النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ = كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ القطع كان مخالفًا لحكمه إذا لبسه قبل القطع في الفدية. واعلم أن حديث ابن عمر وكذا جابر مطلق، وحديث ابن عباس مقيد (١)، ورجع ابن حزم وغيره إلى رواية ابن عمر. قال ابن حزم: حديث ابن عمر فيه زيادة لا يحل خلافها(٢). وقال ابن عبد البر: المصير إلى روايته أولى(٣)، والمشهور عن أحمد أنه لا يلزمه القطع، ونقله ابن قدامة عن علي، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح (٤). احتج أحمد بحديث ابن عباس في الكتاب، وحديث جابر مثله(٥)، مع قول علي: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. مع موافقة القياس فأشبه الملبوس الذي أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع محرم مع الفدية على النعلين كلبس الصحيح، وفي إتلاف ماليته، وقد نهى عن إضاعته، وقد أسلفنا في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، أن بعضهم وهم فجعل قوله: ((فليقطعهما)) من قول نافع(٦). قال ابن قدامة: وروى ابن أبي موسى، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة أنه الشيخ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، (١) حديث ابن عمر وابن عباس هما حديثا الباب، وأما حديث جابر فرواه مسلم (١١٧٩). (٢) ((المحلى)) ٨١/٧. (٣) ((التمهيد)) ١١٤/١٥. ((المغنى)) ١٢٠/٥ - ١٢١. (٤) (٥) رواه مسلم (١١٧٩). (٦) سلف برقم (١٥٤٢). ٤٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع(١). أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: أن ابن عمر كان يصنع ذَلِكَ -يعني: يفتي بقطعهما للمرأة المحرمة- ثم حدثته صفية أن عائشة حدثتها أن رسول الله ( 8* قد كان رخص للنساء في الخفين، ترك ذَلِكَ(٢). قال: وروى أبو حفص في ((شرحه)) بسند إلى عبد الرحمن بن عوف(٣) أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع الغنى؟ قال: قد لبستهما مع من هو خير منك، يعني رسول الله وَلي(٤). وذكره الطحاوي فقال: روي عن عامر بن ربيعة قال: خرجت مع ابن عمر فرأى ابن عوف .. الحديث. وفيه: فعلته مع من هو خير منك، مع رسول الله وَّر، فلم يعبه علي. وهو ظاهر أنه رآه ولم ينكره. قال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعًا، وقال: أنظروا أيهما كان قبل. (١) ((المغني)) ١٢١/٥ - ١٢٢. (٢) أبو داود (١٨٣١) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم، ابن خزيمة ٢٠١/٤ (٢٦٨٦). ورواه أيضًا أحمد ٢٩/٢، ٣٥/٦، والدارقطني ٢٧٢/٢، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٦٠٧). (٣) ورد بهامش الأصل: قلت: الحديث في ((مسند أحمد)) [١/ ١٩٢] إلى شريك، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمع عمر بن الخطاب، إلى قوله: ثم أبصر على عبد الرحمن خفين قال: وخفان؟! فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك أو مع رسول الله وَ ﴿ فقال عمر: عزمت عليك ألا تنزعها، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك فيقتدون بك .. الثاني: قد لبستهما مع رسول الله وَّه . (٤) أنظر: ((مسند أحمد)) (١٩٢/١). ٤٤٣ كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ = قال الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد جاء في بعض رواياته: نادى رجل رسول الله وَّ في المسجد -يعني بالمدينة(١) - فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: سمعته يخطب بعرفات، الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر، فيكون ناسخًا؛ لأنه لو كان القطع واجبًا لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه (٢). قال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر(٣)، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر، وقد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة، ثم إنا نحمل قوله: ((وليقطعهما)) على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهى عن ذَلِكَ في غير الإحرام؛ لما فيه من الفساد، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النعل، فعندنا أنه لا يجوز وتجب عليه الفدية خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. قال ابن قدامة: والأولى قطعهما؛ عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط(٤). وذكر الميموني عن أحمد أنه ذكر حديث ابن عمر وأنه مرفوع فيه ذكر القطع وقال: ليس تجد أحدًا يرفعه غير زهير، قال: وكان زهير من معادن الصدق. وقول الخطابي: العجب من أحمد، فإنه لا يخالف سنة تبلغه. وقلت: سنة (١) (سنن الدارقطني)) ٢٣٠/٢. (٢) ((المغني)) ١٢٢/٥. (٣) ((التحقيق)) ٣٣٩/٥ - ٣٤٠. (٤) ((المغني)) ١٢٥/٥. ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لم تبلغه عجب؛ لأن هُذِه السنة بلغته كما علمته، قال: وقول من قال: قطعهما فساد يشبه أن حديث ابن عمر لم يبلغه، إنما الفساد فعل ما نهى عنه(١)، وفي بعض نسخ النسائي في حديث ابن عباس من رواية عمرو بن دينار زيادة: ((وليقطعهما أسفل من الكعبين)) (٢). كحديث ابن عمر، ويعكر عليه رواية أحمد في ((مسنده)) عن عمرو، أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس بالحديث، وفيه قال: فقلت له: ولم يقل ليقطعهما(٣). قال: لا، ودعوى أن حديث ابن عباس بعرفات، وحديث ابن عمر بالمدينة، يخدشه ما ذكره ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن ابن عباس: سمعت رسول الله * وهو يخطب ويقول: ((السراويل لمن لم يجد الإزار)) الحديث(٤). وحَدَّثَنَا أحمد بن المقدام، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي وَل ◌ٌ وهو بذلك المكان فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم؟ .. الحديث(٥). كأنه یشیر به إلى عرفات، فتنبه له. وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا إذا لم يجد إزارًا(٦)، فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. (١) ((معالم السنن)) للخطابي ٢/ ١٥٢. (٢) النسائي ١٣٥/٥. (٣) (مسند أحمد) ٢٢٨/١. (٤) ابن خزيمة ١٩٩/٤ (٢٦٨١). (٥) (صحيح ابن خزيمة)) ٤ / ٢٠٠ (٢٦٨٢). (٦) حكاه الحافظ ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ٣١/١١ (١٥٢٨) وعنه نقله ابن القطان الفاسي في ((الإقناع)) (١٤٤٧). ٤٤٥ كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ = وقال أبو حنيفة ومالك: عليه الفدية سواء وجد إزارًا أم لا، إلا أن يشقه ويتزر به. خالفا ظاهر الحديث، وقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حتى يفتقه . وقال الرازي: يجوز ويفدي، وهو قول أصحاب مالك(١). (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٠٥/٢، ((مختصر الطحاوي)) ص٦٩، ((عيون المجالس)) ٨٠٠/٢، ((البيان)) ١٥١/٤، ((المغني)) ١٢٠/٥. ٤٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح حاـــ ١٧ - باب لُبْسِ السَّلاَحِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلاَحَ وَاقْتَدى. وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِذْيَةِ. ١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ ﴾: أَعْتَمَرَ النَّبِيُّ وََّ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكََّ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةً حَتَّى قَاضَاهُمْ: لاَ يُدْخِلُ مَكََّ سِلاَحًا إِلَّ فِي القِرَابِ. [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٤ /٥٨] وذكر حديث البَرَاءِ: أَعْتَمَرَ النَّبِيُّ لَهُفِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَىْ أَهْلُ مَكَّةً أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ بسِلاَحِ إِلَّا فِي القِرَابِ. كان هذا في عام القضية (١) كما ستعلمه في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه: جواز حمل المحرم السلاح للحج والعمرة إذا كان خوف، واحتيج إليه، وأجاز ذَلِكَ عطاء ومالك والشافعي، وكرهه الحسن البصري، وهذا الحديث حجة عليه وعلى عكرمة في إيجاب الفدية فيه (٢)(٣). (١) ورد بهامش الأصل: إنما كان الاعتمار في ذي القعدة، ومنعهم له الظروف أن يدخل في الحديبية لا في القضية، نعم دخوله مكة بالسلاح في القراب كان في القضية. والله أعلم. (٢) ورد بالهامش: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه. (٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٤٧/٢، ((المجموع)) ٤٦٧/٧، ((المغني)) ١٢٨/٥. ٤٤٧ كِتَابُ جَزَّاءِ الصَّيْدِ = ١٨ - باب دُخُولِ الحَرَمِ وَمَكّةَ بِغَيْرٍ إِحْرَامِ وَدَخَلَ ابن عُمَرَ حلالًا. وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ بِالإِهْلَاَلِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْخَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ. ١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الْخُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَزْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيِهِمْ مَنْ أَرَادَ الَحَتَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةً مِنْ مَكَّةَ. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٥٩/٤] ١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). [٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح: ٥٩/٤] ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ: وقت النَّبِيُّ وَِّ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ .. الحديث وتقدم أوائل الحج (١). وحديث مَالِكْ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَرِ دَخَلَ عَامَ الفَتْح، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). الشرح : أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله، وبلغه بقديد أن جيشًا من جيوش الفتنة دخلوا (١) برقم (١٥٢٤) باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة. ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المدينة، فكره أن يدخل عليهم، فرجع إلى مكة فدخلها بغير إحرام (١). ورواه البيهقي من حديث مالك، عن نافع(٢). وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة(٣)، وعد من أفراد مالك، تفرد بقوله: وعلى رأسه المغفر(٤). كما تفرد بحديث: ((الراكب شيطان))(٥)، وبحديث: ((السفر قطعة من العذاب))(٦). قال الدارقطني: قد أوردت أحاديث من رواه عن مالك في جزء مفرد وهو نحو من مائة وعشرين رجلًا أو أكثر، منهم: السفيانان، وابن جريج والأوزاعي. وقال ابن عبد البر: هذا حديث تفرد به مالك، ولا يحفظ عن غيره، ولم يروه عن ابن شهاب سواه -من طريق صحيح - واحتاج إليه فيه جماعة من الأئمة يطول ذكرهم، وقد روي عن ابن أخي ابن شهاب (١) (مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٣/٣ (١٣٥٢٤) كتاب: الحج، من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام. (٢) ((سنن البيهقي)) ١٧٨/٥ كتاب: الحج، باب: من رخص في دخولها بغير إحرام. (٣) مسلم (١٣٥٧)، أبو داود (٢٦٨٥)، الترمذي (١٦٩٣)، النسائي ٢٠٠/٥-٢٠١، ابن ماجه (٢٨٠٥). (٤) «الموطأ» ص٢٧٣. (٥) ((الموطأ)) ص٦٠٥. ورواه أيضًا أبو داود (٢٦٠٧) كتاب: الجهاد، باب: في الرجل يسافر وحده، والترمذي (١٦٧٤) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، والنسائي في ((الكبرى)) ٢٦٦/٥ (٨٨٤٩)، وأحمد ١٨٦/٢، والحاكم ٢/ ١٠٢. جميعًا من طريق مالك. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٣/٦: إسناده حسن، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٤٦). (٦) ((الموطأ)) ص٦٠٦. ومن طريقه سلف برقم (١٨٠٤) كتاب: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، ورواه مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب. ٤٤٩ كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ = عن عمه، عن أنس(١)، ولا يكاد يصح، وروي من غير هذا الوجه، ولا يثبت أهل العلم فيه إسناد غير حديث مالك(٢)، ورواه أيضًا أبو أويس والأوزاعي عن الزهري، وروى محمد بن سليم بن الوليد العسقلاني، عن محمد بن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: دخل النبي ◌َ* يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. ومحمد بن سليم لم يكن ممن يعتمد عليه، وتابعه على ذَلِكَ بهذا الإسناد الوليد بن مسلم ويحيى الوحاظي، ومع هذا فإنه لا يحفظ عن مالك في هذا إلا المغفر. قال أبو عمر: قد روي من طريق أحمد بن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزبير عن جابر أنه الظّهر دخل مكة. وعليه عمامة سوداء، ولم يقل: عام الفتح. وهو محفوظ من حديث جابر(٣)، زاد مسلم في ((صحیحه)): بغير إحرام(٤). قال: وروى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ومنصور بن سلمة الخزاعي حديث المغفر فقالا: مغفر من حديد. ومنصور وبشر ثقتان، وتابعهما على ذَلِكَ جماعة ليسوا هناك، وكذا رواه أبو عبيد بن سلام عن ابن بكير، عن مالك، ورواه روح بن عبادة عن مالك بإسناده هذا، وفيه زيادة: وطاف وعليه المغفر. ولم يقله غيره. (١) رواه البزار في ((البحر الزخار)) ٣٦٤/١٢ (٦٢٩١). وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا مالك وابن أخي الزهري، ولا نعلم رواه عن ابن أخي الزهري إلا يحيى بن هانئ. (٢) ((التمهيد)» ١٥٩/٦. (٣) ((التمهيد)) ٦/ ١٧٢. (٤) مسلم (١٣٥٧). ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ورواه عبد الله بن جعفر (المديني)(١) عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: دخل رسول الله ويّله يوم الفتح مكة وعلى رأسه مغفر واستلم الحجر بمحجن. وهذا لم يقله عن مالك غير عبد الله هذا (٢). وروى داود بن الزبرقان عن معمر ومالك جميعًا، عن ابن شهاب، عن أنس أنه القّ دخل عام الفتح في رمضان وليس بصائم. وهذا اللفظ ليس بمحفوظ بهذا الإسناد لمالك إلا من هذا الوجه. وقد روى سويد بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس أنه الَّيْف دخل مكة عام الفتح غير محرم. وتابعه على ذَلِكَ عن مالك، إبراهيم بن علي المعتزلي (٣). وهذا لا يعرف هكذا إلا بهما، وإنما هو في (الموطأ)) عند جماعة الرواة من قول ابن شهاب لم يرفعه إلى أنس(٤). وقال الحاكم في ((إكليله)): اختلفت الروايات في لبسه التقرير العمامة أو المغفر يوم الفتح، ولم يختلفوا أنه دخلها وهو حلال، قال: وقال بعض الناس: العمامة والمغفر على الرأس، ويؤيد ذَلِكَ حديث جابر. يعني السالف. قال: وهو وإن صححه مسلم(٥) وحده، فالأول -يعني حديث أنس- مجمع على صحته، والدليل على أن المغفر غير العمامة قوله: من حديد. فبان بهذا أن حديث: من حديد. أثبت من العمامة السوداء؛ لأن راويها أبو الزبير. (١) كذا بالأصل، وهو موافق لما في ((تهذيب الكمال)) ٣٧٩/١٤ - ٣٨٠ (٣٢٠٦)، وفي ((التمهيد)»: المدني. (٢) ((التمهيد)» ١٥٨/٦ - ١٥٩. (٣) ((التمهيد)» ٦/ ١٧٣. (٤) ((الموطأ)) ص٢٧٣. وانظر: ((التمهيد)) (١٧٣/٦). (٥) مسلم (١٣٥٨) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. ٤٥١ كِتَابُ جَزَّاءِ الصَّيْدِ == وقال عمرو بن دينار: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة، وقد روي عن عمرو بن حريث ومزيدة وعنبسة -صاحب الألواح- عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن رسول الله وم لبس العمامة السوداء، ولا يصح منها وإنما لبس البياض، وأمر به. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها : المغفر بكسر الميم، وكذا المغفرة والغفارة زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس تلبس تحت القلنسوة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح. وقال ابن عبد البر: هو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره(١)، وذكر ابن طاهر الداني في «أطراف الموطأ»: لعل المغفر كان تحت العمامة(٢)، وكذا قاله ابن عبد البر. ثانيها : نزعه المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، ويؤيد هذا خطبته والعمامة عليه؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح. ثالثها : ابن خطل اسمه: هلال -أو عبد الله وهلال أخوه ويقال لهما : الخطلان- أو عبد العزى أو غالب بن عبد الله بن عبد مناف. وقال الدمياطي: اسمه هلال، وخطل لقب جده عبد مناف (٣). وقال الزبير بن (١) ((التمهيد)) (١٥٨/٦). (٢) ((الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ)) ٥١/٢. (٣) في هامش (م): وكان يقال لابن خطل ذا القلبين، وفيه نزل ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قلبیْنِ فِی جَوْفِ﴾. ٤٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - بكار: أسمه هلال بن عبد الله بن عبد مناف، وعبد الله هو الذي يقال له خطل، ويقال ذَلِكَ لأخيه عبد العزى بن عبد مناف، وهما الخطلان كما سلف، ومن بني تيم الأدرم بن