراهية السعوط والرخصة فيه (٤).
(١) راجع حديث أبي هريرة (١٩٣٣).
(٢) السَّعُوط بالفتح: الدواء يصب في الأنف، وقد أسعطه فاستعط : هو بنفسه.
والمسعُط: الإناء الذي يجعل فيه السعوط. انظر: ((الصحاح)) ١١٣١/٣، والنهاية
في ((غريب الحديث والأثر)) ٣٦٨/٢، و((لسان العرب)) ٢٠١٦/٤. مادة: (سعط).
(٣) انظر: ((المبسوط)) ٦٨/٣، ((النوادر والزيادات)) ٤٤/٢، ((المجموع)) ٣٣٥/٦،
«المغني» ٤/ ٣٥٣.
(٤) روى ابن أبي شيبة ٣٠٤/٢ (٩٢٦٢) عن القعقاع قال: سألت إبراهيم، عن
السعوط بالصبر للصائم، فلم ير به بأسًا. وروى أيضًا ٣٠٤/٢ (٩٢٦٣) عن
الأعمش عن إبراهيم قال: لا بأس بالسعوط للصائم، وكره الصب في الآذان.

٢٤٣
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
وحجة الموجب ما سلف في المضمضة. وحجة المانع: أن القضاء
إلزام فرض، ولا يجب ذَلِكَ إلا بسنة أو إجماع وذلك غير موجود،
والشارع أطلق الاستنشاق ولم يفرق بين صائم وغيره.
قَالَ الداودي: لكن نهي الصائم عن الأكل والشرب فيتحفظ مما
يؤدي إليهما.
ثالثها :
ما حكاه البخاري عن عطاء أنه مضمض ثم أفرغ ما في فيه لم يضره
أن يزدرد ريقه وما بقي في فيه، فلا يوهم هذا أن عطاء يبيح أن يزدرد
ما بقي في فيه من الماء الذي تمضمض به، وإنما أراد أنه إذا مضمض
ثم أفرغ ما في فيه من الماء أنه لا يضره أن يزدرد ريقه خاصة؛ لأنه
لا ماء فيه بعد تفريغه له. قَالَ عطاء: (وماذا)(١) بقي في فيه، هكذا
رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء (٢)، وأظنه سقط (ذا) للناسخ
كما نبه علیه ابن بطال.
قَالَ ابن المنذر: وأجمعوا أنه لا شيء عَلَى الصائم فيما يزدرده
مما يجري مع الريق فيما بين أسنانه من فضل سحوره أو غيره مما لم
يقدر عَلَى إخراجه وطرحه(٣)، وكان أبو حنيفة يقول: إذا كان بين
أسنانه لحم فأكله متعمدًا فلا قضاء عليه ولا كفارة، وسائر أهل العلم
إما القضاء وإما الكفارة معه، وهو بمنزلة الأكل في الصوم، فعليه
القضاء(٤).
(١) سياق كلام المصنف يقتضي أن تكون (ما) وما أثبتناه ما في الأصول.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٠٥/٤ (٧٥٠٣).
(٣) نص على ذلك في ((الإجماع)) (١٥١).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٦٧.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها :
اختلفوا في مضغ العلك للصائم، فرخصت فيه طائفة، روي ذَلِكَ
عن عائشة وعطاء، وقال مجاهد: كانت عائشة ترخص في القار
وحده (١)، وكرهت ذَلِكَ طائفة، رُوِي ذَلِكَ عن النخعي والشعبي
وعطاء(٢)، والكوفيين والشافعي وأشهب وأحمد وإسحاق إلا أنه
لا يفطر ذلك عند الكوفيين والشافعي وإسحاق. ولم يذكر عنهم ابن
المنذر الفرق بين مجه وازدراده، وعند أصحاب مالك: إن مجه
فلا شيء عليه(٣).
(١) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٧ (٩١٨١ - ٩١٨٢).
(٢) رواه عنهم عبد الرزاق ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤ (٧٤٩٨، ٧٥٠٠)، وابن أبي شيبة ٢٩٨/٢
(٩١٨٣ - ٩١٨٥).
ورواه عبد الرزاق (٤٧٩٩) عن قتادة أيضًا.
تتمة: فات المصنف -رحمه الله - ذكر من وصل قطعة الحديث المبوب بها، ألا
وهي قول البخاري: باب: قول النبي ◌َّليقول: إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء.
فأقول: هو طرف من حديث رواه مسلم (٢١/٢٣٧) كتاب: الطهارة، باب:
الإيتار في الاستئثار والاستجمار. من حديث أبي هريرة.
ووصله الحافظ أيضًا بإسناده في ((التغليق)) ١٦٧/٣.
(٣) انظر: ((المجموع)) ٣٩٥/٦-٣٩٦، ((المغني)) ٣٥٨/٤-٣٥٩.

