النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كِتَابُ الحَجّ
-
وقال غيره من المتأخرين: يحتمل أن يكون أعادها بمنى؛ لبيان
الجواز، كما صلى بأصحابه في بطن نخل مرتين(١).
فائدة أخرى :
في قولها: (فأراد منها ما يريد الرجل من أهله) فيه أنه لا بأس
بالإعلام بذلك، وإنما المکروہ أن يغشاها حیث یسمع أو یری.
(١) سلف برقم (٩٤٢) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الخوف، ورواه مسلم
(٨٣٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف. من حديث ابن عمر.
قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٩٣/٩: ثبت في الصحيحين في صلاته وَّ ه ببطن
نخل أحد أنواع صلاة الخوف ...

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٣٠ - باب إِذَا رَمَى بَعْدَ مَا أَمْسَى
أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ نَاسِيًّا أَوْ جَاهِلًا
١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاؤُسِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قِيلَ لَهُ فِيِ الذَّبِحِ وَالخَلْقِ وَالرَّمْي
وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: ((لَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٥٦٨/٣]
١٧٣٥ - حَذَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّخْرِ بِمِنّى،
فَيَقُولُ: ((لَا حَرَجَ)). فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: ((اذْبَحْ، وَلَا
حَرَجَ)). وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: ((لَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٤ - فتح: ٥٦٨/٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ
وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأُخِيرِ، فَقَالَ: (لَا حَرَجَ)).
وحديثه أيضًا كَانَ النَّبِيُّ وَ لِّ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنَّى، فَيَقُولُ:
(لَا حَرَجَ)). فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: ((اذْبَحْ،
وَلَا حَرَجَ)). قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: (لَا حَرَجَ)).
وقد سلفت طرقه قريبًا في باب: الذبح قبل الحلق(١)، وقد قام
الإجماع على أن الاختيار في رمي جمرة العقبة يوم النحر من طلوع
الشمس إلى زوالها، وأنه إن رمى قبل غروب يومه أجزأه عنه إلا مالك
فإنه يستحب له أن يهريق دمًا يجيء به من الحل(٢).
واختلفوا فيمن رمى ليلًا، أو من الغد فقال مالك: عليه دم، وهو
(١) سلف برقم (١٧٢١).
(٢) أنظر: ((التمهيد)) ٢٦٨/٧، ((المغني)) ٢٩٥/٥.

١٤٣
كِتَابُ الحَجّ
قول عطاء والثوري وإسحاق(١)، وقال مالك في ((الموطأ)): من نسي
جمرة من الجمار أيام التشريق حَتَّى يُمسي، يرميها أية ساعة شاء من
ليل أو نهار ما دام بمنى، كما يصلي الصلاة أية ساعة ذكرها من ليل
أو نهار، ولم يذكر دمًا (٢). وذكر عنه ابن القاسم: أنه كان يرى مرة
عليه الدم، ومرة لا، قال: وقد تأخرت صفية أمرأة ابن عمر على ابنة
أخيها حَتَّى أتت منّى بعدما (غابت)(٣) الشمس فرمت، ولم يبلغنا أنّ
ابن عمر أمرها بشيء (٤). وقال أبو حنيفة: إن رماها ليلًا فلا شيء
عليه، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم، وقالا صاحباه والشافعي
وأبو ثور: لا شيء عليه، وإن أخرها إلى الغد. وقال الثوري: إن
أخرها عامدًا إلى الليل فعليه دم. وقال أبو حنيفة وإسحاق فيما حكاه
ابن قدامة: أنه إذا أخرها إلى الليل لا يرميها حَتَّى تزول الشمس من
الغد(٥). وعن الشافعي والصاحبين وابن المنذر: يرمي ليلًا لقوله:
((وَلَا حَرَجَ)) (٦) وقال ابن عمر: إن فاته الرمي حَتَّى تغيب الشمس
فلا يرم حَتَّى تزول الشمس من الغد، واحتجوا بحديث الباب:
((لَا حَرَجَ)) للذي قال: (رميت بعدما أمسيت) وأيضًا فإنه القّها رخّص
لرعاء الإبل في مثله، يرعون نهارًا ويرمون ليلًا (٧)، وما كان ليرخص
(١) انظر: ((الاستذكار)) ٢٢٢/١٣-٢٢٣.
(٢) ((الموطأ)) ٥٤٦/١ (١٤٢٤) كتاب: المناسك، باب: الجمار.
(٤) ((الموطأ)) ٥٤٤/١ (١٤١٧).
(٣) في (ج): غربت.
(٥) «المغني)) ٢٩٥/٥ - ٢٩٦.
(٦) السابق.
(٧) رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة ٣١٩/٤ (٢٩٧٥) كتاب: المناسك، باب: الرخصة
للرعاء في رمي الجمار بالليل. من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه عاصم بن عدي: أن
رسول الله ص 84* رخص للرعاء أن يرموا يومًا، وأن يجمعوا للرمي.
==