غالب، وقيل له ذَلِكَ لأن أحد لحییه كان أنقص من الآخر. وقال ابن قتيبة: بنو تيم الأدرم من أعراب قريش، وليس بمكة منهم أحد (١)، وعبد العزى عم ابن خطل يقال له أيضًا: خطل، وكان يقال لابن خطل: ذا القلبين (٢)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قلبین فی جوفٍ﴾. قال أبو عمر: لأنه كان أسلم، وبعثه رسول الله وَّر مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وأمَّر عليه الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله، وذهب بماله. وعن ابن إسحاق: كان له مولى يخدمه، وكان أيضًا المولى مسلمًا فنزل ابن خطل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم أرتد مشركًا، واتخذ قينتين يغنيان بهجاء سيدنا رسول الله ◌َا﴾(٣). وفي ((مجالس الجوهري)) أنه كان يكتب الوحي للنبي وَّةٍ، فكان إذا (١) ((المعارف)) لابن قتيبة ص٦٨. (٢) بهامش الأصل: قال ابن بشكوال: قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله يسمي ذا القلبين، فأنزل الله ما تسمعون، ذكره عن مجاهد، وكذا في تفسير محمد بن جرير، عن ابن عباس: الرجل المذكور أبو معمر جميل بن أسد الفهري. وساق له شاهدًا في الآية، بل قيل: هو زيد بن حارثة، والشاهد له في ((تفسير عبد الرزاق)). [قلت: انظر: ((غوامض الأسماء المبهمة)) لابن بشكوال ٧٠٤/٢-٧٠٥]. (٣) ((التمهيد)) ١٦٩/٦ - ١٧٠. وفيه روی حديث ابن إسحاق المذكور بسنده. ٤٥٣ كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ = نزل ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، كتب: رحيم غفور، وإذا نزل ﴿سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، كتب: عليم سميع، أخرجه من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي، قتله أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي، أو سعيد بن حريث المخزومي، أو الزبير بن العوام. قال أبو عمر: وذكر أنه استبق إلیه سعید بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا فقتل بين المقام وزمزم(١). وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: لما قتل قال رسول الله *: ((لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذ))(٢) قلت: هذا في غيره، وهو الأكثر. رابعها : فيه كما نبه عليه السهيلي: دلالة أن الكعبة المشرفة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حد واجب، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إنما معناه: الخبر عن تعظيم حرمتها في الجاهلية نعمة من الله على أهل مكة، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٩٧]، فكان ذَلِكَ قوام الناس، ومصلحة لذرية إسماعيل قطان الحرم، وإجابة لدعوة إبراهيم حيث يقول: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]". خامسها : فيه كما قال ابن عبد البر: دخول مكة بغير إحرام وبالسلاح الظاهر (١) السابق ٦/ ١٧٥. (٢) رواه مسلم (١٧٨٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح. من طريق زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: سمعت النبي وَل﴾ يقول، يوم فتح مكة .. الحديث. (٣) ((الروض الأنف)) للسهيلي ١٠٣/٤. ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فيها، ولكنه عند جمهور العلماء منسوخ ومخصوص بقوله: ((إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض))(١). فهذا إخبار أن الله تعالى حرمها. وقال في كتاب ((الأجوبة الموعبة عن المسائل المستغربة على صحيح البخاري)): وما حرم الله فلا سبيل إلى استحلاله إلا بإذن الله، يمحو الله ما يشاء ويثبت، يحل ويحرم ابتلاء واختبارًا لا بداءً. كما قالته اليهود، ولكن لمصالح العباد، واختبارهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وأيهم ألزم لما أمر به ونهي عنه؛ لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن لرسوله في استحلالها، ثم أخبر على لسانه أنها عادت إلى حالها، وقد روى ابن عمر وابن عباس وأبو بكرة وعمرو بن الأحوص وجابر وغيرهم بألفاظ متقاربة ومعنى واحد أن رسول الله وَلّ خطبهم في حجة الوداع فقال: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(٢). (١) يأتي برقم (٤٣١٣) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح، ورواه مسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها. وانظر: ((التمهيد)) (١٦٠/٦). (٢) حديث ابن عمر سلف برقم (١٧٤٢) باب: الخطبة أيام منى. وحديث ابن عباس رواه ابن خزيمة ٢٨٩/٤ (٢٩٢٧)، والطبرانى ١٧٣/١١ (١١٣٩٩)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧١/٣: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الألباني في تعليقه على ((صحيح ابن خزيمة)): إسناده حسن. وحديث أبي بكرة يأتي برقم (٤٤٠٦) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليط تحريم الدماء. وحديث عمرو بن الأحوص رواه الترمذي (٣٠٨٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وابن ماجه (٣٠٥٥) كتاب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، وابن خزيمة ٤/ ٢٥٠ (٢٨٠٨)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٤٧٩). وحديث جابر رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي ◌َّهِ- مطولًا، وأحمد ٣٢٠/٣. = ٤٥٥ كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وفي قوله: ((ولم يحرمها الناس))(١) أيضًا دليل واضح على أن قوله: ((إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها))(٢) يعني: المدينة، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس(٣)، وعمرو ليس بالقوي عند بعضهم(٤)، قال: ومعناه عندي = وفي الباب عن أبي سعيد الخدري. رواه ابن ماجه (٣٩٣١) كتاب: الفتن، باب: حرمة دم المؤمن وماله، والطحاوي ١٥٩/٤، وقال البوصيري في «زوائدہ) ص: ٥١٧: صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٣١٧٦). (١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. (٢) رواه مسلم (٤٥٦/١٣٦١) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي وَله فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، بهذا اللفظ من حدیث رافع بن خديج. (٣) ((الموطأ)) ص٥٥٤. قلت: وسيأتي من هذا الطريق برقم (٥٤٢٥) كتاب: الأطعمة، باب: الحيس، وكذا رواه مسلم (١٣٦٥) كتاب: الحج. (٤) قال الحافظ في ((هدي الساري مقدمة فتح الباري)) ص: ٤٣٢: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو عثمان المدني، من صغار التابعين، وثقة أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وضعفه ابن معين والنسائي وعثمان الدارمي لروايته عن عكرمة حديث البهيمة، وقال العجلي أنكروا حديث البهيمة يعني: حديثه عن عكرمة عن ابن عباس من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة، وقال البخاري لا أدري سمعه من عكرمة أم لا ، وقال أبو داود: ليس هو بذاك؛ حدث بحدیث البهيمة، وقد روئ عاصم، عن أبي رزین، عن ابن عباس: ليس على من أتى بهيمة حد، وقال الساجي صدوق إلا أنه يهم. قلت: لم يخرج له البخاري من روايته، عن عكرمة شيئًا بل أخرج له من روايته عن أنس أربعة أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديثا واحدًا، ومن روايته عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة حدیثا واحدًا واحتج به الباقون. اهـ. وقال في ((التقريب)) (٥٠٨٣): ثقة ربما وهم. وانظر ترجمته في ((التاريخ الكبير) ٣٥٩/٦ (٢٦٣٣)، و((الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٨)، ((تهذيب الكمال)» ١٦٨/٢٢ (٤٤١٨). ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -والله أعلم- أن إبراهيم أعلن حرمتها، وعلم أنها حرام بإخباره، فكأنه حرمها؛ إذ لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه، كما أضاف الله تعالى توفي الأنفس مرة إليه(١)، ومرة إلى ملك الموت بقوله: ﴿قُلّ يَوَقَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ومرة إلى أعوانه بقوله: ﴿الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَئِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨] وجائز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب، ويحتمل أن يكون إبراهيم منع من الصيد بمكة والقتال فيها وشبه ذَلِكَ، وإني أمنع مثل ذَلِكَ بالمدينة، والتحريم في كلام العرب: المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أي: منعناه