النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠ ١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = رابعها: حديث عَلِيٍّ ه قَال: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وهُذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِّ وَّهِ: ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ .. )) الحديث بطوله. الشرح: حديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الاعتصام(٢)، وحديث أنس الثاني سلف في المساجد(٣). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم لكن بزيادة حدها. وهُذا لفظه: حَرَّم رسول الله وَّر ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل آثني عشر ميلًا حول المدينة حمى(٤). وفي رواية له: ((ما بين لابتي المدينة حرام))(٥)، وفي رواية أيضًا: ((المدينة حرم))(٦). وحديث علي أخرجه مسلم مطولًا أيضًا بلفظ: ((المدينة حرم ما بين عير وثور)) (٧). ولم يذكر البخاري ثورًا، وإنما عبر عنه بكذا في طرقه كلها، إلا في رواية الأصيلي في كتاب الجزية والموادعة، فإنه وقع له فيها: (إلی ثور)). (١) مسلم (١٣٦٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٢) سيأتي برقم (٧٣٠٦) باب: إثم من آوى محدثًا. (٣) سلف برقم (٤٢٨) كتاب: الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية. (٤) مسلم (٤٧٢/١٣٧٢) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٥) مسلم (١٣٧٢/ ٤٧١). (٧) مسلم (١٣٧٠). (٦) مسلم (١٣٧١). ٥٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه في وجوه: أحدها : قوله: ( ((مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا))) وفي رواية: ((مَا بَيْنَ عَائِرِ إِلَى كَذَا))(١) وأسلفنا ((ما بين عير إلى ثور)) بإسقاط الألف واختلف الناس فيهما هل هما بالمدينة أو بمكة، والحق أنهما بالمدينة وأنهما معروفان. قال ابن المنير: قوله: ((من عير إلى كذا)) سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: ((ما بين عير إلى ثور))(٢). قال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمدًا لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبلٌ يسمى ثورًا، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عنده أنه وهم أسقطه وذكر بقية الحديث، وهو مفيد يعني: بقوله: ((من غير إلى كذا))(٣) إذ البداءة يتعلق بها حكم، فلا تترك؛ لإشكال سنح في حكم النهاية (٤). قلت: قد أسلفنا أنه ذكرها في الجزية والموادعة، نعم أنكر مصعب الزبيري وغيره هاتين الكلمتين -أعني: عيرًا وثورًا- وقالوا: ليسا بالمدينة، عير بمكة. قال صاحب ((المطالع)): بعض رواة البخاري ذکروا عیرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا إذا اعتقدوا الخطأ في ذكره. وقال أبو عبيد: كان الحديث ((من عير إلى أحد)). (١) أحد روايات أحاديث الباب (١٨٧٠). (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٦٧٥٥) كتاب: الفرائض، باب: إثم من تبرأ من مواليه. (٣) ستأتي هذِه الرواية برقم (٧٣٠٠) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم ... (٤) (المتواري على تراجم أبواب البخاري)) لابن المنير ص١٤٨. ٥٠٣ - كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ قلت: وكذا رواه الطبراني في ((أكبر معاجمه)) من حديث عبد الله بن سلام(١)، وقد ذكر البكري عن أبي عبيد أيضًا أنه بالمدينة(٢)، فلعله رجع آخرًا. وذكر الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه لما خرج رسولًا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبلة، فلما وصل إلى أحد، إذا بقربه جبيل صغير فسأله: ما آسم هذا الجبل؟ قال: هذا يسمى ثورًا. قلت: فصح الحديث، ولله الحمد. وقال المحب الطبري: هو جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته. ولما ذكر ياقوت قول عياض قال بعضهم: ليس بالمدينة، ولا على مقربة منها جبل یعرف بأحد هذين الاسمين. قال: قلت أنا: وهذا من قائله وهمٌّ، فإن عيرًا جبل مشهور بالمدينة(٣). قال عياض: وبيَّض آخرون موضع ثور في الحديث، ومنهم من روى ((من كذا إلى كذا))(٤). وفي رواية النسفي وابن السكن: ((من عير إلى كذا وكذا))، وفي وراية أبي علي من رواية أبي كثير. وقال آخرون: بل الرواية الصحيحة أنه حرم ما بين عير إلى أحد، وأن ثورًا بمكة وعيرًا بالمدينة، وما بين ذلك بإجماعهم غير محرم. وعير اسم جبل بقرب المدينة، وهو