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لهم فيما لا يجوز، وحجة مالك: أنه التَّ وقّت لها وقتًا وهو يوم النحر
فمن رمى بعد غروبه فقد رمى بعد وقتها، ومن فعل في الحج شيئًا بعد
وقته فعليه دم، وقد أسلفنا الاختلاف في رمي جمرة العقبة قبل طلوع
الفجر، أو الشمس من يوم النحر لأهل العذر وغيرهم في باب: من
قدم ضعفة أهله بالليل، فراجعه(١).
وقوله: ( (ارم وَلَا حَرَجَ)) ) إنما كان بالنهار؛ لأن السؤال كان يوم
النحر، ولا يكون اليوم إلا قبل المغيب، كذا قاله ابن قدامة (٢)، ونقل ابن
دحية في ((المولد)) عن بعض المتكلمين: أن اليوم يجمع النهار والليل.
وأما قول البخاري: (ناسيًا أو جاهلًا)، فإن العلماء لم يفرقوا بين
العامد والجاهل في أمور الحج، وقد سلف الاختلاف فيمن حلق قبل
الذبح في باب: الذبح قبل الحلق، فراجعه.
والمراد هنا بالمساء: ما بعد الزوال؛ لأنه لغة العرب يسمون ما بعده
مساء وعشاء ورواحًا، روى مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد أنه
قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي(٣)، وإنما يريد
تأخيرها إلى ربع القامة، ويتمكن الوقت في شدة الحر وهو وقت
الإبراد الذي أمر به الشارع.
= ولهذا الحديث طرق أخرى وألفاظ كثيرة، أنظرها في ((البدر المنير)) ٢٧٤/٦ -
٢٨٠ فقد جمع مصنفه - رحمه الله - طرقه وألفاظه، بما لا تجده في مكان آخر، بل
قل أن تجد مثله، فلينظر، وانظر أيضًا: ((تلخيص الحبير)) ٢٦٢/٢ - ٢٦٣،
و((الإرواء)) (١٠٨٠).
(١) سلف برقم (١٦٧٦).
((الموطأ)) ٨/١ (١٢) باب: وقوت الصلاة.
(٣)
(٢) ((المغني)) ٢٩٥/٥ - ٢٩٦.

