النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
= كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
وقيل: الشراء فاسد لا يصح، ومن صححه أوجب إرساله(١).
وقال ابن عبد البر: لأهل العلم قولان في المحرم يشتري الصيد:
الأول: الشراء فاسد، الثاني: صحيح، وعليه أن يرسله(٢) .
فإن اضطر إلى أكل الميتة، أيجوز له أن يأكل الصيد أو الميتة؟ قال
مالك: يأكل الميتة؛ لأن الله لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا أخذه
على حال من الأحوال؛ ورخص في الميتة في حال الضرورة، وهو قول
عطاء والثوري، وقال أبو حنيفة: يأكل الصيد ولا يأكل الميتة (٣).
وقال مالك: ما قتله المحرم أو ذبحه من الصيد فلا يحل أكله لحلال
ولا لحرام؛ لأنه ليس بذكي، خطأً كان قتله أو عمدًا، وقال أبو حنيفة
وصاحباه: إذا رمى المحرم الصيد وسمى فقتله فعليه جزاؤه، فإن أكل
منه حلال فلا شيء عليه، وإن أكل منه المحرم الذي قتله بعدما جزاه
فعليه قيمة ما أكل منه، في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا جزاء
عليه ولا ينبغي أن يأكله حلال ولا حرام، وهو قول القاسم وسالم،
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول مالك، والآخر: يأكله ولا يأكل
الميتة. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال
أكل ذَلِكَ الصيد إلا أني أكرهه للذي صاده؛ لحديث جابر، وروى
الثوري، عن أشعث، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: لا بأس بأكله،
يعني: ذبح المحرم الصيد، قال الثوري: وقول الحكم هذا أحب إلي (٤).
وقال ابن العربي في ((مسالكه)): إذا قتل صيدًا مملوكًا وجب عليه مع
(١) ((النوادر والزيادات)) ٤٦٩/٢.
(٢) ((التمهيد)» ٥٩/٩.
(٣) ((الاستذكار)) ٣٠٩/١١، ٣١١، وأنظر: ((تبيين الحقائق)) ٦٨/٢.
(٤) ((الاستذكار)) ٣٠٩/١١-٣١٠.

٣٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الجزاء القيمة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال المزني: لا جزاء عليه
إنما عليه القيمة، دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(١)
[المائدة: ٩٥].
ثانيها : الأصل في أهدى، التعدي بإلى، وقد يتعدى باللام، ویکون
بمعناه، ويحتمل أن اللام بمعنى أجل، وفيه ضعف.
ثالثها: أسلفنا أن البخاري فهم منه الحياة؛ ولذلك بوب عليه كما
مضى، وعلى هذا الفهم أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم
يشرع لنفسه ملكه لأجل الإحرام، والجمع بينه وبين الرواية الأخرى
أنه كان مذبوحًا أنه جاء به أولًا ميتًا، فوضعه بقربه، ثم قطع منه ذَلِكَ
العضو فأتاه به، أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه من باب
التوسع والتجوز، أو كان أولًا حيًّا فلما رده ذكاه وأتى ببعضه، ولعله
ظن أنه إنما رده لمعنى يخص الحمار بجملته فلما جاءه بجزئه أعلمه
بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل.
رابعها: في ((إكمال القاضي)) عن أبي حنيفة: لا يحرم على المحرم
ما صيد له بغير إعانة منه(٢)، وهو مذهب الكوفيين كما أسلفناه، وفي
((الاستذكار)): كان عمر وأبو هريرة والزبير وكعب ومجاهد وعطاء
-في رواية- وسعيد بن جبير: يرون للمحرم أكل الصيد على كل حال
إذا أصطاده الحلال صيد من أجله أو لم يصد(٣). وقد أسلفناه أيضًا.
خامسها: ( ((نرده))) وكذا لم يضره الشيطان، وكذا لم تمسه النار،
وأمثالها، الأوجه فيه الضم عند سيبويه، والرواية بالفتح كما قاله
(١) انظر: ((المبسوط)) ٨١/٤، ((المنتقى)) ٢٥١/٢، ((المجموع)) ٣١١/٧.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٩٨/٤.
(٣) ((الاستذكار)) ٣٠٣/١١.

