النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
- كِتَّابُ الصَّوْمِ
فقيل له، فقال: السمن يبل عروقي والماء يخرج من جسدي(١).
وأجاز ابن وهب وأحمد وإسحق الوصال من سحر إلى سحر
احتجاجًا بحديث أبي سعيد الآتي(٢).
فأذن في ذَلِكَ لمن أطاقه من أمته عَلَى النحو الذي يجوز، ونهى عنه
من كان غير مطيق له؛ لقوله: ((فاكلفوا من العمل ما تطيقون)) (٣) بعد أن
بين لهم أنه قد أعطي قوة عليه من لم يعط غيره.
قَالَ الطبري: وأما ما روي عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم
الأكل الأيام ذوات العدد فإن ذَلِكَ كان منهم عَلَى أنحاء شتى: فمنهم
من كان ذَلِكَ منه لقدرته عليه، فيصرف فطره إلى أهل الفقر والحاجة طلبًا
للثواب، مثل ما روي عن الحسن قَالَ: لقد أدركنا أقوامًا وصحبنا
طوائف إن أحدهم يُمسئ وما عنده من العشاء إلا قدر ما يكفيه، ولو
شاء لأتى عليه فيقول: ما أنا بآكله حَتَّى أجعل الله منه(٤).
ومنهم من كان يفعله استغناء عنه أو كانت نفسه قد اعتادته، كما
روى الأعمش عن التيمي أنه قَالَ: ربما لبثت ثلاثين يومًا ما أطعم من
غير صوم إلا الحبة، وما يمنعني ذَلِكَ من حوائجي.
وقال الأعمش: كان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل ولكنه
يشرب شربة من نبيذ(٥).
(١) (تفسير الطبري)) ١٨٤/٢ (٣٠٣٨). وانظر: ((المنتقى)) ٤٢/٢، ((المغني)) ٤٣٧/٤.
(٢) سيأتي برقم (١٩٦٣).
(٣) سيأتي برقم (١٩٦٦) باب: التنكيل لمن أكثر الوصال، ورواه مسلم (١١٠٣)
باب: النهي عن الوصال في الصيام. من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٦/ ٢٧٢.
(٥) السابق ٢١٤/٤.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومنهم من كان يفعله مقمعًا لنفسه شهوتها، ما لم تدع إليه ضرورة
ولا خاف العجز عن أداء واجب عليه، إرادة قهرها وحملها عَلَى
الأفضل، كالذي روينا عن مجاهد قَالَ: لو أكلت كل ما أشتهي
ما ساويت حشفة. وقال الخطابي: الوصال من خواصه ومحظور عَلَى
أمته(١).
وذهب أهل الظاهر إلى تحريمه(٢)، وهو الأصح عندنا. وقال
القرطبي: الجمهور عَلَى كراهته وإليه ذهب أبو حنيفة(٣).
(١) ((معالم السنن)) للخطابي ٩٢/٢.
(٢) انظر: ((المحلى)) ٢١/٧.
(٣) ((المفهم)) ١٦٠/٣. ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الأربعين،
کتبه مؤلفه.

١٤٣
- كِتَابُ الصَّوْمِ
٢١ - باب إِذَا نَوِى بِالنَّهَارِ صَوْمًا
وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ
قالت: لَا. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هُذا. وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ،
وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ.
١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رضي
الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: ((أَنْ مَنْ أَكَلَ
فَلْيُتِمَّ - أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ)). [٢٠٠٧، ٧٢٦٥ - مسلم: ١١٣٥ - فتح:
٤/ ١٤٠]
ثم ذكر حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ.
أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: ((أَنْ مَنْ أَكَلّ
فَلْيُتِمَّ - أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ)).
الشرح: تعليق أم الدرداء أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب، عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء به(١)
وأثر أبي طلحة أخرجه أيضًا عن الثقفي، ويزيد بن حميد، عن أنس
أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا،
قَالَ: فإني صائم، زاد الثقفي: إن كان عندهم أفطر(٢).
قَالَ: وحَدَّثَنَا الفضيل، عن أبي محرم، عن أبي قلابة، عن أبي
الأشعث قَالَ: كان معاذ يأتي أهله بعدما يضحى فيسألهم فيقول:
عندكم شيء؟ فإذا قالوا: لا صام ذَلِكَ اليوم(٣).
(١) ((المصنف)) ٢/ ٢٩٢ (٩١٠٦).
(٢) السابق ٢٩٢/٢ (٩١٠٧).
(٣) السابق ٢٩٢/٢-٢٩٣ (٩١١٠).

