النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كِتَابُ الحَجِّ = وقد سلف ذَلِكَ في قصر الصلاة(١) واضحًا بمذاهب العلماء فيمن يلزمه القصر بمنى، وبما نزع به كل فريق منهم، ونذكر نبذة منه؛ لبعد العهد به، فنقول: ذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن أهل مكة ومن أقام بها من غيرها يقصرون بمنى وعرفة، وأن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بها من كان مقيمًا فيها(٢). وذهب الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنهم يتمون الصلاة بها، وقالوا: إن من لم يكن سفره سفرًا تقصر فيه الصلاة فحكمه حكم المقيم، وكذا تقدم هناك معنى إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر، وما للعلماء في ذَلِكَ من التأويلات(٣). وقول ابن مسعود: (تفرقت بكم الطرق) أي: ذهبتم إلى التأويلات. وقوله: (لَيْتَ حَظّ .. ) إلى آخره يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. وقال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان؛ كراهةً لخلافه، وأخبر بما في نفسه. (١) سلف برقم (١٠٨٤) كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمني. (٢) سبق بيان المسألة (٣) سبق بيان المسألة. ٥٢٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨٥ - باب صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ ١٦٥٨- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَالِمْ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا - مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ-، عَنْ أُمِّ الفَضْلِ: شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمٍ النَّبِيِّ وَّةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ بَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. [١٦٦١، ١٩٨٨، ٥٦٠٤، ٥٦١٨، ٥٦٣٦ ٠ مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٥١٠/٣] ذكر فيه حديث أم الفضل: (شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةً فِي صَوْمِهِ وَّـه فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١). وذكره في باب الصيام بهذِه الترجمة(٢)، وزاد حديثًا آخر، كما تقف عليه هناك(٣). فثبت أنه أفطر يوم عرفة بعرفة، وصح في مسلم أن صومه يكفر سنتين أخرجه من حديث أبي قتادة(٤)، وهو من أفراده، وهذا في غير الحجيج. أما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا؛ كيلا يضعفوا عن الدعاء وأعمال الحج اقتداءً بالشارع. وأطلق كثيرون من أئمة أصحابنا كونه مكروهًا لهم؛ لحديث أبي داود وغيره، وفي سنده جهالة(6) فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب (١) مسلم (١١٢٣) كتاب: الصيام، باب: استحباب الفطر للحاج يوم عرفة. (٢) سيأتي برقم (١٩٨٨). (٣) هو حديث ميمونة (١٩٨٩). (٤) مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. (٥) أبو داود (٢٤٤٠) كتاب: الصوم، باب: في صوم يوم عرفة بعرفه، ورواه ابن ماجه (١٧٣٢) كتاب: الصيام، باب: صيام يوم عرفة، وأحمد ٣٠٤/٢، ٤٤٦، والبخاري في ((التاريخ الكبير) ٤٢٤/٧ - ٤٢٥، والنسائي في (الكبرى)) ١٥٥/٢ - = ٥٢٣ = كِتَابُ الحَجّ ................. = ١٥٦ (٢٨٣٠ - ٢٨٣١) كتاب: الصيام، النهي عن صوم يوم عرفة، وابن خزيمة ٢٩٢/٣ (٢١٠١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٧١/٢ - ٧٢ كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عرفة، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٢٩٨/١، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٨٦/٣ في ترجمة حوشب بن عقيل (٥٦٠)، والحاكم ٤٣٤/١، والبيهقي ٢٨٤/٤ كتاب: الصيام، باب: الاختيار للحاج في ترك صوم يوم عرفه بعرفات، والخطيب ٣٤/٩، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٦٠/٢١ - ١٦١، والمزي في (تهذيب الكمال)) ٥٨٦/٢٨ - ٥٨٧ من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي بن حرب العبدي- أو ابن أبي مهدي الهجري- عن عكرمة، قال: كنا عند أبي هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله وَلأو نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وهذا