٣٦٣
- ڪِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
عياض (١)، وقال القرطبي: المحدثون يقيدونه بفتح الدال، وإن كان
متصلًا بهاء المذكر المضمومة، وقيده المحققون بضمها مراعاة للواو
المتولدة عن ضمة الهاء ولم يحفلوا بالهاء؛ لخفائها، وكأنهم قالوا:
(رَدُّوا) كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم قالوا:
(وَدُّوا)(٢)، وهذا مذهب سيبويه والفارسي (٣).
سادسها: قوله: ( ((أنَّا حرم)) ) هو بفتح الهمزة على أنه تعدى إليه
الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنا، وبكسرها لأنها ابتدائية.
و(الأبواء) بالمد: قرية جامعة من عمل الفرع من المدينة بينها وبين
الجحفة مما يلي المدينة، ثلاثة وعشرون ميلًا، سميت بذلك؛ لتبوء
السيول بها، وقيل: عشرة، وبها توفيت آمنة أم رسول الله وَاليه،
ودفنت (٤). وودان قرية جامعة من عمل الفرع أيضًا بينها وبين الأبواء
نحو ثمانية أميال (٥).
سابعها: قال أبو عبد الملك: فيه دليل أن الهبة والهدايا تقتضي
القبول، ولولا ذَلِكَ لأطلق الحمار، ولم يرده إلى الصعب، وذلك
خلاف أن يهب الرجل أخاه وابنه وأباه فإنه يعتق دون قبول؛ لأن
الموهوب له مضار في ردها.
ثامنها: قوله: (فلما رأى ما في وجهه). يريد من التغير إذ لم يقبلها
منه؛ لأنه كان يقبل الهدية، فخاف الصعب أن يكون ذَلِكَ لمعنى يخصه،
فأعلمه بالعلة؛ ليزيل ما في نفسه.
(١) ((إكمال المعلم)) ١٩٨/٤.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((المفهم)): (ردا).
(٣) ((المفهم)) ٢٧٧/٣-٢٧٨.
(٤) انظر: ((معجم ما استعجم)) ١٠٢/١، و((معجم البلدان)) ٧٩/١.
(٥) انظر: ((معجم البلدان)) ٣٦٥/٥.

٣٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال مالك: من أحرم وعنده صيد فإن خلفه في أهله قبل إحرامه
فلا يزول ملكه عنه كما لو نكح قبله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في
أحد قوليه، والخلاف في ذَلِكَ مبني على تأويل الآية ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾
[المائدة: ٩٦]. هل المراد به الاصطياد أو المصيد، وليس الصيد
كالنكاح ولو كان الصيد بيده زال ملكه عنه على الأصح، ووجب عليه
إرساله وإلا ضمن، وعندنا أنه إذا ورثه یزول ملكه فيرسل، ولو كان
في بيته فأحرم فملكه باق، ولا يرسله على الأصح، فإن لم يرسله
حَتَّى حل أرسله، خلافًا لأشهب كالخمر إذا تخلل، وقيل: بالفرق؛
لأن هذا حق لغيره بخلافه ولو أحرم وفي يده صيد وديعة لغائب لم
يلزمه إطلاقه، ولو أخذه بعد إحرامه فقد أخطأ، ويجب عليه إطلاقه
ویغرم قیمته لربه(١)، ذكره في كتاب محمد.
خاتمة: الصعب(٢) هو: ابن جثامة كما سلف، واسمه يزيد بن
قيس بن ربيعة الكناني الليثي، نزيل ودان(٣)، وهو أخو محلم بن
جثامة الذي لفظته الأرض(٤)، نزل بأخرة حمص، ومات بها في أيام
ابن الزبير، أعني محلمًا.
(١) ((الاستذكار)) ٢٩٣/١١-٢٩٥. وانظر: ((بدائع الصنائع)) ٢٠٦/٢، ((المبسوط))
٩٤/٤، ((المنتقى)) ٢٤٦/٢-٢٤٧، ((المجموع)) ٣٣٠/٧-٣٣١.
(٢) في هامش الأصل : توفي في خلافة أبي بكر، قاله النووي في ((التهذيب)).
(٣) هو الصعب بن جثامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر، وهو الشراخ الليثي الحجازي،
وسمي يعمر الشراخ؛ لأنه شرخ الدماء بين بني أسد بن خزيمة، وبين خزاعة،
يعني: أهدرها. انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٢٩١/٢ (١٢٤٦)، و(«أسد الغابة»
٢٠/٣ (٢٥٠١)، و ((الإصابة)) ١٨٤/٢ (٤٠٦٥).
(٤) انظر ترجمته في: (الاستيعاب)) ٢٣/٤ (٢٥٥٢)، و((أسد الغابة)) ٧٦/٥- ٧٧
(٤٦٩١)، و((الإصابة)) ٣٦٩/٣ (٧٧٥٢).

٣٦٥
كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
=
٧ - باب مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابٌّ
١٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدُّوَابِّ لَيْسَ عَلَى
المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ)).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ. [٣٣١٥ -
مسلم: ١١٩٩ - فتح: ٣٤/٤]
١٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ نَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ: ((يَقْتُلُ
المُحْرِمُ)). [١٨٢٨ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٣٤/٤]
١٨٢٨ - حَذَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَبِ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
عَنْ سَالمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ،
وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ)). [انظر: ١٨٢٧ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٣٤/٤]
١٨٢٩ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ،
عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِّهِ قَالَ: ((خَمْسٌ
مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ،
وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ)). [٣٣١٤ - مسلم: ١١٩٨ - فتح: ٣٤/٤]
١٨٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ قَالَ:
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ عُهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ بَِّ فِي غَارٍ
بِمِنَّى، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَتِ﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِّ لْأَتَلَقَّاهَا مِنْ
فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبُ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اقْتُلُوهَا)).
فَابْتَدَزْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيْتُمْ شَرَّهَا)). [٣٣١٧،
٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٣٥/٤]