قبول المراضع، وحديث مالك عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: ((اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة))(٢)، وهذا أولى من رواية: ((حرم مكة))(٣)، وقوله: ((أحلت لي ساعة من نهار)) (٤)، لم يرد الساعة المعروفة والمراد: القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم تكن يومًا تامًا وليلة، ((وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)(٥)، يدل على أن الساعة التي أحل له فيها القتال لم تكن أكثر من يوم (٦). وكان ابن شهاب يقول: لا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام (٧)، (١) بقوله جل وعلا في سورة الزمر: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ آية: ٤٢، وقد ذكرها ابن عبد البر في ((الأجوبة)) ص٩٩، وأسقطها المصنف -رحمه الله- هنا. (٢) ((الموطأ)) ص: ٥٥٢. والحديث رواه مسلم (١٣٧٣). .(٣) رواه مسلم (١٣٦١). (٤) قطعة من حديث سلف برقم (١١٢) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم. (٥) سلف برقم (١٨٣٢)، ورواه مسلم (١٣٥٤). (٦) ((الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري)) ص٩٤-١٠٤ بتصرف بالغ. (٧) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢٧٣. ٤٥٧ كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ = وخالفه في ذَلِكَ أكثر العلماء، ولم يتابعه على ذَلِكَ إلا الحسن البصري. قلت: وأبو مصعب، وإليه ذهب داود وأصحابه، وروي عن الشافعي مثل ذَلِكَ، والمشهور عنه كقول الجماعة أبي حنيفة وأصحابه، قالوا: فإن دخلها غير محرم فعليه حجة أو عمرة، وهو قول عطاء وابن حي. وقتل ابن خطل لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون ذَلِكَ كان في الوقت الذي أحلت له فيه مكة، أو يكون - كما قاله جماعة من العلماء- أن الحرم لا يجير من وقع عليه القتل، وهو قول مالك والشافعي، وأبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إذا وجب عليه قصاص أو حد فدخل الحرم لم يقتص منه في النفس، ويقام عليه فيما دونه مما سوى ذَلِكَ حَتَّى يخرج من الحرم، وقال زفر: فإن قتل في الحرم أو زنا فيه رجم. وقد سلف ذَلِكَ، وعن أبي يوسف: يخرج من الحرم فيقتل، وكذا في الرجم. واختلفوا في تغليظ الدية على من قتل في الحرم، وأكثرهم على أنه في الحل والحرم سواء، وعن سالم: من قتل خطأ في الحرم زيد عليه في الدية ثلث الدية، وهو قول عثمان بن عفان(١)، وخالفه في ذَلِكَ (٢) علي (٢). وقال ابن القصار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة (١) رواه عبد الرزاق ٢٩٨/٩ (١٧٢٨٢)، وابن أبي شيبة ٤٢١/٥ (٢٧٦٠٠)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٣٥٥/٣ (٢١٨٦ - ٢١٨٧)، والبيهقي ٧١/٨. (٢) من قوله: واختلفوا في تغليظ الدية، إلى هذا الحد، هو من كلام الحافظ ابن عبد البر في ((الأجوبة)) ص ١١٠. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة، فقالا مرة: لا يجوز دخولها إلا به؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا للحطابين ومن قرب منها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة ترددهم إليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وعلى هُذا فلا دم عليه. نص عليه في ((المدونة))(١)، ووافقه القاضي في ((المعونة))، وخالف في تلقينه والخلاف في مذهبنا أيضًا، وقالا مرة أخرى: دخولها به استحباب لا واجب. قال ابن بطال: وإليه ذهب البخاري محتجًا بقوله: (ممَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) فدل إن لم يردهما فليس ميقاتًا له، واستدل بحديث الباب: وهو غير محرم. وبه احتج ابن شهاب، ولم يره خصوصًا به القَالآ، وأجاز دخولها بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر، وقال الطحاوي: قول أبي حنيفة وأصحابه في أن من كان منزله في بعض المواقيت أو دونها إلى مكة، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلا بإحرام(٢)، وأخذوا في ذَلِكَ بما روي عن ابن عمر أنه خرج من مكة وهو يريد المدينة، فلما كان قريبًا من قدید بلغه خبر من المدينة رجع فدخل حلالًا(٣)، وقال آخرون: حكم المواقيت حكم ما قبلها (٤). قال الطحاوي: ووجدنا