النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
واليمين الكاذبة))(١).
قَالَ أبو حاتم في ((علله)): هذا حديث كذب(٢).
ولابن حزم -مصححًا- عن عبيد مولى رسول الله وَليل أن رسول الله
وَ﴿ أتى عَلَى امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: ((قيئًا)) فقاءتا
قيحًا ودمًا ولحمًا عبيطًا، فقال ◌َّه: ((إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا
عَلَى الحرام))(٣) .
(١) مسند أبي هريرة من ((علل الدارقطني)) غير مطبوع، وقد روي عن أنس. رواه
الديلمي كما في ((الفردوس)) ٩٧/٢ (٢٩٧٩) وعنه الجورقاني في ((الأباطيل
والمناكير)) ٣٥١/١ (٣٣٨)، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٦٠/٢ (١١٣١)
من طريق الحسن بن أحمد بن البنا، عن أبي الفتح بن أبي الفوارس، عن أبي
محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أحمد بن جعفر الجمال، عن سعيد بن
عنبسة، عن بقية، عن محمد بن الحجاج، عن جابان، عن أنس مرفوعًا. به.
قال الجورقاني: هذا حديث باطل، في إسناده ظلمات، وقال ابن الجوزي:
حديث موضوع، من سعيد بن عنبسة إلى أنس كلهم مطعون فيه، وقال ابن ماكولا
في ((الإكمال)) ١٠/٢- ١١ في ترجمة جابان روى عن أنس، عن النبي ◌َّ حديثًا
منكرًا ((خمس يفطرن الصائم)) وكذا أورده الحافظ في ((لسان الميزان)) ٨٦/٢ في
ترجمة جابان (١٨٨٢) من حديث أنس وقال: قال الأذدي: موسى بن جابان، عن
أنس متروك الحديث. وأورده الشوكاني في ((الفوائد المجموعة في الأحاديث
الموضوعة)) ص٩٤ (٢٥)، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٧٠٨): موضوع.
(٢) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٥٨/١ - ٢٥٩ (٧٦٦) والذي فيه من حديث أنس.
(٣) ((المحلى)) ١٧٨/٦. وحديث عبيد رواه أحمد ٤٣١/٥، وابن أبي الدنيا في
((الصمت)) (١٧١)، والروياني في «مسنده)) ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٧٢٩)، والبيهقي في
((دلائل النبوة)) ١٨٦/٦ من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي قال سمعت
رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله وصله ..
الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ سليمان التيمي.
ورواه أبو يعلى في «مسنده» ١٤٦/٣ - ١٤٧ (١٥٧٦)، وابن الأثير في ((أسد =
٠

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعن علي من حديث مجالد عن الشعبي عنه(١).
ومجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر قَالَ: ليس الصيام من
الطعام والشراب وحده، لكنه من الكذب والباطل واللغو(٢). وعن أنس
قَالَ: إذا أغتاب الصائم أفطر (٣) (٤). وقال أبو ذر: إذا كان يوم صومك
فتحفظ ما استطعت (٥).
= الغابة)» ٥٣٨/٣ من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عبيد مولى رسول
الله ◌َطٍ .... الحديث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف أيضًا لانقطاعه؛ لأن سليمان التيمي لم يسمع من عبيد،
فهو مرسل.
قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ١٤٠/٣ (١٧٦٦): عبيد مولى رسول الله الخوي
روى عنه سليمان التيمي، ولم يسمع منه، بينهما رجل.
والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥١٩)، وقال عنه الحويني في النافلة
(٦٢): منكر، وعقد فيه بحثًا أيضًا فليراجع.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٤) كتاب: الصيام، ما يؤمر به الصائم من قلة
الكلام وتوقي الكذب، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣١٦/٣ (٣٦٤٥، ٣٦٤٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٨٥).
(٣) وقع في هامش الأصل: ولأحمد مسند فیه مجهول عن عبيد مولى رسول الله (ێ أن
آمرأتين صامتا إلى أن قال: ((ادعهما)) قال: فجاءتا. قال: فجيء بقدح أو عس فقال
لإحداهما: ((قيئي)) فقاءت قيحًا، ودمًا وصديدًا أو لحمًا حتى ملأت نصف القدح،
ثم قال للأخرى إلى أن قال: ((إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على
ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس)).
وله بسند آخر فيه مجهول ... عثمان بن عتاب الذي ... مولى رسول الله صل كذلك.
وله: حدثنا يحيى بن سعيد عن عتاب- هو ابن سعيد مولى رسول الله وٍَّ﴾ - أنهم
أمروا بصيام يومٍ، فذكر نحوه وقد عزاه الشيخ لابن حزم هنا.
(٤) تقدم تخريجه، وهو عند هناد في ((الزهد)) ٥٧٣/٢ (١٢٠٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٢/٢ (٨٨٧٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣١٦/٣
(٣٦٤٧).