٢٤٥
- كِتَابُ الضَّوْمِ
٢٩- باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ
غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ)). وَبِهِ
قَالَ ابن مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ
جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ: يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ
١٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى - هُوَ ابن
سَعِيدٍ - أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ أَخْبَرَهُ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ
خُوَيِلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ:
إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: إِنَّهُ أَخْتَرَقَ. قَالَ: ((مَالَكَ؟)). قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي
رَمَضَانَ. فَأَنِّ النَّبِيُّ وَّهِ بِمِكْتَلٍ، يُدْعَى العَرَقَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟)). قَالَ: أَنَّا.
قَالَ: ((تَصَدَّقْ بهذا)). [٦٨٢٢ - مسلم: ١١١٢ - فتح: ٤ / ١٦١]
ثم ذكر بإسناده عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ
فَقَالَ: إِنَّهُ أَحْتَرَقَ. قَالَ: ((مَالَكَ؟)). قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ.
فَأَتِيَ النَّبِيُّ بِّهِ بِمِكْتَلٍ، يُدْعَى العَرَقَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟)). قَالَ:
أَنَا. قَالَ: ((تَصَدَّقْ بهذا».
الشرح:
تعليق أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث يزيد بن
المطوس عن أبيه عنه (١). قال البخاري في ((تاريخه)): تفرد به ابن
(١) أبو داود (٢٣٩٦) كتاب: الصوم، باب: التغليظ فيمن أفطر عمدًا، الترمذي
(٧٢٣) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار عمدًا، النسائي في ((الكبرى))
٢٤٥/٢ (٣٢٨٠ - ٣٢٨٢) كتاب: الصيام، في الصائم يجهد، ابن ماجه (١٦٧٢)
كتاب: الصيام، باب: ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان.

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
المطوس عن أبيه ولا يعرف له غيره، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة
أم لا(١)؟
وقال الترمذي بعد أن رواه بلفظ: ((من غير رخصة، ولا مرض، لم
يقضه عنه صيام الدهر كله وإن صامه)): هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا
الوجه، وسمعت محمدًا يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس،
= وقد ضعف هذا الحديث جمع من الأئمة فرواه ابن خزيمة في (صحيحه» ٢٣٨/٣
(١٩٨٧) كتاب: الصيام، باب: التغليظ في إفطار يوم من رمضان متعمدًا من غير
رخصة، وضعفه قائلًا: إن صح الخبر فإني لا أعرف ابن المطوس ولا أباه، وقد
رواه ابن حزم في ((المحلى)) ١٨٢/٦ - ١٨٣ بسنده إلى النسائي وقال: أبو
المطوس غير مشهور بالعدالة، ويعيذنا الله من أن نحتج بضعيف إذا وافقنا ونرده إذا
خالفنا، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٧/ ١٧٣ : هو حديث ضعيف لا يحتج
بمثله قال الحافظ صححه ابن خزيمة! قلت: فيه نظر فإنه لم يصححه كما ذكرنا آنفًا
عنه، ثم ضعفه هو قائلًا: فيه ثلاث علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي
المطوس، والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة
البخاري في اشتراط اللقاء. اهـ ((فتح الباري)) ١٦١/٤.
وضعفه الألباني، وأعله في ((ضعيف أبي داود)) (٤١٣) بما أعله به الحافظ.
تنبيه: هذا التعليق قد وصله الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٧٠/٣ بسنده إلى أبي
داود الطيالسي، لكنه ضعفه في ((هدي الساري)) ص ٣٩ فقال: وقع لنا بعلو في
(مسند الطيالسي)) وفيه اضطراب، ورواه الدارقطني من وجه آخر ضعيف.
تنبيه آخر: من المعروف أن معلقات البخاري على ضربين: الأول: ما كان منها
بصيغة الجزم كقوله: قال رسول الله و ® كذا وكذا، أو قال أبو هريرة كذا أو ذكر
أو حكى، وهذا محكوم فيه بالصحة إلى من علق عنه، ويبقى النظر في باقي
السند، فمنه ما هو صحيح، ومنه ما هو حسن، والثاني: ما كان منها بصيغة
التمريض كقوله: روي أو حكي أو يذكر، وهكذا، وهذا منه ما هو صحيح وما هو
حسن، وما هو ضعيف لكن ليس فيه الضعيف جدًّا.
(١) لم أقف على هذا الكلام في تاريخ البخاري الكبير أو الصغير، وقد نقله عنه
الترمذي في ((العلل الكبير)) ص ١١٦ (١٩٩) ط- عالم الكتب.

٢٤٧
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
ولا أعرف له غير هذا الحديث(١). وقال مهنأ سألت أحمد عنه فقال:
يقولون: عن ابن المطوس، عن أبي المطوس وبعضهم يقول: عن
حبيب، عن عُمارة بن عمير، عن أبي المطوس قال: ولا أعرف ابن
المطوس ولا أبا المطوس، قلت: أتعرف الحديث من غير هذا
الوجه؟ قال: لا.
قلت: قد رواه الدارقطني من حديث قيس، عن عمرو بن مرة، عن
عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مالك، عن أبي هريرة مرفوعًا
مثله(٢). وقال أبو داود: اختلف على سفيان وشعبة ابن المطوس وأبو
المطوس(٣)، والنسائي أخرجه من حديث علي بن حسين، عن أبي
هريرة مرفوعًا بلفظ: ((لا يقبل منه صوم سنة)) (٤)، ومن حديث شريك،
عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال:
((لم يقضه يوم من أيام الدنيا))(٥). ورواه كامل -أبو العلاء(٦) - من
حديث سعيد بن جبير، عن (المطوس)(٧) عن أبي هريرة(٨).
(١) ((سنن الترمذي)) ٣/ ٩٢ بعد حديث (٧٢٣).
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ٢١١ - ٢١٢.
(٣) ((سنن أبي داود)) ٧٨٩/٢ بعد حديث (٢٣٩٨).
(٤) النسائي في ((الكبرى)) ٢/ ٢٤٦ (٣٢٨٤).
(٥) ((السنن الكبرى)) ٢/ ٢٤٦ (٣٢٨٥)، بغير هذا السند، فقال: أخبرني زكرياء بن
يحيى ... فذكره.
(٦) هو كامل بن العلاء التميمي السعدي، أبو العلاء، ويقال: أبو عبد الله الكوفي،
وثقه يحيى بن معين، وقال النسائي : ليس بالقوي، وفي موضع آخر : ليس به بأس.
انظر ((تهذيب الكمال)) ٢٤/ ٩٩ (٤٩٣٤).
(٧) كذا في الأصل وأعلاها كلمة كذا وفي الهامش تعليق نصه: لعله: أبي. وفي ((علل
الدارقطني)) ٨/ ٢٧٣: أبي المطوس، وهو الصواب.
(٨) رواه الدارقطني في ((علله)) ٢٧٣/٨ (١١).