١٤٥
كِتَابُ الحَجّ
=
١٣١ - باب الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَةِ
١٧٣٦ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى
بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا
يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: ((اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)). فَجَاءَ
آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَتَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيَ. قَالَ: ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ
عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّ قَالَ: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح:
٣/ ٥٦٩]
١٧٣٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ يَجْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبٍ، حَدَّثَنَا ابن جُرَئِجٍ،
حَذَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﴾ه حَدَّثَهُ
أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ وََّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّخْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا
قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ،
نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َرَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). لَهُنَّ كُلِّهِنَّ،
فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ -
فتح: ٥٦٩/٣]
١٧٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبٍ، عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابن شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو
بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
تَابَعَهُ مَغْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٥٦٩/٣]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنه بِّهَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ،
فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، وذكر فيه الحلق قبل الذبح. قَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)).
والنحر قبل الرمي فقَالَ: ((ارْم وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ
قُدِّمَ وَلَا أُخْرَ إِلَّا قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)).
وحديثه أيضًا: أنه شَهِدَ النَّبِيَّ وَّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ بمثله حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ
أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). لَهُنَّ
كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)).
وحديثه أيضًا: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ وَ لّهِ عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. تَابَعَهُ
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
يعني: أنه تابع صالحًا، وهذِه المتابعة أخرجها مسلم في ((صحيحه))
من حديث عبد الرزاق عنه(١)، وفائدة طريق صالح التصريح بسماع ابن
شهاب، عن عيسى بن طلحة، وقد تقدم هذا التبويب في كتاب العلم (٢)،
وأن معناه أنه يجوز أن يسأل العالم وإن كان مشتغلًا بطاعة الله، وقد
أجاب السائل وقال له: ((لا حرج)) وكل ذَلِكَ طاعة لله تعالى، وكان
ذَلِكَ عند الجمرة كما سلف هناك، وإليه أشار هنا عند الجمرة، وكان
وقوفه ليعلّم الناس دينهم، ويجيبهم عن مسائلهم.
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في حديثه أنه كان على دابة،
ولا في حديثنا، وفي حديث بندار، عن يحيى وعبد الرحمن: جلس
في حجة الوداع فقام رجل .. الحديث.
وفي حديث ابن جريج، عن ابن شهاب: بينما: هو يخطب يوم
النحر؛ فإن قال فيه بعضهم أنه وقف على راحلته، فقد يجوز أن
يكون ركبها وجلس عليها ثم وقف، وإنما ذكر ذَلِكَ عن صالح بن
كيسان، عن الزهري في هذا الحديث.
قلت: فيه: وقف على ناقته، وهو صريح في المقصود.
(١) مسلم (١٣٠٦) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٢) سلف برقم (٨٣).

١٤٧
كِتَابُ الحَجّ
وقوله: (لَمْ أَشْعُرْ). الظاهر أنه كان جاهلًا؛ لقوله في الرواية: (كُنْتُ
أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) وإن كان يحتمل النسيان أيضًا.
قال ابن التين: ويحتمل أن المراد بقوله: (ولَا حَرَجَ)) أي: لا إثم؛
لأن الحرج: الإثم، ويعظم السؤال خوفَ الإثم.
قال: وقوله: (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ ). المراد: ما بيّن فيما مضى
لا كل شيء. قال: ولا يقتضي إباحة ذَلِكَ؛ لأنه إنما سئل عمن فعله
جهلًا، وقد بين الترتيب المشروع فيه. وقوله: (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) هذِهِ
هي الخطبة الثالثة، ومن المالكية من لا يطلق عليها اسم الخطبة.
فائدة :
البخاري روى الحديث الأخير، عن إسحاق: ثَنَا يعقوب، وذكر
الجيّاني: أنه ابن منصور، نسبه ابن السكن والأصيلي، قال: وذكر
(أبو نصر)(١) أن ابن منصور وإسحاق بن إبراهيم يرويانه عن يعقوب(٢)،
ورواه أبو نعيم من حديث ابن شيرويه ثنا إسحاق، ثنا يعقوب، فيكون
إسحاق بن إبراهيم؛ لأن عبد الله بن محمد بن شيرويه، روى عنه
((مسنده)) ولم تُعلَم له رواية عن إسحاق بن منصور(٣).
(١) تحته في الأصل: يعني: الكلاباذي.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٦٣ - ٩٦٤.
(٣) فائدة: قلت: وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، وهو المُتَرَجِّحُ أيضًا عند الحافظ
ابن حجر؛ مستدلًا على ذلك من وجه آخر غير الذي ذكره المصنف هنا ألا وهو
قول إسحاق: أخبرنا يعقوب. قال افحافظ: لأن إسحاق بن راهويه لا يحدث عن
مشايخه إلا بلفظ الإخبار بخلاف إسحاق بن منصور فيقول: حدثنا. أنظر ((الفتح))
٥٧٠/٣.

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٣٢ - باب الخُطْبَةِ آَيَّامَ مِنَّى
١٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ
غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ خَطَبَ
النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمِ هذا؟)). قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ:
(فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟)). قَالُوا: بَلَدِّ حَرَامٌ. قَالَ: ((فَأَتُّشَهْرِ هذا؟)). قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ.
قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا،
فِي بَلَدِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا)). فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ
بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟)). قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: ((فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [٧٠٧٩ - فتح: ٥٧٣/٣]
١٧٤٠ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ زَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّل
يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو. [١٨٤١، ١٨٤٣، ٥٨٠٤، ٥٨٥٣ - مسلم: ١١٧٨
- فتح: ٣/ ٥٧٣]
١٧٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سِبِينَ قَالَ: أَخْبَرَبٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي
مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَ﴾ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهُ يَوْمَ
النَّخْرِ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَُّ يَوْم هذا؟)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا
أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَّ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)). قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((أَيُّ شَهْرٍ
هذا؟)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ أَسْمِهِ. فَقَالَ:
(أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟)). قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((أَيُّ بَلَدٍ هذا؟)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ أَسْمِهِ. قَالَ: ((أَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟)). قُلْنَا:
بَلَى. قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي

١٤٩
= ڪِتَابُ الحَجِّ
شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا، إِلَى يَوْمٍ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)). قَالُوا:
نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُّ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَّغِ أَوْعَى مِنْ سَامِعِ،
فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [انظر: ٦٧ - مسلم: ١٦٧٩
- فتح: ٣ / ٥٧٣]
١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ نُحَمَّدٍ
بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ بِمِنَّى: «أَتَدْرُونَ
أَيُّ يَوْمِ هذا؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: ((فَإِنَّ هذا يَوْمُ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ
بَلَدٍ هَذَّا؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرِ هذا؟)).
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((شَهْرٌ حَرَامٌ - قَالَ : - فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ
هذا)). وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: وَقَفَ النَّبِيُّ
وَلَّهُ يَوْمَ الَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الَحَجَّةِ التِي حَجَّ بهذا، وَقَالَ: ((هذا يَوْمُ الحَجِّ
الأَكْبَرِ)). فَطَفِقَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَشْهَدْ)). وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هذِه حَجَّةُ
٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٧٠٧٧ - فتح: ٣/ ٥٧٤]
الوَدَاعِ. [٤٤٠٣.
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ النبي ◌َّهِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ
فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَّ يَوْم هذا؟)). ((فَأَُّّ بَلَدٍ هذا؟ فَأَيُّ شَهْرِ هذا؟)).
ثانيها: حديثه أيضًا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ - يعني
شعبة- ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو بن دينار.
ثالثها: حديث أَبِي بَكْرَةَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ بَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث بطوله.
رابعها: حديث ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ بِمِنَّى: ((أَتَدْرُونَ أَُّ يَوْم
هذا؟ .. )) الحديث.

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابن عُمَرَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ◌َهُ
يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث.
الشرح:
هُذِه الأحاديث يصدق بعضها بعضًا إلا أن حديث ابن عباس بعرفات
لا بمنى، فلا مدخل له هنا، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة،
عن عمرو، عن جابر، عنه قال: سمعت النبي ◌َّ يخطب على المنبر (١).
ولما أخرجه مسلم من طريق (أبي عمرو) (٢) بن دينار لم يذكر واحد
منهم: يخطب بعرفات، غير شعبة(٣).
وقوله: (قَالَ هِشَامُ) إلى آخره، أسنده أبو داود: حَدَّثَنَا المؤمل بن
الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن هشام به(٤). وأجاب ابن المنير بأنه
ساقها؛ ليرد على منكر خطبة يوم النحر، فإن الراوي سماها خطبة،
كما سمى التذكرة يوم عرفة خطبة، وقد اتفقوا على خطبة عرفة،
فألحق المختلف فيه بالمتفق عليه(٥)، أو يكون لمَّا ذكر حديث ابن
عباس في يوم النحر أراد أن يذكر أيضًا أنه روى خطبة يوم عرفة؛ لئلا
(١) ابن ماجه (٢٩٣١) كتاب: المناسك، باب: السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد
إزارًا أو نعلين.
(٢) كذا في الأصل: والصحيح (عمرو) كما في ((صحيح مسلم)) (١١٧٨).
(٣) مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح.
(٤) أبو داود (١٩٤٥) كتاب: المناسك، باب: يوم الحج الأكبر.
ومن هُذِه الطريق رواه ابن حزم في ((حجة الوداع)) (١١٤، ٥٤٢). ورواه ابن سعد
١٨٣/٢ من طريق آخر عن الوليد بن مسلم .. به، ورواه ابن ماجه (٣٠٥٨) كتاب:
المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، البيهقي ١٣٩/٥ من طريقين عن هشام .. به،
وانظر: ((صحيح أبي داود)) (١٧٠٠).
(٥) ((المتواري)) ص١٤٦.