٨٣
= كِتَابُ الصَّوْمِ
قَالَ ابن حزم: فهؤلاء من الصحابة عمر وعلي وأنس وأبو ذر وأبو
هريرة وجابر (١)، يرون بطلان الصوم بالمعاصي؛ لأنهم خصوا الصوم
باجتنابها، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ومن التابعين مجاهد
وحفصة بنت سيرين وميمون بن مهران والنخعي(٢)، وفي هذا رد عَلَى
قول ابن التين لما نقل عن الأوزاعي أنه يفطر من أغتاب مسلمًا. وعند
كافة الفقهاء أن ذَلِكَ نقص من حظه من الصيام لا في الإجزاء. واحتج
الأوزاعي بالحديث السالف، وهذا عندنا عَلَى وجه التغليظ والمجاز،
ومعناه: سقوط الثواب.
قلت: قد علمت ضعفه وأن الأوزاعي لم ينفرد به، وكذا قَالَ ابن
بطال(٣) : اتفق جمهور الفقهاء عَلَى أن الصائم لا يفطره السب والشتم
والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ القبيح، ثم نقل عن
الأوزاعي أنه يفطره السب والغيبة، واحتج بما روي أن الغيبة تفطر
الصائم، وكذا قَالَ القرطبي.
قَالَ: وبه قَالَ الحسن فيما أحسب. وقال ابن القصار: معناه: أنه
يصير في معنى المفطر في سقوط الأجر لا أنه أفطر في الحقيقة لقوله
تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ تَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾
[الحجرات: ١٢] فلم يكن آكلًا في الحقيقة، وإنما يصير في معناه،
ويجوز أن يكون في معنى التغليظ كما قَالَ: ((الكذب مجانب
(١) تقدم تخريج هذه الآثار.
(٢) أنظرها في: (مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٣، ٨٨٨٧ - ٨٨٨٩) كتاب:
الصيام، باب: ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب، و((شعب الإيمان))
٣١٧/٣ - ٣١٨ وانظر ((المحلى)) ٦/ ١٧٩.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٤/٤ - ٢٥.

٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الإيمان)). وقال أبو العالية: الصائم في ثوابٍ ما لم يغتب وإن كان نائمًا
عَلَى فراشه(١).
وقال مجاهد: من أحب أن يسلم له صومه (فليجتنب)(٢) الغيبة
والكذب(٣). وقال النخعي: كان يقال: الكذب يفطر الصائم(٤).
وقوله: ( ((فليس لله حاجة)) ) معناه: فليس لله إرادة في صيامه، والله
لا يحتاج إلى شيء فوضع الحاجة موضع الإرادة(٥).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٣/٢ (٨٨٨٩) كتاب الصوم، ما يؤمر به الصائم من قلة
الكلام وهناد في ((الزهد)» ٢/ ٥٧٢ (١٢٠١) باب الغيبة للصائم.
(٢) في (ج) فلیتخنب.
(٣) رواه هناد في ((الزهد)) ٢/ ٥٧٢ (١٢٠٣).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٥٧٣/٢ (١٢٠٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢٧/٤.
(٥) في هامش الأصل: آخر ٩ من ٦ من تجزئة المصنف.
وقبالتها في الجهة الأخرى من الهامش: ثم بلغ في الرابع بعد الأربعين كتبه مؤلفه.