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن حزم: روي بأصح من طريق علي بن حسين، عن أبي
هريرة في رجل أفطر في رمضان؛ فقال: لا يقبل منه صوم سنة. وفي
لفظ: ((لم يقضه يوم من أيام الدنيا)) وقال أبو محمد بن أبي حاتم:
قلت لأبي: أيهما أصح الثوري عن أبي المطوس، أو شعبة عن ابن
المطوس؟ قال: جميعًا صحيحان أحدهما قصر والآخر جوده. وقال
أبو حاتم أيضًا : جاء رجل إلى أبي هريرة أخبره أنه أفطر يومًا من
رمضان فقال: لا يقبل منه صوم سنة. ثم ساقه من طريق النسائي
الأول عنه(١) .
وقال يحيى بن معين وأبو حاتم البستي: أبو المطوس المكي يروي
عن أبي هريرة ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بأفراده، زاد يحيى:
واسمه عبد الله. وفي موضع آخر: هو ثقة وابنه(٢)، ذكره ابن حبان في
(ثقاته))(٣)، وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون -لو صح- على
التغليظ، وهو حديث ضعيف لا يحتج به (٤).
وقال أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي: هذا حديث
ضعيف لا يحتج بمثله(٥)، ثم ادعى أنه صحت الكفارة بأسانيد
صحاح(٦)، فلا يعارض مثل هذا الحديث. ووقع في أصله: ابن
المضرس في مواضع، وهو تحريف وصوابه: ابن المطوس،
وأوله ابن التين على أن المراد: لا يدرك ذَلِكَ الفضل ولم يتعرض
لضعفه.
(١) «المحلى)) ١٨٤/٦.
(٢) أنظر ((تهذيب الكمال)) ٣٤/ ٣٠٠.
(٣) «ثقات ابن حبان)) ٤٦٥/٥.
(٥) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٧٠.
(٤) ((التمهيد)» ٧/ ١٧٣.
(٦) ((التمهيد)» ١٧٣/٧.

٢٤٩
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
وأما أثر ابن مسعود فأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن
واصل، عن مغيرة اليشكري، عن فلان بن الحارث عنه (١)، قال: وحَدَّثَنَا
أبو معاوية، عن عمر بن يعلى، عن عرفجة، عن علي نحوه(٢).
وأما الآثار التي بعده فقال ابن بطال: نظرت أقوال التابعين الذين
ذكرهم البخاري في المصنفات فلم أر قولهم بسقوط الكفارة إلا في
الفطر والأكل لا في الجماع، فيحتمل أن يكون عندهم الآكل
والمجامع سواء في إسقاط الكفارة إذ كل ما أفسد الصيام من أكل
أو شرب أوجماع فاسم فطر يقع عليه، وفاعله مفطر. وقد قال التقني
في ثواب الصائم عن الله تعالى: ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من
أجلي))(٣) فدخل في ذَلِكَ أعظم الشهوات، وهي شهوة الجماع، وذكر
عبد الرزاق عن سعيد بن المَسِّيب أن من أكل في شهر رمضان عامدًا
عليه صيام شهر (٤)، وذكر عن ابن سيرين: عليه صيام يوم(٥).
وقال ابن التين: قال سائر الفقهاء أنه يقضي. وقال الأوزاعي: يكفر
ولا يقضي(٦).
قال: وذكر الإسفراييني أنه أحد قولي الشافعي. وعن الأوزاعي
تفصيل آخر يأتي أواخر الباب. وقال الشعبي: يقضي كما تقدم عنه
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ٣٤٨ (٩٧٨٤) كتاب: الصيام، باب: من قال:
لا یقضیه إن صام الدهر.
(٢) ((المصنف)) ٣٤٨/٢ (٩٧٨٥).
(٣) سلف برقم (١٨٩٤) باب: فضل الصوم.
(٤) (مصنف عبد الرزاق)) ٤ / ١٩٧ (٧٤٦٩) كتاب: الصيام باب: من يبطل الصيام
ومن يأكل في رمضان متعمدًا.
(٥) ((المصنف)) ١٩٧/٤ (٧٤٧٠)، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤ /٦٨ - ٦٩.
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤/ ١٩٦، ١٩٨.