٣٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٨٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالٌِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ لِلْوَزَعْ:
((فُوَيْسِقٌ)). وَلَمْ أَسْمَغْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. [٣٣٠٦ - مسلم: ٢٢٣٩ - فتح: ٣٥/٤]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا بهذا أَرْوَنَا أَنَّ مِنَّى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهْمْ لَمْ يَرَوْا
بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأُسًا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّ قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَىّ المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ)).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ.
وعَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدى نِسْوَةٍ
النَّبِّ وَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ: ((يَقْتُلُ المُحْرِمُ)).
وعَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَه: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ،
وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ)).
وعنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ
كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ)) وذكر الباقي
وعَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ فِي غَارٍ
بِمِنّى، إِذْ نَزَلَت عَلَينا: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ
لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَظْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا
حَيَّةٌ، فَقَالَ رسول الله وَّهِ: ((اقْتُلُوهَا)). فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ بَلِّ:
(وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيْتُمْ شَرَّهَا)).
وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النبيِ بَِّ قَالَ لِلْوَزَغْ: ((فُوَيْسِقٌ)). وَلَمْ
أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.

٣٦٧
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
=
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا أردنا بهذا أن هذِه نزلت بمكة قبل الحج وأَنَّ
مِنَّى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهُمْ لَمْ يروا بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأْسًا
الشرح:
أما حديث ابن عمر عن حفصةً فأخرجه مسلم بزيادة ((كلهن
فاسق))(١)، وحديث زيد عنه عن إحدى نسوة النبي ◌َله بلفظ: أنه كان
يأمر بقتل الكلب العقور والفأرةِ والعقربِ والحدأةِ والغرابِ والحية،
قال: وفي الصلاة أيضًا(٢).
وعن ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر: سمعت النبي وَل يقول:
((خمسٌ من الدواب لا جناح على من قتلهن في قتلهن: الغراب والحدأةُ
والعقربُ والفأرة والكلب العقور)) (٣) رواه جماعة عن نافع عن ابن عمر
قال: ليس في واحد منهم سمعت النبي ◌َّ، وفي بعض ألفاظه:
((خمسٌ لا جناح في قتل ما قتل منهن في الحرم .. )) بمثله (٤)، وفي آخر:
((خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح)) الحديث(٥). زاد
على البخاري إباحة قتل هذِه الدواب في الصلاة، وذكر الحية(٦)
ولا سماع ابن عمر من رسول الله وَ لّ لهذا، وفي بعض ألفاظه: أن
رسول الله ◌َلّ قال: ((خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح
عليه العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحديا)) أخرجه في
كتاب: بدء الخلق(٧)، ولم يقل في حديث حفصة: كلها فاسق.
(١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦).
(٢) مسلم (١٢٠٠ / ٧٥).
(٣) مسلم (١١٩٩/ ٧٧).
(٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٦).
(٤) مسلم (٧٨/١١٩٩).
(٦) في هامش الأصل: أخرج معناه البخاري.
(٧) سيأتي برقم (٣٣١٥) باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم.

٣٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما حديث عائشة أخرجه مسلم بألفاظ: ((أربع كلهن فاسق يقتلن
في الحل والحرم: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور))(١)،
((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة
والكلب العقور والحديا))(٢)، ((خمس لا جناح على من قتلهن في
الحل والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والكلب العقور في
الحرم))، (خمس)(٣) وهو الصحيح في حديث عائشة وغيرها ((خمس
من الدواب كلها فواسق)» (٤) ((خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم
والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور في
الحرم والإحرام)»(٥) زاد على البخاري الحل والأبقع والحية وإنما
قال: العقرب، وزيد في غير الصحيح ((الذئب)) أخرجه البيهقي من
حديث الحجاج بن أرطاة عن وبرة (٦)، والدارقطني عن نافع قال:
سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله ◌َ بقتل الذئب والفأر
والحدأة، فقيل: والحية والعقرب؟ فقال: قد كان يقال ذَلِكَ، قال
يزيد بن هارون: يعني: المحرم(٧).
قال البيهقي: وقد روينا ذكر الذئب من حديث ابن المسيب مرسلًا
جيدًا (٨).
(١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦) كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ..
(٣) كذا في (س).
(٢) مسلم (١١٩٨ / ٦٧).
(٤) مسلم (١١٩٨/ ٧١).
(٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٢). من حديث ابن عمر.
(٦) (سنن البيهقي)) ٢١٠/٥ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله من دواب البر في
الحل والحرم.
(٧)
((سنن الدارقطني)) ٢٣٢/٢.
(٨) ((سنن البيهقي)) ٢١٠/٥.

