النص المفهرس

صفحات 1-20

التّوص الح
لشرح
الجامع الصحيح
تَصْنیف
سِرَاجِالدِّينِ أَبِي حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلِّبْن أَحْدِ الأَنصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المُجَلَّدُ الثَّالِثَ عَشَرَ
تحقِيْق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ الْعِلمِّ وَتَحَقِيْق التَّاث
بإشراف
◌ٌحَمْعَةٌ فَچى
خَالِدُ الرَّحَاظِ
تَقْدِيهُ
فَضِيْلَةِ الأسْتَّاذ الدكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ الشُّؤُوْرَالِْسْلاَمِيَّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ- دَوْلةِ قَطَرْ

:
3
13

التَوْص ◌ِيحُ

حُقُوق الطَّبْعُ مَحَفُوظَة
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
ء
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى ، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة
دَارُ النَّوازد
نُورُ الرَّشُطَالِبُ
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمشق - ص. ب : ٢٤٣٠٦
لبْنان - بَيروت - ص.ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٩٦٣ ..- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

....
*
+
فريق العمل في تحقيق واخراج
كِتَابُ التوضيح
دار الفلاح
الفَيُّوم
بإشراف
جمعَة فتحى عبد الحليم
خالد محمود الربَّاط
التّحقيق وَالمقابلة والتّعليق
أحمَد فوزي إبراهيم
وائل إمام عبد الفتّح
حِمام كمال توفيق
خالد مصطفى توفيق
عبد الله أحمَدُ فؤاد
عصام حمدي محمد
أحمَدْروني عبدالعظيم
لهافى رمضانْ هاشم
رِيْعُ محمَّد عوض الله
أحمد عوين جديد
محمدزكريا يوسف - سَامح محمّد عَبْد - سَعِيدُ عزّتْ عِبْد
عادل أحمد محمود طّ مصطفى أمين عماد مصطفى أمين
محمّعبدالفتاح عَليْ محمد أحمد عبد التَّابُ مصطفى عبد الحميدالصلابي
+
٥٠٠
+
+
ب
4
بـ
+

٠
+
٣٠
كِتَابُ الصَّوْمِ
+
+
٠
+
*
*
+
+

M
M
MC
٣٠- كتاب الصَّوْمِ
هو في اللغة: الإمساك. قَالَ ابن سيده: الصوم ترك الطّعام والشراب
والنِّكاح والكلام، صام صومًا وصِيامًا واصْطامَ، ورجلٌ صائِمٌ وصَوْمٌ من
قومٍ صوام وصيام وصُيَّم قلبوا (الواو) لقربها من الطرف، وصِيَّم عن
سيبويه كسروا لمكان الياء، وصِيَام وصَيَامَى الأخيرة نادرة، وصوم
وهو اسم الجميع، وقيل: هو جمع صائم (١).
وفي ((الجامع)) أصله القيام بإمساك ما، فالصائم مقيم عَلَى الإمساك
عن الطعام والشراب، ونساء صوَّم. وفي ((الصحاح)): رجلٌ صومان(٢).
وهو في الشرع: إمساك مخصوص في زمنٍ مخصوصٍ من شخصٍ
مخصوص مع النية، بشرائط مخصوصة.
وروي عن علي أنه لما صلى الفجر قَالَ: الآن حين يتبين الخيط
الأبيض من الخيط الأسود(٣).
(١) ((المحكم)) ٨/ ٢٥٨.
(٢) ((الصحاح)) ١٩٧٠/٥.
(٣) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩، ٣٠١٨)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/
٣٦١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري.

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعن ابن مسعود نحوه
.
(١)
وقال مسروق(٢): لم يكونوا يعدون الفجرَ الذي يملأ البيوت
والطرق، وهذا قول الأعمشِ(٣).
وقال ابن عساكر: قام الإجماع عَلَى أن الخيط الأبيض هو الصباح
وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، ولم يخالف فيه إلا الأعمش، ولم
يعرج أحد عَلَى قوله الشذوذِه.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ: حَدَّثَنَا أصحابُ محمدٍ وَه
قَالَ: أحيل الصوم عَلَى ثلاثة أحوال: صيام ثلاثة أيام لما قدم
المدينة، ثم صوم رمضان، ومن لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، فكانت الرخصة
للمريض والمسافر (٤).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ -ولم يسمع منه(٥) - قَالَ:
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٣٤/٤ (٧٦١٩) كتاب: الصيام، باب: تأخير
السحور، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير
السحور، والطبري ١٨٠/٢ (٣٠١٠ - ٣٠١١) بمعناه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما
كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت.
(٣) روى ابن أبي شيبة ٢٨٩/٢ (٩٠٧٥) والطبري ١٧٩/٢ (٣٠٠٠ - ٣٠٠١) عن
الأعمش، عن مسلم قال: لم يكونوا يعدوا الفجر فجركم ولكن يعدون الفجر
الذي يملأ البيوت والطرق.
(٤) رواه البيهقي في ((سننه)) ٢٠٠/٤ كتاب: الصيام، باب: ما قيل في بدء الصيام إلى
أن نسخ بفرض صوم شهر رمضان.
(٥) قال الترمذي في ((سننه)) ٢٩١/٥ بعد حديث (٣١١٣): عبد الرحمن بن أبي ليلى
لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن
غلام صغير ابن ست سنين. اهـ
=