٢٥٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ولا كفارة عليه(١). وحكي ذَلِكَ عن سعيد بن جبير والنخعي أيضًا أنه
لا كفارة في الجماع(٢)، قال: وذكره أبو عبد الملك، عن الشافعي.
قلت: غريب عنه، وذكر أيضًا عن ابن المسيب وحماد، ويرد عليهم
أحاديث الباب وما بعده حيث أمر بها، والأمر للوجوب. فإن قالوا:
لا عموم في اللفظ قلت: حكمي(٣) على الواحد، حكمي على
الجماعة، وتعليق الحكم بسبب يقتضي أن يكون متعلقًا به حيث كان،
وكأنهم رأوا أن هذِه الأخبار مخصوصة بمن وردت فيه، ولا يسلم
لهم ذَلِكَ.
قلت: روى ابن أبي شيبة عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، وعن
أبي- خالد، عن الشعبي قالا: يقضي يومًا مكانه(٤). وحَدَّثَنَا وكيع، عن
الشعبي مثله(٥)، وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال:
عليه صوم ثلاثة آلاف يوم، وحَدَّثَنَا عبدة، عن سعيد، عن يعلى بن
حكيم، عن سعيد بن جبير في رجل أفطر يومًا من رمضان متعمدًا
قال: يستغفر الله تعالى من ذَلِكَ ويتوب (إليه)(٦) يقضي يومًا مكانه.
وحَدَّثَنَا وكيع، عن جرير، عن يعلى، عن سعيد مثله، وحَدَّثَنَا عبدة،
(١) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٩٧ (٧٤٧١).
(٢) («المغني)) ٤/ ٣٧٢.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: سئل أبو الحجاج المزني وأبو عبد الله الذهبي عن
حديث: حكمي إلى آخره فأنكراه. والترمذي والنسائي من حديث أميمة بنت
رقيقة: ((ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة أمرأة)). لفظ النسائي وقال
الترمذي: ((إنما قولي لمائة أمرأة كقولي لامرأة واحدة».
(٤) ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٢ / ٣٤٧ (٩٧٧٦).
(٥) ((المصنف)) ٢/ ٣٤٧ (٩٧٧٧)، عن إسماعيل، عن الشعبي.
(٦) ساقطة من الأصل.

٢٥١
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
عن عاصم قال: أرسل أبو قلابة إلى ابن المسيب يسأله عن رجل أفطر
يومًا من رمضان متعمدًا، فقال سعيد: يصوم مكان كل يوم أفطر شهرًا.
وحَدَّثَنَا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في رجل
يفطر يومًا من رمضان متعمدًا، قال: يصوم شهرًا (١)، زاد عبد الرزاق:
قال قتادة: فقلت: فيومين؟ قال: صيام شهر، قال: فعددت أيامًا،
فقال: صيام شهر(٢).
قال ابن عبد البر: أظنه ذهب إلى التتابع في الشهر لا يخلطه بفطر.
فكأنه يقول: من أفسده بفطر يوم أو أكثر قضاه كله نسقًا(٣)؛ لأن الله
تعالى فرض شهر رمضان، وهو متتابع، فإذا تخلله فطر لزمه في
القضاء التتابع، کمن نذر صوم شهر متتابعًا.
وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون أراد شهرًا شهرًا عن كل يوم،
ويحتمل ما رواه معمر من أن عليه لكل يوم أفطر شهرًا واحدًا، وهذا
أظهر وأولى لتتفق الروايات عنه(٤).
وأما حديث أبي هريرة رفعه: ((عليه يوم مكانه))، فقال أبو زرعة:
ليس بصحيح ولم يقل هذا الحرف أحد من الثقات(٥). وأما حديث
البزار الذي في طريقه مندل، عن عبد الوارث، عن أنس مرفوعًا:
((من أفطر يومًا من رمضان فعليه صوم شهر))(٦).
(١) ((المصنف)) ٣٤٧/٢ - ٣٤٨ (٩٧٧٨ - ٩٧٨٢).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤ / ١٩٧ (٧٤٦٩).
(٣) ((التمهيد)» ١٧١/٧.
(٤) ((المحلى)) ٦/ ١٩١.
(٥) أنظر ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٢٥/١.
(٦) قلت: ورواه الدارقطني في ((سننه)) ٢١١/٢ من طريق مندل، عن أبي هاشم، عن
عبد الوارث عن أنس، به، وقال: هذا إسناد غير ثابت، مندل ضعيف، ومن
دون أنس.
=