٣٦٩
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
=
قلت: أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن حرملة عنه (١)، ثم أخرج
من حديث وبرة عن ابن عمر: يقتل المحرم الذئب (٢)، وقال سعيد بن
جبير: أطرد الذئب عن رحلك وأنت محرم(٣)، وعن قبيصة: يقتل
الذئب في الحرم(٤). وقال الحسن وعطاء: يقتل الذئب والأسد(٥)،
وعن عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية(٦)، وعن عطاء: يقتلُ
الذئب وكل عدو لم يذكر في الكتاب(٧).
وقال إسماعيل في حديث وبرة قال: إن كان محفوظًا فإن ابن عمر
جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا، وهذا غير ممتنع في اللغة،
والمعنى.
قال أبو عمر: رواية نافع عن ابن عمر مقتصرة على إباحة قتل
الخمسة للمحرم في حال إحرامه في الحل والحرم جميعًا(٨).
(١) (مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٩٥/٣ (١٥٤٧٠ - ١٥٤٧١) كتاب: الحج، في قتل
الذئب للمحرم، ورواه عبد الرزاق أيضًا في ((المصنف)) ٤/ ٤٤٤ (٨٣٨٤) كتاب:
المناسك، باب: الصید وذبحه والتربص به.
(٢) عند ابن أبي شيبة ٣٩٦/٣ (١٥٤٧٦) من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري عن
عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية، أما حديث وبرة عن ابن عمر قال: أمر
رسول الله ﴿ بقتل الذئب للمحرم .. الحديث، فرواه أحمد ٣٠/٢، وكذا رواه
الدارقطني ٢٣٢/٢، والبيهقي في ((سننه)) ٢١٠/٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣٩٥/٣ (١٥٤٧٢).
(٤) رواه عبد الرزاق ٤٤٤/٤ - ٤٤٥ (٨٣٨٨)، وابن أبي شيبة ٣٩٥/٣ (١٥٤٧٤)،
والفاكهي في (أخبار مكة)) ٣٩٨/٣ (٢٢٩٢).
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٩٦/٣ (١٥٤٧٥).
(٦) السابق ٣٩٦/٣ (١٥٤٧٦).
(٧) السابق ٣٩٦/٣ (١٥٤٧٧).
(٨) ((التمهيد)) ١٥٤/١٥.

٣٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وفي رواية سالم: ((لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم))(١)،
وهذا أعم فدخل فيه المحرم وغيره، ومعلوم أنه ما جاز للمحرم قتله
فغيره أولى وأحرى به، لكن لكل وجه منها حكم.
وفي رواية أيوب: قيل لنافع: والحية؟ قال: الحية لا شك في
قتلها، وفي لفظ: لا يختلف في قتلها (٢).
قال أبو عمر: وليس كما قال نافع، قد اختلف العلماء في جواز قتل
الحية للمحرم، ولكنه شذوذ، وليس في حديث ابن عمر عن أحد من
الرواة ذكر الحية، وهو محفوظ من حديث عائشة وأبي سعيد وابن
مسعود(٣).
قلت: قد علمت رواية البيهقي السالفة يوضحه قول نافع: الحية
لا شك في قتلها، يعني في الحديث الذي رواه عن مولاه، وفي
حديث أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: ((خمس قتلهن حلال في
الحرم: الحية .. )) الحديث(٤). وللترمذي -وقال: حسن- من حديث
أبي سعيد مرفوعًا: ((يقتل المحرم السبع العادي)) (٥)، ولابن ماجه
زيادة: ((الحية))(٦)، وفي نسخة: ((الضاري والفويسقة)) فقيل له: لم
(١) رواه مسلم (١١٩٩ / ٧٧).
(٢) ((سنن البيهقي)) ٢٠٩/٥.
(٣) ((التمهيد)) ١٥٥/١٥ - ١٥٦.
(٤) رواه أبو داود (١٨٤٧) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب،
وابن خزيمة ١٩٠/٤ (٢٦٦٧)، والبيهقي ٢١٠/٥ في الحج، باب ما للمحرم قتله
من دواب البر في الحل والحرم، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٠/١٥. والحديث
صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٦٢٠)، وانظر ((الإرواء)) (١٠٣٦).
(٥) الترمذي (٨٣٨)، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٦٤٣٣).
(٦) ابن ماجه (٣٠٨٩) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم.

٣٧١
= ڪِتَابُ جَزَّاءِ الصَّيْدِ
قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله وَلهل أستيقظ لها، وقد أخذت
الفتيلة، لتحرق بها البيت(١)، ولأبي داود ذكر الحية ويرمي الغراب
ولا يقتله(٢). وعن ابن عمر: يقتل المحرم الأفعى والأسود، قال:
والأسود الحية، وعن محمد بن الحنفية عن علي: يقتل الغراب الأبقع
ويرمي الغراب تخويفًا، قال أبو عمر: حديث فيه ضعف، وحديث
أبي سعيد لا يحتج به على مثل حديث ابن عمر(٣).
وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد بإسناد جيد: ((خمسٌ كلهن
فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم: الحية والفأرة ... )) الحديث(٤).
قال الشافعي: المعنى في جواز قتل من ذكر؛ لأنهن مما لا يؤكل و کل
ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول فقتله جائز للمحرم ولا فدية علیه.
وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات وكل مؤذ يجوز للمحرم
(١) رواه أحمد ٧٩/٣- ٨٠ من حديث أبي سعيد، وكذا رواه البخاري في ((الأدب
المفرد)» (١٢٢٣)، وابن ماجه (٣٠٨٩)، وأبو يعلى ٣٩٥/٢ - ٣٩٦ (١١٧٠)،
والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) ١٦٦/٢، والذهبي في ((السير)) ١٢/١٦، وفي
((تذكرة الحفاظ)) ٨٨٨/٣ وقال: حديث غريب من الأفراد الحسان، يقال: إن
العسال روى في ((معجمه)) عن أربع مائة نفس، وقد رأيته اهـ وقال الهيثمي في
((المجمع)) ١١٢/٨: فيه: يزيد بن أبي زياد، وهو لين، وبقية رجاله رجال
الصحيح. وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (١٠١٦): هذا إسناد ضعيف؛
يزيد بن أبي زياد، وإن أخرج له مسلم وإنما أخرج له مقرونًا بغيره، ومع ذلك فهو
ضعيف، واختلط بأخرة اهـ وضعفه الألباني في ((الأدب المفرد)) (١٢٢٣).
(٢) أبو داود (١٨٤٨) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وقال
الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٢/ ٢٧٤: فيه لفظة منكرة وهي قوله: ويرمي الغراب
ولا يقتله. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣١٩).
(٣) ((التمهيد)) ١٧٤/١٥.
(٤) أحمد ٢٥٧/١، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٢٤٦).