١٥١
كِتَابُ الحَجِّ
یتوهم متوهم أنهما حدیث واحد.
وفي حديث ابن عباس: لما سألهم: ( ((أي يوم هذا؟)) قالوا: يوم
حرام) وكذا أجابوه في البلد والشهر.
وفي حديث أبي بكرة فيها كلها: (الله ورسوله أعلم)، فيحتمل أن
يكون ذَلِكَ في موطنین.
وقوله: ( ((أَُّ يَوْم؟)) و ((أَُّّ بَلَدٍ؟)) ((أَيُّ شَهْرٍ؟)) ) خرج مخرج
الاستفهام، والمراد بهًّ: التقرير؛ لأنه أبلغ، وأتى فيها على معالم
الدين كلها فيسمع الحاضر، ويبلغ الغائب؛ لتقوم الحجة وتنقطع
المحجّة، وکرر تأکیدًا، ومثّل بالیوم، وبالشهر، وبالبلد؛ ليؤكد تحریم
ما حرم من الدماء، والأموال، والأعراض.
(وذو الحجة)) بفتح حائه أشهر (١)، والعرض ما يحميه الإنسان
ويلزمه القيام به، قاله أبو عمرو، وقال الأصمعي: هو ما يُمدح به
ويُدم، وهو في قول حسَّان:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
فقال ابن قتيبة: نفسه، ورد عليه: بأن المراد: آباؤه، ذكر العموم بعد
الخصوص. وقال ابن التين في حجة الوداع: قيل: العرض: الحسب،
وقيل : النفس.
(١) قلت: بل ذكر النووي رحمه الله خلاف ذلك حيث قال: وذو الحجة بكسر الحاء
هذه اللغة المشهورة، ويجوز في لغة قليلة فتح الحاء. ((شرح مسلم)) ١٦٨/١١،
وينيد ما قاله النووي تعقبُ العيني المصنفَ حيث قال: وقال صاحب ((التوضيح)):
فتح الحاء أشهر. قلت: نقله عن صاحب ((التلويح)) وهو نقله عن القزاز، وفي
((المثلث)) لابن سيده: جعلهما سواء، ولكن في ألسن العامة الكسرة أشهر. اهـ
«عمدة القاري)) ٢٥٢/٨.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: ( ((لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا)) ).
أي: لا يستحل بعضكم من بعض ما استحل الكفار، قاله الداودي.
وقال أبو منصور: فيه قولان:
أحدهما: لابسين السلاح، والكفر: الستر.
والثاني: أنه يُكَفِّر الناس فيَكْفُر كما تفعل الخوارج إذا استعرضوا
الناس؛ لقوله العَّ: ((من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما))(١)،
ذكره الهروي(٢). ويحتمل كفارًا بغير حق، أوكفر النعمة، أو حقيقة،
أو يقرب منه، أو للتشبيه بهم، وقيل: هم أهل الردة، قتلهم الصديق.
ومعنى: ( ((بعدي)) ) أي: وفاتي أو فراقي من موقفي، أو خلافي
فتخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به.
وقوله: ( ((يَضْرِبُ)) ) الرواية برفع الباء، وضبطه بعضهم بسكونها،
أي: أن ترجعوا بعدي.
وقوله: ( ((أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ))) يريد البلدة المحرمة، ويُقال: البلدة اسم
خاص لمكة وقد سلف أسماؤها.
وقوله: ( ((هَلْ بَلَّغْتُ؟)) ) سميت حجة البلاغ من أجل ذَلِكَ.
وقوله: ( ((هذا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ)) ) فيه دلالة واضحة أنه يوم النحر،
وقد سلف ذكر ذَلِكَ، وقد أسلفنا فيما مضى خطب الحج، وأن مالكًا قال:
إنها ثلاثة: يوم التروية، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، وهو يوم القر؛
(١) سيأتي برقم (٦١٠٤) كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما
قال، ورواه مسلم (٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه
المسلم: یا کافر. من حديث ابن عمر.
(٢) ((غريب الحديث)) ٣٨٢/١.