١١
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
أحيل الصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن سيدنا رسول الله وَّخلال بعدما قدم
المدينة جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، فصام
سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى شهر رمضان.
ثم قَالَ: ((إن الله تعالى أنزل عليكم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ﴾ .. الآية [البقرة: ١٨٣](١).
قلت: الذي عليه المؤرخون أن فريضة رمضان إنما نزلت في شهر
شعبان عَلَى رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وأغرب البغوي
فقال: يقال: نزلت قبل بدر بشهرٍ وأيام(٢).
وقال الدارقطني: سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من معاذ فيه نظر؛ لأن معاذًا
قديم الوفاة: مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة. اهـ ((علل الدارقطني))
٦١/٦.
(١) رواه الطبري ١٣٦/٢ (٢٧٣٦)، ١٣٨/٢ (٢٧٤٠)، وابن أبي حاتم ٣١٥/١
(١٦٧٣)، والبيهقي ٢٠٠/٤.
(٢) ((معالم التنزيل)) للبغوي ١٤٩/١.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١- باب وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ
وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
[البقرة: ١٨٣].
٨٢
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بِنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّ أَغْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلاَ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ،
إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا)». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: ((شَهْرَ
رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ:
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ [يإِلَحَقٌ] لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا،
وَلَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)) أَوْ ((دَخَلَ
الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)). [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٤ /١٠٢]
١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ: صَامَ النَّبِيُّ وَّهِ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ
تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [٢٠٠٠، ٤٥٠١- مسلم: ١١٢٦ - فتح:
٤/ ١٠٢]
١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكَ
بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُزْوَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ
يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ يَّةِ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَه)). [انظر: ١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥-
فتح: ١٠٢/٤]
معنى: كتب فرض كما في قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَامُ﴾ أي: فرض،
وقيل: إنه كان فرض عَلَى النصارىُ فنقلوه عن وقتِهِ من الحرِّ إلى الربيع

١٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
وزادوا فيه، حكاه الزَّجاج وتوقف فيه، لكنه مروي عن الشعبي وأنه زيد
فيه إلى خمسين (١)، وهم أمة عيسى كما ذكره ابن عباس في ((تفسيره)).
وقيل: التشبيه إنما هو من أجل صومِهم، كان [من](٢) العشاء
الآخرة إلى مثلِها، وكان ذَلِكَ فرضٌ عَلَى المؤمنين في أوَّلِ ما افترض
عليهم الصوم.
قَالَ السديُّ: كتب عَلَى النصارى أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النومِ
ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان، فاشتد ذَلِكَ عَلَى النصارى، وجعل
يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذَلِكَ اجتمعوا فجعلوا
صيامًا في الفصل بين الشتاءِ والصيفِ. وقالوا: نزيد عشرين يومًا نُكفر
بها ما صنعنا. فجعل صيامهم خمسين يومًا، فلم يزلْ المسلمون عَلَى
ذَلِكَ يصنعون حَتَّى كان من أمر [أبي] (٣) قيس بن صرمة وعمر ما كان،
فأحل اللهُ تعالى لهم الأكل والشربَ والجماعَ إلى طلوع الفجرِ (٤).
وقال الحسن فيما ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره)): والله قد كتب
الصِّيام عَلَى كلِّ أمةٍ خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا(٥).
وإليه نحا الزمخشري في قوله: آدم فمن دونه. فعلمنا أن الصَّومَ عبادة
قديمة لم تخل منها أمة (٦).
(١) رواه الطبري في (تفسيره)) ١٣٤/٢ (٢٧٢٧) مطولًا.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) زيادة ليست في الأصل، مثبته من ((تفسير الطبري)).
(٤) رواه الطبري ١٣٤/٢ - ١٣٥ (٢٧٢٨) من طريق موسى بن هارون، عن عمرو بن
حماد، عن أسباط، عن السدي به.
(٥) (تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٠٥/١ (١٦٢٦).
(٦) ((الكشاف)) ٢٠٤/١.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: بالمحافظة عليه. أو: تنتظمون في
سلك المتقين، فإن الصَّومَ من شعارِهم.
وروي أن صرمة بن مالك(١) كان شيخًا كبيرًا جاء إلى أهلهِ وهو
صائمٌ فدعا بعشائِه، فقالوا: أمهل حَتَّى نجعل لك طعامًا سخنًا تفطر
عليه، فنام، فجاءوا بطعامِه، فقال: قد كنت نمت. فبات جائعًا،
فنزلت الآية (٢).
وجاء عمر لأهلِهِ فقال: إنها قد كانت نامت، فظن أنها اعتلت
عليه، فواقعها، وفعل مثل ذَلِكَ كعب بن مالك، فنزلت ﴿ ثُمَّ أَنِقُواْ
الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٧].
(١) سيأتي قريبًا في باب: قول الله جل ذكره ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَامِ﴾ في حديث
(١٩١٥) حكاية المصنف الاختلاف في اسمه، فقيل: صرمة بن أنس، وقيل:
صرمة بن قيس، وقيل: صرمة بن مالك، نسبة إلى جده، وقيل: صرمة بن أبي
أنس، واسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٥) والذي فيه: قيس بن صرمة الأنصاري.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٠، والطبري في «تفسيره)) ٢/ ١٧١ (٢٩٤٩)، وابن أبي حاتم ١/
٣١٦ (١٦٧٧) من حديث كعب بن مالك، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣١٧/٣:
رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات. اهـ
قلت: ابن لهيعة وان كان فيه ما فيه إلا أن الراوي عنه هنا عبد الله بن المبارك، قال
الحافظ في ((التقريب)) (٣٥٦٣): رواية ابن المبارك وابن وهب، عن ابن لهيعة
أعدل من غيرهما. اهـ
وقال الألباني في ((الصحيحة)) ٥٩٥/١: المتقرر من مجموع كلام الأئمة في ابن
لهيعة أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيئ الحفظ، وقد نص بعضهم على أن حديثه
صحيح، إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن
المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ الأزدي: إذا روى العبادلة عن
ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك. وابن وهب، والمقرئ. اهـ
فالمتقرر أن هذا الحدیث سنده حسن.
=

١٥
= كِتَابُ الصَّوْمِ
ذكر فيه حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ أَغْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ
الحدیث.
وسلف في الإيمان في باب: الزكاة من الإسلام(١).
وفيه: أن أداءَ الفرائضِ يوجب الجنةَ، وأن عمل السنن والرغائب
يوجب الزيادة في الجنة بفضله.
وفيه: عن أبي سهيل عن أبيه. وأبو سهيل نافع بن مالك بن أبي
عامر، ولم يذكر الحج فيه؛ لأنه لم يفرض حينئذٍ (٢) ولا الجهاد؛ لأنه
لم يكن عَلَى الأعراب فرضًا.
وفيه: اليمين عَلَى ترك فعل الطاعة المندوب إليها وهو مكروه، لكنه
وَّه سكت إما لأنه حديث عهدٍ بالإسلام فلا ينفره، أو لأنه أخبر أنه
لا ينقص من الفرائض ولا يزيد فيها فإذا أتى بها عَلَى أكملِ أحوالِها
لم يحتج إلى النوافل.
ومعنى: (وَلَا أَنْقُصُ) أي: مما فرض الله عليّ.
وحديث ابن عمر: صَامَ النَّبِيُّ وََّ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا
فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ.
وحديث عائشة أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ
أَمَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ
شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ)).
= وقد أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ٣٥٧ وعزاه لأحمد والطبري وابن المنذر
وابن أبي حاتم، وقال: إسناده حسن.
(١) برقم (٤٦).
(٢) قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٧٨/١: نزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل سنة
تسع، وقال الزيلعي في ((تبيين الحقائق)): ٢/٢ كان فرض الحج في سنة ست.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلف العلماءُ هل كان واجبًا قبل فرض رمضان أم لا؟ والأشبه
أنه لم يجب قط.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ بالأول(١)، وعبَّر الطبري عنه، فقال: عن
قوم: أنه کان یصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ینه عنه،
فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
وعن قوم: أنه لم يزل يصومه ويحث أمته عليه حَتَّى مضى لسبيله،
روي هذا عن ابن عباس قَالَ: ما رأيت رسولَ الله وَّهِ يصوم يومًا يتحرى
فضلَه إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان(٢).
ووجه كراهية ابن عمر صومه(٣)، هو نظير كراهية من كره صومَ
رجب إذا كان شهرًا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في الإسلام
ما كان يُعظّم في الجاهلية من غير تحريم صومه عَلَى من صامه،
ولا مرية من الثواب الذي وعد اللهُ صائمه عَلَى لسان رسوله إذا كان
مبتغيًا بصومِه ثوابَ اللهِ ولا يريد به إحياء سنةِ أهل الشرك، وكذلك
صوم رجب، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في بابه إن شاء الله، وهذا أولى
من دعوى نسخه بفرض رمضان كما مشى عليه ابن التين، وليس في
الأمر بصومه ما يدل عَلَى منع صومه إلا أنه أقترن به ما يدل عَلَى أن
جميعَ الفرضِ من الصيامِ.
(١) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ١٠٣/٢.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٠٠٦) باب: صوم يوم عاشوراء، ورواه مسلم
(١١٣٢) كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.
(٣) رواه مسلم (١١٢٦/ ١١٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((إن هذا يوم كان يصومه
أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه)) وكان
عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.