٣٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قتله، وما لا فلا(١).
ولنتكلم على هذِه الحيوانات واحدًا بعد واحد فنقول:
أولًا: الدابة لغة: كل ما دب ودرج، إلا أنه اُستعمل في عرفنا في
نوع من الحيوان، وقد تستعمل على أصلها مع القرائن التي يتبين المراد
منها، وقد نبه الظّ على جنسها ونوعها؛ فلذلك جاز أن يوقع عليها اسم
الحيوانات، والهاء فيها للمبالغة، وفيما يركب أشهر قاله صاحب
((المنتهى))، وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب تصغير بالألف
الآخر فإن دوابة (تصغيره)(٢) دويبة، وهداهد: بمعنى هديهد، قال ابن
سيده: والدابة تقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة(٣).
الغراب: واحد الغربان، وجمعه في القلة: أغربة، قيل: سمي
غرابًا؛ لأنه نأى واغترب لمَّا بعثه نوح يستخبر أمر الطوفان، ذكره
أبو المعاني، وله جموع ذكرتها في ((الإشارات))، قال الجاحظ في
((الحيوان)): الغراب الأبقع: غريب، وهو غراب البين، وكل غراب
فقد يقال له: غراب البين إذا أرادوا به الشؤم إلا غراب البين نفسه؛
فإنه غرابٌ صغير، وإنما قيل لكل غراب: غراب البين؛ لسقوطه في
مواضع منازلهم إذا باتوا، وناس يزعمون أن تسافدها على غير تسافد
الطير، وأنها تذاق بالمناقير وتلقح من هنالك(٤). قلت: فيه نظر
والظاهر خلافه، وقد أخبرني من عاينه كبني آدم.
وفي ((الحيوان)) للجاحظ: ليس من الحيوان يتبطن طروقته -أي:
يأتيها من جهة بطنها - غير الإنسان والتمساح(6)، وفي ((تفسير
(١) (شرح النووي على مسلم)) ١١٤/٨.
(٢) في الأصل: تصغير، والمثبت من (ج).
(٤) ((الحيوان)) ٤٣١/٣.
(٣) ((المحكم)) ١٠/ ٧.
(٥) السابق ٢٤٤/٧.

٣٧٣
- كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
الواحدي)): والدُّب، وفي ((الموعب)): الأبقع: الذي في صدره بياض،
وقال ابن سيده: يخالط سواده بياض وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل
خبيث(١).
وعند أبي عمر: هو الذي في بطنه وظهره بياض، وهو تقييد لمطلق
الروايات الأخر وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع
خاصة. ورووا في ذَلِكَ حديثًا عن قتادة، عن ابن المسَّيب، عن عائشة
مرفوعًا(٢).
قال ابن بطال: وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب،
ولم يروه عنه غير قتادة وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل
المدينة لا يوجد عندهم مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة فلا حجة
فيه(٣). وغير هذِه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان،
ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى؛ لأنه الأغلب عندهم، وروي عن
عطاء ومجاهد قالا: لا يقتل الغراب ولكن يرمى(٤). وهذا خلاف
السنة وإن كان ورد كما سلف.
وفي ((الهداية)): المراد بالغراب: آكل الجيف وهو الأبقع، روي
ذَلِكَ عن أبي يوسف، وقال ابن العربي: قيل: هو الشديد السواد؛
لأنه أكثر أذى، وذكر ابن قتيبة: أنه سمي فاسقًا فيما أرى؛ لتخلفه
حين أرسله نوح يختبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة(٥)، ويقع
أيضًا على دبر البعير، وينقب الغرائر.
(١) ((المحكم)) ١٤٨/١.
((شرح ابن بطال)) ٤/ ٤٩٣.
(٣)
(٥) ((غريب الحديث)) ٣٢٧/١.
(٢) ((التمهيد)) ١٥/ ١٧٢.
(٤) ((التمهيد)) ١٧٤/١٥.