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وروى مسلم عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ◌َّ ذات يوم فسأل:
((هل عندكم شيء؟)) قلنا: لا، قَالَ: ((فإني إذًا صائم)) ثم أتى يومًا آخر
فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: ((أرنيه؛ لقد أصبحت
صائمًا)) فأكل(١).
وفي رواية للدارقطني والبيهقي في الأول: ((إني إذًا أصوم)) وفي
الثاني: ((إذًا أفطر، وإن كنت قد فرضت الصوم)). وقالا: إسناده
(٢)
صحیح (٢).
وفي رواية لهما غريبة: ((وأقضي يومًا مكانه)) قالا: وهي غير
محفوظة(٣).
وفي رواية للدارقطني: ((هل عندكم من غداء))، الحديث، ثم قَالَ:
هذا إسناد صحيح (٤).
ولابن أبي شيبة حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن ليث، عن عبد الله، عن
مجاهد، عن عائشة قالت: ربما دعا رسول الله صل* بغدائه فلا يجده
فيفرض عليه صوم ذَلِكَ اليوم(٥).
(١) مسلم (١١٥٤).
(٢) ((سنن الدارقطني)) ١٧٥/٢-١٧٦، ((سنن البيهقي)) ٢٠٣/٤ من طريق سليمان بن
معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن عائشة به. قال الذهبي في ((المهذب)) ٤/
١٥٧٢-١٥٧٣: سليمان ضعفه ابن معين، واختلف فيه ابن مهدي والقطان. وقال
ابن الترکماني: معقبًا على تصحیح البيهقي لسند الحدیث: کیف یکون صحیحًا
وسليمان هذا قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان رافضًا غالبًا
وکان یقلب الأخبار، وهو سلمیان بن قرم بن معاذ ینسب إلى جده.
(٣) ((سنن الدارقطني)) ١٧٧/٢، ((سنن البيهقي)) ٢٧٥/٤.
(٤) الدارقطني ١٧٦/٢ -١٧٧.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٩٢٩/٢ (٩١٠٥).

١٤٥
كِتَابُ الصَّوْمِ
وتعليق أبي هريرة رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني
عبد الله بن عمر قَالَ: إن أبا هريرة كان يصبح مفطرًا فيقول: هل من
طعام؟ فيجده أو لا يجده فيتم ذَلِكَ اليوم(١) .
وتعليق حذيفة رواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن الثوري،
عن الأعمش، عن طلحة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن
السلمي، عن حذيفة أنه بدا له أن يصوم بعد أن زالت الشمس فصام(٢)،
وفي لفظ: من بدا له الصيام بعد أن تزول الشمس فليصم(٣).
ورواه البيهقي بإسناد صحيح(٤)، وهو ما نص عليه الشافعي في
[رواية](٥) حرملة، لكن مشهور مذهبه اختصاصه بما قبل الزوال،
وتعليق ابن عباس(٦) قَالَ ابن حزم: رواه طاوس عنه بلفظ: الصائم
بالخيار ما بينه وبين نصف النهار(٧). ومن طريق سعيد بن عبيد، عن
ابن عمر مثله بزيادة: ما لم يطعم فإن بدا له أن يطعم طعم، وإن بدا
له أن يجعله صومًا كان صومًا (٨).
(١) عبد الرزاق ٢٧٤/٤ (٧٧٨١) عن ابن جريج قال: أخبرني عبيد الله بن مهران أن
أبا هريرة وأبا طلحة كانا يصبحان مضطرين فيقولان: هل من طعام؟ فيجدانه أو لا
يجدانه فيتمان ذلك اليوم.
(٢) ابن أبي شيبة ٢٩١/٢ (٩٠٩١).
(٣) عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ (٧٧٨٠).
(٤) ((سنن البيهقي)) ٢٠٤/٤.
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٦) ورد بهامش (م) وعن ابن عباس: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار.
(٧) ابن أبي شيبة ٢٩٠/٢ (٩٠٨٠) عن طاوس، عن ابن عباس.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢٩٠/٢-٢٩١ (٩٠٨١، ٩٠٨٨) كتاب: الصيام، من قال:
الصائم بالخيار في التطوع.

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومن طريق حماد بن سلمة: حدثتني أم شبيب، عن عائشة أنها
قالت: إني لأصبح يوم طهري حائضًا وأنا أريد الصوم فأستبين
طهري، ما بيني وبين نصف النهار فأغتسل ثم أصوم.
ومن طريق الحارث، عن علي: إذا أصبحت وأنت تريد الصوم فأنت
بالخيار، إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، إلا أن تفرض الصيام عَلَى
نفسك من الليل(١).
ولفظ جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلا سأل عليًا فقال: أصبحت
ولا أريد الصيام، فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار،
فإن أنتصف النهار فليس لك أن تفطر(٢).
ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي الأحوص،
قَالَ ابن مسعود: إن أحدكم بأحد النظرين ما لم يأكل أو يشرب(٣).
ومن طريق معمر، عن عطاء الخرساني: كنت في سفر وكان يوم
فطري، فلما كان بعد نصف النهار قلت: لأصومن هذا اليوم،
فصمت، فذكرت ذَلِكَ، فقال: أصبت (٤).
قَالَ عطاء: كنت عنده يومًا فجاء أعرابي عند العصر فقال: إني لم
آكل اليوم شيئًا أفأصوم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فإن عليَّ يومًا من رمضان
أفأجعله مكانه؟ قَالَ: نعم(٥).
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٧٤/٤ (٧٧٧٩) كتاب: الصوم، باب: إفطار
التطوع وصومه إذا لم يبيت، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٣).
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ (٧٧٨٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٩٠/٢ (٩٠٨٤).
(٤) عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ (٧٧٨٣).
(٥) السابق ٤/ ٢٤٥ (٧٦٧٥).