بفتح العين، ثم مثناة تحت ساکنة، ثم راء مهملة. (١) الطبراني ص١٢٩ - ١٣٠ (١٧٤) قطعة من مسانيد من أسمه عبد الله، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٣/٣: رجاله ثقات. (٢) ((معجم ما استعجم)) ١/ ٣٥٠. (٤) ((إكمال المعلم)) ٤٨٩/٤. (٣) ((معجم البلدان)) ٨٦/٢- ٨٧. ٥٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قاله ابن السيد في ((مثلثه))(١) وأغرب ابن قدامة حيث قال: يحتمل أن یکون قد أراد قدر ما بین ثور وعیر اللذين بمكة، ویحتمل أنه أراد جبلین بالمدينة، وسمَّاهما عيرًا وثورًا تجوُّزًا، وهما احتمالان بعيدان، وعند ثبوت ذلك ومعرفتهما فلا اعتراض ولا احتمال. وكذا قال ابن بطال: عاير جبل بقرب المدينة، ويروى عير، قال: وثور: جبل معروف أيضًا(٢). وكذا قال الداودي: عير؛ جبل بالمدينة. وخالف ابن فارس فقال: بمكة(٣). وقيل: إنه بريد في بريد في جوانبها كلها، نقله ابن التين عن الشيخ أبي محمد، ولما رأى بعض الحنفية هذا الاختلاف عده اضطرابًا ورتب عليه أن لا حرم لها، ولا یسلم له. ثانيها: حرم مدينة سيدنا رسول الله صل# ما ذكرناه(٤). واللابتان: الحرتان، وهي أرض بركتها حجارة سود، وهما الطرفان. قال أبو عبيد: وجمعها: لاب ولوب كقارة وقور، وجمعت أيضًا على لابات، ما بين الثلاث إلى العشر، وهما غربية وشرقية(٥). قال ابن حبيب: وتحريم رسول الله وَل قر لا بتي المدينة إنما ذلك في الصيد، فأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كله، كذلك أخبرني مطرف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وللمدينة حرتان أيضًا؛ حرة في القبلية وحرة في الجوف، وترجع كلها إلى الحرتين، لأن (١) ((المثلث)) لابن السيد البطليوسي ٢٦٨/٢. (٢) (شرح ابن بطال)) ٤/ ٥٣٧. (٣) ((مجمل اللغة)) المجلد الثاني ص٦٣٩. (٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ثم بلغ في الحادي بعد الأربعين كتبه مؤلفه. (٥) ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ١٨٨/١ - ١٨٩. ٥٠٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ القبلية والجوفية متصلتان بهما، ولذلك حرم رسول الله وَ لي ما بين لا بتي المدينة، جمع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال: لنا حرة مأطورة بجبالها بنى العز فيها بيته فتأهلا(١) وقوله: مأطورة يعني: مقطوعة بجبالها؛ لاستدارتها، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى الحرار(٢)، وقالوا: أسود لوبي ونوبي، منسوبة إلى اللوبة والنوبة، حكاه في ((المحكم))(٣). ثالثها: فإن قلت: ما إدخال حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: ((لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا)). قلت: وجهه كما قال المهلب: ليعرفك أن قطع النخل كان ليبوئ المسلمين مسجدًا. ففيه من الفقه: أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم المدينة ليعمرها ويغرس فيها النخل، ويزرع فيها الحبوب، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعراء (٤) وشوكها؛ لأنه يبتغي الصلاح والتأسيس للسُكنى في موضع العمارة، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة ونضرتها وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ويرتاح بمبانيها، وإن كان ابتهاجه بمسجده الذي هو بيت الله مك، ومنزل ملائكته، ومحل وحيه أعظم، والسرور به أشد. (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) (٥٣٧/٤-٥٣٨ ووقع فيه: فتأثلا! وهو خطأ. (٢) انظر: ((التمهيد)) ٣١٢/٦. (٣) ((المحكم)) ١٢/ ٩١. (٤) ورد في هامش الأصل تعليق نصه: الشجر الكبير حكاه في ((الصحاح)) [٧٠٠/٢]. عن أبي عبيد. ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقيل: قطعه ◌َلو للنخيل من موضع المسجد يدل على أن النهي توجه إلى ما أنبته الله تعالى من الشجر، مما لا صنع فيه الآدمي؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كان لغرس الآدميين؛ لأنه طلب شراء الحائط من بنى النجار إذا كان ملكًا لهم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، وعلى هذا التأويل حمل نهيه وَلفر عن قطع شجر مكة (١). واستضعف بعضهم جواب المهلب أن القطع كان للبناء، وفيه مصلحة المسلمين، وقال: يلزمه أن يقول به في حرم مكة أيضًا ولا قائل به، ثم ادَّعى أنه هو ما فهمه البخاري، أنها ليست حرامًا، إذ لو کانت کذلك لم يقطع شجرها، وهو بعيد. رابعها: أتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: صيدها غير محرم، وكذلك قطع شجرها، فخالف أحاديث الباب(٢)، واحتج الطحاوي(٣) بحديث أنس أنه ◌َّ* دخل دارهم، وكان لأنس أخ صغير، وكان له نغير يلعب به، فقال له رسول الله وَله: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟))(٤) ولا حجة فيه؛ لأنه ممكن أن يصاد ذلك النغير من (١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج. باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها. وسلف أيضًا برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر، ورواه مسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس وانظر نص الكلام السالف في ((شرح ابن بطال)) ٥٣٨/٤. (٢) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٩٣/٤، ((المبسوط)) ١٠٦/٤، ((المدونة)) ٣٣٥/١، ((المنتقى) ٢٥٣/٢، ((المجموع)» ٤٧٢/٧ - ٤٧٣، ((المغني)) ١٩٣/٥. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ١٩٤/٤. (٤) سيأتي برقم (٦١٢٩) كتاب: الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، ورواه مسلم (٢١٥٠) كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنیك المولود. ٥٠٧ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = غير حرم المدينة، قالوا: وبدخوله الحرم صار حرميًّا، ولا نسلم لهم ذلك، وروي عن عائشة: كان لآل رسول الله وَ ﴿ ﴿ وحش، فإذا خرج رسول الله وَّليه لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله وَلقوله قد دخل، ربض(١). قالوا : فحبس الوحش، وإغلاق الباب عليه دليل على إباحته، وفي البيهقي من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش، وأهدي لحومها إلى رسول الله وَ له. وفيه: فقال لي رسول الله وَالآية: ((لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت))(٢) قال البيهقي: حدث به موسى بن إبراهيم، وهو حديث ضعيف، وهو مخالفٌ حديث سعد بن أبي وقاص في العقيق(٣). حجة الجماعة أن الصحابة فهمت من النبي قل* تحريم الصيد في حرم المدينة؛ لأنهم أُمِروا بذلك وأفتوا به، وهم القدوة الذين يجب أتباعهم. (١) رواه أحمد ١١٢/٦ - ١١٣، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٤٥٠) كتاب: علامات النبوة، باب: أدب الحيوانات معه، وأبو يعلى في ((المسند) ٤١٨/٧ (٤٤٤١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار) ١٩٥/٤، والطبراني في ((الأوسط) ٣٤٨/٦ (٦٥٩١)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٤/٩: رجال أحمد رجال الصحيح. (٢) (معرفة السنن والآثار)) (٤٤١/٧-٤٤٢ (١٠٦١٨، ١٦٢٢) وحديث سلمة بن الأكوع رواه أيضا الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٥/٤، والطبراني ٧/ ٦ (٦٢٢٢)، قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢/ ١٥١: رواه الطبراني بإسناد حسن وتبعه الهيثمي في ((المجمع)) ١٤/٤، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٥٨٦٩): منكر جدًّا؛ فيه: موسى بن محمد التيمي متفق على تضعيفه. (٣) وحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ورووه أيضًا أبو هريرة وغيره ممن سلف، وسعد في مسلم، ورافع بن خديج، وجابر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم، وعبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت (١)، وروى جعفر بن محمد قال: اطلع عليَّ عليُّ بن حسين وأنا أنتف صدغي عصفور فقال: خل سبيله هذا حَرَمُ رسول الله وَلّ. وروي عن أبي سعيد الخدري: كان يضرب بنيه إذا صادوا فيه، ويرسل الصيد(٢). وأخذ سعد بن أبي وقاص سلب من صاد في حرمها وقطع شجرها، ورواه عن النبي وَليم (٣)، إلا أن أئمة الفتوى لم (١) حديث سعد رواه مسلم (١٣٦٣). وحديث رافع بن خديج رواه مسلم أيضا (١٣٦١). وحدیث جابر رواه مسلم (١٣٦٢). وحديث عبد الله بن زيد سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي ◌َّة، ورواه مسلم (١٣٦٠). وحديث سهل بن حنيف رواه مسلم (١٣٧٥). وحديث أبي سعيد رواه مسلم (١٣٧٤). وحدث عبادة رواه البيهقي ١٩٨/٥ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة. وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه الطحاوي ٤/ ١٩١ كتاب: الصيد، باب: صيد المدينة، والبيهقي ١٩٨/٥ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة، وحديث زيد بن ثابت أخرجه أحمد ٨١/٥، والطحاوي ١٩٢/٤، والبيهقي ١٩٩/٥. وورد بهامش