٣٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما الذي يأكل الزرع فهو الذي يرمى ولا يقتل، وهو الذي استثناه
مالك من جملة الغربان، وفي قتلها قولان للمالكية: المشهور: القتل؛
لعموم الحديث، ومن منع القتل؛ لانتفاء الفسق فيه، وعن أبي مصعب
فيما ذكره ابن العربي: قتل الغراب والحدأ، وإن لم يبدأ بالأذى ويؤكل
لحمها عند مالك، وروي عنه المنع في الحرم؛ سدًّا لذريعة الاصطياد،
قال أبو بكر: وأصل المذهب أن لا يقتل من الطير إلا ما آذى بخلاف
غيره فإنه يقتل ابتداء.
والفأرة: واحدة الفئران، وفئرة، ذكره ابن سيده، وفي ((الجامع)):
أكثر العرب على همزها(١)، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل
المحرم لها، كما حكاه ابن المنذر إلا النخعي فإنه منعه من قتلها(٢)،
وهو خلاف السنة، وخلاف قول أهل العلم، سميت فويسقة؛
لخروجها على الناس واغتيالها أموالهم بالفساد، وأصل الفسق:
الخروج عن الشيء ومنه ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٌِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أي:
خرج، وسمي الرجل فاسقًا؛ لانسلاخه من الخير. وقال ابن قتيبة:
لا أرى الغراب سمي فاسقًا إلا لتخليه عن أمر نوح حين أرسله،
ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه، وحكي عن الفراء: ما أحسب
الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على الناس، قال
الخطابي: ولا يعجبني واحدٌ من القولين، وقد بقي عليهما أن يقولا
مثل ذَلِكَ في الحدأة والكلب، إذا كان هذا النعت (لجميعها)(٣)،
وهذا اللقب يلزمها لزومه الغراب والفأرة، وإنما أرادوا -والله أعلم-
(١) ((المحكم)) ٢٤٩/١١ - ٢٥٠.
٠
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣٣٣/٣ (١٤٨٢٢) كتاب: الحج، ما يقتل المحرم.
(٣) كذا بالأصل وفي (ج)، وفي ((غريب الحديث)) للخطابي: يجمعهما.

٣٧٥
= كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
به الخروج من الحرمة، يقول: خمس لا حرمة لهن، ولا بقيا عليهن،
ولا فدية على المحرم فيهن إذا أصابهن، وإنما أباح قتلهن دفعًا
لعاديهن، وفيه وجه آخر هو أن يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها؛
لقوله تعالى وقد ذكر المحرمات: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، ويدل
على صحة هذا: حديث عائشة مرفوعًا: ((الغراب فاسق)) فقال رجل
من القوم: أيؤكل لحم الغراب؟ قالت: لا ومن يأكله بعد قوله: ((فاسق)).
وروت عمرة مثله عن عائشة قالت: والله ما هو من الطيبات، تريد
قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومما يدل على
أن الغراب يقذر لحمه قول الشاعر:
ولا سرطان أنهار البريص(١) فما لحم الغراب لنا بزاد
وقيل: إن الفأرة عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها، وإن الشارع
رآها تصعد بالفتيلة على السقف، وفي تسمية الخمس بالفواسق قيل:
لخروجهن عن السلامة منهن إلى الإضرار والأذى، وقيل: لخروجهن
عن الحرمة.
والعقرب: يكون للذكر والأنثى، قاله ابن سيده، قال: وقد يقال
للأنثى: عقربة، وللذكر: عقربان(٢). وقال صاحب ((المنتهى)): الأنثى
عقرباء ممدود غير مصروف، وقيل: العقربان دويبة كثيرة القوائم غير
العقرب، وعقربة شاذة، ومكان معقرٍب: بكسر الراء، ذو عقارب،
وأرض معقربة، وبعضهم يقول: مَعْقَرَةٌ كأنه رد العقرب إلى ثلاثة
(١) انتهى من ((غريب الحديث)) للخطابي ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ وقد روى حديثي عائشة
بسنده، وروى حديث عمرة عن عائشة أيضًا البيهقي في ((سننه)) ٣١٧/٩ كتاب:
الضحايا، باب: ما يحرم من جهة ما لا يأكل العرب.
(٢) ((المحكم)) ٢/ ٢٩٠.