لفظ أبي داود. قلت: حوشب وثقه وکیع وأحمد وابن معين، وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه كذلك أبو داود والنسائي، وضعفه الأزدي وابن حزم في ((المحلى)) ١٨/٧، ومعروف أن الأزدي متعنت في الحكم على الرجال، فلا يقبل منه مثل هذا التضعيف، خاصة أن الأزدي نفسه قد ضعف، وخولف هنا، فقد وثق حوشب من هو أوثق من الأزدي. لكن علة الحديث الحقيقة هو مهدي الهجري، فهو مجهول كما أشار المصنف رحمه الله - قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٨/ ٣٣٧ (١٥٤٩): عن ابن معین أنه سئل عنه فقال: لا أعرفه، وقال الذهبي في ((الميزان)) ٣٢٠/٥ (٨٨٢٤): قال أبو حاتم: لا أعرفه، وقال ابن حزم ١٨/٧: مجهول، وقال عبد الحق في «أحكامه)) ٢٤٦/٢: مهدي ليس بمعروف. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه! وقال الذهبي في ((السير" ٦٨٣/١٠: إسناده لا بأس به !! قال الألباني متعقبًا لهما: هذا من أوهامهما الفاحشة، فإن حوشب بن عقيل وشيخه مهدي لم يخرج لهما البخاري، بل إن الهجري مجهول، فأنى للحديث الصحة، وفيه هذا الرجل المجهول؟! اهـ ((الضعيفة)) ٥٨١/١ بتصرف. والحديث ضعفه ابن حزم في ((المحلى)) ١٨/٧ فقال: مثل هذا لا يحتج به، وكذا ضعفه عبد الحق الأشبيلي كما ذكرنا، وقال العقيلي بعد روايته الحديث في ترجمة = ٥٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الصوم فقد قَالَ المتولي: الأولى أن يصوم؛ حيازةً للفضيلتين، ونسب غيره هذا إلى المذهب، وقال: الأولى عندنا أن لا يصوم بحال. وقال الروياني في ((الحلية)): إن كان قويًا وفي الشتاء ولا يضعف بالصوم عن الدعاء، فالصوم أفضل له، وبه قالت عائشة وجماعة من أصحابنا. وقال البيهقي في ((المعرفة)): قَالَ الشافعي في القديم: لو علم الرجل أن الصوم بعرفة لا يضعفه فصامه كان حسنًا(١)، واختار الخطابي هذا(٢)، والمذهب عندنا استحباب الفطر مطلقًا. وبه قَالَ جمهور أصحابنا وصرحوا بأنه لا فرق، ولم يذكر الجمهور الكراهة، بل قالوا: يستحب فطره، كما قَالَه الشافعي (٣). ونقل الماوردي وغيره: استحباب الفطر عن أكثر العلماء. وحكى ابن المنذر عن جماعة منهم: استحباب صومه. وحكى صاحب ((البيان)) عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أنه يجب عليه الفطر بعرفة (٤). حوشب (٣٧٢): لا يتابع عليه، وقد روي عن النبي ټے بأسانيد جیاد أنه لم يصم = يوم عرفة ولا یصح عنه أنه نهى عن صومه اه. وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ١/ ٦١: في إسناده نظر، فإن مهدي ليس بمعروف، ومداره عليه، وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢/ ٢١٣: فيه مهدي الھجرئ مجهول، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود))، (٤٢١)، وفي ((الضعيفة)) (٤٠٤) وفيها فوائد غير ما ذكرنا عن الحديث فليراجع. (١) (معرفة السنن والآثار)) ٣٤٨/٦. (٢) ((معالم السنن)) ٢/ ١١٢. (٣) (مختصر المزني)) ٢٧/٢، ((المجموع)) ٤٢٨/٦ - ٤٢٩، ((أسنى المطالب)) ١/ ٤٣٠، ((نهاية المحتاج)) ٢٠٧/٣. (٤) («البيان» ٥٤٩/٣. ٥٢٥ كِتَابُ الحَجِّ وقال ابن بطال: اختلف العلماء في صومه، فقال ابن عمر: لم يصمه رسول الله ◌َ﴾، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وأنا لا أصومه(١). وقال ابن عباس يوم عرفة: لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب(٢)، واختار مالك وأبو حنيفة والثوري: الفطر (٣). وقال عطاء: من أفطر يوم عرفة؛ ليتقوى به عَلَى الذكر كان له مثل أجر الصائم(٤). وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة(٥)، وروي أيضًا عن عمر، وكان إسحاق يميل إليه، وكان الحسن يعجبه صومه ويأمر به الحاج، وقال: رأيتُ عثمان بعرفات في يوم شديد الحر صائمًا، وهم يروحون عنه، وكان أسامة بن زيد وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير: يصومون بعرفات. وقال قتادة: لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء (٦)، وبه قَالَ الداودي. (١) رواه الترمذي (٧٥١) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم عرفة بعرفة، وقال: حسن وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٢٨٥ (٧٨٢٩) كتاب: المناسك، باب: صيام يوم عرفة، وابن أبي شيبة ١٨٩/٣ (٣٣٧٩) كتاب: الحج، في صوم يوم عرفة بمكة، والنسائي في ((الكبرى)) ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٢٨٢٥) كتاب: الصيام، في إفطار يوم عرفة بعرفة، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٧٢ كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عرفة. وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٥٩٩). (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤ (٧٨٢٠). (٣) (شرح معاني الآثار)) ٧٣/٢، ((الفتاوى التاتار خانية)) ٣٨٩/٢، ((الاستذكار)) ١٢/ ٢٣٤، ((المنتقى)) ٣٠٦/٢. (٤) رواه عبد الرزاق ٢٨٤/٤ (٧٨٢١). (٥) رواه عن عائشة ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠ (١٣٣٩٣). (٦) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٤ (٧٨٢٤). ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال الشافعي: أحب صيامه لغير الحاج، أما من حج فأحب أن يفطر، ليقويه عَلَى الدعاء(١). وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف(٢). وقال الطبري: إنما أفطر وَلّه بعرفة ليدل عَلَى أن الاختيار في ذَلِكَ الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء، وقضاء ما لزمه من المناسك، وكذلك من كره صومه من السلف؛ وإنما كان لما بيناه من إيثارهم الأفضل من ثقل الأعمال عَلَى ما هو دونه، وإبقاءً عَلَى نفسه؛ ليقوى بالإفطار عَلَى الاجتهاد في العبادة، ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثوابه، ويدخل من باب الريان(٣). وقال المهلب: في شربه اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع للحجج وأنه فوق الخبر، وقد قَالَ بَّه: ((ليس الخبر كالعيان))(٤). (١) (مختصر المزني)) ٢٧/٢. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٤ (٧٨٢٢). (٣) يدل على ذلك حديث سيأتي برقم (١٨٩٦) كتاب: الصوم، باب: الريان للصائمين، ورواه مسلم (١١٥٢) كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، عن سهل بن سعد مرفوعًا: ((إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة .. )) الحديث. (٤) رواه أحمد ٢١٥/١، ٢٧١، وأحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في («إتحاف الخيرة المهرة)) ٤١٦/٥ (٤٩٣٠)، وابن حبان ٩٦/١٤ (٦٢١٣) كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني في ((الأوسط)) ١٢/١ (٢٥)، وابن عدي في ((الكامل)) ٨/ ٤٥٣، والحاكم ٣٢١/٢، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ٢٠١/٢ - ٢٠٢ (١١٨٢ - ١١٨٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٥٦/٦، وفي ((موضح الأوهام)) ٥٣٠/١، والضياء في ((المختارة)) ٨٠/١٠- ٨٢ (٧٣ - ٧٦) من طريق هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس مرفوعًا به. ورواه البزار كما في ((الكشف)) (٢٠٠)، وابن حبان ١٤/ ٩٧ (٦٢١٤)، والطبراني = ٥٢٧ كِتَّابُ الحَجّ = ٠٠ .. ٥٤/١٢ (١٢٤٥١)، وابن عدي ٤٥٣/٨، والخطيب في ((الموضح)) ١/ ٥٣٠ من = طريق أبي عوانة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وعن الطريق الأول قال ابن عدي: يقال: إن هشيمًا لم يسمع الحديث من أبي بشر، إنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه، وكذا قال الضياء، وقال القضاعي: قال يحيى: لم يسمعه هشيم. قلت: يحيى هذا هو أحد رواة الحديث عن هشیم. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٣/١: رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبان. وأورده السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٩١٥) وذكر قول ابن عدي، ثم قال: وهذا لا يمنع صحته، لاسيما وقد رواه الطبراني وابن عدي وأبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) من حديث ثمامة عن أنس.اهـ قلت: سيأتي تخريج هذا الحديث. وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) ١٦٩/٢: قال في ((اللآلئ)): فإن قيل: هو معلول بما قال ابن عدي في ((الكامل)) من أن هشيمًا لم يسمع هذا الحديث من أبي بشر، وإنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه. قلت: قال ابن حبان في ((صحيحه)) لم ينفرد به هشيم، فقد رواه أبو عوانه عن أبي بشر أيضًا.