الأصل: حديث زيد في ((المسند)) وكذلك حديث عبادة بن الصامت من طريقين: أحدهما: رواه عبد الله بن أحمد، عن محمد بن عباد المكي وأبو مروان العثماني، وفيه؛ مما لم يذكره الشيخ، حديث عبد الله بن سلام في تحريم الصيد وقطع الشجر، وکذلك حديث أبي حسن وهو غنم بن عبد عمرو. (٢) رواه مسلم (٤٧٨/١٣٧٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٣) رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، مقتصرًا على من قطع شجرها. = ٥٠٩ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = يقولوا بأخذ سلبه، وإن كان هو المختار. قال أبو عمر: واحتج لأبي حنيفة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: ((من وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع شجرها فخلوا سبيله))(١) قال: وقد اتفق العلماء على أنه لا يؤخذ سلبُ من صاد في المدينة، فدل على أنه منسوخ. قال: ويحتمل أن يكون معنى النهي عن صيدها وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، وكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في (تزينها)(٢) ويدعو إلى إلفها، كما روى ابن عمر أن النبي * نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة (٣)، قال: وليس في حديث سعد حجة؛ لضعفه، ولو صح لم وأما أخذه سلب من صاد فى حرمها فرواه أبو داود (٢٠٣٧) كتاب: المناسك، = باب: في تحريم المدينة، وأحمد ١/ ١٧٠، وأبو يعلى في ((المسند)) ١٣٠/٢ (٨٠٦)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٩١/٤. وقال الألباني في ((صحيح أبى داود» (١٧٧٥) ((يصيد)): منكر، والمحفوظ: يقطع شجرًا. (١) في بعض نسخ ((التمهيد)»: «فخذوا سلبه)) وقد سبق تخريجه. (٢) في (ج) تزيينها. (٣) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١١٨٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٤/٤، والذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١٠٩٨/٣ من طريق عبد الله بن عمر بن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَ لفي نهى عن آطام المدينة أن تهدم. قال الذهبي: غريب، وقال الحافظ في ((مختصر زوائد البزار)) ٤٧٨/١ (٨١٧): إسناده حسن، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠١/٣: رواه البزار عن الحسن بن يحيى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.اهـ ورواه الطحاوي ١٩٤/٤، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٣١١/٢ - ٣١٢، وابن عدي في ((الكامل)) ٢٧٢/٥ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله وَلفي نهى عن هدم الآطام، وقال: «إنها من زينة المدينة)). وأورد الحافظ في ((الفتح)» ٨٣/٤ الحديث بهذا اللفظ، وسكت عليه. = ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة(١). وقوله: ( ((حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِها عَلَى لِسَانِي)) ) يريد أن تحريمها كان بالوحي، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها، إلا أن جمهور العلماء -كما قاله المهلب- على أنه لا جزاء في حرمها، لكنه آثم عندهم من استحله، فإن قال الكوفيون: لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرمها دل أنه غير محرم، فالجواب: أنه لا حجة في هذا؛ لأن صيد مكة قد كان محرمًا على غير هُذِه الأمة، ولم يكن عليهم فيه جزاء، وإنما الجزاء على أمة محمد، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم. وشذ ابن أبي ذئب، وابن نافع صاحب مالك، والشافعي في أحد قوليه، فأوجبوا فيه الجزاء، و(استدل)(٢) على سقوطه بأنه ويله لمَّا حرمها وذكر ما ذكر، لم يذكر جزاءً على من قتل الصيد، وما كان من جهته ◌َا ** ليس ببيان لما في القرآن، فليس بمحرم تحريم القرآن، وإنما هو مكروه حتى يكون بين تحريمه وبين تحريم القرآن فرق. وحديث سعد السالف في أخذ سلبه فلم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة، ولو صح لأوجب الجزاء على من لا سلب له، = وأورده الألباني أيضًا بهذا اللفظ في ((الضعيفة)) (٤٨٥٩) وقال: منكر، ثم قال: وجملة القول: أن الحديث بتمامه منكر، وأما شطره الأول، فمن الممكن تحسينه بمجموع الطريقين الضعيفين عن نافع، ولعل هذا هو وجه سكوت الحافظ على الحديث في ((الفتح))، وتحسينه إياه فيما تقدم - قلت: يعني في (مختصر الزوائد)) كما أوردته- وإلا فإني أستبعد جدًّا أن يحسن إسنادًا تفرد به العمري - عبد الله بن عمر- الذي جزم هو نفسه بتضعيفه.