١٤٧
=ِ كِتَابُ الصَّوْمِ
ومن طريق حماد بن سلمة، عن حماد(١) بن أبي سليمان، عن
إبراهيم النخعي قَالَ: إذا عزم عَلَى الصوم من الضحى فله أجر
النهار، فإن عزم نصف النهار فله ما بقي من النهار، فإن أصبح ولم
يعزم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار.
ومن طريق ابن جريح سألت عطاء عن رجل كان عليه أيام من
رمضان فأصبح وليس في نفسه أن يصوم، ثم بداله بعدما أصبح أن
يصوم وأن يجعله من قضاء رمضان، فقال عطاء: ذلك له.
وعن مجاهد: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار فإذا جاوز
ذَلِكَ فإنما بقي له بقدر ما بقي من النهار(٢).
وقال الشعبي: من أراد الصوم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف
(٣)
النهار(٣).
وعن الحسن: إذا تسحر الرجل فقد وجب عليه الصوم، فإن أفطر
فعليه القضاء، وإن همَّ بالصوم فهو بالخيار، إن شاء صام وإن شاء
(٤)
أفطر (٤).
ومن طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وعبد الله بن أبي عتبة،
عن أبي أيوب الأنصاري: فعل فِعل أبي طلحة سواء(٥).
ومن طريق ابن أبي شيبة، عن المعتمر، عن حميد، عن أنس قَالَ:
من حدث نفسه بالصيام فهو بالخيار ما لم يتكلم حَتَّى يمتد النهار(٦).
(١) ورد بهامش (م): حماد شيخ أبي حنيفة وإبراهيم النخعي شيخه.
(٢) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٠/٢ (٩٠٨٦).
(٣) ابن أبي شيبة ٢٩١/٢ (٩٠٨٩).
(٤) السابق ٢٩١/٢ (٩٠٩٠).
(٥) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٥٧/٢.
(٦) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٢).

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل: من أصبح وهو ينوي الفطر
إلا أنه لم يأكل ولا يشرب ولا وطئ فله أن ينوي الصوم ما لم تغب
الشمس، ويصح الصوم(١).
قَالَ ابن حزم: ليس في حديث عائشة أنه لم يكن نوى الصيام من
الليل، ولا أنه أصبح مفطرًا ثم نوى الصوم بعد ذَلِكَ، ولو كان هذا
في ذَلِكَ الخبر لقلنا به، لكن فيه أنه كان يصبح متطوعًا صائمًا ثم
يفطر، وهذا مباح عندنا لا نكرهه، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا
وكان قد صح عنه: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل))(٢)،
(١) انتهى من ((المحلى)) ٦/ ١٧٠-١٧٢.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٥٤) كتاب: الصوم، باب: النية في الصيام، والترمذي (٧٣٠)
كتاب: الصوم، باب: ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، وفي ((العلل الكبير))
٣٤٨/١،، النسائي ٩٦/٤-١٩٧، وابن ماجه (١٧٠٠) كتاب: الصيام، باب:
ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم، وأحمد ٢٨٧/٦، والدارمي
١٠٥٧/٢، ١٠٥٨ (١٧٤٠) كتاب: الصيام، باب: من لم يجمع الصيام من
الليل، وابن خزيمة ٢١٢/٣ (١٩٣٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/
٥٤، والدارقطني ١٧٢/٢، والطبراني ١٩٦/٢٣-١٩٩ (٣٣٧)، ٢٠٩/٢٣-
(٣٦٨)، وفي ((الأوسط)) ٤٥/٩ (٩٠٩٤)، والبيهقي في ((سننه)) ٢٠٢/٤، ٢١٣،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٩٢/٣-٩٣، والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٦٨/٦
(١٧٤٤)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٦٦/٢ (١٠٥٣)، والذهبي في («تذكرة
الحفاظ)) ١/ ٢٥٢ من طرق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن الزهري، عن
سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا: ((من لم يجمع الصيام قبل
الفجر فلا صیام له)».
ورواه النسائي ١٩٧/٤، وفي ((الكبرى)) ١١٧/٢ (٢٦٤٣)، وابن حزم في
(المحلى)) ١٦٢/٦، والبيهقي في ((سننه)) ٢٠٢/٤، وفي ((فضائل الأوقات))
(١٣٤) من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر عن حفصة
مرفوعًا: ((من لم یبت الصيام من اللیل فلا صیام له)).
=