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال عبد الحق: ورواه أيضًا ابن عقبة(١) ولا يصح ولا يثبت، قاله
الدارقطني، ولفظه: ((من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا عذر
كان عليه أن يصوم ثلاثين يومًا، ومن أفطر يومين كان عليه (ستون)(٢) يومًا
ومن أفطر ثلاثة- أيام كان عليه (تسعون)(٣) يومًا)) (٤).
وعند الدارقطني أيضًا من حديث أبي هريرة: أن رجلاً أكل في
رمضان فأمره القيمة بصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا، علته
= قلت:
أبو عبد الوارث، ضعيف أيضًا، والديلمي في ((الفردوس)) ٥٦٩/٣ (٥٧٨٤)،
وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٦٣/٢ (١١٣٤) بسنده من طريق الدارقطني،
وقال: قال أحمد، ويحيى، والنسائي، والدارقطني: مندل ضعيف، وقال ابن
حبان: يستحق الترك اهـ، والحديث أورده الذهبي في ((الميزان)) ٣٩٢/٣ (٥٣١٠)
والحافظ في ((لسان الميزان» ٤/ ٥٠١ (٥٤٠٢) في ترجمة عبد الوارث الأنصاري
مستشهدين به على ضعف عبد الوارث، وعلى ضعف الحديث، وقد أورداه من
حديث المعمري بسنده عن عبد الوارث عن أنس، وقال الذهبي: قال الدار قطني:
لا يصح هذا، وقال الترمذي، عن البخاري: عبد الوارث منكر الحديث، وقال
ابن معين : مجهول اهـ
وقال الشيخ المعلمي اليماني -رحمه الله- في تعليقه على ((الفوائد المجموعة)) ص
٩٥: الروايات كلها مدارها على عبد الوارث الأنصاري، عن أنس، وعبد الوارث
مولى لأنس- منكر الحديث قاله البخاري، وضعفه الدارقطني، ومندل رواه عن
أبي هاشم، عن عبد الوارث، وابن عساكر رواه من طريق قيس - وهو ابن الربيع
أدخل عليه ابنه أحاديث ليست من روايته فرواها - عن أبي هاشم، عن عبد الوارث.
وأبو هاشم هذا: لا أدري من هو؟
(١) ((الأحكام الوسطى)) لعبد الحق الإشبيلى ٢٣٩/٢.
(٢) في الأصل: ستين، والمثبت من ((سنن الدارقطني)).
(٣) في الأصل: تسعين، والمثبت من ((سنن الدارقطني)).
(٤) ((سنن الدارقطني)) ١٩١/٢، ورواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٦٢/٢
(١١٣٣) وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله وَ لآل اهـ

٢٥٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
أبو معشر نجيح(١) (٢)، وفي لفظ: أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة
الظهار، قال: والمحفوظ عن مجاهد مرسلًا، وعن ليث، عن مجاهد،
عن أبي هريرة، وليث ليس بالقوي(٣)، وعن مقاتل بن سليمان المفَسر
-وهو آفته- وعن عطاء، عن جابر مرفوعًا: ((من أفطر يومًا من رمضان
فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا من تمر للمساكين)) (٤).
إذا تقرر ذَلِكَ فقد اختلف العلماء، كما قال أبو عمر فيمن أكل
أو شرب في رمضان متعمدًا (٥)، فقال مالك وأصحابه والثوري
وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: عليه من الكفارة
ما على المجامع، كل واحد منهم على صلة في الترتيب أو التخيير،
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال أحمد: صدوق، لا يقيم الإسناد. وقال ابن
معين : ليس بالقوي. وقال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعف، مات سنة ١٧٠.
(٢) (سنن الدار قطني)) ٢/ ١٩١، وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢٠٧/٢ - ٢٠٨: إسناده
ضعیف لضعف أبي معشر راویه عن محمد بن کعب اهـ
(٣) ((سنن الدار قطني)) ١٩٠/٢ - ١٩١، ورواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٨٦/٢ - ٨٧
(١٠٨٢) وقال: يرويه يحيى الحماني، قال أحمد: كان يكذب جهارًا.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ١٩١/٢ - ١٩٢، وقد رواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٢/
٥٦١ (١١٣٢) وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله وَلير ومقاتل قد كذبه
وكيع والنسائي والساجي، وقال البخاري: لا شيء البتة، وقال النسائي: هو من
المعروفين بوضع الحديث على رسول الله ◌َفي، فالظاهر أن هذا الحديث من
عمله، على أن الحارث ضعيف، قال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بما ليس من
حديثهم اهـ، وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ١٥٩/٢ - ١٦٠ (٢٤٤٨) بعد أن
أورد الحديث في ترجمة: خالد بن عمرو السلفي: هذا حديث باطل يكفي في رده
تلاف خالد- الذي هو في سند الحديث- ومقاتل ليس بثقة اهـ بتصرف يسير.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٦٢٣) و((ضعيف الجامع)) (٥٤٦١): موضوع.
(٥) انظر هذِه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩/٢، و((الذخيرة)) ٢/ ٥١٨،
((البحر الرائق)) ٤٧٣/٢، و((المجموع)) ٦/ ٣٥٨.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وإلى هذا ذهب محمد بن جرير، وروي مثله عن عطاء في رواية، وعن
الزهري والحسن .
وقال الشافعي وأحمد: عليه القضاء ولا كفارة (عليه)(١) ويعاقب،
وهو قول ابن سيرين وابن جبير وجابر بن زيد والشعبي وقتادة وإبراهيم،
وقال الشافعي: عليه مع القضاء العقوبة؛ لانتهاكه حرمة الشهر .
وسائر من ذكرنا قوله من التابعين، قال: يقضي يومًا مكانه ويستغفر
الله ويتوب إليه، وقال بعضهم: ويصنع معروفًا، ولم يذكر عنهم
عقوبة(٢).
وقد قال ابن شعبان من المالكية: فيه أن من جاء مستفتيًا فلا عقوبة
علیه؛ لأن الشارع لم يعاقبه، قال: فإن ظهر عليه عوقب، وقد روي عن
عطاء أن من أفطر يومًا من رمضان من غير علة كان عليه تحرير رقبة، فإن
لم يجد فبقرة أو بدنة، أو عشرين صاعًا من طعام للمساكين .
وروي عن الحسن أنه سوى بين الآكل والمجامع في الرقبة
والبدنة(٣)، وعن ابن عباس: عليه عتق رقبة، أو صوم شهرٍ، أو إطعام
ثلاثين مسكينًا (٤). وعن ابن المسيب(٥)، وهو قول ربيعة أن عليه صوم
اثني عشر يومًا (٦) وكان ربيعة يحتج لقوله هذا بأن شهر رمضان فضل
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ((التمهيد)» ١٦٩/٧.
(٣) رواه الدارمي في ((سننه)) ٧١٩/١ (١١١٤) في الطهارة، باب من قال عليه الكفارة.
(٤) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٣٥٠/٥ (٩١١٨) كتاب: عشرة النساء، وابن عبد البر
في ((التمهيد)) ٧/ ١٧٠.
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ١٩٧ (٧٤٦٩) كتاب: الصيام؛ باب: من
يبطل الصيام ومن يأكل في رمضان متعمدًا.
(٦) عبد الرزاق ٤/ ١٩٨ (٧٤٧٣).