اهـ قلت: ترجمه الحافظ في ((التقريب)) (٣٤٨٩) وقال: ضعيف. (١) انتهى من ((التمهيد)» ٦/ ٣١٠- ٣١١. (٢) في (ج): استدلوا. ٥١١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = ولو لم يكن على القاتل إلا ما يستر به عورته لم يجز أخذه، وكشف عورته، فثبت أن الصيد ليس مضمونًا أصلًا، ألا ترى أن صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير، ومن له سلب ومن لا سلب له في أنه مضمون عليه أي وقت قدر، وقد قال مالك: لم أسمع أن في صيد المدينة جزاء، ومن مضى أعلم ممن بقي، فقيل له: فهل يؤكل؟ فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لا أكرهه. خامسها: قول عَلِيٍّ ﴾ (قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ سوىُ كِتَابُ اللهِ، وَما في هذِهِ الصَّحِيفَةُ). فيه: رد على ما يدَّعيه الشيعة من أن عليًّا عنده وصية من سيدنا رسول الله 38 بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد من الدين. وفيه: جواز كتابة العلم. سادسها: في حديث أنس وعلي لعنة أهل المعاصي والمعاند لأوامر الشرع، وفيه: أن المحدث في حرم المدينة والمئوي للمحدث في الإثم سواء كما في حرم مكة، وأن من فعل ذلك فهو كبيرة؛ لأن اللعن لا يكون إلا عليها، لاسيما ما في هذا من المبالغة في الطرد والإبعاد عن الجنة لا عن الرحمة، كلعن الكفار. والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه. قال الخطابي: روي: محدثًا -بفتح الدال، معناه: الرأي المحدث في الدين والسنة، أراد الإحداث نفسه، قال: ويروى بكسر الدال، يريد: الذي أحدث وفعله وجاء به(١). قال أبو عبيد: الحدث كل حد لله تعالى يجب على صاحبه أن يقام (١) ((أعلام الحديث)) ٩٢٦/٢. ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عليه، وهو شبيه بحديث في الرجل يأتي حدًّا من الحدود ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام عليه فيه، ولكنه يلجأ حتى يخرج منه، فإذا خرج منه أقيم عليه، فجعل الشارع حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحد أن لا يئويه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد (١). وقد سلف ما في هذا. وقوله: ( ((آوى)) ) قال القاضي: أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي أشهر وأفصح وبالأفصح جاء القرآن(٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] فهذا في اللازم، وقال في المتعدي ﴿وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَقِ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. سابعها: في قول بني النجار: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله). فيه من الفقه: إثبات الأحباس المراد بها وجه الله؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسا موقوفًا عليهم، وطلبوا الأجر على ذلك من الله. ثامنها: في حديث أبي هريرة من الفقه: أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصحح النظر ويقول بعد ذلك، كما قال وَليه لبني حارثة. تاسعها: قوله: ( ((لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)) ) هذا يمكن أن يكون في وقت دون وقت إن أنفذ الله عليه الوعيد، ليس هذِهِ حالهُ عند الله أبدًا؛ لأن الذنوب لا تخرج من الدين إنما يخرج منه الكفر، أعاذنا الله منه. ومعنى ((أَخْفَرَ مُسْلِمًا)) نقض عهده. قال الخليل: أخفرت الرجل إذا لم تف بذمته، والاسم الخفور(٣)، قال ابن فارس، يقال: أخفر عهده: (١) ((غريب الحديث)) ٤٥٥/١. (٣) ((العين)) ص٢٥٦ مادة: (خفر). (٢) ((إكمال المعلم)) ٤٨٦/٤. ٥١٣ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = نقضه، وخفره إذا أمنه، وأخفرته: جعلت معه خفيرًا. قال: وأخفرت الرجل: نقضت عهده(١). والذمة: العهد والأمان، فأمان المسلم للكافر صحيح ويحرم التعرض له ما دام في الأمان. وقوله: ((يسعى بها أدناهم)) حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة وهو مذهب مالك والشافعي، لأنهما أدنى من الأحرار الذكور، وأبى ذلك أبو حنيفة فقال: إلا أن يكون سيده أذن له في القتال(٢). والصرف والعدل قال أبو عبيدة: العدل: الحيلة. وقيل: المثل. وقيل: الصرف: الدية، والعدل: الزيادة. وقال أبو عبيد عن مكحول: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. قال أبو عبيد: تصديقه في القرآن قوله: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وأما الصرف فلا أدري قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. [الفرقان: ١٩] من هذا أم لا، وبعض الناس يحمله على هذا. ويقال: إن الصرف النافلة، والعدل: الفريضة. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أشبه بالمعنى(٣). وعكس الحسن فقال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وروي ذلك مرفوعًا (٤). (١) ((المجمل)) ٢٩٧/٢. (٢) انظر: ((التمهيد)) ١٨٨/٢١، ((بداية المجتهد ونهاية المقتصد)) ٧٣٩/٢. (٣) ((غريب الحديث)) ٤٥٥/١. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٣٠٧ (٨٨٧) قال: حدثني نجيح بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء- قيل يا رسول الله وَّله: ما العدل؟ قال: ((العدل الفدية)). = ٥١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال يونس: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية. وقال أبو علي البغدادي: الصرف: الحيلة والاكتساب، والعدل: الفدية والدية، صحيح في الاشتقاق، فأما من قال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، والصرف: الدية، والعدل: الزيادة على الدية، فغير صحيح في الآشتقاق. وقال الطبري: الصرف مصدر من قولك: صرفت نفسي عن الشيء، أصرفها صرفًا. وإنما عني به في هذا الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث في الحرم حدثًا من سفك دم، أو استحلال محرم، فلا تقبل توبته، والعدل: ما يعدله من الفدية والبدل، وكل ما عادل الشيء من غير جنسه وكان له مثلًا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة فهو له عدل -بفتح العين- ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى وإن تفد كل فدية. وأما العدل -بكسر العين- فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال: عندي غلام عدل غلامك، وشاة عدل شاتك -بكسر العين- إذا كان يعدله، وذلك في كل مثل الشيء من جنسه، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه فتحت العين، فتقول: عندي عَدل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنهم يكسرون العين من العدل الذي هو الفدية، وذلك لتقارب معنى العدل عندهم. = قلت: وهو حديث ضعيف؛ فيه مبهم، وهذا المبهم ليس صحابيًا، إذ لو كان صحابيًا لصح الحديث؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وهذا الرجل المبهم الراجح أنه تابعي؛ لأن الراوي عنه وهو عمور بن قيس الملائي، ترجمة الحافظ في ((التقريب)) (٥١٠٠) قال: ثقة متقن عابد، من السادسة مات سنة بضع وأربعين، والطبقة السادسة عند الحافظ كما أوضح في مقدمة كتابه: طبقة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة فالحديث مرسل فيه مبهم. ٥١٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = وفي ((المحكم)): الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: الاستقامة(١). قال عياض: قيل في معنى ذلك: أي لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبلت قبول جزاء. وقيل: القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بها. قال: وقد تكون بمعنى الفدية هنا؛ لأنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من شاء منهم بأن يفديه من النار، يهودي أو نصراني (٢)، كما ثبت في الصحيح(٣). وقال ابن التين: تحصلنا على ستة أقوال في الصرف: الحيلة، النافلة، التوبة، الفريضة، الاكتساب، الوزن، والعدل أربعة: النافلة، الفدية، الفريضة - قاله البخاري وغيره - الكيل، قاله القزاز عن غيره. وقال ابن فارس: العدل: الفداء هنا (٤). عاشرها: معنى قوله: ((غَيْرِ مَوَالِيهِ) يحتمل الحلف والموالاة، ولم يجعل إذن الموالي شرطًا في جواز ادعاء نسب أراد، لكن ذكره توكيدًا للتحريم، يبينه الحديث الآخر: ((مَنْ تَوَلَّى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِه (٥). (١) ((المحكم)) ٢٠١/٨. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤٨٧/٤. بتصرف. (٣) روى مسلم (٢٧٦٧) كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: ((إذا كان يوم القيامة دفع الله مميت إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: ((هذا فكاكك من النار). (٤) ((مجمل اللغة)) ٣/ ٦٥٢. (٥) رواه مسلم (١٥٠٨) كتاب: العتق، باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه، من حديث أبي هريرة مرفوعًا. ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢ - باب فَضْلِ المَدِينَةِ، وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ ١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَّا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ)). [مسلم: ١٣٨٢ - فتح: ٨٧/٤] ذكر فيه حديث مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله : (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرىْ يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١) قال ابن عبد البر: كذا هو في ((الموطأ)) عند جماعة الرواة، ورواه إسحاق بن عيسى الطباع، عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وهو خطأ (٢). ورواه الدارقطني في ((غرائب مالك)) كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد السلمي، عن مالك، وأخرجه مسلم بلفظ: ((ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها نفي الكير خبث الحديد))(٣). وفي كتاب ((أسباب الحديث)) لعبد الغني بن سعيد أنه وَّ قال هذا لما جاءه الأعرابي يستقيله البيعة. وفي ((الموطأ)) للدارقطني: قال يونس: قال ابن وهب: قلت (١) مسلم (١٣٨٢) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها. (٢) ((التمهيد)» ١٧٠/٢٣. (٣) مسلم (١٣٨١). ٥١٧ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = المالك: ((ما تأكل القرى؟)) قال: تفتحها. وفي رواية ابن حبيب عنه: بفتح القرى، وتفتح منها القرى؛ لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها بالإسلام. وقال ابن بطال: معنى ((تأكل القرى)) أي: بفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم، ويقتلون مقاتلتهم، وهذا من فصيح كلام العرب، تقول: أكلنا بني فلان، وأكلنا بلد كذا. إذا ظهروا على أهله وغلبوهم، وقال الخطابي: ((تأكل القرى)) يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم الأنصار - وتفتح على أيديهم القرى، ويغنمها إياهم فيأكلونها، وهذا في الاتساع والاختصار كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها. وكان ◌َّل قد عرض نفسه على قبائل العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر في الدنيا والثواب في الآخرة، فلم يجد في القوم من يرضى بمعاداة من جاوره، ويبذل نفسه وماله لله، فمثل الله تعالى المدينة في منامه، ورأى أنه يؤمر بالهجرة إليها، ووصف ذلك للصديق، وقد كان عاقد قومًا من أهلها، وسألوه أن ينظروا فيما يريدون أن يعقدوا معه، فخرج مع الصديق إلى المدينة، ففتح الله بها جميع الأمصار، حتى مكة التي کانت موطنه(١). وقال ابن التين: معنى ((تأكل القرى)): تفتحها منها، ويأكل أهلها غنائم القرى. قال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: ((تأكل القرى)) إلا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها. وقال النووي: معناه: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، وأن (١) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٥٤٣/٤. ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أكلها وميرتها يكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها(١). وقوله: ( ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ)) ) يريد: أمرت بالهجرة إليها، قاله ابن بطال (٢)، وابن التين، فإن كان قاله بمكة فلا نسخ، وإن كان بالمدينة فبسکناها. وقوله: ( ((يَقُولُونَ: يَثْرِبُ)) ) يعني: أن بعض الناس من المنافقين يسمونها كذلك، فكره أن تسمى باسمها في الجاهلية، وسماها الله فلا تسمى بغير ما سماها، وكانوا يسمونها يثرب باسم أرض بها، فغير النبي صل* اسمها وسماها طيبة وطابة(٣)؛ لحسن لفظها؛ كراهة التثريب، وهو التوبيخ والملامة، وإنما سميت في القرآن بها على وجه الحكاية لتسمية المشركين، وفي ((مسند أحمد)) كراهية تسميتها بذلك(٤)، وقد روي عنه أنه قال: ((من قال: يثرب فكفارته أن يقول: المدينة، عشر مرات))(٥)، يريد بذلك التوكيد أن يقال لها: المدينة، (١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٩/ ١٥٤. (٢) (شرح ابن بطال)) ٤/ ٥٤٢. (٣) ورد بهامش الأصل: في مسلم مرفوعًا أن الله تعالى سماها طابة، وفي غيره من قوله ويج: ((هي طابة هي طابة)) كأن الشيخ أشار، إلى ما رواه أحمد فقال: حدثنا إبراهيم بن مهدي: ثنا صالح ابن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال النبي وَّر: ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ثبت هي طابة، هي