النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
- ڪِتَابُ الحَجّ
سلته بيده(١)، وفي أخرى: بأصبعه (٢).
وإذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري في الباب أن يبين أن من أراد أن
يحرم بالحج أو العمرة، وساق الهدي معه، فإن المستحب له أن لا يشعر
هديه ولا يقلده إلا من ميقات بلده، وكذلك يستحب له أيضًا أن لا يحرم
إلا بذلك الميقات عَلَى ما عمل النبي ◌ِّر بالحديبية، وفي حجته أيضًا،
وكذلك من أراد أن يبعث بالهدي إلى البيت ولم يرد الحج والعمرة وأقام
في بلده، فإنه يجوز له أن يقلده، وأن يشعره في بلده، ثم يبعث به اقتداء
بالشارع، إذ بعث بهديه مع أبي بكر سنة تسع، ولم يوجب عليه إحرامًا
ولا تجردًا من ثيابه ولا غير ذَلِكَ، وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى منهم:
مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة،
وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، كلهم أحتج بحديث عائشة في الباب،
أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام عَلَى من لم ينوه وردوا قول ابن
عباس فإنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده
الإحرام، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حَتَّى ينحر هديه(٣)، وتابع ابن
عباس عَلَى ذَلِكَ ابن عمر (٤)، وبه قَالَ عطاء(٥)، عَلَى خلاف عن ابن
عمر وسعيد بن جبير(٦) ومجاهد(٧).
(١) أبو داود (١٧٥٣) كتاب: المناسك، باب: في الإشعار.
(٢) أبو داود (١٧٥٣).
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٣٣/١-٤٣٤ (١٠٩٦) كتاب: المناسك، باب: ما لا يوجب
الإحرام من تقليد الهدي، وابن أبي شيبة ٣/ ١٢٤ (١٢٦٩٧، ١٢٧٠٣ - ١٢٧٠٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٢٥/٣ - ١٢٦ (١٢٧٠٩، ١٢٧١٨).
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٤/٣ (١٢٧٠١).
(٦) ((المصنف)) ١٢٤/٣ (١٢٧٠٢).
(٧) ((المصنف)) ١٢٤/٣ - ١٢٥ (١٢٧٠٦).

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
قَالَ أبو عمر: وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن المسيب -عَلَى
اختلاف عنه (١) - وميمون بن أبي شبيب، وروي مثل ذَلِكَ في أثر مرفوع
من حديث جابر(٢)، رواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن
عبد الرحمن بن عطاء، عن ابن أبي لبيبة(٣)، عن عبد الملك بن جابر
عنه(٤). وابن أبي لبيبة شيخ ليس ممن يحتج به فيما ينفرد، فكيف فيما
خالفه فيه من هو أثبت منه(٥)، ولكنه قد عمل بحديثه بعض الصحابة(٦)،
وتابع ابن عباس أيضًا: النخعي، والشعبي، وأبو الشعثاء، ومجاهد،
والحسن، ذكره في ((المصنف))، وحكاه أيضًا عن عمر، وعلي، وابن
سيرين(٧)، وهم محججون بالسنة الثابتة، وليس أحد بحجة عليها.
(١) كذا بالأصل، وفي ((الاستذكار)) ١٧٨/١١ وهو المصدر المنقول منه هنا: وسعيد
ابن المسيب، وسعيد بن جبير على اختلاف عنه.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((الاستذكار)) ١٧٩/١١: من حديث عمر، ولعل المثبت هنا هو
الصواب.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (د. س) هو ابن أبي لبيبة.
قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني: ضعيف ليس بقوي.
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٤/٢.
(٥) هو محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، ويقال: ابن أبي لبيبة، ويقال: لبيبة أبوه،
واسمه وردان. قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ابن أبي لبيبة الذي
يحدث عن وكيع ليس حديثه بشيء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن
سعد: كان قليل الحديث، وقال الدار قطني: ضعيف، وقال أبو زرعة: حديثه عن
علي بن أبي طالب مرسل، وقال الحافظ: ضعيف كثير الإرسال. أنظر ترجمته في:
((القسم المتمم الطبقات الكبرى)) (٢٥٨)، ((التاريخ الكبير)) ١٥١/١ - ١٥٢
(٤٥٢)، ((الثقات)) ٣٦٢/٥ - ٣٦٣، (تهذيب الكمال)) ٦٢٠/٢٥ - ٦٢٢
(٥٤٠٥)، ((تقريب التهذيب)) (٦٠٨٠).
(٦) انتهى من ((الاستذكار)) ١٧٨/١١- ١٨٢ بتصرف.
(٧) ((المصنف)) ١٢٤/٣، ١٢٦ (١٢٦٩٨ - ١٢٧٠٠، ١٢٧٠٦، ١٢٧١٧، ١٢٧٢٠).