٢٥٥
كِتَابُ الضَّوْمِ
=
على أثني عشر شهرًا فمن أفطر فيه يومًا. كان عليه اثنا عشر يومًا، وكان
الشافعي يعجب من هذا وينتقص فيه ربيعة، ولربيعة شذوذ. هذا آخر كلام
أبي عمر(١). وربيعة لم يشذ في هذا؛ لأنك حكيت له سلفًا وهو ابن
المسيب قال: وأقاويل التابعين بالحجاز والعراق لا وجه لها عند أهل
الفقه، لمخالفتها السنة، وإنما في المسألة قولان:
أحدهما: قول مالك ومن تابعه(٢) .
والثاني: قول الشافعي ومن تابعه(٣).
وقد اختلف الفقهاء عما يجزئ من الإطعام عمن يجب أن يكفر فيه
عن فساد يوم من رمضان، فقال مالك والشافعي وأصحابهما والأوزاعي:
يطعم ستين مسكينًا، مدًا لكل مسكين بمده القفيه(٤).
قال أشهب: أو غداء، أو عشاء(٥).
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئه أقل من مدين بمده
القَيّة، وذلك نصف صاع لكل مسكين قياسًا على فدية الأذى، فإن
كان من التمر والشعير فصاع(٦)، قال: وقول مالك أولى؛ لأنه نص
لا قياس؛ لأن العرق ذكر أنه كان فيه خمسة عشر صاعًا، وذلك
ستون مدًّا، وذلك في حديث مالك، عن عطاء، عن ابن المسيب(٧)،
(١) ((التمهيد)) ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ بتصرف، وانظر ذلك أيضًا في (البيان)) ٣/ ٥١٣، ٥١٤.
(٢) ((عيون المجالس)) ٢/ ٦٣٠، ٦٣١.
(٣)
«البيان» ٢ / ٥١٣.
أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢/ ٥٢، و((التهذيب)) ١٧٠/٣، و((البيان)) ٥١٣/٣.
(٤)
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٥٢/٢، ((عيون المجالس) ٢/ ٦٣١.
(٦) («المغني)) ٤ / ٣٨٠.
(٧) ((الموطأ)) ص١٩٨ كتاب: الصيام، باب: كفارة من أفطر في رمضان.

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وهو مذكور أيضًا في حديث مجاهد وعطاء، عن أبي هريرة في حديثه:
عشرون صاعًا (١)، وقد روي ذَلِكَ من وجوه مرسلة ومسندة(٢) ومعلوم أن
ذَلِكَ غير ما ذهب إليه أبو حنيفة.
وليحمل على أن ذَلِكَ العرق يسع ذَلِكَ لا ينافيه، وفي ((الموطأ)»:
يحتمل ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين(٣)، وعن أبي مصعب:
لا إطعام عليه.
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢١٨/٢ (١٧٨٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣/
١٦٨: لأبي هريرة حديث في الصحيح في المجامع بغير سياقه، وهذا رواه
الطبراني في ((الأوسط)) وفيه: ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس.
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ٢٣٨ عن عطاء عن أبي هريرة.
(٢) روي مسندًا من حديث عائشة وأبي هريرة.
حديث عائشة رواه أبو داود (٢٣٩٥) كتاب: الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في
رمضان، والبخاري في (التاريخ الكبير)) ٥٥/١، وفي ((التاريخ الصغير)) ٢٨٩/١،
وابن خزيمة في ((صحيحه)) ٢١٩/٣ (١٩٤٧) كتاب: الصوم، والبيهقي في ((سننه))
٤/ ٢٢٣ كتاب: الصيام، باب: كفارة من أتى أهله في نهار رمضان وهو صائم.
قال ابن خزيمة ٢١٩/٣ عن لفظة عشرون صاعًا: لا أحسب هُذِه اللفظة ثابتة. وعن
سنده قال الألباني: حسن (١٩٤٧).
وضعف حديث أبي داود فقال: شاذ أو منكر، في سنده ابن الحارث على ضعف
فيه- خالفه ثقتان فلم يذكر فيه قدر العرق .. أخرجه الشيخان، وهو في الكتاب
الآخر برقم (٢٠٧٤) وفيه (٤٠٧٣) نحوه من حديث أبي هريرة بلفظ: فيه تمر قدر
خمسة عشر صاعًا، وهو أصح كما قال البيهقي. اهـ ((ضعيف أبي داود)) (٤١٢).
وحديث أبي هريرة رواه ابن خزيمة ٣/ ٢٢١ (١٩٥٠) وقال الألباني: إسناده
ضعيف، مؤمل هو ابن إسماعيل البصرى، وهو سيء الحفظ. اهـ
وروي مرسلا من حديث سعيد ابن المسيب، رواه أبو داود في ((المراسيل))
(١٠٣)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ١٩٥ (٧٤٥٨) كتاب: الصيام، باب:
من يبطل الصيام ومن يأكل في رمضان. والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٤٠٦/٣.
(٣) ((الموطأ)» ص١٩٨.