١٧
= ڪِتَابُ الضَّوْمِ
وقال الداودي: فيه دليل عَلَى أن معنى الآية: كتب عليكم رمضان
كما كتب عَلَى الذين من قبلكم صيام، وفيه ردٌّ عَلَى عطاءَ وقتادةً في
قولهما: كتب عَلَى أوائل أمة محمد بَّر ثلاثة أيام من كل شهر(١).
وقيل: إن في يوم عاشوراء ست عشرة فضيلة.
واختلف في السبب الموجب لصيام رسول الله وَالر عاشوراء، فروي
أنه كان يصومه في الجاهلية (٢).
وفي البخاري عن ابن عباس: قدم النبيُّ وَّرِ المدينةَ فرأى اليهودَ
تصومه قالوا: يومٌ صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهِم فصامه
موسى. فقال: ((نحن أحق بموسى منكم))(٣).
ويحتمل أن تكون قريش كانت تصومه كما في حديث عائشة، وكان
وَالله يصومه معهم قبل أن يبعث، فلما بعث تركه، فلما هاجر أعلم أنه من
شريعة موسى فصامه وأمر به، فلما فُرض رمضان(٤)، فيجمع بهذا بين
الحدیثین.
(١) رواهما الطبري ١٣٦/٢ (٢٧٣٤، ٢٧٣٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٠٢)، باب: صيام يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٢٥) كتاب
الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠٤).
(٤) كذا في الأصل وجواب الشرط (تركه) محذوف.

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢- باب فَضْلِ الصَّوْمِ
١٨٩٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِيِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثَ وَلَا
يَجْهَلْ، وَإِنِ آمْرُؤْ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ - مَرَّتَيْنِ - وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ
وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلَي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا)). [١٩٠٤،
٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ١٠٣/٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِهِ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ،
فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ آَمْرُؤُ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ.
مَرَّتَيْنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ
رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا
أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومن حديث أبي سعيد(٢)،
وزاد: ((يوم القيامة)) (٣)
وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس وابن
عمر والحارث الأشعري. قَالَ الحاكم: صحيحٌ عَلَى شرطهما(٥).
(١) مسلم (١١٥١) كتاب: الصيام.
(٢) مسلم (١١٥١ / ١٦٥).
(٣) مسلم (١١٥١/ ١٦٣).
(٤) النسائي ١٦٢/٤ كتاب: الصيام، فضل الصيام.
(٥) ((المستدرك) ٤٢١/١ - ٤٢٢ كتاب: الصوم، مطولًا. ورواه الترمذي (٢٨٦٣-
٢٨٦٤) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال:
حديث حسن صحيح غريب، وأحمد ١٣٠/٤، والطيالسي ٤٧٩/٢ - ٤٨٠
(١٢٥٧)، وأبو يعلى في («مسنده)) ٣/ ١٤٠ - ١٤٢ (١٥٧١)، وابن خزيمة ٩٥/٣ - =