٤٣
كِتَابُ الحَجّ
=
قَالَ الطحاوي: وقد رأى ربيعة بن الهدير -فيما رواه مالك، عن
يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم- رجلًا متجردا بالعراق، فسأل
الناس عنه، فقالوا: أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فذكر ذَلِكَ
لابن الزبير، فقال: بدعة ورب الكعبة (١). فلا يجوز أن يكون
ابن الزبير حلف عَلَى ذَلِكَ أنه بدعة، إلا وقد علم أن السنة خلاف
ذَلِكَ (٢).
قَالَ أبو عمر: وأما ابن عباس فاعتمد على حديث جابر، وقد ذكرنا
علته، ولو علم به ابن الزبير لم يقسم (٣).
وفي ((المصنف)) عن أنس، والحسن، وعائشة، وعلقمة، وابن
مسعود مثل حديث عائشة(٤)، وبين أن الذي رآه ربيعة بن الهدير
متجردًا، وأخبر به ابن الزبير عبد الله بن عباس، زمن إمرته عَلَى
البصرة(٥)، ثم ذهب جماعة العلماء إلى سنية الإشعار إلا أبا حنيفة.
قَالَ ابن حزم: لا نعلم له فيه سلفًا(٦).
ونقله ابن بطال، عن إبراهيم النخعي، وفي ((المصنف)) عن عائشة
وابن عباس: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، ومن حديث ليث، عن
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٣٤/١ (١٠٩٨) كتاب: المناسك، باب: ما لا يوجب
الإحرام من تقليد الهدي، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٧/٢ كتاب:
مناسك الحج.
(٢) (شرح معاني الآثار) ٢٦٧/٢.
(٣) ((الاستذكار)) ١٨٩/١١.
(٤) ((المصنف)) ١٢٥/٣ (١٢٧١٠- ١٢٧١١، ١٢٧١٣، ١٢٧١٥ - ١٢٧١٦) كتاب:
الحج، باب: في الرجل يبعث بهديه ويقيم، هل يجب عليه الإحرام أم لا؟
(٥) ((المصنف)) ١٢٦/٣ (١٢٧١٩) من كان يمسك عما يمسك عنه المحرم.
(٦) ((المحلى)) ١١١/٧ - ١١٢.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عطاء وطاوس ومجاهد مثله(١)، وفي لفظ عنهم: ليس الإشعار
بواجب(٢).
وقال الطحاوي: أبو حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وإنما كره
ما يفعل عَلَى وجه يخاف منه هلاكًا كسراية الجرح لا سيما في حر
الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة، وأراد سد الباب عَلَى العامة؛
لأنهم لا يراعون الحد في ذَلِكَ، وأما من وقف عَلَى الحد (في
ذَلِكَ)(٣) فقطع الجلد دون اللحم فلا يكره. وذكر الكرماني عنه
استحسانه، قَالَ: هو الأصح لاسيما إن كان بمتبيغ ونحوه، فيصير
کالفصد والحجامة(٤).
وفي ((شرح الهداية)): هو أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب
الأيسر حَتَّى يسيل الدم. قاله أبو يوسف ومحمد، لما روي عن ابن
عمر أنه كان يشعرها مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، ذكره ابن
بطال(٥). وحديث ابن عباس السالف، وأثر ابن عمر: الأيمن. وتأوله
بعض المالكية لصعوبتها. وقد رُوِي عن نافع: كان ابن عمر إن كانت
بدنته ذللا أشعرها في الأيسر، وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام
بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن، والأخرى من الأيسر(٦). وابن عمر
(١) (المصنف)) ١٧١/٣ - ١٧٢ (١٣٢٠٣ - ١٣٢٠٤، ١٣٢٠٩) في الإشعار واجب هو
أم لا؟
(٢) ((المصنف)) ١٧١/٣ (١٣٢٠٢).
(٣) من (ج).
(٤) (شرح الكرماني)) ٨/ ١٨٠، وفيه: قال أبو حنيفة: هو بدعة؛ لأنه مثلة. وهذا مخالف
الأحاديث الصحيحة، ثم أنه ليس مثلة بل هو نحو الختان والفصد وغيره.
(٥) ((شرح ابن بطال)) ٣٨٣/٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٣/٣ (١٣٨٤٥) في الإشعار من كان يشعر في الأيمن وفي
الأيسر.

٤٥
كِتَابُ الحَجِّ
=
كان من التابعين للآثار. والذي عنه في ((الموطأ)): من الأيسر، رواه
مالك، عن نافع عنه(١). والذي عنه في البخاري مرسل لم يسنده.
قَالَ مالك في ((العتبية)): لم يشعرها ابن عمر في الشقين؛ لأنها سنة
لكن ليذللها، وإنما السنة في الأيسر مطلقًا. قَالَ محمد: في الشقين أي:
في أي الشقين أمكنه(٢).
قَالَ ابن قدامة: وعن أحمد من الجانب الأيسر؛ لأن ابن عمر فعله،
وبه قَالَ مالك(٣).
قَالَ ابن التين: وهو الذي اشتهر في ((المدونة)) (٤) وغيرها. وحكاه
ابن حزم، عن مجاهد بقوله: كانوا يستحبون الإشعار في الأيسر(٥).
وعند الشافعي وأحمد في قول، وأبي يوسف ومحمد: الأيمن.
وزعم القائلون بالأيسر، بأنه اللّه كان يدخل بين البعيرين من قبل
رءوسهما فيضرب أولًا عادة عن يساره من قبل يسار السنام، ثم يعطف
عَلَى الآخر فيضربه من قبل يمينه، فصار الطعن في الجانب الأيسر
أصليًّا؛ لأنه المفعول أولًا، وفي الأيمن أتفاقيًا، والأصل أولى.
وزعم صاحب ((المطالع)) أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد
سنامها عرضًا، من الجانب الأيمن، هذا عند الحجازيين، وأما
العراقيون: فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة.
(١) ((الموطأ)) ٤٧٢/١ - ٤٧٣ (١٢٠٦) كتاب: المناسك، باب: العمل في الهدي
حین یساق.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٤٤٠/٢.
(٣) انظر: ((التمهيد)) ٢٣٠/١٧، ((المغني)) ٤٥٥/٥-٤٥٦.
(٤) ((المدونة)) ٣٣٩/١.
(٥) ((المحلى)) ١١٢/٧.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال ابن حبيب: يشعرها طولًا(١).
وقال ابن التين: عرضًا، والعرض: عرض السنام من العنق إلى
الذنب. قَالَ ابن التياني: أشعرت الناقة إذا وجأت في كتفها. وفي
((الجامع)): أشعرها إشعارًا، وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين،
سميت بما حل فيها، وذلك أن الذي يغلب بها علامة تعرف بها.
وقال ابن سيده: هو أن يشق جلدها أو يطعنها حَتَّى يظهر الدم (٢).
واختلفوا - كما قَالَ ابن بطال(٣) - في إشعار البقر، فكان ابن عمر يقول:
تشعر في أسمتها (٤)، وحكاه ابن حزم، عن أبي بن كعب أيضًا(٥)، وقال
عطاء والشعبي: تقلد وتشعر، وهو قول أبي ثور.
وقال مالك: تشعر التي لها سنام وتقلد، ولا تشعر التي لا سنام لها
وتقلد. قال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر(٦). واختار ابن حبيب: أن
تشعر وإن لم يكن لها أسنمة (٧).
قَالَ ابن التين: وما علمت أحدًا ذكر الخلاف في البقر المسنمة
إلا الشيخ أبا الحسن، وما أراه موجودًا، وأما الغنم فلا يسن إشعارها
لضعفها، ولأن صوفها يستر موضع الإشعار، وأما التقليد فسنة
بالإجماع وهو تعليق نعل أو جلد، وما أشبهه ليكون علامة للهدي.
(١) ((النوادر والزيادات)) ٤٤١/٢.
(٢) ((المحكم» ٢٢٥/١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٨٣/٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣٩٦/٣ (١٥٤٨٢).
(٥) ((المحلى)» ١١٢/٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٨).
(٧) ((المنتقى)) ٣١٢/٢ - ٣١٣.