٢٥٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
وقال الحسن: عشرون صاعًا تطعم الأربعين وسيأتي(١).
وأما حديث أبي هريرة فِأخرجه مسلم والأربعة(٢).
واختلف أهل العلم فيما يجب على الواطئ عامدًا نهارًا في رمضان،
فذكر البخاري ما أسلفناه مع المناقشة معه، وأوجب جمهور الفقهاء على
المجامع عامدًا الكفارة والقضاء، هذا قول مالك وعطاء والثوري وأبي
حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق(٣)، واحتجوا بإعطائه التفيالا
المحترق المكتل المتصدق به، فثبت به الكفارة عليه، ولا وجه لمن
أسقطها، فإنه مخالف للسنة الثابتة والجمهور.
وقد سلف في باب: من أكل أو شرب ناسيًا، أن في قوله: أنه
أحترق دليلًا على العمدية؛ لأن الله تعالى رفع الحرج عن السهو
والخطأ، ويؤيده قوله ((أين المحترق؟)) فأثبت له حكم العمد بهذا.
وذكر الطحاوي في ((شرح معانيه)) أنه ذهب قوم إلى وجوب الصدقة
ولا يجب عليه من الكفارة غير ذَلِكَ، واحتجوا بهذا الحديث(٤)، ولم
يسم قائله، وحديث أبي هريرة أولى منه؛ لأنه قد كان قبل الذي في
حديث عائشة شيء حفظه أبو هريرة ولم تحفظه هي، فهو أولى بما
زاد في الحديث من العتق والصيام.
واختلفوا فيمن أكل عامدًا في رمضان، فقال مالك وأبو حنيفة
(١) رواه الدارمي ٧١٩/١ (١١٤٤) كتاب: الطهارة، باب: من قال عليه الكفارة.
(٢) مسلم (١١١١)، أبو داود (٢٣٩٠ - ٢٣٩٢)، الترمذي (٧٢٤)، النسائي في
(«الكبرى» ٢١٢/٢ (٣١١٧)، ابن ماجه (١٦٧١).
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦/٢، ((عيون المجالس)) ٦٦٦/٢،
((المجموع)) ٦/ ٣٧٦، ٣٧٤، ((المغني)) ٤/ ٣٧٢.
(٤) (شرح معاني الآثار)) ٦٠/٢.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والثوري والأوزاعي وأبو ثور وإسحاق: عليه ما على المجامع من
الكفارة مع القضاء(١).
وهو قول عطاء والحسن والزهري، وقال الشافعي وأحمد: عليه
القضاء دون الكفارة (٢). وهو قول النخعي وابن سيرين(٣)، وقالوا: إن
الكفارة إنما وردت في المجامع خاصة وليس الآكل مثله بدليل قوله
الكثيف: ((من استقاء فعليه القضاء))(٤). وهو مفطر عمدًا، وكذلك مزدرد
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩/٢، ((النوادر والزيادات)) ٢/ ٥١.
(٢) أنظر: ((البيان)) ٣/ ٥١٣، ((المغني)) ٣٦٥/٤.
(٣) رواه عن النخعي عبد الرزاق في («المصنف) ٤/ ١٩٨ (٧٤٧٢) كتاب: الصوم،
باب: من يبطل الصيام ومن يأكل في رمضان متعمدًا، والبيهقي في («سننه» ٢٢٨/٤
كتاب: الصيام، باب: التغليظ على من أفطر يومًا من شهر رمضان متعمدًا من غير
عذر. ورواه عن ابن سيرين عبد الرزاق ٤/ ١٩٧ (٧٤٧٠).
(٤) روي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وموقوفًا على ابن عمر.
حديث أبي هريرة رواه أبو داود (٢٣٨٠) كتاب: الصيام، باب: الصائم يستقيء القيء
عمدًا، والترمذي (٧٢٠) كتاب: الصوم، باب: ما جاء فيمن استقاء عمدًا، والنسائي
في ((الكبرى)) ٢١٥/٢ (٣١٣٠) كتاب: الصيام، في الصائم يتقيأ ، وابن ماجه (١٦٧٦)
كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الصائم يقيء، وأحمد ٤٩٨/٢، والدارمي ٢/
١٠٧٩ (١٧٧٠) كتاب: الصيام، باب: القيء للصائم والرخصة فيه، والبخاري في
((التاريخ الكبير)) ١/ ٩١ - ٩٢، وأبو يعلى في ((مسنده» ٤٨٢/١١ (٦٦٠٤)، وابن
الجارود ٣٥/٢ - ٣٦ (٣٨٥)، وابن خزيمة ٢٢٦/٣ (١٩٦١) كتاب: الصيام،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٩٧ كتاب: الصيام، باب: الصائم يقيء، وفي
((شرح مشكل الآثار)) ٦٤٤/٢ (١٣٦٥) تحفة، وابن عدي في ((الكامل)) ٥٣٩/٥-
٥٤٠، والإسماعيلي في ((المعجم)) ٣٢١/١- ٣٢٢، وابن حبان ٢٨٤/٨ - ٢٨٥
(٣٥١٨) كتاب: الصوم، باب: قضاء الصوم، والدار قطني ١٨٤/٢ والحاكم في
((المستدرك)) ٤٢٧/١ كتاب: الصوم، وابن حزم في ((المحلى)) ٦/ ١٧٥، والبيهقي
٢١٩/٤، والبغوي في ((شرح السنة)) ٦/ ٢٩٣ (١٧٥٥)، والمزي في ((تهذيب الكمال)»
٧/ ١٤٢ - ١٤٣، وابن حجر في ((تغليق التعليق)) ١٧٦/٣.
=