١٩
= كِتَابُ الصَّوْمِ
ومعنى: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ)): سترٌ من الآثام أو النار؛ أو لأنه يكسر
شهوته ويضعف قوته، ومنه قيل للترس: مجن؛ لأن صاحبه يستتر به.
وفي بعض الأحاديث ((الصوم جنَّة ما لم يخرقه)) قيل: وبم يخرقه؟
قَالَ: ((بكذب أو غيبة))(١).
= ١٩٦ (١٨٩٥) كتاب: الصيام، باب: ذكر تمثيل الصائم في طيب ريحه بصیب ريح
المسك إذ هو أطيب الطيب، وابن حبان ١٢٤/١٤ - ١٢٦ (٦٢٣٣) كتاب:
التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني ٢٨٥/٣ - ٢٨٧ (٣٤٢٧)، وابن الأثير في
((أسد الغابة)) ٣٨٣/١، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢١٧/٥ - ٢١٩، وصححه
الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٢٩٨).
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٣/٥ (٤٥٣٦)، ١٥/٨ (٧٨١٤) وقال: لم يرو هذا
الحديث عن يونس إلا الربيع بن بدر، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٢/٤ في ترجمة:
ربيع بن بدر السعدي (٦٥١)، والحديث أورده الحافظ ابن رجب الحنبلي في
((جامع العلوم والحكم)) ١٣٩/٢ ط الرسالة. وقال: في إسناده نظر. وقال الهيثمي
في ((المجمع)) ١٧١/٣: فيه: الربيع بن بدر، وهو ضعيف. اهـ
قال الحافظ في ((التقريب)) (١٨٨٣): الربيع بن بدر، متروك.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٤٤٠): حديث ضعيف جدًا.
وروي النسائي ١٦٧/٤، والدارمي ١٠٨١/٢ (١٧٧٣) كتاب: الصيام، باب:
الصائم يغتاب، وأبو حاتم الرازي كما في ((العلل)) ١/ ٢٣٧، وابن خزيمة في
((صحيحه) ١٩٤/٣ (١٨٩٢) كتاب: الصيام، والشاشي في ((مسنده)) ٣٠٠/١-
٣٠١ (٢٦٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣١٦/٣ (٣٦٤٣)، والضياء في
((المختارة)) ٣١٨/٣ (١١٢١)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٥٧٢/٢٢ - ٥٧٣،
جميعًا من طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن
الجراح مرفوعًا: ((الصيام جنة ما لم يخرقها)) وعند بعضهم: ما لم يخرقه.
قال الدارمي بعد روايته الحديث: يعني بالغيبة.
والحديث صححه أبو حاتم الرازي في ((العلل)) ٢٣٧/١، وقال المنذري: كما في
((ضعيف الترغيب والترهيب)) ٣٣٠/١: إسناده حسن.
والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (٦٥٧).

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والرفث هنا: الفحش والخناء والجهل، وما لا يصلح من القول
أو الفعل.
وقال ابن التين: قيل: اسم لما يريده الرجل من النساء. وقيل: هو
الإفصاح بما يجب أنْ يكنى عنه من ذكرِ النكاح. وقيل: هو قبيح الكلام،
فإن كان من قبيل الكلام قيل فيه: رفثَ وأرفَثَ، ذكره ابن فارس(١)،
فيقرأ: يرفث. بضم الياء وفتحها، والرواية الثاني.
وفي رواية ستأتي قريبًا: ((ولا يصخب))(٢) وهو الصوت والجلبة. قَالَ
ابن التين: لا يجوز في مضارعِه ضم الخاء ولا كسرها؛ لأن ماضيه
صخِب بالكسر.
قلت: ذكر القزاز الصخب فيه بغير نفيه، ويقال فيه بالسين أيضًا.
وذكر بعضهم أن الأصلَ بالسين ونقلت إلى الصادِ تجوزًا، وكذا هو
إذا كان بعدها خاء أو أخواتها من حروف الاستعلاء.
وعند الطبري: ((ولا يسخر)) من السخرية بالناس.
والجهل: السفه، وهو ضد العلم یتعدی بغیرِ حرف جرٍ، نقول جهل
عليَّ فلانٌ. تعني: تعدى.
و( ((قاتله)) ) يحتمل أن يريد به: أراد قتاله.
وقوله: ( ((فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ)) ) اختلف هل يقوله بلسانه ليكف عن
شتمِه، أو بقلبه؟ والأظهر الأول؛ لأنه لا ينكف بذلك، ووجه الثاني
خوف الرياءِ لا جرم، فرق بعض أصحابِنا بين الفرض والنفل، وقد
= وعياض بن غطيف قال عنه الحافظ في ((التقريب)) (٥٣٦٢): مقبول.
(١) ((المجمل)) لابن فارس ٣٩٠/٢.
(٢) برقم (١٩٠٤) باب: هل يقول: إني صائم إذا شتم؟