الآثار تدل على أن ذَلِكَ من خواصه بقوله: ((فلا تحل لأحد بعدي)) وقد عادت حرامًا إلى يوم القيامة فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإحرام، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن (١) ((المدونة الكبرى)) ٣٧٨/٢. (٢) (شرح معاني الآثار)) ٢٥٩/٢. (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢٧٣، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤)، والطحاوي ٢٦٣/٢، والبيهقي ١٧٨/٥. (٤) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٥١٧/٤ - ٥١٨. بتصرف. ٤٥٩ كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ = البصري(١). (١) وقال ابن بطال: الصحيح في معنى قوله: ((لا تحل لأحد بعدي)) يريد مثل المعنى الذي حل لرسول الله صلجر، وهو محاربة أهلها وقتالهم، وردهم عن دينهم على ما تقدم في باب: لا يحل القتال بمكة، عن الطبري، وهو أحسن من قول الطحاوي أنه خاص به. واحتج من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج مرة في الدهر وكذا العمرة، فمن أوجب على الداخل إحرامًا فقد أوجب عليه غير ما أوجب الله(٢). سادسها : قال ابن بطال: في قتله الَّ لابن خطل يوم الفتح حجة لمن قال: إن مكة فتحت عَنْوة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين، وقال الشافعي وحده: فتحت صلحًا. وفائدة الخلاف في هذه المسألة ما ذهب إليه مالك والكوفيون أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكًا مستقرًّا بنفس الغنيمة، وأنه يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم، ولا خلاف بينهم أنه الظّئْ مَنَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها (٣). سابعها : استدل به المالكيون، أن من سب الشارع يقتل ولا يستتاب كما فعل بابن خطل، فإنه كان يسبه ويهجوه، وقد عفا عن غيره ذَلِكَ اليوم ممن كان يسبه، فلم ينتفع باستعاذته بالبيت، ولا بالتعلق بأستار الكعبة، (١) (شرح معاني الآثار)) ٢٦٢/٢. (٣) (شرح ابن بطال)) ٤ /٥١٩. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٥١٩/٤. ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فدل ذَلِكَ على العنوة، وعلى أن الحدود تقام بمكة على من وجبت عليهم، ولا يعارضه قوله التَّه: ((من أغلق بابه فهو آمن)) (١) إلى آخره؛ لأنه الَّ أُمَّنَ في ذَلِكَ اليوم الناس إلا أربعة نفر، وقال: ((اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة)) عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وقينتين كانتا تغنيان بهجائه، فسأل عثمان في عبد الله(٢)، وسيأتي في: الجهاد في باب: قتل الأسير والصبر زيادة في ذَلِكَ - إن شاء الله تعالى(٣)- وكذا في فتح مكة، عند الكلام على حديث حاطب في الظعينة (٤). (١) رواه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد والسير، فتح مكة. من حديث أبي هريرة مطولًا. (٢) رواه أبو داود (٢٦٨٣) كتاب: الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، و(٤٣٥٩) كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد، والنسائي ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وابن أبي شيبة ٤٠٥/٧ (٣٦٩٠٢) كتاب: المغازي، حديث فتح مكة، والبزار في ((البحر الزخار)) ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١ (١١٥١)، وأبو يعلى ١٠٠/٢ - ١٠٢ (٧٥٧)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٣٣٠/٣، والشاشي ١٣٥/١ - ١٣٦ (٧٣)، والدارقطني ٥٩/٣، ١٦٧/٤ - ١٦٨، والبيهقي ٢٠٥/٨ كتاب: المرتد، باب: من قال في المرتد يستتاب مكانه فإن تاب وإلا قتل، وابن عبد البر في ((التمهيد) ١٧٤/٦ - ١٧٦، والضياء في ((المختارة)) ٢٤٨/٣ - ٢٥١ (١٠٥٤- ١٠٥٥) من طريق أحمد بن المفضل عن أسباط بن نصر قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة .. الحديث. والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ١٥٣/٩، وكذا الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٠٥)، وانظر: ((الصحيحة)) (١٧٢٣). (٣) سيأتي برقم (٣٠٤٤) باب: قتل الأسير وقتل الصبر. (٤) سيأتي حديث حاطب هذا برقم (٤٢٧٤) كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح.