النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كِتَابُ الصَّوْمِ قوله: ﴿أُمَّةُ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. و ((أُمِّيَّةٌ)) أي: باقون عَلَى ما ولدت عليه الأمهات لا نكتب ولا نحسب، أو نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأَن هذِه صفات النساء غالبًا. وقال الرشاطي: يعني نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل له: أمي نسبة إلى أم القرى مكة، وجعله الله أميًا خشية أن يرتاب المبطلون، إنما يسمع وحيًا فيبلغه ولم يأخذ عن كتب الأمم قبلنا، ولا بحساب نجوم. وقال: ((أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ)) لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذته عما جاء به الوحي من الله. ومعنى: (لَا نَحْسُبُ)) وهو بضم السين أي: لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتاب، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذَلِكَ الحساب وغيرهم، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يلفظ بعبارة عنه نزولًا إليها بما يفهمه الخرس والعجم، وحصل من إشارته بيده أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنسِه إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعًا وعشرين. وعلى هذا أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذَلِكَ يقال له: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذَلِكَ ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم، وكذا من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك، فإنه قَالَ: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية. وفيه: أن يوم الشك من شعبان. وقال المهلب: في الحديث بيان لقوله: ((اقْدُرُوا لَهُ)) أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا كما تأول الفقهاء، ولا اعتبار في ذَلِكَ بالنجوم ١٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والحساب، وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عَلَى الرؤية للأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس في الصيام والحج والعدد والديون، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانًا أو كالعيان. وأما ما غمض حَتَّى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار، فقد نهينا عنه وعن تكلفه، وذلك أن رسول الله وسلم إنما بعث إلى الأميين الذين لا يقرءون الكتب ولا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانًا. وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء لمن قَالَ: آمرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات. ١٠٣ كِتَابُ الصَّوْمِ ١٤ - باب لَا يَتَقَّدَّمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ ١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا نَخْيَى بْنُ أَبِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ)). [مسلم: ١٠٨٢ - فتح: ٤ /١٢٧] ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الیَوْمَ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف فقهه في باب: هل يقال رمضان؟ وانفرد داود فقال: لا يصح صومه أصلًا ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذ بظاهر هذا الحديث، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود(٢). ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن وابن (٣) سیرین(٢). (١) مسلم (١٠٨٢) كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين. (٢) رواه عن عمر: ابن أبي شيبة ٢٨٦/٢ (٩٠٣٠) كتاب: الصيام، من كره أن يتقدم شهر رمضان بصوم، ٣٢٢/٢ (٩٤٨٩)، ٣٢٤/٢ (٩٥٠٧). والبيهقي ٢٠٩/٤ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم، وعن علي: ابن أبي شيبة ٢٨٦/٢ (٩٠٢٩)، ٣٢٢/٢ (٩٤٨٩)، والبيهقي ٢١٠/٤. وعن حذيفة: ابن أبي شيبة ٣٢٣/٢ (٩٤٩٣، ٩٤٩٠)، والبيهقي ٢١٠/٤. (٣) رواه عن الشعبي: ابن أبي شيبة ٣٢٣/٢ - ٣٢٤ (٩٤٩٥ - ٩٤٩٦، ٩٥٠٤ - ٩٥٠٥). وعن النخعي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٥، ٩٤٩٨، ٩٥٠٦) وعن = ١٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وهو قول الشافعي(١). وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران بفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر (٢). قَالَ عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله(٣). وأجازت طائفة صومه تطوعًا، روي عن عائشة وأختها أسماء أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (٤). وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق(٥). وحجة هذا القول أنا أنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو على وجه المراعاة خوفًا أن یکون من رمضان فیلحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، وإنما نيتة أنه من شعبان فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهي عن أن يصومه عَلَى أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع. = الحسن: ابن أبي شيبة ٢٨٦/٢ (٩٠٣١)، ٣٢٣/٢ (٩٥٠٠). وعن ابن سيرين: عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٦٢/٤ (٧٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٢٨٦/٢ (٩٠٣١). (١) أنظر: ((البيان)) ٥٥٨/٣. (٢) رواه عن ابن عباس: عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٥٨/٤ (٧٣١١ - ٧٣١٢)، وابن أبي شيبة ٢٨٥/٢ (٩٠٢٢)، ٢٨٦/٢ (٩٠٣٣)، والبيهقي ٢٠٨/٤. وعن أبي هريرة: عبد الرزاق ١٥٨/٤ (٧٣١٣)، وابن أبي شيبة ٢٨٥/٢ (٩٠٢٥). (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠ (٧٣١٩)، وابن أبي شيبة ٣٢٤/٢ (٩٥٠٣). (٤) رواه عنهما البيهقي ٢١١/٤. (٥) انظر: ((المبسوط)) ٦٣/٣، ((المغني)) ٣٢٦/٤. ١٠٥ ـ كِتَابُ الصَّوْمِ واختلفوا إذا صامه عَلَى أنه من رمضان فقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويرون أن من صامه عَلَى غير رؤية ثم جاء الثبت أنه من رمضان عَلَى أن عليه قضاءه. قَالَ مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا(١). وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل عَلَى أنه من رمضان، ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزئه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه. وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حَالَ دون الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم سحاب (٢). ويجزئهم من رمضان وإن ثبت بعد ذَلِكَ أن شعبان تسع وعشرون، وهو قول أحمد بن حنبل، وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث. وقول أهل المدينة أولى؛ لنهيه ◌َلر أن يتقدم صوم رمضان؛ ولقول عكرمة وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (٣). (١) انظر: ((المدونة)) ١٨٢/١. (٢) رواه عبد الرزاق ١٦١/٤ (٧٣٢٣). (٣) حديث عكرمة تقدم تخريجه قريبًا جدًا، وحديث عمار تقدم أيضا تخريجه باستيفاء، وسلف معلقًا قبل حديث (١٩٠٦) وصححه جمع من الأئمة، فراجعه. ١٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٥ - باب قَوْلِ اللّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: [البقرة: ١٨٧] ﴿فَلْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْمَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ رَِّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَتَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةً الأَنَّصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى آَمْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، ولكن أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ آَمْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَلَمَّا أَنْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وََّ، فَنَزَّلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَّلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾. [٤٥٠٨ - فتح: ١٢٩/٤] ذكر فيه حديث البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَهِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ ... الحديث إلى قوله: فَنَزَّلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿أُجِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ﴾. هذا الحديث من أفراده، لم يخرجه مسلم إلا نزول الآية ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقَّ يَقَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْظُ اُلْأَبْيَضُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتابع البخاري عَلَى قيس بن صرمة: الترمذي وابن خزيمة والدارمي وجماعات(١). (١) الترمذي (٢٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، أحمد ٢٩٥/٤، = ١٠٧ : كِتَابُ الصَّوْمِ = وقال أبو نعيم في ((الصحابة)): صرمة بن أنس -وقيل: ابن قيس- الخطمي الأنصاري الشاعر نزلت فيه ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية ثم ساق من حديث صرمة بن أنس: أتى النبي (وَلجر عشية من العشيان وقد جهده الصوم فقال له: ((ما لك يا