١٥٣
كِتَّابُ الحَجّ
=
لأن الناس يقرون فيه بمنى(١)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم
الشافعي، إلا أنه أبدل ثاني النحر بثالثه، وزاد خطبة يوم النحر بعد
الزوال، يعلمهم فيها حكم الرمي والمبيت والنحر، واحتج الشافعي
لخطبة يوم النحر بأحاديث الباب، قال: وبالناس حاجة إلى هذِه
الخطبة؛ ليعلمهم أعمال اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف(٢).
وقال ابن القصار: إنما فعل ذَلِكَ؛ لأجل تبليغ ما ذكر؛ لكثرة اجتماعهم
من أقاصي الدنيا فظن أنه خطب.
قلت: وأي خطبة أبلغ من هذِه؟ وادعى الطحاوي أن هُذِه الخطبة لم
تكن من أسباب الحج؛ لأنه ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها،
والخطبة إنما هي لتعليم الحج، ولم ينقل أحد عنه أنه علمهم يوم النحر
شيئًا من سنن الحج، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج، وإنما
كانت لما سواه. وهو عجيب! فإنه الَّ نبه على عظم اليوم، وهو من
مهمات الحج.
وفيه: إشعار أن المناسك التي تفعل فيه من المهمات كالرمي
والإفاضة وغير ذَلِكَ من تمام الحج.
قال ابن القصار: وقوله يحتاج أن يعلمهم النحر، وقد تقدم تعليمهم
في خطبة عرفة وأعلمهم بما عليهم فيه وكانت خطبه ثلاثًا، كل خطبة
ليومين. قالوا: والخطبة التي ذكرها الشافعي يمكن تعلم حكمها مما
قبلها. قال ابن المواز: وكلها لا يجلس فيها إلا عرفة فيجلس في
وسطها، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلواتها (٣).
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٣٦/٣ - ٣٧.
(٢) أنظر: (المجموع)) ١١٩/٨.
(٣) ((المنتقى)) ٣٦/٣.

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفيه: حرمة الدماء والأعراض والأموال، وإنما وجه الخطاب لهم
إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فالأخوة واحدة.
وفيه: أن مستحل المال كمستحل الدم ومستحل العرض كمستحل
المال. وفي الخبر: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه)) (١) ولا يرد قطاع
الطريق والخوارج ومن يجب قتله بحد لزمه، فإن دمه يحل دون ماله؛
لأن ذَلِكَ عقوبة لجرمه دون ماله، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون
بدنه، وهذا بحق(٢).
(١) رواه أحمد ٤٤٦/١، وأبو يعلى ٩/ ٥٥ - ٥٦ (٥١١٩) من طريق إبراهيم الهجري،
عن الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: ((سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر،
وحرمة ماله كحرمة دمه)). وحديث عبد الله هذا قد سلف برقم (٤٨) وسيأتي برقم
(٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ورواه مسلم (٦٤) لكن مختصرًا دون قوله: ((وحرمة ماله
کحرمة دمه)».
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٧، من تجزئة المصنف، ثم بلغ في
السابع بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه.

١٥٥
كِتَابُ الحَجّ
١٣٣ - باب هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ
بِمَكَّةَ لَيَالٍ مِنَّى؟
١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: رَخَّصَ النَّبِيُّ وَّ. [انظر: ١٦٣٤ -
مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٥٧٨/٣]
١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ،
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَّ أَذِنَ. [١٦٣٤ -
مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٥٧٨/٣]
١٧٤٥ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ:
حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ العَبَّاسَ ◌ّهِ أَسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ وَّ لِيَبِيتَ
بِمَكَّةَ لَيَالٍ مِنَّى مِنْ أَجْلٍ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو
ضَمْرَةَ. [انظر: ١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٥٧٨/٣]
ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن
عُمَرَ: رَأَخَّصَ رسول الله وَّهُ.
وعن ابن جريج به: أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ أَذِنَ.
وحَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ:
حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ العَبَّاسَ أَسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ نَّهِ لِيَبِيتَ بِمَكَّةً
لَيَالِيَ مِنَّى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ
خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ.
حديث أبي ضمرة تقدم في باب: سقاية الحاج عن عبيد الله(١).
ومتابعة أبي أسامة أخرجها مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن
(١) سلف برقم (١٦٣٤).