٤٧
- ڪِتَابُ الحَجِّ
قال الحنفيون: لو قلد بعروةٍ مزادة، أو لحاء شجرة، وشبه ذلك جاز؛
لحصول العلامة وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين لحديث
ابن عباس السالف، وبه قَالَ ابن عمر، وقال الزهري ومالك: تجزئ
واحدة، وعن الثوري: تجزئ فم القربة، ونعلان أفضل لمن وجدهما(١).
فائدة :
لم يذكر البخاري رحمه الله حكم الهدي إذا عطب، وقد أخرج مسلم
في (صحيحه)) (من أفراده)(٢): نحرها، وصبغ نعلها في دمها، ثم أجعله
على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك(٣).
(١) انظر: ((الاستذكار)) ٢٦٥/١٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: من حديث ابن عباس، من عدة طرق.
(٣) مسلم (١٣٢٥ - ١٣٢٦) كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالهدي إذا عطب في
الطريق.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠٧ - باب فَتْلِ القَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالْبَقَرِ
١٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابن
عُمَرَ، عَنْ حَقْصَةَ رضى الله عنهم قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلَّوا وَلَمْ
تَخْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ
الحَجِّ)). [انظر: ١٥٦٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٥٤٣/٣]
١٦٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ،
وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَذِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ المُخرِمُ. [انظر:
١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٣/٣]
ذكر فيه حديث حفصة قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ
حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ
حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجّ)).
وحديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّه يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ فَلَائِدَ
هَذِْهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِب المُحْرِمُ.
هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١).
وفيه من الفقه: أن ما عُمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها
وتحسينها، ألا ترى عائشة لم تقنع بالقلائد إلا بفتلها وإحكامها.
وأجمعَ العلماء على تقليدِ الهدي(٢)، وهو علامةٌ له، كأنه إشهادٌ
على أنه أخرجه من مِلكِه لله تعالى، وليعلمَ الناسُ الذين يبتغون أكلَه،
فیشهدون نحره.
(١) حديث حفصة أخرجه مسلم (١٢٢٩). وحديث عائشة برقم (١٢٣١).
(٢) أنظر: ((الأصل)) ٢/ ٤٩٢، ((مختصر الطحاوي)) (٧٣)، ((الاستذكار)) ٢٧٢/١٢،
((الإقناع)) للفاسي ٢ / ٨٥٧.

٤٩
- ڪِتَابُ الحَجّ
وفيه: عملُ أمهات المؤمنين بأيديهن، وخدمتهن في بيوتهن، وقد
كانَ الَّْرِّ يخدمُ في بيته(١).
وفقهُهُ سلفَ في البابِ قَبلَه.
وهُذِه فوائد نعطفها على الباب الأول:
الأولى: قوله: (كان ابن عمر إذا أهدى من المدينة) يقتضي أن
الهدي قد يُساق من الموضع البعيد إذا كان يؤمن عليه في مثل تلك
المسافة، والبقر أضعف من ذَلِكَ فلا يهدى إلا من المسافة التي يسلم
فيها مثلها، وأما الغنم فروى محمد والعتبي، عن مالك: لا تساق
إلا من عرفة، أو ما قرب؛ وهذا لأنها تضعف عن قطع طويل المسافة(٢).
وقوله: (قلده وأشعره بذي الحليفة) يريد لأنها موضع إحرامه
لا الجحفة، وروي عن مالك: أن ذَلِكَ لا بأس به، والسنة أتصال
ذَلِكَ كله: يقلده، ثم يشعره، ثم يحلله إن شاء، ثم يركع، ثم يحرم،
ودليل ذَلِكَ حديث المسور ومروان في الكتاب(٣).
الثانية: قوله في حديث المسور ومروان: قلد النبي ◌َلخير الهدي
وأشعره -وكذا حديث عائشة- ثم قلدها وأشعرها(٤)؛ يقتضي مباشرته
ذَلِكَ بنفسه، وهو أفضل من الاستنابة كذبح الأضحية، واختلف في
المرأة مالك وابن شهاب.
(١) سلف برقم (٦٧٦) عن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي ◌َّهُ يصنع في
بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج
إلى الصلاة.
(٢) ((المنتقى)) ٣١١/٢.
(٣) سبق برقم (١٦٩٤ - ١٦٩٥).
(٤) الحديث الآتي.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فقال ابن شهاب: تلي ذَلِكَ بنفسها، وأنكره مالك قال: ولا تفعل
ذَلِكَ إلا أن لا تجد من يلي ذَلِكَ؛ لأنه لا يفعله إلا من ينحر(١).
الثالثة: يقول عند شروعه في الإشعار: بسم الله والله أكبر. رواه
مالك في ((موطئه)) عن ابن عمر (٢).
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٤٣/٢.
(٢) ((الموطأ)) ٤٧٣/١ (١٢٠٧) كتاب: المناسك، باب: العمل في الهدي حين يساق.