٨٥
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
٩- باب هَلْ يَقُولُ إِنِيّ صَائِمٌّ. إِذَا شُتِمَ؟
١٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِ عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي
بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ
سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي آمْرُؤْ صَّائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفٌ
فَمَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الهِ مِنْ رِبِحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا
أَفَطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)). [انظر: ١٨٩٤ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ١١٨/٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف في باب فضل الصوم، وهو أتم
من ذاك.
والرفث والجهل ذكر هنا؛ لأنه أشد لحرمة الصوم عنهما كما
قاَلَ تعالى: ﴿قَدّ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ١- ٢] والخشوع في الصلاة آكد منه في غيرها، وقال في
الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فأكد حرمة
الأشهر الحرم وجعل الظلم فيها أشد من غيرها، فينبغي للصائم أن
يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف قدر ما لزمه من
حرمة الصيام، والقيام بحدوده. وقد أسلفنا هناك الكلام عَلَى ((يصخب)).
وقوله: ( ((فم))) وفي بعض النسخ ((فيٍّ)) وهو رواية الشيخ أبي
الحسن، كما عزاه إليه ابن التين، ثم نقل عن القزاز أنه لا أصل لهذا
اللفظ في الحديث ولا لقوله: «فيِّ الصائم)) بتشديد الياء، والتشدید
لا يجوز عَلَى أحد جهله، وإنما تقول العرب: أعجبني فو زيد،
وعجبت من في زید، ولا وجه للتشدید.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠- باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُزُوبَةَ
١٩٠٥- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ:
بَيْنَا أَنَّا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ الهِ رضي الله عنه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بََّ فَقَالَ: ((مَنِ
اَسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). [٥٠٦٥، ٥٠٦٦- مسلم: ١٤٠٠ - فتح: ١١٩/٤]
ذكر فيه حديث أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي- عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ
وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، والاستطاعة هنا وجود
ما يتزوج به لا القدرة عَلَى الوطء.
والباءة أصلها في اللغة: الجماع، وهي مشتقة من المباءة وهي:
المنزل، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأن من تزوج امرأة فقد بوأها
منزلًا، فهو من مجاز الملازمة، وفي الباءة أربع لغات: أفصحها
وأشهرها: الباءة بالمد والهاء .ثانيها: بدون مد . ثالثها: بلا هاء.
رابعها: الباهة بهائين بلا مد. وفي بعض شروح ((التنبيه)) أنها بالمد:
القدرة عَلَى مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء.
وفي ((الموعب)): الباءة: الحظ من النكاح. واختلفوا في المراد بها
هنا عَلَى قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما: أن المراد معناها
(١) مسلم (١٤٠٠) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد
مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي
(١٠٨١)، والنسائي ١٦٩/٤، وابن ماجه (١٨٤٥) ..

٨٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
==
اللغوي، وهو الجماع، والثاني المؤن.
قَالَ ابن دريد: سميت باءة؛ لأن الماء يصب ثم يعود.
ومعنى «أَغَضُّ)» أمنع وأحصن، مأخوذ من الحصن الذي يمتنع به من
العدو. والوجاء -بكسر الواو والمد- رض الأنثيين أي: قاطع للشهوة،
فإن سلتا فهو الخصي.
وأطلق الداودي أن الوجاء هو الخصي، وحكي فيه فتح الواو
والقصر، وليس بشيء، كما نبه عليه القرطبي(١)، وحكاه صاحب
((مجمع الغرائب)) وغيره من الحفى، وما أبعده؛ لأنه لا يكون إلا بعد
طول مشي وتعب، إلا أن يستعمل بمعنى العثور.
وأغض وأحصن يحتمل أن تكون لغير المبالغة وأن تكون عَلَى بابها.
وقوله: ( ((فَعَلَيْهِ بِالصَّوْم)) ) ليس إغراء الغائب؛ لأن الهاء في عليه
لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة لتعذر خطابه بكاف الخطاب
والحوالة عَلَى الصوم لما فيه من كسر الشهوة؛ فإن شهوة النكاح تابعة
لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها.
وفيه: كما قَالَ الخطابي: دلالة عَلَى جواز المعاناة لقطع الباه
بالأدوية، ومنعه غيره قياسًا عَلَى التبتل والإخصاء(٢).
وفيه: وجوب الخيار في العنة، كما قَالَه القرطبي(٣).
وفيه: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه، وهو إجماع، لكنه
عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب، وإن خاف العنت، وستأتي المسألة
(١) ((المفهم)) ٤ / ٨٥.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٩٥٠.
(٣) («المفهم)» ٤/ ٨٥.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
-إن شاء الله- مبسوطة في النكاح، فإنه أليق بها، وقد ندب رَّي أمته إلى
النكاح ليكونوا عَلَى كمال من دينهم، وصيانة لأنفسهم في غض
أبصارهم وحفظ فروجهم، لما يخشى عليه مَنْ جبله الله عَلَى حب
أعظم الشهوات، ثم أعلم أن الناس كلهم لا يجدون طولًا في
النساء، وربما خافوا العنت بعقد النكاح، فعوضهم منه ما يدافعون به
سورة شهواتهم وهو الصيام، فإنه وجاء، وهو مقطعة الانتشار وحركة
العروق التي تتحرك عند شهوة الجماع.

٨٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
١١- باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَّ:
((إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا))
وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا
القَاسِمِ وَلَّهُ.
١٩٠٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا
الهِلَاَلَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). [انظر: ١٩٠٠-
مسلم: ١٠٨٠- فتح: ١١٩/٤]
١٩٠٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ
لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ)). [انظر:
١٩٠٠- مسلم: ١٠٨٠- فتح: ١١٩/٤]
١٩٠٨- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْم قَالَ: سَمِعْتُ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)). وَخَتَسَ الإِنْهَامَ
في الثَّالِثَةِ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٣) - فتح: ١١٩/٤]
١٩٠٩- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ - أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَّاسِمِ وَ -: ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبَِّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)). [مسلم:
١٠٨١- فتح: ٤ /١١٩]
١٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن ◌ُرَيْجٍ، عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَنْفِئٍّ، عَنْ
عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اَلَىْ مِنْ نِسَائِهِ
شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا - أَوْ رَاحَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ
لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)). [٥٢٠٢ مسلم:

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٠٨٥- فتح: ١١٩/٤]
١٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَلَى رَسُولُ اللهِوَّهِ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ
في مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((إِنَّ
الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)). [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٤ /١٢٠]
ثم ذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ:
((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ
فَاقْدُرُوا لَهُ».
وحديثه أيضًا: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ،
فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ)).
وحديثه أيضًا: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)). وَخَتَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِئَةِ.
وحديث أبي هريرة: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ
فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)).
وحديث يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ آَلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَىْ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ
يَوْمًا غَدَا - أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ:
((الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)).
وحديث أنس: آَلَى رَسُولُ اللهِنَّهِ، وَكَانَتِ أَنْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي
مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا.
فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)).
الشرح :
تعليق صِلةً عن عمار - وهو ابن ياسر - أخرجه أصحاب السنن

٩١
كِتَابُ الصَّوْمِ
الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والحاكم عَلَى شرط
الشيخين. وقال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات(١).
ولا عبرة بقول أبي القاسم الجوهري أنه موقوف، فقد قَالَ ابن
عبد البر: لا يختلفون في إسناده. وصِلة هو ابن زفر، ووقع في كتاب
ابن حزم: ابن أشيم (٢)، وهو غلط.
وحديث ابن عمر بطرقه أخرجه مسلم (٣) وقد سلف (٤).
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وحديث أم سلمة أخرجه
مسلم أيضًا(٦)، وحديث أنس من أفراده.
وقد سلف فقه الباب في باب: هل يقال رمضان(٧)؟ واضحًا.
وحديث أبي هريرة ساقه البخاري عن آدم، ثَنَا شعبة، ثَنَا محمد بن
زياد، سمعت أبا هريرة، فذكره.
قَالَ الإسماعيلي: رواه هكذا، وفيه: ((فإن غم عليكم فأكملوا عدة
(١) أبو داود (٢٣٣٤) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، الترمذي (٦٨٦)
كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، النسائي ٤/ ١٥٣، ابن
ماجه (١٦٤٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، ابن خزيمة ٣/
٢٠٤ - ٢٠٥ (١٩١٤)، ابن حبان ٣٥١/٨ (٣٥٨٥) كتاب: الصوم، صوم يوم
الشك، الدارقطني ١٥٧/٢، الحاكم في ((المستدرك)) ٤٢٣/١ - ٤٢٤.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٢)، و((الإرواء)) (٩٦١).
(٢) ((المحلى)) ٢٣/٧.
(٣) مسلم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر ..
(٤) برقم (١٩٠٠).
(٥) مسلم (١٠٨١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٦) مسلم (١٠٨٥) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعا وعشرين.
(٧) راجع شرح أحاديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠).