قيس، أمسيت طليحًا .. )) الحديث(١)، وكذا ذكره أبو داود في ((سننه))(٢) ومقاتل في ((تفسيره)). وقال ابن عبد البر: صرمة بن أبي أنس -قيس- بن مالك البخاري، أبو قيس. وقال بعضهم: صرمة بن مالك نسبه إلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧](٣) كذا هو في ((أسباب النزول)) للواحدي(٤). وقال الداودي: ما ذكره البخاري من كونه قيس بن صرمة أخشى أنه ليس بمحفوظ، إنما هو صرمة بن قيس، وبخط الدمياطي قيل: نزلت في ابنه قيس، والأشبه: صرمة، ترهب في الجاهلية ثم أسلم وشهد أحدًا. وفي كتاب ابن الأثير من حديث أبي هريرة: ضمرة بن أنس(٥)، ولعله تصحيف. = الدارمي ١٠٥٣/٢ - ١٠٥٤ (١٧٣٥) كتاب: الصيام، باب: متى يمسك المتسحر عن الطعام والشراب، ابن خزيمة ٢٠٠/٣ - ٢٠١ (١٩٠٤) كتاب: الصوم، باب: ما كان الصائم عنه .. وابن حبان ٨/ ٢٤٠ (٣٤٦٠) كتاب: الصوم، باب: السحور، البيهقي ٤/ ٢٠١. (١) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم الأصبهاني ١٥٢٤/٣ ترجمة (١٤٨٤) حديث (٣٨٦٤)، والحديث رواه أيضًا الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٩٥٧). (٢) أبو داود (٢٣١٤) كتاب: الصيام، باب: مبدأ فرض الصيام. (٣) ((الاستيعاب في أسماء الأصحاب)) ٢٩٠/٢ (١٢٤٤). (٤) ((أسباب النزول)) ٥٣/١ - ٥٤ (٩١ - ٩٢). (٥) ((أسد الغابة في معرفة الصحابة)) لابن الأثير ٥٨/٣ (٢٥٧٠). ١٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال السهيلي: حديث صرمة بن أبي أنس -قيس بن صرمة- الذي أنزل الله فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهُذِه في عمر، ثم قال: ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾ إلى آخر الآية. فهُذِه في صرمة بن أنس، بدأ الله بقصة عمر لفضله، ثم بقصة صرمة(١). إذا تقرر ذَلِكَ : فالرفث(٢) كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من النساء، قاله (٣) الزجاج (٣). وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ أي: سكن، أو من الملابسة وهو الاختلاط والاجتماع، والعرب تسمي المرأة لباسًا. ﴿ تَخْتَانُونَ﴾ من الخيانة أي: تخونون أنفسكم بارتكابكم ما حرم عليكم. والمباشرة: الجماع من البشرة ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمَّ) الولد أو الجماع. وقال ابن عباس: ليلة القدر (٤)، وهو غريب. وقولها: (فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ). هي من خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. (١) ((الروض الأنف)) ٢٨٧/٢. (٢) ورد بهامش (م) / ١١٣٤/ ما نصه: الرفث بسکون الفاء مصدر رفث یرفٹ من باب قصد وضرب وكذب: فحش الكلام، وبالفتح الأسم رفث أسم لما يريد الرجال من النساء والحكمة، وضد الصواب رقد أي: دنا. (٣) أنظر: ((معالم التنزيل)) ٢٠٦/١. (٤) رواه الطبري ١٧٦/٢ (٢٩٨٥ - ٢٩٨٦)، وابن أبي حاتم ٣١٧/١ (١٦٨٣)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٥٩/١ لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ١٠٩ كِتَابُ الصَّوْمِ = وذكر إسماعيل بن إسحاق عن زيد بن أسلم وإبراهيم التيمي قالا : كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حَتَّى تكون القابلة، فنسخ الله ذَلِكَ. وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم في ذَلِكَ فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد الرقاد وقبله في الليل كله(١). (١) رواه الطبري ٢/ ١٧٢ (٢٧٥٣)، وعزاه في ((الدر المنثور)) ٣٥٨/١ لعبد بن حميد والطبري. ١١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٦- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: ١٨٧] مِنَ اُلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ فِيهِ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهُ. ١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِم رضي الله عنه قَالَ: لَا نَزَلَتْ: ﴿حَّا يَقَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَرِ﴾َ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتٍِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولٍ اللهِ وََّ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)). [٤٥٠٩، ٤٥١٠ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٤ / ١٣٢]. ١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْن أَبِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ ح. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَانَ نُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ وَلْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَزَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الَخَيْطَ الأبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ اٌلْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَغْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. [٤٥١١ - مسلم: ١٩٠١ - فتح: ١٣٢/٤] ثم ذكر حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَّ يَبَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ .. الحديث. وحديث سهل بن سعد من طريقين: عنه لما أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَأُشْرَبُوا﴾ . ١١١ كِتَابُ الضَّوْمِ حديث البراء سلف في الباب قبله(١). وحديث عدي وسهل أخرجهما مسلم أيضًا(٢)، وخرج حديث عدي في التفسير أيضًا، وقال: ((إن وسادك إذًا لعريض))(٣) وقال في رواية: ((إنك لعريض القفا)) (٤) وفي سند حديث عدي، حُصين بن عبد الرحمن بضم الحاء، كذا حیث وقع بلا کنية، فإن کني به فهو بفتح أوله. والعقال فيه، الحبل. وقال الداودي في حديث سهل بن سعد: أحسب أنه غير المحفوظ، وإنما المحفوظ حديث عدي؛ لأن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، وإن كان محفوظًا فإنما كان هو الذي فرض عليهم ثم نسخ بالفجر. والخيط: اللون عند أهل اللغة، وبيانه في حديث عدي: سواد الليل وبياض النهار، فخيط الفجر بياض الصبح أول ما يبدو يمتد كالخيط ثم ينتشر. وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى(٥)، وروي معناه عن ابن مسعود(٦). (١) برقم (١٩١٥). (٢) مسلم (١٠٩٠ - ١٠٩١) كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر. (٣) سيأتي برقم (٤٥٠٩). (٤) سيأتي برقم (٤٥١٠). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٧/٢ (٨٩٣٥) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٧/٢ (٨٩٣١). ١١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجر كم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت(١). وقال أبو عبيد: الخيط الأبيض: هو الصبح المصدق، والأسود: هو الليل، والخيط: هو النور. واختلف العلماء في الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب عَلَى من يريد الصوم كما فرضه ابن المنذر، فقال الأربعة وأبو ثور: إنه يحرم عند اعتراض الفجر الآخر في الأفق وهو المنتشر ضوءه معترضًا به. وروي معناه عن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء وعوام علماء الأمصار (٢). وفيه: قول ثان رويناه عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة وابن مسعود وغيرهم، فروينا عن سالم بن عبيد الله أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة(٣). وعن علي أنه قَالَ حين صلى الفجر: الآن حين تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٤). (١) تقدم. (٢) أنظر: ((المبسوط)) ٥٤/٣، ((أحكام القرآن)) ٩٢/١، ((البيان) ٤٩٧/٣، ((المغني)) ٣٢٥/٤. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٧/٢ (٨٩٢٩) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ١٨٠/٢ (٣٠١٢). (٤) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٦١/١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري. ١١٣ كِتَابُ الصَّوْمِ = وروينا عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى(١). وروينا عن ابن مسعود مثله(٢) زاد الطحاوي قَالَ زر: تسحرت ثم أنطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه فأمرني بلقحة، فحلبت، ثم قَالَ: أدن فكل. فقلت إني أريد الصيام. فقال: وأنا أريد الصيام. فأكلنا وشربنا، ثم أتينا المسجد فأقمت الصلاة، فلما صلى حذيفة قَالَ: هكذا فعل رسول الله وَله. قلت: أبعد الصبح؟ قَالَ: نعم هو الصبح، غير أن الشمسَ لم تطلع(٣). قَالَ النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. ورواه من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن زر، ومن طريق إبراهيم، عن صلة، ولم يرفعاه، قَالَ: فإن كان رفعه صحيحًا فمعناه أنه قرب النهار كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن قربنا(٤) المنازل إذا قارب، وروى حماد عن أبي هريرة أنه سمع النداء والإناء عَلَى يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة(٥). (١) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٧/٢ - ٢٧٨ (٨٩٣٥، ٨٩٣٧، ٨٩٣٩)، والطبري ١٧٩/٢ (٣٠٠٦ - ٣٠٠٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١)، والطبري ١٨٠/٢ (٣٠١١). (٣) رواه أحمد ٣٩٦/٥، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٥٢ كتاب: الصيام، باب: الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصيام، وفي ((شرح مشكل الآثار)) ٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤ (١٣٤١) (تحفة). من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبیش، به. (٤) بياض في (م) بمقدار كلمة. (٥) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) ٢٣٣/٦. من طريق حماد بن سلمة، ثنا حميد، عن أبي رافع أو غيره عن أبي هريرة، به، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)» ٧/ ١١٧ - ١١٨: إسناد صحيح موقوف. ١١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال هشام: كان عروة يأمرنا بهذا، يعني: إذا سمع النداء والإناء على يده، فلا يضعه حَتَّى يقضي حاجته منه. ورواه الحسن عن النبي وَلقر مرسلًا(١). قلت: هو في ((سنن أبي داود)) عن أبي هريرة مسندًا، وأخرجه الحاكم في (مستدركه)) ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم، ولم يخرجاه(٢). (١) رواه أحمد ٤٢٣/٢، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ (٧٣٦٩). (٢) أبو داود (٢٣٥٠) كتاب: الصوم، باب: في الرجل يسمع النداء والإناء على يده، ((المستدرك)) ٢٠٣/١، كتاب الصلاة، ٤٢٦/١ كتاب: الصوم ٤٢٣/٢، ٢/ ٥١٠، ورواه أيضًا الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٣)، والدار قطني ١٦٥/٢، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا، به. ورواه أحمد ٥١٠/٢، والحاكم ٢٠٣/١، ٢٠٥، والطبري ١٨١/٢ (٣٠٢٤)، والبيهقي ٢١٨/٤ من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، مرفوعًا به. وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر. والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم - كما ذكر المصنف- وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر قال: ((إذا سمع أحدكم .. )) الحديث، وحديث حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر مثله، فقال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح ا.هـ ((علل ابن أبي حاتم)) ١٢٣/١ - ١٢٤ (٣٤٠)، ٢٥٦/١- ٢٥٧ (٧٥٩) بتصرف یسیر. وصححه عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى)) ٢١٢/٢ فأورده وسكت، وسكوته عنه تصحیح له كما نص هو على ذلك في مقدمته للكتاب ٦٦/١ فقال: وإن لم تكن فيه عله كان سكوتي عنه دليلًا على صحته.ا.هـ وهُذِه الفائدة من «صحيح أبي داود)) ٧/ ١١٥. وتعقب ابن القطان عبد الحق الإشبيلي فقال: سكت عنه عبد الحق، وهو حديث = ١١٥ ـ كِتَابُ الصَّوْمِ ................ = مشكوك في رفعه في الموضع الذي نقله منه قلت: يقصد ((سنن أبي داود)) - قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، أظنه، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، به. هكذا في رواية ابن الأعرابي عن أبي داود (أظنه) عن حماد وهي متسعة للتشكك في رفعه واتصاله، وإن كان غيره لم يذكر ذلك عن أبي داود فهو بذكره إياه قد قدح في الخبر الشك، ولا يدرؤه إسقاط من أسقطه، فإنه إما أن يكون شك بعد اليقين، فذلك قادح، أو تيقن الشك، فلا يكون قادحًا، ولم يتعين هذا الأخير، فبقي مشكوكًا فيه ا.هـ ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٨٢/٢ (٢٧٧). وكلام ابن القطان هذا ذكره عنه ابن القيم، وسكت عليه، فكأنما أقره على قوله، ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٣٣/٣. وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في ((إتحاف المهرة)» ١٦/ ١١٩ - ١٢٠ (٢٠٤٧٩) وعزاه للدارقطني والحاكم وأحمد وقال: قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات ا.هـ قلت: قول الدارقطني هذا غير موجود في ((سننه)) التي فيها الحديث فلعله في مصدر آخر، والله أعلم. والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، وتعقب ابن القطان قائلًا: لست أدري من أين جاء ابن القطان بهذا، والذي في ((سنن أبي داود)): حدثنا عبد الأعلى حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فهذا إسناد متصل بالسماع صحيح، ثم قد رواه أحمد: حدثنا غسان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو به، وغسان: هو ابن الربيع، وهو ثقة، ثم رواه أيضًا: حدثنا روح، حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة. مثله. فهُذِه أسانيد ثلاثة متصلة صحيحة ا.هـ ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٣٣/٣. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٣٩٤) و((صحيح أبي داود)) (٢٠٣٥) وفيه ردّ بديع رائع على ابن القطان، فليراجع. وقال فيه أيضًا متعقبًا أبا حاتم في تضعيفه للحديث: إني أرى أن الصواب لم يكن حليف أبي حاتم حين ضعف الحديثين من طريقي محمد بن عمرو، وعمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة! ومن الغريب، أنه لم يذكر الحجة في جزمه بأن حديث عمار الثقة موقوف! وقد رواه حماد الثقة عنه مرفوعًا، والمفروض أن = ١١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح .. ... يذكر المخالف له في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله المخالف له = في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله شواهد موصولة أخرى يقطع الواقف عليها بأن الحديث صحيح بلا ريب؟! ا.هـ ((صحيح أبي داود)) ١١٨/٧. قلت: هُذِهِ الشواهد التي أشار إليها الشيخ هي من حديث جابر وبلال وأبي أمامة وأنس بن مالك وابن عمر. حديث جابر رواه: أحمد ٣٤٨/٣ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه فيسمع النداء، قال جابر: كنا نحدث أن النبي ◌َّ﴿ قال: ((ليشرب)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٣/٣: إسناده حسن؛ وقال الألباني في ((الصحيحة)) ٣٨٣/٣: هذا إسناد لا بأس به في الشواهد، وتابعه الوليد بن مسلم: نا ابن لهيعة به، أخرجه أبو الحسين الكلابي في ((نسخة أبي العباس طاهر بن محمد)» ورجاله ثقات رجال مسلم، غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ.ا.هـ وحديث جابر هذا ذكره المصنف -رحمه الله- بعد حديث أبي هريرة. وحديث بلال رواه: أحمد ١٢/٦، ١٣، والطبري ١٨١/٢ (٣٠٢٦)، والشاشي ٣٦٨/٢- ٣٦٩ (٩٧٢ - ٩٧٥)، والطبراني ٣٥٥/١ - ٣٥٦ (١٠٨٣) عن بلال قال: أتيت النبي وسر أوذنه بالصلاة وهو يريد الصوم، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت ثم خرج إلى الصلاة. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٢/٣: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) ٣٨٣/٣. وحديث أبي أمامة رواه: الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٥) من طريق أبي غالب عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: «نعم))، فشربها. قال الألباني في ((الصحيحة)) ٣٨٢/٣: إسناده حسن. وحديث أنس رواه البزار كما فى ((كشف الأستار)) (٩٨٣) من طريق مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَتليفون: أنظر من في المسجد فادعه، فدخلت- يعني المسجد- فإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فدعوتهما .. الحديث، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ١٥٢؛ والحافظ في ((مختصر = ١١٧ كِتَابُ الصَّوْمِ وعن جابر مثله، أخرجه القاضي يوسف بن حماد بن زيد في كتاب ((الصيام))(١). وقال بعض أهل العلم فيما حكاه الحازمي(٢): إن حديث حذيفة كان في أول الأمر ثم نسخ بدليل حديثي الباب، وتأول بعضهم قوله في حديث عدي: ((إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)) قال بياض النهار أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت وقت صلاة المسفرين بصلاة الصبح. وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. وقال إسحاق بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبي بكر وعلي وحذيفة: هؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، رأوا أن يصلي المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا، ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا حَتَّى يتبين بياض النهار من سواد الليل. ومال إسحاق إلى القول الأول، ثم قَالَ من غير أن يطعن في هؤلاء الذين تأولوا الرخصة في الوقت: فمن أكل في ذَلِكَ الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولًا. = زوائد البزار)» (٦٩٥): إسناده حسن. وحديث ابن عمر رواه: الطيالسي ٤١٤/٣ (٢٠١٠)، وعبد بن حميد ٥٢/٢- ٥٣ (٨٥٠)، وابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ١٦١ في ترجمة قيس بن الربيع (١٥٨٦) من طريق قيس بن الربيع، عن زهير بن أبي ثابت عن تميم بن عياض، عن ابن عمر قال: كان علقمة بن علاثة عند رسول الله وَلهر فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال رسول الله وَله: رويدًا يا بلال يتسحر علقمة. قال: وهو يتسحر برأس. وانظر: («الصحيحة)) (١٣٩٤). (١) تقدم تخريجه في شواهد حديث أبي هريرة السابق له. (٢) ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) للحازمي ص: ١١٢. ١١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال الطحاوي، ولم يذكر حديث أبي بكر ولا علي، ولا فعل أبي هريرة وابن مسعود: حديث حذيفة يدل عَلَى أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل(١). وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قبل أن ينزل ﴿مِنَ الْفَخْرِ﴾ عَلَى ما في حديث سهل، وذهب علم ذَلِكَ عن حذيفة وعلمه غيره، فعمل حذيفة بما علم ولم يعلم الناسخ فصار إليه، ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. وقال ابن قدامة: ﴿اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ﴾ هو: الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، قَالَ: وذلك إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، وقد شدَّ، ولم يعرج أحد عَلَى قوله، قال والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى الغروب، هذا قول جماعة المسلمين(٢). وقال الطبري: الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها(٣)، هذا ليس بصحيح منه كما نبه عليه القرطبي(2)؛ لأن الله تعالى أمر بصوم ما يقال عليه يوم لا ما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا: الصائم يلزمه اعتراف طرفي النهار، وذلك لا يكون إلا بتقديم شيء وإن قلَّ من السحر، وأخذ شيء من الليل؛ لأن عليه أن يدخل في إمساك أول جزء من اليوم بيقين، كما عليه أن يدخل في أول رمضان بيقين، والأكل مناف (١) ((شرح معاني الآثار)) ٥٢/٢. (٢) ((المغني)) ٣٢٥/٤. (٣) ((تفسير الطبري)) ١٨٠/٢ - ١٨١. (٤) ((تفسير القرطبي)) ٣١٩/٢. ١١٩ - كِتَّابُ الصَّوْمِ لأول جزء من الإمساك، فينبغي له أن يقدم الإمساك ليتحقق له أنه حصل في طلوع الفجر ممسكًا، ومن أكل حين يتبين له الفجر ويعلمه فقد جعل أكلًا في أول الصوم. واختلفوا فيمن أكل وهو شاك في طلوع الفجر، فقالت طائفة: الأكل والشرب مباح حَتَّى يتيقن طلوع الفجر. وروى سفيان عن أبان عن أنس عن الصديق قَالَ: إذا نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما: طلع. وقال الآخر: لم يطلع. فليأكل حَتَّى يتبين لهما (١). وعن ابن عباس قَالَ: أحل الله الأكل والشرب ما شككت(٢). وروى وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول قَالَ: رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم ثم قَالَ لرجلين: أطلع الفجر؟ فقال أحدهما: لا، وقال الآخر: نعم، فشرب(٣). ومكحول هذا ليس بالشامي، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور، کلھم قَالَ: لا قضاء علیه، ولیس کمن يأكل وهو يشك في غروب الشمس إذ الأصل بقاء النهار، والأصل هناك بقاء الليل (٤). وقال مالك: من أكل وهو شاك في الفجر فعليه القضاء(٥). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٧٢/٤ (٧٣٦٥) باب: الطعام والشراب مع الشك. (٢) رواه عبد الرزاق ١٧٢/٤ (٧٣٦٧)، وابن أبي شيبة ٢٨٩/٢ (٩٠٦٧). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٨٨/٢ (٩٠٦٠). (٤) انظر: ((المبسوط)) ٧٧/٣، ((البيان)) ٥٠٠/٣، ((المغني)» ٣٩٠/٤. (٥) ((المدونة)) ١٧٣/١. ١٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال ابن حبيب: هو عنده استحباب إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر فيصير واجبًا، كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ظهرت الشمس(١). قلت: الخلاف محله إذا لم يبن الحال. واحتج الأولون بما أسلفناه، وهو القياس، قَالَ تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ الآية، وهو العلم به، وليس الشك علمًا به، ولكن الاحتياط أن لا يأكل في شك، والبناء عَلَى اليقين من قواعد الدين، والشك مطرح، كما في الشك في الصلاة. وقد وقع الاتفاق عَلَى أنه إذا أكل يوم الشك أنه لا قضاء عليه إذا لم بين أنه من رمضان، ومسألتنا كذلك قد أكل في زمن يجوز أن يكون من الليل ومن النهار، فلم يلتفت إلى التحرير مع استصحاب حكم الليل، كما لم نوجب الإعادة في يوم الشك مع استصحاب حكم شعبان، وهذه المسألة مبنية عَلَى ما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث. واحتج من أوجب القضاء بأن الطعام والشراب يحرم عند اعتراض الفجر الآخر وصوم رمضان عليه بيقين، فلا يسقط حكم الصوم إلا بيقين، ومن شك هل أكل قبل الفجر أو بعده؟ فليس بيقين دخوله في الإمساك، وهو كمن شك في الغروب فأكل، وكمن شك في الصلاة، فلا تجزئه الصلاة؛ لأن الوقت عليه بيقين، وكذا لو شك في دخول رمضان وصام عَلَى الشك لم يجزئه من رمضان، وكذا لو شك هل كبر للإحرام لم يجزئه؛ لأن عليه الدخول في الصلاة بيقين كما يدخل في وقتها بيقين، كذلك عليه الدخول في أول جزءٍ من اليوم بيقين، كما عليه الدخول في رمضان بيقين. أعني: الاعتقاد الصحيح. وفرق ابن (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٨/٢.