ـ كِتَابُ الحَجِّ
١٠٨ - باب إِشْعَارِ البُدْنِ
وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ عُ: قَلَّدَ النَّبِيُّ نَّهِ الهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ
وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. [انظر: ١٦٩٤]
١٦٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذِي النَّبِيِّ وَِّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا - أَوْ
قَلَّذْتُهَا - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٍ كَانَ لَهُ حِلّ.
[انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٤/٣]
ذكر فيه حديث المسور وحديث عائشة السالفين في باب: من أشعر
وقلد(١)، وقد أسلفنا أن جمهور العلماء يرون الإشعار؛ لأنه سنة ثابتة،
وممن رأىْ ذَلِكَ عمر وابنه والحسن والقاسم وسالم وعطاء ومالك
وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وأنكره أبو حنيفة وقال: إنما كان ذَلِكَ قبل النهي عن المثلة (٢).
قال ابن بطال: وهذا تحكم لا دليل عليه، وسوء ظن، ولا تترك
السنن بالظنون، وقد رَوى الإشعار عن رسول الله وَلل جماعة(٣).
وأما ما روي عن عائشة أنها قالت: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا،
فإنما أشعر؛ ليعلم أنها بدنة إذا ضلت(٤).
فدل أنه علامة ليس بنسك.
سبق برقمي (١٦٩٤ - ١٦٩٦).
(١)
(٢) أنظر: ((نوادر الفقهاء)) (٦٩)، ((الإقناع)) للفاسي ٨٥٨/٢، ((المجموع)) ٣٥٨/٨.
(٣)
(شرح ابن بطال)» ٣٨٢/٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٧١/٣- ١٧٢ (١٣٢٠٤) كتاب: الحج، في الإشعار أواجب
هو أم لا؟

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد روي مثل ذَلِكَ عن ابن عباس (١) فإنهما أعلما أنه ليس بواجب،
وكذا نقول غير أنَّ فعله أفضل من تركه؛ لأن ابن عمر قال: لا هدي
إلا ما قلد وأشعر(٢) أي: لا هدي كامل. ولا نقول: إن الإشعار نسك
یجب في تركه دم.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٩).
(٢) السابق ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٥).

٥٣
كِتَابُ الحَجّ
=
١٠٩ - باب: مَنْ (فتل)(١) القَلَائِدَ بِيَدِهِ
١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَتْهُ، أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ
إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَنْ أَهْدى
هَذْيَا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَخْرُمُ عَلَى الَحَاجُّ حَتَّى يُنْحَرَ هَذِيُّهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ
رضي الله عنها: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيٍ رَسُولِ اللهَِّ
بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ وَلَّهَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَخْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ
وَرِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهَ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٥/٣]
ذكر فيه حديث(٢) عمرة أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أنَّ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدىُ هَذْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ
حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاسٍ،
أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذْي رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدَيْهِ،
ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ (أَبِي)(٣)، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ له
حَتَّى نُحِرَ الهَذْيُ.
هذا الحديث سلف فيما مضى واضحًا (٤)، ومن تابع ابن عباس
عليه، وقال ابن التين: خالفه فيه جماعة الفقهاء، وعائشة، واحتجت
(١) كذا في الأصل، (ج).
وفي هامش الأصل: (قلد) فوقها خ، وفي ((اليونينية)) ١٦٩/٢ (قلد) ولم يعلق
علیھا.
(٢) في هامش الأصل: عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنها
أخبرته أن.
(٣) في هامش الأصل: (أبي بكر) وعليها (ج)، يعني في نسخة.
(٤) سبق برقم (١٦٩٨).