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
شعبان ثلاثين)) وقد رويناه عن عندر وابن مهدي وعدد جماعات، كلهم
عن شعبة، لم يذكر أحد منهم ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
وهذا يجوز أن يكون آدم رواه عَلَى التفسير من عنده للخبر وإلا فليس
لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من
ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحًا.
ورواه المقرئ، عن ورقاء، عن شعبة عَلَى ما ذكرناه أيضًا،
ويحيى بن عبد الله بن صيفي ثقة(١).
ومعنى: خنس الإبهام: قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون
الخنوس لازمًا.
وقوله: ( ((الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)) ) أي ربما كان كذلك و((غبي))
بالباء وروي بالميم من الإغماء، وهو: الإخفاء، وقد سلف ((ويومًا)) أراد
به: مع ليلته.
وفيه: دلالة لقول ابن عبد الحكم أنه إذا حلف لا يكلم إنسانًا شهرًا
أنه يبر بتسعة وعشرين يومًا.
وعند مالك: لا يبر إلا بثلاثين. والمشرُبة بضم الراء وفتحها :
الغرفة، وقيل: الخزانة والجمع: مشارب، ولعل يمينه كانت في أول
النهار إن كان الصحيح قوله: غدا، أو في نصفه إن كان الصحيح:
أو راح، قاله ابن التین.
قَالَ الترمذي: والعمل عَلَى حديث عمار عند أكثر أهل العلم من
الصحابة والتابعين، وبه يقول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي
(١) هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي القرشي المخزومي المكي، مولى بني
مخزوم، وثقه ابن معين والنسائي. أنظر ترجمته في:
((الجرح والتعديل)) ١٦٢/٩ (٦٧٠)، ((تهذيب الكمال)) ٤١٦/٣١ (٦٨٦٦).