٣٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أحرف ثم بنى عليه، وفي ((الجامع)) ذكر العقارب: عقربان، والدابة
الكثيرة القوائم: عقربان بتشديد الباء، قال أبو عمر: والعقرب اللدغ،
ويتبع الحس، وحكى عن حماد بن أبي سليمان والحكم أن المحرم
لا يقتل الحية ولا العقرب، رواه عنهما شعبة؛ وحجتهما أنهما من
هوام الأرض، وما أعجبه! فنص السنة بخلافه (١).
والكلب العقور: قال ابن عيينة -فيما حكاه أبو عمر (٢) -: أنه كل
سبع يعقر ولم يخص به الكلب، قال سفيان: وفسره لنا زيد بن
أسلم، وكذا قال أبو عبيد، وعن أبي هريرة: الكلب العقور:
الأسد (٣)، وقد قال التَّ في عتبة بن أبي لهب: ((اللهم سلط عليه كلبًا
من كلابك)) فعدا عليه الأسد فقتله(٤)؛ ولأنه مأخوذ من التكلب،
والعقور من العقر، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم،
مثل الأسد والنمر والفهد، فأمَّا ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع
والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم وإن قتله فداه، وعن ابن القاسم
قال: لا بأس بأن يقتل المحرم السباع التي تعدو على الناس وتفترس
(١) ((التمهيد)) ١٧٠/١٥.
(٢) ((التمهيد)» ١٥٧/١٥.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤٤٣/٤ (٨٣٧٨، ٨٣٧٩) والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٢/ ١٦٤
(٤) رواه ابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢٠٧/٣ من حديث هبار بن الأسود مرفوعًا،
والطبراني ٢٢/ ٤٣٥ (١٠٦٠) من حديث قتادة، مرسلًا مطولًا، وأورده الهيثمي
١٨/٦- ١٩ وقال: رواه الطبراني هكذا مرسلًا، وفيه: زهير بن العلاء وهو
ضعيف. وفيه: أن النبي قالها لعتبة بن أبي لهب كما ذكره المصنف.
ورواه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (٥٧٢)، وكما في («إتحاف
الخيرة)» ٢٣٠/٤ (٣٤٦٧)، والحاكم ٥٣٩/٢ وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم
في ((معرفة الصحابة)) ٢٤٨٨/٥ - ٢٤٨٩ (٦٠٥٠)، ٢٩٧٢/٥ (٦٩٢٦) من حديث
أبي عقرب الكناني مرفوعًا، لكن فيه أن النبي ◌َّ قالها للهب بن أبي لهب،
والثاني حسنه الحافظ في ((الفتح)) ٣٩/٤.

٣٧٧
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
ابتداء، وأما صغارها التي لا تفترس ولا تعدو فلا ينبغي للمحرم قتلها،
ونقل النووي أتفاق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم
والحلال في الحل والحرم، قال: واختلفوا في المراد به، فقيل هو
الكلب المعروف، حكاه القاضي عياض عن أبي حنيفة والأوزاعي
والحسن بن حي، وألحقوا به الذئب(١).
قلتُ: قد ورد منصوصًا كما سلف، وحمل زفر الكلب على الذئب
وحده، وذهب الشافعي والثوري وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد
كل مفترس غالبًا(٢).
فائدة :
قال أبو المعاني: جمع الكلب: أكلب وكلاب وكليب، وهو جمع
عزيز لا يكاد يوجد إلا القليل نحو عبد وعبيد، وجمع الأكلب: أكالب.
وقال ابن سیده: قد قالوا في جمع كلاب: كلابات قال:
أحب كلب في كلابات الناس إليَّ نبحًا كلب أم العباس (٣)
والكالب كالحامل جماعة الكلاب، والكلبة أنثى الكلاب،
وجمعها: كلبات ولا تکسر.
أخرى: في ((الحيوان)) للجاحظ تعداد معايب الكلاب ومثالبها :
خبثها وجبنها وضعفها وشرهها وغدرها وبذاؤها وجهلها وقذرها وكثرة
جنايتها وقلة ردها، ومن ضرب المثل في لؤمها ونذالتها وقبحها وقبح
معاظلتها وسماجة نباحها، وكثرة أذاها وتقزز الناس من دنوها، وأنها
(١) (مسلم بشرح النووي) ١١٤/٨، ((إكمال المعلم)) ٢٠٤/٤. وليس في ((الإكمال))
حكايته عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي.
(٢) (مسلم بشرح النووي)) ١١٤/٨ - ١١٥.
(٣) انتهى من ((الحيوان)) ٢٢٢/١- ٢٢٧ بتصرف.

٣٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كالخلق المركب، والحيوان الملفق، وكالبغل في الدواب، وكالراعبي
في الحمام، وأنها لا سبع ولا بهيمة ولا جنية ولا إنسية، وأنها من
الحن دون الجن، وأنها مطايا الجن ونوع من المسخ، وتنبش القبور،
وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس وإن جلده
منتن إذا أصابه مطر، قال روح بن زنباع في أم جعفر زوجته:
وريحها ريح كلب مسه مطر ريح الكرائم معروف له أرج
فالكلب يأكل العذرة، ويقال في المثل: أبخل من كلب على جيفة،
ويشغر ببوله في جوف أنفه ويسدده تلقاء خيشومه(١).
والحية: الأفعى كما جاء في رواية، قال عمر: هن عدو فاقتلوهن(٢)،
وفي رواية: حيث وجدتموها، قاله لمعتمرٍ ولمحرم(٣)، وقال زيد بن
أسلم: أي كلب أعقر منها(٤). وعن مالك: لا يقتل المحرم قردًا
ولا خنزيرًا ولا الحية الصغيرة(٥).
وقال ابن بطال: أجاز مالك قتل الأفعى وهي داخلة عنده في معنى
الكلب العقور، قال: وأجمع العلماء على جواز قتلها في الحل
والحرم(٦). وأما نهيه التقرير عن قتل حيات البيوت(٧)، فأخذ بعض السلف
بظاهره، وقد قال القرّ فيما رواه ابن مسعود: ((اقتلوا الحيات كلهن،
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٤٠٣ (٨٢٢١).
(٢) رواه البيهقي ٢١١/٥ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله ..
(٣) ((المحكم)» ٣٤/٧.
(٤) ((سنن البيهقي)) ٢١١/٥.
(٥) (شرح ابن بطال)) ٤٩٢/٤، ٤٩٣.
(٦) سيأتي برقم (٣٣١٢-٣٣١٣)، ورواه مسلم (٢٢٣٣) من حديث ابن عمر.
(٧) رواه أبو داود (٥٢٤٩)، والنسائي ٦/ ٥١، والطبراني ١٠/ ١٧٠ (١٠٣٥٥)، وابن
عبد البر في ((التمهيد)) ٢٤/١٦. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (١١٤٩).