١٤٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
ورواه النسائي ١٩٧/٤، وفي ((الكبرى)) ١١٧/٢ (٢٦٤٤) من طريق معتمر، عن
=
عبيد الله، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة قالت: من لم
يجمع الصوم من الليل فلا يصم. هكذا موقوفًا.
ورواه النسائي ١٩٧/٤، وفي ((الكبرى)) ١١٧/٢ (٢٦٤٥-٢٦٤٩)، والطحاوي
٥٥/٢، والدارقطني ١٧٣/٢ من طرق عن يونس ومعمر وسفيان بن عيينة، عن
الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة. موقوفًا أيضًا.
وهذا الحديث كما ترى روي مرفوعًا وموقوفًا، واختلف الحفاظ في أيهما أرجح،
فقال ابن أبي حاتم: قال أبي: لا أدري أيهما أصح، لكن الثاني أشبه أهـ ((العلل))
١/ ٢٢٥ (٦٥٤). وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: عن
سالم، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي ◌َلل خطأ، وهو حديث فيه اضطراب اهـ
((العلل الكبير)) ٣٤٨/١ -٣٥٠. وقال في ((السنن)): لا يعرف مرفوعًا الاً من هذا
الوجه اهـ وقال: النسائي في ((الكبرى)) ١١٧/٢-١١٨: الصواب عندنا موقوف
ولم يصح رفعه، والله أعلم؛ لأن يحيى بن أيوب ليس بذاك القوي، وحديث ابن
جريج، عن الزهري غير محفوظ والله أعلم. وقال: الدارقطني: رفعه عبد الله بن
أبي بكر عن الزهري، وهو من الثقات الرفعاء. وصحح الحاكم المرفوع فرواه في
((أربعينه)) كما في ((البدر المنير)) ٦٥٣/٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين،
والزيادة عندهما جميعًا من الثقة مقبول. وقال ابن حزم وقد أخرج المرفوع من
طريق ابن جريج: هذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له أن أوقفه معمر
ويونس وسفيان، فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة، والحفظ،
والزهري واسع الرواية، فمرة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرة عن حمزة، عن أبيه
وكلاهما ثقة أهـ ((المحلي)) ٦/ ١٦٢. وقال البيهقي في ((السنن)): قد اختلف في هذا
الحديث في إسناده على الزهري، وفي رفعه إلى النبي ◌َّ، وعبد الله بن أبي بكر
أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الاثبات أهــ وقال في ((خلافياته)) كما في ((البدر
المنير)): هذا الحديث رواته ثقات - وله شاهد بإسناد صحيح عنها مرفوعًا، ورواته
ثقات إلا أنه قد روي موقوفًا على حفصة ا.هـ وقال: ابن الجوزي: إن قالوا: هذا
الحديث قد رواه جماعة موقوفًا، وإنما رفعه عبد الله بن أبي بكر، قلنا : عبد الله من
الثقات، والرفع زيادة فهي من الثقة مقبولة. وقال الخطابي في ((معالم السنن)) =

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لم يجز أن يترك هذا اليقين لظن، فإن قيل: روى ليث، عن مجاهد، عن
بعض أزواج النبي وَله، فذكر حديثًا فيه: ((فيفرض الصوم)) (١) وعن ابن
قانع -راوي كل بلية- عن موسى بن عبد الرحمن البلخي، عن عمر بن
هارون، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس عن رسول
الله ◌َلّر: كان يصبح ولم يجمع الصوم فيبدو له فيصوم. قلنا: ليث
ضعيف، ويعقوب هالك، ومَنْ دُونه ظلمات بعضها فوقَ بعض،
ووالله لو صح لقلنا به (٢). قلت: ليث وإن ضعف فقد وثق أيضًا(٣)،
١١٥/٢: الرفع لا يضر؛ لأن عبد الله بن أبي بكر هو الذي رفعه، وزيادات الثقات
=
مقبولة. وصححه عبد الحق في ((أحكامه)) ٢١٣/٢-٢١٤ فقال: رواه جماعة
فأوقفوه على حفصة والذي أسنده ثقة، وأورده ابن القطان في ((بيان الوهم
والإيهام)) ٤٤٨/٥ ونقل تصحيح عبد الحق للحديث، ولم يعقب عليه، فكأنما أقره
على تصحيحه. وقال الذهبي في ((التنقيح)) ٩٣/٥: رواه جماعة عن ابن شهاب
موقوفًا، وعبد الله ثقة - قلت: يقصد عبد الله بن أبي بكر الذي رفعه- وقال ابن
عبد الهادي في ((التنقيح)): حديث حفصة الصحيح وقفه، كما نص على ذلك
الحزاق من الأئمة. ا.هـ نقلًا من هامش ((تنقيح التحقيق)» للذهبي ٩٤/٥. وقال
الحافظ في ((الدارية)) ١/ ٢٧٥: إسناده صحيح واختلف في رفعه ووقفه، والحديث
صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢١١٨) قال: إسناده صحيح، ورجح
الألباني صحة المرفوع في ((الإرواء)) (٩١٤) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٩٢/٢ (٩١٠٥)، والدار قطني ٢/ ١٧٧.
(٢) انتهى من ((المحلي)» ٦/ ١٧٢ -١٧٣.
(٣) ليث هو: ابن أبي سليم بن زينم القرشي، قال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن
حدث عنه الناس، وقال ابن معين: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه، قال أبو حاتم
وأبو زرعة: مضطرب الحديث، زاد أبو زرعة: لين الحديث لا تقوم به حجة،
وقال أبو داود: سألت يحيى، عن ليث، فقال: ليس به بأس، وقال ابن عدي: له
أحاديث صالحة غير ما ذكرت، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه، وقال
الدراقطني: صاحب سنة، يخرج حديثه.
قال الحافظ في ((التقريب)) (٥٦٨٥): صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك . =

١٥١
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
ويعقوب وثقه ابن حبان وغيره(١)، وعمر بن هارون وإن ضعفوه فقد
وصف بالحفظ ووثق أيضًا(٢)، وكذا ابن قانع، فقال البرقاني لما سئل
عنه فقال: البغداديون يوثقونه، وهو عندنا ضعف. قَالَ الخطيب:
لا أدري لأي شيء ضعف؟! فقد كان من أهل العلم والدراية والفهم،
ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه(٣).
وللدار قطني من حديث ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمته
عائشة بنت طلحة، عن عائشة: دخل النبي وَله فقال: ((إني أريد
الصوم)) وأهدي له حيس، فقال: ((إني آكل)) الحديث(٤).
= انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٢٤٦/٧ (١٠٥١)، ((الجرح والتعديل)» ١٧٧/٧
(١٠١٤)، ((الكامل)) لابن عدي ٢٣٣/٧ (١٦١٧)، ((تهذيب الكمال)) ٢٧٩/٢٤
(٥٠١٧).
(١) يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، قال أحمد: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس
بالمتين، يكتب حديثه، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب
حديثه وعنده غرائب. وقال الحافظ في ((التقريب)) (٧٨٢٦): ضعيف.
انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٣٩٨/٨ (٣٤٧٠)، ((الجرح والتعديل)) ٢١١/٩
(٨٨٢)، (ثقات ابن حبان)) ٦٣٩/٧، ((الكامل)) ٤٦٣/٨ (٢٠٥٤)، ((تهذيب
الكمال)» ٣٢/ ٣٥٣ (٧٠٩٧).
(٢) عمر بن هارون بن يزيد بن جابر بن سلمة الثقفي، قال ابن سعد: كتب الناس عنه
كتابًا كبيرًا وتركوا حديثه، وقال البخاري: تكلم فيه ابن معين، وقال النسائي:
متروك الحديث.
قال الحافظ في ((التقريب)) (٤٩٧٩): متروك وكان حافظًا.
انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١٤٠/٦ (٧٦٥)، ((الكامل)) ٥٨١/٦
(١٢٠١)، ((تهذيب الكمال)) ٥٢٠/٢١ (٤٣١٧).
(٣) هو عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الأموي، قال الدارقطني: كان يحفظ لكنه يخطئ
ويصر. وانظر: ((تاريخ بغداد)) ٨٨/١١-٨٩.
(٤) (سنن الدارقطني)) ١٧٦/٢-١٧٧، وقال: هذا إسناد صحيح.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحديث سلمة بن الأكوع -وهو من ثلاثياته- عن أبي عاصم، عن
يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، وهو نص لما بوب عليه البخاري،
لكن جاء ما يرجح قول الجمهور من أعتبار تبييت النية، وأن نية
النهار غير معتبرة، وهو ما رواه أبو داود عن قتادة، عن عبد الرحمن بن
سلمة، عن عمه أن أسلم أتت رسول الله وَلين: يعني يوم عاشوراء. فقال:
((صمتم يومكم هذا؟)) قالوا: لا. قَالَ: ((فأتموا بقية يومكم واقضوه))(١).
(١) أبو داود (٢٤٤٧) كتاب: الصوم، باب: في فضل صومه، ورواه ابن قانع في
((معجم الصحابة)) ٨٤/٣، والبيهقي ٢٢١/٤ من طريق قتادة، عن عبدالرحمن بن
مسلمة، عن عمه مرفوعًا: ((صمتم يومكم هذا .. )). الحديث، وفي آخره:
((واقضوه))، وعند ابن قانع: ((واقضوا)).
قلت: لفظه: ((واقضوه))، هذِه تُكلِّم في ثبوتها وصحتها.
قال ابن حزم في ((المحلي)) ١٦٨/٦ - كما سيأتي عند المصنف -: هي لفظة
موضوعة بلا شك. وقال عبد الحق في ((الأحكام الوسطى)) ٢٤٥/٢: لا يصح هذا
الحديث في القضاء. وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ١١٨/٢٥: حديث
القضاء ضعيف، وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٣٦/٢: قال صاحب
((التنقيح)): روي الأمر بالقضاء في حديث غريب، أخرجه أبو داود وهو حديث
مختلف في إسناده ومتنه، وفي صحته نظر. ا.هـ وقال ابن القطان في ((بيان الوهم
والإيهام)» ٣/ ٤٤٠: علته الجهل بحال عبد الرحمن بن سلمة هذا.
والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٢٢)، وقال في ((الضعيفة))
(٥١٩٩): منكر بهذا التمام.
تنبيه: قال الحافظ في ((الفتح)) ١٤٢/٤ في صدد البحث في وجوب القضاء على
من لم يبيت النية، وأن قوله ويتلقى: ((فأتموا بقية يومكم)) -كما في الأحاديث
الصحيحة- لا ينافي الأمر بالقضاء. قال: بل ورد ذلك صريحًا في حديث أخرجه
أبو داود والنسائي .. فذكره، وقال: وعلى تقدير أن لا يثبت، فلا يتعين ترك
القضاء :
قال الألباني في ((الضعيفة)) ٣٢٤/١١: العجب من ابن حجر کیف سكت علیه،
بل أشار قبل ذلك إلى تقويته. قال: وكذلك لا يتعين إيجاب القضاء بل هذا خلاف =