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
نمير وأبي أسامة، ثَنَا عبيد الله، به(١). ومتابعة أبي ضمرة أنس بن عياض
سلفت في الباب المشار إليه كما ذكرنا.
قال الإسماعيلي: وقد وصله بلا شك فيه من سميت: الدراوردي،
وعلي بن مسهر، وأبو ضمرة، وعقبة بن خالد، ومحمد بن فليح،
وموسى بن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك، عن عبيد الله، وقد سلف
حكم الباب هناك(٢) واضحًا.
قال ابن المنذر: السنة أن يبيت الناس بمنى ليالي أيام التشريق،
إلا من أرخص له رسول الله ◌َ﴿ في ذَلِكَ، فإنه أرخص للعباس أن
يبيت بمكة من أجل سقايته، وأرخص لرعاء الإبل(٣)، وأرخص لمن
أراد التعجيل أن ينفر في النفر الأول.
واختلف الفقهاء فيمن بات ليلة بمكة من غير من رخص له: فقال
مالك: عليه دم، وقال الشافعي: إن بات ليلة أطعم عنها مسكينًا،
وإن بات ليالي منى كلها أحببت أن يهريق دمًا، وقال أبو حنيفة
وأصحابه: لا شيء عليه إن كان يأتي منى ورمى الجمار، وهو قول
الحسن البصري، قالوا: ولو كانت سنة ما سقطت عن العباس وآله،
وإنما هو استحباب وحسبه إذا رمى الجمار في وقتها، وقد روى
سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى، ويظل إذا رمى الجمار (٤).
(١) مسلم (١٣١٥) كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: في باب سقاية الحاج.
(٣) تقدم تخريجه، وانظر (البدر المنير)) ٢٧٤/٦ - ٢٨٠، و((الإرواء)) (١٠٨٠)،
وسيأتي.
(٤) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٦٢/١٧ - ٢٦٣.

١٥٧
- ڪِتَابُ الحَجِّ
وحجة من أوجب الدم: أن الرخصة إنما هي بتخصيص من الشارع لأهل
السقاية، ولمن أذن له النبي ◌َّلر دون غيرهم(١).
وقول البخاري: (أو غيرهم) يشير إلى من ألحق بهم كالمريض
ونحوه مما أسلفنا هناك، وكذا رعاء الإبل لهم إذا رموا جمرة العقبة
أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى، ولهم أن يدعوا رمي يوم، ويقضوه
في اليوم الذي يليه قبل رمي ذَلِكَ (٢)، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين
متواليين.
(١) انظر: ((مشكل الآثار)) ٢٢٥/١، ((المدونة)) ٣٣٠/١، ((المنتقى))٤٦/٣، ((الاستذكار))
١٩٤/١٣، ((البيان)) ٣٥٦/٤ - ٣٥٧، ((روضة الطالبين)) ١٠٥/٣ - ١٠٦.
(٢) يدل على ذلك ما رواه أبو داود (١٩٧٥ - ١٩٧٦) كتاب: المناسك، باب: في
رمي الجمار، والترمذي (٩٥٤ - ٩٥٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة
للرعاة أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، والنسائي ٢٧٣/٥، وابن ماجه (٣٠٣٦-
٣٠٣٧) كتاب: المناسك، باب: تأخير رمي الجمار من عذر، وأحمد ٥/ ٤٥٠،
والدارمي ١٢٠٧/٢ (١٩٣٨) كتاب: المناسك، باب: في جمرة العقبة أي ساعة
ترمى، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٦٢/٢ (٤١٧٨)، وابن الجارود ١٠٠/٢ - ١٠١
(٤٧٧ - ٤٧٨)، وابن خزيمة ٣١٩/٤ - ٣٢٠ (٢٩٧٥ - ٢٩٧٩)، وابن حبان ٩/
٢٠٠ (٣٨٨٨)، والطبراني ١٧١/١٧ - ١٧٢، والحاكم ٤٧٨/١، والبيهقي ٥٪
١٥٠، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧/ ٢٥٣، ٢٥٦ - ٢٥٧، والبغوي في ((شرح
السنة)) ٢٢٨/٧ - ٢٢٩ (١٩٧٠)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٥٠٨/١٣ من
حدیث عاصم بن عدي.
والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ٢٧٤/٦، وصححه
الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٧٢٤ - ١٧٢٥)، وفي ((الإرواء)) (١٠٨٠).