٣٧٩
= كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
فمن خاف ثأرهن فليس مني))(١) وروي هذا القول عن عمر وابن مسعود(٢).
وقال آخرون: لا ينبغي قتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد مناشدة
العهد الذي أخذه عليهن، فإن ثبت بعد النشدة قتل حذار الإصابة،
فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله حيث وجد حية على فراشه فقتلها
قبل مناشدته إياها، واعتلَّوا بحديث أبي سعيد مرفوعًا: ((إن بالمدينة
جنًّا قد أسلموا، فإن رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد
ذَلِكَ فاقتلوه))(٣) ولا تخالف بينها، وربما تمثل بعض الجن ببعض
صور الحيات فيظهر لأعين بني آدم.
كما روى ابن أبي مليكة عن عائشة بنت طلحة: أن عائشة أم
المؤمنين: رأت في مغتسلها حية فقتلتها فأتيت في منامها، فقيل لها:
إنك قتلت مسلمًا، فقالت: لو كان مسلمًا ما دخل على أمهات
المؤمنين، فقيل: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك، فأصبحت فزعة
ففرقت في المساكين أثني عشر ألفًا (٤)، وخص ابن نافع الإنذار
(١) رواه عن عمر عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٤٣/٤ (٨٣٨٢)، وابن أبي شيبة
٢٦٦/٤ (١٩٨٩٦). ورواه عن ابن مسعود ٢٦٧/٤ (١٩٩٠٠).
(٢) ((المنتقى)) ٢٦٣/٢.
(٣) رواه مسلم (٢٢٣٦) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٨٢ (٣٠٥٠٥) كتاب: الرؤيا، رؤيا عائشة رضي الله عنها،
وأبو الشيخ في ((العظمة)) (١١١٤) بإسقاط عائشة بنت طلحة، وأبو نعيم في
((الحلية)) ٤٩/٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١١٨/١١، والذهبي في ((تذكرة
الحفاظ)) ٢٩/١، وذكره كذلك في (سير أعلام النبلاء)) ١٩٦/٢-١٩٧ من
طريقين: الأول: عن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو يونس - حاتم بن أبي
صغيرة- عن ابن أبي مليكة .. به، الثاني: عفيف بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل
عن عبد الله بن أبي مليكة .. به، وقال: رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عفيف،
وهو ثقة، وابن المؤمل فيه ضعف، والإسناد الأول أصح.

٣٨٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
بالمدينة على ظاهر الحديث.
وقال مالك: أحب إليَّ أن ينذر بالمدينة وغيرها وهو بالمدينة
أوجب، ولا ينذر في الصحاري(١)، وقال غيره: بالتسوية بين المدينة
وغيرها؛ لأن العلة إسلام الجن ولا يحل قتل مسلم جني ولا إنسي،
ومما يؤكد قتل الحية ما ذكره البخاري في الباب عن ابن مسعود: أنه
الكمية لما رأى الحية بمنى قال: ((اقتلوها)) وعند مسلم: أمر محرمًا
بقتل حية بمنى(٢).
ووقع في تفسير سورة المرسلات: قال البخاري: وقال ابن
إسحاق(٣)، كذا في أكثر النسخ، وكذا ذكره أبو نعيم في ((مستخرجه))
وسماه محمد بن إسحاق، وفي بعض نسخ البخاري: وقال أبو إسحاق:
يعني السبيعي، وقال أيضًا في التفسير: وقال أبو معاوية معلقًا (٤)،
وهو عند مسلم موصولًا : حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية
به(٥). وللدارقطني من حديث زر عن عبد الله مرفوعًا: ((من قتل حية
أو عقربا فقد قتل كافرًا)) وقال: الموقوف أشبه بالصواب(٦).
والوزغ جمع: وزغة، ويجمع أيضًا على وزغان وأزغان على البدل،
قال ابن سيده: وعندي أن الوزغان إنما هو جمع وزغ الذي هو جمع
وزغة (٧)، وقال الجوهري: الجمع أوزاغ(٨). وقال في ((المغيث)):
(١) مسلم (٢٢٣٥) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(٢) ((المنتقى)) ٣٠٠/٧، ٣٠١.
(٣) سيأتي بعد حديث (٤٩٢١) في التفسير. (٤) سيأتي بعد حديث (٤٩٣١).
(٥) مسلم (٢٢٣٤) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(علل الدارقطني)) ٧٤/٥ - ٧٥.
(٦)
(٨) ((الصحاح)) ١٣٢٨/٤.
(٧) ((المحكم) ٢٨/٦.