طابة)) والظاهر أنه متمسك عيسى بن دينار. (٤) (مسند أحمد) ٢٨٥/٤ من حديث البراء مرفوعًا: ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله لك هي طابة هي طابة)). وكذا رواه ابن شبة في ((تاريخ المدينة)) ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٢٤٧/٣ - ٢٤٨ (١٦٨٨)، والروياني ١/ ٢٤٠ (٣٤٦)، وابن عدي في ((الكامل)) ٩/ ١٦٥، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٦٠٧). (٥) أورده البخاري في (التاريخ الكبير)) ٢١٧/٦، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)» ١٤٨/٦، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ١٩٨/٣، وأورده ابن عدي في = ٥١٩ = ڪِتّابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ وصارت معرفة بالألف واللام لأنها أنفردت بجميع خصال الإسلام، ولا يقول أحد: المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة. وقال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت عليه خطيئة. قلت: كان سيدنا رسول الله لم يحب الأسم الحسن ويكره القبيح (١)، وطيبة من الطيب، وهو الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، وقال الخطابي: لطهارة تربتها، وقيل: من طيب العيش بها. وقال البكري في ((معجمه)): سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها(٢). وفي ((مختصر الزاهر)) لأبي إسحاق الزجاجي (١): سميت بيثرب بن ((الكامل)» ٢٩٨/٦ في ترجمة عثمان بن خالد (١٣٣٤)، وقال منكر الحديث، وكذا == أورده الذهبي في («الميزان)» ٤٢٩/٣، والحافظ في ((اللسان)) ١٣٣/٤ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عثمان بن حفص، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّه من قال: ((يثرب مرة مرة فليقل المدینة عشرًا). قلت: عثمان بن حفص قال البخاري: في إسناده نظر، وقال بعد أن أورد هذا الحدیث في ترجمته: لا يتابع عليه. (١) دل على ذلك حديث رواه أحمد ٤٢٧/١، ٣٠٤، ٣١٩، والطيالسي ٤٠٨/٤- ٤٠٩ (٢٨١٣)، وابن حبان ١٣٩/١٣ - ١٤٠ (٥٨٢٥)، وابن عدي ٤٤٨/٦، والبغوي في ((شرح السنة» ١٧٥/١٢ (٣٢٥٤) من حدیث عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وَ * يتفاءل ولا يتطير وكان يحب الاسم الحسن. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٨/ ٤٧: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف بغير كذب، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٧٧٧). (٢) ((معجم ما استعجم)) ١٣٨٩/٤. (٣) قلت: هو شيخ العربية أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق - لا أبو إسحاق كما ذكر المصنف رحمه الله - الزجاجي البغدادي النحوي، توفي سنة أربعين وثلاث مائة بطبرية. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٧٥/١٥ (٢٦٨) قال حاجي خليفة في ((كشف = ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح (قابلة)(١) بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام؛ لأنه أول من سكنها عند الغرق وبناها، ونزل أخوه خيبر بن قابلة بخيبر. واشتقاق المدينة من دان إذا أطاع، أو من مدن بالمكان إذا أقام به، وجمعها: مدن بإسكان الدال وضمها، ومدائن بالهمز وتركه، وهو الفصيح، وبه جاء القرآن. قال ابن سيده: المدينة: الحصن يبنى في أُضْطُمَّةِ الأرض، وعن الفارسي: مدينة، فعيلة، وإذا نسب إلى المدينة فالرجل والثوب مدني، والطير ونحوه مديني (٢). قال سيبويه: وأما قولهم: مدائني، كأنهم جعلوا هذا البناء اسمًا للبلد. وفي ((الجامع)): قيل: هي مفعلة، أي: تملكت وفي ((الصحاح)): إذا نسبت إلى مدينة المنصور قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائني(٣). وفي ((مختصر العين)): رجل مديني، وحمام مدني. وقوله: ( ((تَنْفِي النَّاسَ)) ) قال ابن فارس: نفى الشيء ينفيه نفيًا، وانتفى هو (٤). وحكى الهروي عن أبي منصور: نفيت الشيء نفيًا، قال: وهو حرف صحيح غريب في اللغة. = الظنون)) (٩٤٧/٢): ((الزاهر)) في معاني الكلام الذي يستعمله الناس لأبي بكر محمد بن أبي محمد القاسم الأنباري النحوي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وهو مجلد، شرحه واختصره الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة. (١) كذا بالأصل، وفي ((معجم ما استعجم)) (١٣٨٩/٤)، و ((معجم البلدان)) (٥٪ ٤٣٠): قانية، ولعله الصواب. (٢) ((المحكم)) ٧١/١٠. (٣) ((الصحاح)) ٢٢٠١/٦. (٤) ((مجمل اللغة)) ٤/ ٨٧٧.