٩٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
وأحمد وإسحاق، وكرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم
أن صيامه مكان يوم من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه(١).
واحتج القاضي في ((شرح الرسالة)) عَلَى أبي حنيفة في تجويزه صوم
يوم الشك عَلَى أنه لرمضان بحديث ابن عمر، وفيه: ((لا تصوموا حَتَّى
تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). فنهى عن صومه إلا بأحد
هذين الشرطين، فمتى لم يوجدا أو أحدهما فيجب أن لا يجزئه، وقد
أسلفنا أن كافة الفقهاء ذهب إلى معنى ((فَاقْدُرُوا لَهُ)) مجمل يفسره قوله
وَ ر: ((فأكملوا العدة ثلاثين يومًا))، وكذلك جعل مالك في ((الموطأ)):
((فأكملوا العدة ثلاثين يومًا)) بعد قوله: (فَاقْدُرُوا لَهُ))(٢) كما صنع
البخاري؛ لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: ((فَاقْدُرُوا لَهُ».
وحكى ابن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في معناه إلى اعتباره
بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب(٣)، وقد سلف.
والحديث نص أنه لم يرد اعتبار ذَلِكَ بالنجوم والمنازل؛ لأنه لو
كلف ذَلِكَ أمته لشق عليهم؛ لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل
من الناس، ولم يجعل الله تعالى في الدين من حرج، وإنما أحال
عَلَى إكمال الثلاثين يومًا وهو شيء يستوي في معرفته الكل. وقد
أنضاف إلى أمره باعتبار ثلاثين عند عدم الرؤية بفعله في نفسه، فعن
عائشة: كان * يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر الشهور،
فإذا رآه صام، وإن غم عدَّ شعبان ثلاثين وصام. ولو كان هاهنا علم
آخر لکان یفعله أو يأمر به(٤).
(١) ((سنن الترمذي)) عقب حديث (٦٨٦).
(٢) ((الموطأ)» ص ١٩٢.
(٣) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤/ ٣٥٠.
(٤) تقدم تخريجه باستيفاء.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وجمهور الفقهاء عَلَى أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج
شعبان، إما بالرؤية وإما بإكمال شعبان ثلاثين، وكذلك لا يقضى
بخروج رمضان إلا بيقين مثله؛ لأنه ممكن في الشهر أن يكون ناقصًا،
فالرؤية تصحح ذَلِكَ وتوجب اليقين، وإلا فإكمال العدد ثلاثين يقينًا،
هُذا معنى قوله: ((فَاقْدُرُوا لَهُ) عند العلماء. ولابن عمر فيه تأويل شاذ
لم يتابع عليه کما سیأتي في باب: صيام يوم الشك.
وأما حديث: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) له، فإن معناه - كما قَالَ الطبري:
الشهر الذي نحن فيه أو الذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأن الألف واللام إنما
تدخلها العرب في الأسماء، إما لمعهود قد عرفه المُخبِر والمخبَر، وإما
للجنس العام من الشهر، ومعلوم أنه و ﴿ لم يقصد في ذَلِكَ الخبر عن
الجنس العام؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل: «صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته). فأحال عَلَى الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة
تسعًا وعشرين، فعلم أن قوله: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)) أن ذَلِكَ قد يكون
في بعض الأحوال. وقد روى البخاري بعده عن ابن عمر مرفوعًا: ((إنا
أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر (كذا وكذا)(١))(٢) يعني: مرة ناقصًا
ومرة كاملًا. وروي عن عروة، عن عائشة أنها أنكرت قول من قَالَ أنه وَّل
قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ»: لا والله ما قَالَ كذلك، إنما قَالَ حين
هجرنا: ((لأهجرنكم شهرًا) وأقسم عَلَى ذَلِكَ، فجاءنا حين ذهب تسع
وعشرون ليلة، فقلت: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرًا. فقال: ((إن الشهر
كان تسعًا وعشرين ليلة))(٣).
(١) ورد فوق الكلمتين: هكذا وهكذا.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٣).
(٣) رواه مسلم (١٠٨٣) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين، والنسائي
١٣٦/٤ - ١٣٧، وأحمد ٣٣/٦.

٩٥
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
١٢- باب شَهْرًا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
قَالَ إِسْحَاقُ(١): وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهْوَ تَمَامٌّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ:
لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ.
١٩١٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُغْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُغْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدِ الَذَّاءِ
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِ بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
((شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرًا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ)). [مسلم: ١٠٨٩- فتح: ٤/
١٢٤]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ رسول الله
وَ﴾: ((شهرًا عيد لا يَنْقُصَانِ، شَهْرًا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ)).
حديث أبي بكرة أخرجه مسلم أيضًا (٢). ونقل الداودي عن بعض
العلماء أنه لم يروه أهل المدينة.
وإسحاق(٣) هذا هو ابن سويد بن هُبَيْرة العدوي عدي بن عبد مناة بن
أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا
وهو المذكور بعد في حديث أبي بكرة، الراوي عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة، عن أبيه، مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة.
(١) ورد بهامش (م): هو إسحاق بن راهويه، وفي هامش الأصل: ابن سويد، كذا في
نسختي، وعليه ما رقمته عليه، والظاهر أنها للمستملي. اهـ
مسلم (١٠٨٩) كتاب: الصيام، باب: معنى قوله التلّة شهرا عيد لا ينقصان.
(٢)
ووقع بين السطور رموز غير واضحة.
(٣) ورد بهامش (م): ((إسحاق أي الذي هو من رجال السند لا المذكور بعد الترجمة
في بعض النسخ.