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٣٤ - باب رَمْيِ الحِمَارِ
وَقَالَ جَابِرٌ: رَمَى النَّبِيُّ وَهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحِّى، وَرَمَى بَعْدَ
ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ.
١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ رضي
الله عنهما: مَتَى أَزْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ،
قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَُّ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. [فتح: ٥٧٩/٣]
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ: مَتَّى
أَرْمِي الجِمَارَ؟ قَالُ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ،
فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
أما تعليق جابر فأسنده مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير
عنه قال: رمى رسول الله وَالر الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعده فإذا
زالت الشمس(١). ورواه أبو ذر الهروي عنه قال: سمعت جابرًا يقول:
فذكره، وهو فائدة جليلة تزيل تهمة تدليسه.
وأثر ابن عمر من أفراده، وعند الإسماعيلي: فإذا زاغت الشمس،
أو مالت، والمراد بالجمرة: جمرة العقبة، وما بعده رمي أيام التشريق،
وممن رماها بعد الزوال عمر، وابن عباس، وابن الزبير (٢)، وكذا ابن
عمر كما في البخاري، وهُذِه سنة في رمي أيام التشريق، ولا يجوز
إلا بعد الزوال عند الجمهور منهم: مالك والثوري وأبو حنيفة
وصاحباه والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: القياس أنه لا يجوز
(١) مسلم (١٢٩٩) كتاب: الحج، باب: بيان وقت استحباب الرمي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٤/٣ - ٣٠٥ (١٤٥٧٢، ١٤٥٧٤).

١٥٩
كِتَابُ الحَجّ
إلا بعد الزوال لكنا استحبينا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال، وقال
إسحاق: إن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد، وفي الثالث
يجزئه.
وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال(١). وحديث جابر
وابن عمر يرده، والحجة في السنة، فلا معنى لقول من خالفها، ولا لمن
استحب غيرها.
واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه إذا مضت
أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي، ويجبر ذَلِكَ
بالدم، واعتبر ابن القاسم الصفرة إلا لمريضٍ، أو ناسٍ. ولنا وجه:
إن رمى اليومين لا يخرج بغروبها بل يبقى إلى الفجر، قياسًا على
الوقوف بعرفة.
وأما الثالث: فينقضي بانقضاء يومه بلا خلاف.
فرع :
رمي جمرة العقبة من أسباب التحلل عندنا، وليس بركن خلافًا
لعبد الملك المالكي(٢) حيث قال: من خرجت عنه أيام منى، ولم
يرم جمرة العقبة بطُل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر
فعليه دم، وإن تذكر بعد فعليه بدنة، وقال ابن وهب: لا شيء عليه
ما دامت أيام منى.
فرع:
يستحب فعل الرمي قبل صلاة الظهر، نص عليه الشافعي، واتفق
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٦/٣ (١٤٥٨٤).
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٠٣/٣، ((المجموع)) ١٦٨/٨ - ١٦٩، ١٧٧.

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عليه أصحابه(١)، وقال عبد الملك المالكي: فإن رماها بعد أن صلى فقد
أخطأ ولا شيء عليه(٢).
فرع:
يبقى وقت جمرة العقبة إلى آخر يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟
فيه وجهان عندنا مصححان(٣)، وعند ابن القاسم يفوت بالزوال
إلا لمريض، أو ناس(٤).
فرع :
قول ابن عمر: (كنا نتحين إذا زالت الشمس)، أي: عن كبد
السماء، كذا عبر به الداودي وعبر غيره بإذا أخذ الظل في الزائد بعد
نصف النهار.
فائدة :
روى حماد بن سلمة، عن حميد: أنه رأى الحسن بن أبي الحسن
بمكة يأتي يوم النحر، قد بدأ يرمي جمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم
الأخرى، فسألت فقهاء مكة عن ذَلِكَ فلم ينكروه(٥). وهو غريب.
(١) ((مختصر المزني)) ص ١٠١، ((المجموع)) ١٧٧/٨.
(٢) ((المنتقى)) ٥٠/٣. ونسب القول لابن حبيب عن مالك.
(٣) ((المجموع)) ١٦٩/٨.
(٤) ((التاج والإكليل)) ١٨٦/٤.
(٥) ((المحلى)) ١٨٣/٧.