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بفعله التَّة، وهي أعلم الناس بذلك، وما روته في ذَلِكَ يجب أن يصار
إليه، ولعل ابن عباس رجع عن مقالته إن كان بلغه قولها فقد رجع عن
مسائل حين أعلم بما جاء فيها عن رسول الله ومقر كالمتعة، ونحو
التفاضل بين الذهبين والفضتين.
وقولها: (ليس كما قال ابن عباس) ردٌّ لقوله وإظهار لمخالفته،
واحتجت على ذَلِكَ بفعل الشارع، وأعلمته أنها المباشرة له، وذلك
يؤكد معرفتها به؛ لأن الراوي إذا باشر القصة رجحت روايته على
رواية من لم یباشرها.
وقولها: (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدَهِ) يحتمل أن تكون أرادت
بذلك تبيين حفظها الأثر ومعرفتها من تناول كل شيء منه، ويدل على
ذَلِكَ اهتمامها بهذا الأمر، ومعرفتها به، ويحتمل أنها أرادت أنه
تناول ذَلِكَ بنفسه، وعلم وقت التقليد، لئلا يظن أحد أنه استباح
محظور الإحرام بعد تقليد هديه، وقبل علمه، بل أقدم على ذَلِكَ مع
علمه.
وقولها: (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي) ترید عام تسع، وابن عباس كان
صغيرًا لم يشاهد من أفعاله القيمة إلا أواخرها بخلافها؛ فإنها رفعت
الإشكال. ثم أعلم أن الداودي أورد حديث ابن المسيب، عن أم
سلمة أن النبي ◌ّ﴾ قال: ((من أراد أن يُضحي فلا يمس من ظفره
وشعره شيئًا)) ثم قال: وإلى هذا ذهب ابن عباس قال: وقيل: إن ابن
المسيب لم يسمعه من أم سلمة بينهما عمرو بن الحارث، قال: فإن
لم يكن أحدهما محفوظًا فأحد الحديثين ناسخ للآخر.

٥٥
- ڪِتَابُ الحَجّ
قلت: الحديث محفوظ، أخرجه مسلم (١)، وقال الحاكم إنه على
شرط البخاري أيضًا (٢)، والحديث شرع في مريد الأضحية أن يفعل
ذَلِكَ من ذي الحجة فلا نسخ ولا تعارض.
وفيه من الفقه: جواز امتهان الخليفة، والعالم في الخدمة، وتناول
بعض الأمور بنفسه، وإن كان له من يكفيه، ولا سيما فيما يكون من إقامة
الشرائع وأمور الديانة.
وفيه أيضًا: إنكار عائشة على ابن عباس واحتجاجها بفعل رسول الله
وَر وهي حجة قاطعة.
(١) مسلم (١٩٧٧) كتاب: الأضاحي، باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو
مريد التضحية أن يأخذ من شعره.
(٢) ((المستدرك)) ٢٢٠/٤-٢٢١ كتاب: الأضاحي.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
١١٠- باب تَقْلِيدِ الغَنَمِ
١٧٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: أَهْدى النَّبِيُّ وَِّ مَرَّةَ غَنَمًا. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح:
٥٤٧/٣]
١٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَبَو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا
إِنْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أَقْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ وَلـ
فَيُقَلِّدُ الغَنَّمَ، وَيُقِيمُ في أَهْلِهِ حَلَالًا. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٧/٣]
١٧٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعتَمِرِ. وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأُسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي
الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الغَنَمِ لِلنَّبِيِّ بَِّ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا.
[انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٧/٣]
١٧٠٤ - حَذَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ وََّ - تَغْنِي: القَلَائِدَ - قَبْلَ أَنْ يُجْرِمَ. [انظر:
١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٧/٣]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ وَلِ مَرَّةً غَنَمًا.
وحديثها: كُنْتُ أَقْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِّ نَّهِ فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ
خَلَالًا.
وحديثها: كُنْتُ أَقْتِلُ قَلَائِدَ الغَنَمِ لِلنَّبِيِّ وَِّ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ
خَلَالًا.
وحديثها: قالت: فَتَلْتُ لِهَذْي النَّبِيِّ ◌َِّهِ - تَعْنِي: القَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ
يُحْرِمَ.