١٥٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
قَالَ البيهقي: عبد الرحمن مجهول ومُختلف في اسم أبيه، فقيل:
مسلمة، وقيل: سلمة، وقيل غير ذَلِكَ، ولا يدرى من عمه(١).
وقتادة مدلس وقال: (عن)، والمدلس إذا أتى بصيغة: (عن) لا يكون
حجة(٢).
قَالَ ابن حزم: لفظة: ((واقضوه)) موضوعة بلا شك(٣).
قلت: عبد الرحمن ذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٤)، وعمه صحابي.
وقال ابن السكن في كتابه ((الحروف)): عبد الرحمن بن سلمة هو
الصواب، ويقال شعبة أخطأ في أسمه، والصواب حديث ابن أبي
= الأصل؛ فإنه ينافي البراءة الأصلية، فالإيجاب لابد له من أمر خاص وهذا غير
موجود إلا في هذا الحديث وهو ضعيف السند منكر المتن، فلا تغتر بموقف
الحافظ منه؛ فإنه خلاف ما تقتضيه القواعد العلمية الحديثية. انتهى كلام الألباني.
والحديث قد صح من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة دون قوله: ((واقضوه)) منها
حديث سلمة بن الأكوع وهو حديث الباب، وقد استوفى الألباني تخريج هذِه
الأحاديث في («الصحيحة» (٢٦٢٤) فراجعها.
(١) ((معرفة السنن والآثار)) ٣٦١/٦.
(٢) هو قتادة بن دِعامة السدوسي، مشهور ومعروف عنه التدليس، لا يقبل من حديثه
إلا ما صرح فيه بالسماع من شيخه.
(٣) ((المحلى)) ١٦٨/٦. قال ابن حزم وقد أورد الحديث - بما فيه زيادة: واقضوا- من
طريق ابن قانع وابن قانع مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وقد اختلط عقله
قبل موته بسنة وهو بالجملة منكر الحديث، وتركه أصحاب الحديث جملة. ا.هـ
وقد تعقب الشيخ أحمد شاكر قائلًا: نسب ابن حزم الخطأ في زيادة قوله:
((واقضوا)) إلى ابن قانع، بل سماه واضعها وأخطأ في هذا جدًّا، فالحديث رواه
أبو داود من غير هذا الطريق، وفيه الزيادة، فظهر أن ابن قانع بريء من عهدة هذِه
اللفظة، وأنه لم ينفرد بها. ا.هـ
انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٥٣، ((البيان)) ٤٩٥/٣-٤٩٦.
(٤) (ثقات ابن حبان)) ١١٥/٥.

١٥٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عَرُوبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي.
واختلف أهل العلم متى تصح النية في النفل؟ فذهب أبو حنيفة
والشافعي إلى أنه يجزئ بنية قبل الزوال، وهو قول أكثر العلماء؛
احتجاجًا بحديث عائشة السالف.
وفي بعض طرقه: ((إني إذًا صائم))(١).
وهو أقوى في الدلالة عَلَى ابتداء النية، وسلف في بعض طرقه:
((إني إذًا صائم)) و((إني إذًا أصوم))(٢) ويفرض الصيام. وألحق أبو حنيفة
الفرض به والنذر المعين أيضًا، وهو قول الأوزاعي وابن المسيب
وإسحاق (وعبد الملك)(٣) وابن المعدل من المالكية.
وقال الشافعي: لا يجوز الفرض إلا بنية من الليل، وهو قول مالك
والليث وأحمد (٤).
وقال مالك وجابر بن زيد والمزني وداود: لا يجوز النفل إلا بنية من
الليل، وزعم ابن حبيب: أن حديث الباب من خصائص عاشوراء، ونقله
ابن المفضل في كتابه ((صوم التطوع)) عن غير واحد من السلف، منهم ابن
سیرین وسعيد بن جبير.
والظاهر من مذاهب العلماء المشهورين أنه لا يتم صيام من أكل
فيه، ويرون أن ذَلِكَ كان في ابتداء الأمر قبل وجوب رمضان عَلَى
مذهب من یری وجوبه، ثم نسخ.
(١) رواه مسلم (١١٥٤/ ١٧٠).
(٢) تقدم.
(٣) في (ج): وعبد الرحمن الملك.
(٤) ((عيون المجالس)) ٦٠٥/٢، ((البيان)) ٥٨٩/٣، ((المغني)) ٣٣٣/٤.