٩٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعبد الرحمن بن أبي بكرة أول مولود ولد بالبصرة في الإسلام سنة
أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، ومات أبو بكرة نفيع بن مسروح
سنة إحدى وخمسين بالبصرة. ولما خرَّج الترمذي حديث أبي بكرة
حسنه، قَالَ: وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي وَله
مرسلًا(١).
وسمي شهر رمضان شهر عید، وإنما العید في شوال؛ لأنه قد یری
هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم من رمضان، أو أنه لما قرب العيد
من الصوم أضافته العرب إليه بما قرب منه، ذكرهما الأثرم، واختلف في
معناه على تأويلين:
أحدهما: لا ينقصان من سنة، أي غالبًا.
والثاني: لا ينقص ثوابهما بل ثواب الناقص كالكامل، وقد ذكرهما
البخاري أول الباب، أو المراد لا ينقص العمل في عشر ذي الحجة
ولا رمضان، وفيه قوة، وبالأول قَالَ البزار: إن نقص أحدهما تم الآخر.
وقَالَ الطحاوي: روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، [عن أبيه](٢) عن النبي ◌َّر أنه قَالَ: ((كل شهر حرام ثلاثون))
قَالَ: وليس بشيء لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء، ولأن العيان
يمنعه(٣).
(١) الترمذي (٦٩٢) باب: ما جاء في شهرًا عيد لا ينقصان.
(٢) زيادة من الطحاوي.
(٣) ((شرح مشكل الآثار)) ٦٢١/٢ (١٣٣٨ - تحفة) وحديث أبي بكرة رواه ابن عبد البر
في ((التمهيد)) ٤٦/٢ - ٤٧ من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق
القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مرفوعًا، وقال: حديث لا يحتج
بمثله؛ لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف.

٩٧
= ڪِتَابُ الصَّوْمِ
وقال المهلب: روى زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا:
(شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا)).
وبالثاني قَالَ الطحاوي والبيهقي(١): والأحكام متكاملة فيهما لأن
في الأول الصوم وفي الثاني الحج.
فإن قلت: موضع العبادة من ذي الحجة لا يتأثر بالنقص؛ لأن
موضع العبادة منه في أوله خاصة. فجوابه أنه قد يكون في أيام الحج
من النقصان والإغماء مثل ما يكون في آخر رمضان، وذلك أنه قد
يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصانه، فإذا كان
ذَلِكَ وقع وقوف الناس بعرفة في ثامن ذي الحجة ومرة عاشره.
وقد اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل
الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده، أيجزئ عنه؛ لأنهما لا ينقصان
عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر رمضان
الناقص، والإجزاء هو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشافعي،
= وأورده الذهبي في («ميزان الاعتدال)» ٢٦٢/٣ في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق
أبو شيبة الواسطي (٤٨١٢) من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن
إسحاق. به. وقال الذهبي: عبد الرحمن ضعفوه، قال أحمد: ليس بشيء منكر
الحديث، وقال يحيى بن معين: ضعيف، ومرة قال: متروك، وقال البخاري: فيه
نظر. اهـ
وأورد متنه الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٧/٣ وعزاه للطبراني في ((الكبير)) وقال:
رجاله رجال الصحيح اهـ، ولم أقف عليه في ((الكبير)) فلعله في الجزء المفقود من
المعجم، وقول الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، فيه نظر، إن كان طريق الطبراني
هو نفس الطريق السابق الذي فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وقد أجمعوا على
ضعفه، إلا أنه قد يكون طريق الطبراني غير هذا الطريق والله أعلم.
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٥٨/٢ - ٥٩، و((سنن البيهقي)) ٢٥٠/٤ - ٢٥١.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واحتج أصحاب الشافعي عَلَى جواز ذَلِكَ بصيام من التَّسَتْ عليه الشهور
أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان وبعده، قالوا: كما يجزئ حج(١) من
وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده.
وقال ابن القاسم: إن أخطئوا ووقفوا العاشر أجزأهم، وإن قدّموا
الوقوف يوم التروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم(٢). وهذا
يخرج عَلَى أصل مالك فيمن التَّبَسَتْ عليه الشهور فصام شهرًا ثم تبين
أنه أوقعه بعد رمضان، أنه يجزئه دون ما إذا أوقعه قبله، كمن أجتهد
وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه، وقال بعض العلماء أنه لا يقع وقوف
الثامن أصلًا؛ لأنه إن كان برؤية وقفوا التاسع، وإن كان بإغماء فالعاشر.
(١) ورد بهامش / ١٣١ب/ ما نصه: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يقع تقصير في
طلب ثبوت الهلال.
(٢) انظر: ((المنتقى)) ٨/٣.