٥٧
كِتَابُ الحَجّ
هُذِهِ الأحاديث كلها في مسلم أيضًا(١)، وسلف بعضها(٢).
واختلف العلماء في تقليد الغنم، فمن رأى تقليدها أخذ بهذه
الأحاديث، وفي رواية لمسلم عنها: فقلدها (٣). وهو قول عطاء وبه
يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب(٤)، وقال مالك
وأبو حنيفة: لا يقلد ولعله لم يبلغهما الحديث، وعلل بأنها تضعف
عن التقليد. واستحب مالك فتل القلائد بهُذِه الأحاديث؛ ولأن ذَلِكَ
إبقاءً لها على طول السفر والمدة مع تصرف الهدايا في الرعي وغيره،
ونقل أبو عمر عن مالك وأصحابه أنه لا (يقلد)(٥) (٦)، وقد علمتُ أن
ابن حبيب من أصحاب مالك خالفه. قال أبو عمر: واحتج من لم يره
بأن الشارع إنما حج حجة واحدة، ولم يهدِ فيها غنمًا، وأنكروا
حديث الأسود، أي الذي في البخاري في تقليد الغنم، قالوا: هو
حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة(٧).
وذکر المنذري: أن بعضهم قال: إن الأسود تفرد به، قال: ولا يؤثر
تفرده به؛ لأنه من الثقات، وادعى صاحب ((المبسوط)) أنه أثر شاذ،
(١) مسلم (١٣٢١) كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم.
(٢) برقم (١٦٩٦).
(٣) مسلم (١٣٢١/ ٣٦٧).
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) (٤٤٢/٢)، ((والاستذكار)) ٢٦٦/١٢، ((البيان)) ٤/
٤١٢، ((روضة الطالبين)) ١٨٩/٣، ((المسائل برواية الكوسج)) ٥٦٩/١، ((المغني))
٤٥٦/٥.
(٥) في (ج): تقلید.
(٦) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٧٣/٢، ((البحر الرائق)) ١٣٠/٣، ((الاستذكار))
٢٦٥/١٢، ((المنتقى)) ٣١٢/٢.
(٧) ((التمهيد)» ٢٣٠/١٧.

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأستغفر الله من حكايتها، فهي أحاديث ثابتة في الصحيحين وممن رأى
تقليدها ابن عباس، وأبو جعفر، وعبد الله بن عبيد بن عمير، ذكرها ابن
أبي شيبة في ((مصنفه)) (١)، وقال عن عطاء: رأيتُ أناسًا من الصحابة
يسوقون الغنم مقلدة، والحق أحق بالاتباع، والسنة أحرى أن يؤخذ
بها(٢).
(١) ((المصنف)) ١٤٢/٣ - ١٤٣ (١٢٨٩٢ - ١٢٨٩٩).
(٢) ((المصنف)) ١٤٣/٣ (١٢٩٠٠).

- ڪِتَابُ الحَجِّ
٥٩
=
١١١ - باب القَلَائِدِ مِنَ العِهْنِ
١٧٠٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ عَنِ
القَاسِمِ، عَنْ أُمّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي.
[١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٥٤٨/٣]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
و(العهن): جمع عهنة: الصوف المصبوغ ألوانًا، ويقال: كل صوفٍ
عهن، والقطعة منه: عهنة، كما قلنا، والجمع: (عهون)(٢) ذكره في
((الموعب))، وفي ((المحكم)): المصبوع أي لون كان(٣).
وقال ابن التين: إنه عند أكثر أهل اللغة: الصوف المصبوغ.
وكذا قال ابن بطال: أكثر ما يكون مصبوغًا؛ ليكون أبلغ في
العلامة (٤). وقال ابن خالويه: هو الأحمر، وهو ما ذكره صاحب
( ((المطالع)))(٥) مع ما تقدم أنه الصوف مطلقًا أو الملون.
قال ابن حبيب: اجعل حبل القلائد مما شئت، ثم ذكر حديث عائشة
هذا، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يقلدها بالأوتار.
(١) مسلم (١٣٢١).
(٢) في هامش الأصل: كون الجمع عهون، قاله الأزهري أيضًا، وكون القطعة عهنة،
قاله اللیث أيضًا.
(٣) ((المحكم)) ٦٦/١.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٤/ ٣٨٤.
(٥) ورد بهامش الأصل: حكى في ((المطالع)) أقوالًا أخر: الصوف مطلقًا، أو الملون
خاصة والأحمر خاصة، وفي ((الجمهرة)): العهن: الصوف، وأكثر ما يستعمل
المصبوغ منه.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح .
وقال ربيعة ومالك: أحب إليَّ أن تكون القلائد مما تنبت
الأرض(١)، ولعله أراد أن ذَلِكَ أحب إليه من ذَلِكَ كله، وحمل
الحديث على الجواز.
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) (٤٢٠/٢، ٤٢٢)، ((المنتقى)) ٣١٢/٢.