١٥٥
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
وقال الداودي: قد أمرهم بهذا قبل نزول ﴿كلوا واشربوا﴾ الآية.
وقال ابن حزم: من نسي أن ينوي ليلًا ففي أي وقت نواه من النهار
التالي لتلك الليلة صح صومه، سواء أكل أو شرب أو وطئ، أو جمع
بينها، أو لم يفعل شيئًا من ذَلِكَ، ويجزئه صومه ذَلِكَ، ولا قضاء عليه
ولو لم يبق إلا مقدار ما ينوي الصوم، فإن لم ينوه فلا صوم له
ولا قضاء عليه، وكذا من جاءه خبر هلال رمضان بعدما أكل أو شرب
أو جامع فنوى قبل الغروب يجزئه صومه وإلا فلا، ولا قضاء عليه، وإن
لم يكن حَتَّى غربت فلا قضاء عليه، وقد فاته صوم ذَلِكَ اليوم(١).
قلت: شبهته حديث عاشوراء، ولا حجة له فيه، إذ المراد التشبه
لحق الوقت، يوضحه ما رواه أحمد، عن سلمة: ((من كان أصطبح
فليمسك، ومن كان لم يصطبح فليتم صومه))(٢)
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: إذا أصبح غير صائم فأكل
وشرب أو وطئ، ثم جاءه خبر رؤية الهلال فنوى الصوم أن صومه،
(٣)
صحيح(٣).
وعند ابن سريج والطبري وأبي زيد المروزي صحة النقل بعد هذه
الأشياء المنافية للصوم. وقال زفر: يصح صوم رمضان في حق المقيم
الصحيح بغير نية منه، وهو مذهب عطاء ومجاهد، قالوا: لأنه لا يصح
فيه غير صوم رمضان لتعيينه فلا يفتقر إلى النية، كما لو دفع نصاب الزكاة
جميعه إلى الفقراء وإن لم ينو شيئًا.
(١) ((المحلى)) ١٦٤/٦.
(٢) ((مسند أحمد)» ٤٨/٤.
(٣) رواه عبد الرزاق ١٦٠/٤ (٧٣٢١)، وابن أبي شيبة ٣٢١/٢ (٩٤٧٦).

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ في ((شرح الهداية)): أنكر أبو الحسن الكرخي أن يكون هذا
مذهبًا لزفر، ويقول: مذهبه تأدية جميع رمضان بنية واحدة، وأما إلزام
ابن حزم زفر بصلاة المغرب وبما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار
ما يصلي فيه ركعتين، فصلى ركعتين في آخر وقت الفجر، وثلاثًا في
وقت المغرب، ولم ينو فيها شيئًا(١).
فينبغي أن يقع المؤدي عنهما؛ لأنه موضع لفرض الفجر والمغرب
دون غيرهما، فيمكن الفرق بأن وقت رمضان لا يقبل غيره، بخلاف
الصلاة. وألزم الرازي زفر بأن يجعل المغمى عليه في رمضان أيامًا
صائمًا إذا لم يأكل ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نية، فإن التزمه
ملتزم كان مستبشعًا، وأما دليل التبييت فحديث حفصة وعائشة
وغيرهما مما سلف(٢).
قَالَ ابن عبد البر: والاختلاف في هذا عن التابعين اختلاف كثير،
ولم يختلف عن ابن عمر ولا حفصة أنهما قالا: لا صيام إلا لمن نواه
قبل الفجر (٣).
خاتمة :
قد أسلفنا أن غرض البخاري في هذا الباب إجازة صوم النافلة بغير
تبييت، وذكر ذلك عن بعض الصحابة، وقد رُوِي عن ابن مسعود وأبي
أيوب إجازته أيضًا (٤)، وذكره الطحاوي عن عثمان(٥).
(١) ((المحلى)) ٦/ ١٦٣.
(٢) تقدم تخريجها باستيفاء.
(٣) ((الاستذكار)) ٣٧/١٠.
(٤) رواه البيهقي ٢٠٤/٤ عن ابن مسعود.
(٥) ((شرح معاني الآثار)) ٥٦/٢-٥٧.