٩٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَلِّهِ: (لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ))
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَذَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَّدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
عَمْرِو أَنَّهُ سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نََّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ،
لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)). يَغْنِي: مَرَّةً تِسْعَةٌ وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً
ثَلَاثِينَ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٥) - فتح: ١٢٦/٤]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قال: قال النَّبِيِّ بَِّ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ
وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)). يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً
ثَلاثِینَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: ((نحن أمة أمية لا نكتب
ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» -وعقد الإبهام في الثالثة-
والشهر هكذا وهكذا وهكذا)) يعني تمام ثلاثين(١).
وانفرد بإخراجه من حديث سعد بن أبي وقاص (٢).
وقال أبو حاتم: مرسل عن محمد بن سعد، عن رسول الله وَ ليه (٣)،
ولأبي داود عن ابن مسعود: ما صمت مع رسول الله وَّه تسعًا وعشرين
أكثر مما صمنا ثلاثين (٤).
(١) مسلم (١٠٨٠ / ١٥).
(٢) مسلم (١٠٨٦) باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٢٥٥ (٧٥٤).
(٤) أبو داود (٢٣٢٢) باب الشهر يكون تسعًا وعشرين يومًا، ورواه الترمذي (٦٨٩)
باب ما جاء أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وأحمد ١/ ٣٩٧، ٤٤١، وابن خزيمة
٢٠٨/٣ (١٩٢٢) من طريق عيسى بن دينار، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث بن
أبي ضرار عن ابن مسعود .. قوله. قال المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) ٣٠٢/٣ :
حديث حسن، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١١).

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعن عائشة مثله عند الدارقطني: إسناد حسن صحيح (١)، ولابن
ماجه مثله من حديث أبي هريرة (٢).
قَالَ أبو حاتم الرازي: وحديث ابن عباس رفعه: ((الشهر تسع
وعشرون وثلاثون)) خطأ، والصحيح: عن عكرمة، عن رسول الله وَلقوله،
كذا رواه الحفاظ، فقيل له: فقد روي عن سماك، عن عبد الله بن
شداد، عن عائشة أيضًا، فقال أبو زرعة: يخطئ من يقول ذلك(٣).
وخطّأ أبو حاتم رواية من روى عنها مرفوعًا: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ)) (٤).
إذا تقرر ذَلِك؛ فمعنى قوله: ((إنا أمة)) أي: جماعة قريش، مثل
(١) ((سنن الدار قطني)) ١٩٨/٢، ورواه أحمد ٨١/٦، ٩٠، والطبراني في ((الأوسط))
٢٥٧/٥ (٥٢٤٩)، والبيهقي ٢٥٠/٤ كتاب: الصيام، باب: الشهر يخرج تسعًا
وعشرين فيكمل صيامهم. من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه،
عن عائشة. به.
وصححه الدار قطني كما ذكر المصنف، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث،
عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق بن سعيد ا.هـ، وقال الهيثمي في
((المجمع)) ١٤٧/٤ رواه أحمد والطبراني في ((الأوسط))، ورجال أحمد رجال
الصحيح، وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٢٣/٤: إسناده جيد، وقال الألباني في
((صحيح أبي داود)) ٧/ ٩٠، وسنده صحيح على شرطهما.
(٢) ابن ماجه (١٦٥٨) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهر تسع وعشرون، ورواه
الترمذي في ((العلل الكبير)) ٣٣٢/١، والطبراني في «الأوسط)) ٣٠٧/٦ (٦٤٨٦)،
وأبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ١/ ٣٢٠ من طريق القاسم بن مالك
المزني، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة. به.
وانظر: ((مصباح الزجاجة)) ٦٣/٢. وقال الألباني في ((صحيح ابن ماجه))
(١٣٤٥): حسن صحيح.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٣٣/١ (٦٨٠).
(٤) السابق ٢٣٩/١ (٦٩٧).