٢٥٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
....
= وحديث ابن عمر الموقوف رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢٠٣ (٤٧) كتاب:
الصيام، باب: ما جاء في قضاء رمضان، والشافعي فى ((مسنده)) ٢/ ١٢٤ (٦٥٩)
عن مالك، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢١٥ - ٢١٦ (٧٥٥١) كتاب: الصيام،
باب: القيء للصائم، وابن أبي شيبة ٢٩٨/٢ (٩١٨٨) كتاب: الصوم، ما جاء في
الصائم يتقيأ أو يبدأه القيء.
وحديث أبي هريرة المرفوع تكلم فيه غير واحد من الأئمة، فقال الترمذي: سألت
محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن
حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وقال: ما أراه محفوظًا، قال: وقد روى
يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر
الصائم. اهـ ((علل الترمذي الكبير)) ٣٤٢/١ - ٣٤٣.
وقال أبو داود: نخاف ألا يكون محفوظًا، وسمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء
والصحيح في هذا: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ورواه أيضًا حفص بن غياث
عن هشام مثله. اهـ
وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ إلا من حديث عيسى بن يونس، وقد روي هذا الحديث
من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي وَ ل﴿ ولا يصح إسناده اهـ، وقال الدارمي:
زعم أهل البصرة أن هشامًا. قلت: هو راويه عن ابن سيرين، عن أبي هريرة- أوهم
فیه، فموضع الخلاف ھھنا. اهـ
وقال البخاري في (التاریخ الكبير)) ١/ ٩١ - ٩٢ وقد أخرجه من حديث ابن سیرین،
عن أبي هريرة: لم يصح، وإنما يروي هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي
هريرة. اهـ
وقال ابن القيم: هذا الحديث له علة ولعلته علة، أما علته فوقفه على أبي هريرة،
وقفه عطاء وغيره، وأما علة العلة، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة
أنه قال: إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج، قال: ويذكر عن أبي هريرة: أنه
يفطر، والأول أصح. اهـ كما في ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٦٠/٣، وقال في
(الحاشية)) ٧/ ٦: روي عن ابن عمر موقوفًا عليه، وروي مرفوعًا والحفاظ لا يرونه
محفوظًا. اهـ
=

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحصى عمدًا عليه القضاء، وحجة من أوجب الكفارة القياس على
المجامع، والفرق لائح وأوجب عطاء على المستقيء عمدًا من غير
عذر القضاء والكفارة، وهو قول أبي ذر. ودعوى أن الشافعي ناقض
قوله فقال: إذا أكره على الأكل فعليه القضاء أو القيء فلا، ولا تناقض
فأظهر قوليه التسوية.
وقد اختلف الفقهاء في قضاء ذَلِكَ اليوم مع الكفارة، فقال مالك:
عليه قضاؤه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور وأحمد
وإسحاق(١)، وقال الأوزاعي: إن كَفَّر بالعتق والإطعام صام يومًا
مكان ذَلِكَ اليوم الذي أفطر، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما
قضاء ذَلِكَ اليوم، وقال: يحتمل أن تكون الكفارة بدلًا من الصيام،
ويحتمل أن تكون معه، وأحب إليَّ أن يكفر ويصوم. وحجة من
= وقال شيخ الإسلام: هذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم، بل قالوا: هو
من قول أبي هريرة، والذين لم يثبتوا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه، وقد
أشاروا إلى علته، وهو أنفراد عيسى بن يونس، وقد ثبت أنه لم ينفرد به، بل وافقه
حفص بن غياث- قلت: هو حديث ابن ماجه والحاكم المار تخريجه- اهـ ((مجموع
الفتاوى» ٢٥/ ٢٢١ - ٢٢٢. بتصرف.
وصححه أيضًا غير واحد، فقال الدارقطني: رواته ثقات كلهم اهـ وقال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام
الوسطى)) ٢٢١/٢ وقد أورد الحديث: هذا يرويه عيسى بن يونس، عن هشام بن
حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة- ورجاله ثقات. اهـ وأشار السيوطي في
((الجامع الصغير)) (٨٦٧٣) إلى تحسينه، وقد عزاه للحاكم. وصححه الألباني في
((الإرواء)) (٩٢٣) وقد تعقب كثير ممن ضعفه ممن أوردناه عنهم سابقًا، فليراجع
للأهمية، وكذا صححه في ((الصحيحة)) (٩٢٣) وفي ((صحيح الجامع)) (٦٢٤٣).
(١) انظر: (بدائع الصنائع)) ٩١/٢، و((النوادر والزيادات)) ٢/ ٣٨، ٣٩، و((المغني))
٤/ ٣٧٦.