١٥٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور،
كلهم يجيز النية في النافلة نهارًا محتجين بحديث سلمة في الباب،
وبحديث عائشة السالف(١) .
وجوزه الكوفيون بعد الزوال، وذهب مالك وابن أبي ذئب والليث
والمزني إلى إلحاقه بالفرض، فلابد من التبييت، وهو مذهب ابن عمر
وعائشة وحفصة، محتجين بحديث حفصة السالف: ((من لم يبيت
الصيام قبل الفجر فلا صيام له))(٢). ولم يفرق بين فرض ونفل، لكن
النص السالف وهو حديث عائشة يدفعه، وكذا قولهم: الأعمال
بالنيات. وكل جزء من النهار الإمساك عنه عمل فلا يصح بغير نية
تدفعه أيضًا.
قالوا: وحديث سلمة نسخ صوم عاشوراء؛ فنسخت شرائطه؛
فلا يجوز رد غيره إليه. قالوا أيضًا: وحديث عائشة رواه طلحة بن
يحيى واضطرب في إسناده، فرواه عنه طائفة عن مجاهد، عن عائشة،
وروته طائفة عنه، عن عائشة بنت طلحة، عنها(٣).
ومنهم من لا يقول فيه: ((إِنِّي صَائِمٌ)) وأيضًا فهو محتمل فإن قوله:
((إِنِّي صَائِمٌ إِذَا)) أي: إني كما كنت، أو إني بمنزلة الصائم. ويحتمل أن
يكون عزم عَلَى الفطر لعذر وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تمم
الصوم، وقال: ((إِنِّ صَائِمٌ)) كما كنت. وإذا احتمل ذَلِكَ لم تخص
الظواهر به.
(١) ((مختصر الطحاوي)) ص٥٣، (البيان)) ٤٩٥/٣، ((المغني)) ٣٤٠/٤.
(٢) تقدم تخريجه باستيفاء.
(٣) مسلم (١١٥٤)، والنسائي ٤/ ١٩٤ -١٩٦.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والجواب: أن هذا الاضطراب ليس قادحًا، وظاهره إنشاء الصوم.
واحتج الكوفيون بحديث سلمة -حديث الباب- وقالوا: هو حجة لنا .
وألحقوا النذر المعين به أيضًا كما سلف.
وأجاب المخالف بمنع وجوب صومه، وأيضًا لم يروا بالقضاء
لقولنا، وسلمناه، فصومه إنما وجب في الوقت الذي أمر به، وقد زال
ذَلِكَ بزواله فحصلت النية متقدمة عليه، ولا يقاس عليه.
خاتمة أخرى:
فعل أبي الدرداء ومن معه، قَالَ الداودي: يحتمل أن يكون ليلًا،
يعارضه قوله: ((يَوْمِي هُذا)) إلا أن يحمل عَلَى قرب اليوم، فيكون
سؤالهم عن ذَلِكَ قرب الفجر، ويحتمل أن يكونوا نووه أولًا ثم سألوا
عن الطعام، فلما لم يجدوه آثروا إكمال صيامهم فقالوا: إنا صيام،
أي: مستديمون ما كنا عليه من الصيام.

١٥٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
٢٢ - باب الضَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا
١٩٢٥، ١٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ - مَوْلَى أَبِي
بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ ح.
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ الَحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمنِ أَخْبَرَ مَزْوَانَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ
أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَِّ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
وَقَالَ مَزْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحَارِثِ: أُقْسِمُ باللهِ لَتُقَرَّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ. وَمَزْوَانُ يَوْمَئِذٍ
عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي
الْحَلَيْفَةِ، وَكَانَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِّ ذَاكِرٌ لَكَ
أَمْرًا، وَلَوْلَا مَزْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرُهُ لَكَ. فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ. فَقَالَ:
كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ. وَقَالَ هَمَّاٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلِّ يَأْمُرُ بِالْفِطْرٍ. وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. الحديث ١٩٢٥ [١٩٣٠، ١٩٣١ -
فتح: ٤ / ١٤٣]
الحديث ١٩٢٦ [١٩٣٢ - مسلم: ١١٠٩ - فتح: ١٤٣/٤]
ذكر فيه حديث مَالِكِ عَنْ سُمَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١) بن
الحارث بن هشام قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.
وحديث شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ
سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ
أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
(١) أبو بكر أحد الفقهاء السبعة الحرئي المدني أحد الأئمة مات مكفوفًا.

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ باللهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا
أَبَا هُرَيْرَةً. وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدْرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَان لأَّبِي هُرَيْرَةً
هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا،
وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ. فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.
فَقَالَ: كَذَلِكَ [حَدَّثَنِي](١) الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ.
وَقَالَ هَمَّاٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه
يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ. وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. الحديث
هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن عبد الملك بن
أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبي بكر)(٢) قَالَ: سمعت أبا هريرة يقص
في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم.
قَالَ: فذكرت ذَلِكَ لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذَلِكَ،
فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حَتَّى دخلنا عَلَى عائشة وأم سلمة،
فسألهما عبد الرحمن عن ذَلِكَ، قَالَ: فكلتاهما قَالَ: كان النبي ◌َّ
يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم، قَالَ: فانطلقنا فدخلنا عَلَى
مروان، فذكر ذَلِكَ له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟
قَالَ: نعم، قَالَ: هما أعلم.
ثم ردَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذَلِكَ إلى الفضل بن عباس، فقال
أبو هريرة: سمعت ذَلِكَ من الفضل، ولم أسمعه من النبي ◌َّ، قَالَ:
فرجع أبو هريرة عما كان يقول، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟
(١) ما بين المعكونتين زيادة يقتضيه السياق.
(٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من ((صحيح مسلم)) (٩، ١١) وهو الصواب.