اهـ قلت: لم أقف على قول ابن حبان هذا في (صحيحه)). والحديث أشار السيوطي لصحته في ((الجامع الصغير)) (٧٥٧٥)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٣٧٤). قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٣٤/٤: ((ليس الخبر كالمعاينة))، رواه ابن عباس عن النبي ◌ٍَّ ولم يروه غيره، والله أعلم. اهـ ونقله عنه القرطبي في ((تفسيره)) ٣/ ١٢٩٨. قلت: في الباب من حديث أنس وأبي هريرة وابن عمر. حديث أنس رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٩٠/١ (٦٩٤٣)، وابن عدي في ((الكامل))٧/ ٥٥١، والخطيب في ((تاريخه)) ٢٠٠/٣، والضياء ٢٠٢/٥ (١٨٢٧ - ١٨٢٨) من طريق محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن عمه ثمامة، عن أنس بن مالك مرفوعًا به. = ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفيه: أن الأكل والشرب في المحافل مباح، إذا كان لتبیین معنى، أو دعت إليه ضرورة كما فعل يوم الكديد إذا علم بما يريد بيانه من سنته. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن = مرزوق، وقال نحوه الخطيب، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٣/١: رواه الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله ثقات، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٣٧٣). وحديث أبي هريرة رواه الخطيب في ((تاريخه)) ٢٨/٨ من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا به. وعزاه السيوطي في ((الجامع)) (٧٥٧٤) للخطيب، وأشار إلى حسنه، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٣٧٣). وحديث ابن عمر رواه ابن عدي ٢٦٩/٨ في ترجمة النضر بن طاهر أبو الحجاج البصري (١٩٦٧)، من طريقه عن هشيم، عن يونس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر مرفوعًا به. قال ابن عدي: قال لنا حمزة: فأنكر عليه أهل المعرفة بالحديث وقالوا: الحديث عن ابن عباس، فأخرج الأصل فكان فيه عن ابن عمر.اهـ قلت: الظاهر أن الحديث محفوظ من رواية ابن عباس وأنس وأبي هريرة فقط والله أعلم. وهذا الحديث مذكور في نوع المشهور من الأحاديث كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وهو الذي يسمى عندهم بالمشهور غير الاصطلاحي وهو: ما اشتهر على الألسنة من غير شروط تعتبر، فمنه الصحيح ومنه الحسن ومنه الضعيف والموضوع، وهو أنواع، وهذا الحديث من المشهور بين العامة، هكذا ذكر السيوطي في ((تدريب الراوي)) ٢٥٣/٢. وكذا هو مذكور في الكتب التي صنفت في هذا النوع من أنواع الحديث، وعنيت بذكر هذه الأحاديث، انظر: ((المقاصد الحسنة)) (٩١٥)، و((الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة)) للسيوطي (٣٥٢)، ((وتمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنته من الحديث)) لابن الدييع (١١٣٢)، و((كشف الخفاء)» (٢١٣٧). ٥٢٩ - ڪِتَابُ الحَجِّ وفيه: جواز قبول الهدية من النساء(١)، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها إذا كان مثل هذا القدر لا يتشاحُ الناس فيه. وقال ابن التين: كان ◌َّلم يترك العمل يحب أن يعمل به لئلا يضيق على أمته. فرع : يستحب أيضًا صوم ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ احتياطًا لعرفة. (١) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ١٣٣/٤ - ١٣٤. ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ٨٦ - باب: التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنِى إِلَى عَرَفَةَ ١٦٥٩ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ في هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّ المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. [انظر: ٩٧٠ - مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٥١٠/٣] ذكر فيه حديث مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أنسًا وَهُمَا غَادِيَانٍ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هُذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ؟ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. هذا الحديث سلف في العيد(١) (٢)، وفي الحديث ابتداء قطع التلبية من الغدو من منى، وآخرها رمي جمرة العقبة في حديث الفضل وأسامة بن زيد وابن مسعود، عن رسول الله وَّليه(٣) (قَالَ: كان يهل (١) في هامش الأصل تعليق نصه: شيخه هنا عبد الله بن يوسف وهناك أبو نعيم. (٢) برقم (٩٧٠). (٣) حديث الفضل بن عباس رواه النسائي ٢٧٦/٥ كتاب: مناسك الحج، قطع المحرم التلبية إذا رمى الجمرة، وابن ماجه (٣٠٤٠) كتاب: المناسك، باب: متى يقطع التلبية، وأحمد ٢١٤/١. وأصله في الصحيحين، دون ذكر لفظ التلبية، وفيه: أنه لم يزل يلبي حتى بلغ جمرة العقبة، سلف برقم (١٥٤٤) كتاب: الحج، باب: الركوب والإرداف في الحج، ورواه مسلم (١٢٨٢) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى ... وأما حديث أسامة بن زيد فسلف برقم (١٥٤٣ - ١٥٤٤). وحديث ابن مسعود سيأتي برقم (١٦٨٣). ٥٣١ كِتَابُ الحَجّ = منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه)(١). والذي مضى عليه جمهور العلماء من الصحابة وأهل المدينة أختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة، كما حكاه ابن أبي صفرة؛ لأنهم فهموا(٢) أن تعجيل قطعها وتأخيرها عَلَى الإباحة، يدل عَلَى ذَلِكَ ترك إنكار بعضهم عَلَى بعض، وهم فهموا السنن وتلقوها(٣)، فوجب الاقتداء بهم في اختيارهم لأنا أمرنا باتباعهم. وقال الطحاوي: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن بعضهم كان يهل، وبعضهم كان يكبر، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذَلِكَ ولهم أن يلبوا؛ لأن الحاج فيما قبل يوم عرفة له أن يكبر، وله أن يهل، وله أن يُلبي فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية(٤). وقال المهلب: وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من يوم عرفة؛ لأنه آخر السفر، وإليه منتهى الحاج وما بعد ذَلِكَ فهو رجوع. فالتكبير فيه أولى، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْرِكُزْ ءَبَآءَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ﴾ فدل هذا عَلَى أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية؛ لأن معناها الإجابة، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية، وأخذ في الدعاء، وسأل حاجاته، وسيأتي اختلافهم في قطع (١) من (ج). (٢) في (ج): (زعموا). (٣) في (ج): (نقلوها). (٤) القول ليس للطحاوي رحمه الله بل نقله عن آخرين. يقول الطحاوي: واختلفوا في قطعه للتلبية متى ينبغي أن يكون؛ فقال قوم :... ، وقالوا: لا حجة لكم في هذِه الآثار التي احتججتم بها علينا ... إلخ. ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٣/٢ - ٢٢٤. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - التلبية في حديث الفضل وأسامة بعد هذا قريبًا. والحديث دالٌ عَلَى إباحة التكبير والتهليل، ورواه محمد، عن مالك واحتج بهذا قَالَ: كان القوم یکبرون ویلبون. فائدة : الغدو: السير، وهو السنة أن يسير إذا طلعت الشمس كما أسلفناه، واستثنى مالك من كان ضعيفًا أو بدابته علة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوعها. قَالَ: ويكره أن يمر إلى عرفة من غير طريق المازنين، فإن مر عَلَى غيره فلا شيء عليه. ٥٣٣ كِتَابُ الحَجِّ == ٨٧ - باب: التَّهْجِيرِ بِالدَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ ١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُّ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمُ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابن عُمَرَ فِي الَحَجِّ. فَجَاءَ ابن عُمَرَ ﴾ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةً حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ الزَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْظِرْنٍِ حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبٍ، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأَىُ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ. [١٦٦٢، ١٦٦٣ - فتح: ٥١١/٣] ذکر فیه : عن عَبْدِ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عن مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِم قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابن عُمَرَ فِي الحَجِّ. فَجَاءَ ابن عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَّالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وفي آخره: فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأْىُ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ. هذا الحديث ذكره في باب: الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقًا، فقال: وقال الليث: حَدَّثَني عقيل، عن ابن شهاب قَالَ: أخبرَنِي سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عرفة إلى آخره(١). وكأنه أراد بيان تصريح ابن شهاب بسماعه له من سالم، وقال معمر: إن الزهري سمعه من ابن عمر (٢)؛ لأنه شهد تلك القصة وحضرها. وسمع منه حديثًا آخر. وفي ((التمهيد)): روى معمر، عن الزهري أنه كان شاهدًا مع سالم وأبيه هذِه القصة مع الحجاج، ووهم معمر فيه، قَالَ يحيى بن معين: وهم فيه معمر، وابن شهاب لم ير ابن عمر ولم يسمع منه شيئًا (٣). وعند الإسماعيلي من حديث أبي مصعب والتنيسي، عن مالك: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم في الموضعين، وعنده: فاقصر الخطبة وعجل الصلاة. وروى حديث الليث في ((صحيحه)) عن أبي عمران إبراهيم بن هانئ، حدثَنَا الرمادي، ثَنَا ابن بكير، وأبو صالح، أن الليث حدثهما: ثَنَا عقيل، عن ابن شهاب، أنا سالم، فذكره. إذا تقرر ذَلِكَ: فهذا الحديث يدخل في السنة؛ لقوله: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ)، والمراد سنة سيدنا رسول الله وَّيه، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها، كقولهم: سنة العمرين وما أشبهه. وقد أسلفنا توهيم معمر عن الزهري في شهوده القصة. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح: قد روى الزهري عن ابن عمر نحو ثلاثة أحاديث. (١) سيأتي برقم (١٦٦٢). (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال العلائي في ((المراسيل)): قال أحمد بن حنبل، وابن معين: لم يسمع من ابن عمر شيئًا، وقال ابن المديني: سمع الزهري من ابن عمر حديثين فقط، حدثنا به عبد الرزاق: انظر: ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)» للعلائي ص ٢٦٩ (٧١٢). (٣) ((التمهيد)) ١٠/ ٧. ٥٣٥ كِتَّابُ الحَجِّ = قَالَ ابن عبد البر: هذا لا يصححه أحد سماعًا، وليس لابن شهاب سماع من ابن عمر، وأما محمد بن يحيى الذهلي فقال: ممكن أن يكون قد شاهد ابن عمر مع سالم في قصة الحجاج، واحتج برواية معمر، وفيها: ركب هو وسالم وأنا معهما حين زاغت الشمس، وفيها: قَالَ الزهري: وكنت يومئذٍ صائمًا فلقيت من الحر شدة، قَالَ محمد بن يحيى: وقد روى ابن وهب، عن عبيد الله(١) بن عمر العمري، عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وفي حديثه قَالَ ابن شهاب: وأصاب الناس في تلك الحجة شيء لم يصبنا مثله، واحتج أيضًا بأن عنبسة روى عن يونس، عن ابن شهاب قَالَ: وفدت إلى مروان وأنا محتلم قَالَ: ومروان مات سنة خمس وستين، ومات ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، قَالَ: وأظن مولد الزهري في سنة خمسين أو نحو هذا، وموته سنة أربع وعشرين ومائة، فممكن أن يكون شاهد ابن عمر في تلك الحجة، فلست أدفع رواية معمر، هذا آخر كلام الذهلي. وذكر الحلواني قَالَ: سمعتُ أحمد بن صالح يقول: قد أدرك الزهري الحرة وهو بالغ وعقلها - أظنه قَالَ: وشهدها- وكانت الحرة أول خلافة يزيد بن معاوية، وذلك سنة إحدى وستين، قَالَ عبد الرزاق: فقلتُ لمعمر: ورأى الزهري ابن عمر؟ قَالَ: نعم، وسمع منه حدیثین، فسلني عنهما أحدثکهما(٢). (١) في ((التمهيد)) ٨/١٠: عبد الله، وما ذكره المصنف - رحمه الله- هو الصواب. (٢) ((التمهيد)» ٧/١٠ - ٩ بتصرف. ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ثم هاهنا أمور: أحدها: قَالَ أبو عمر: رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف: (وعجل الصلاة). وقَالَ القعنبي وأشهب: (فأقم الخطبة وعجل الوقوف، جعلا موضع الصلاة الوقوف)، قَالَ أبو عمر: وهو عندي غلط؛ لأن أكثر الرواة عن مالك عَلَى خلافه(١). ثانيها: تعجيل الصلاة يوم عرفة، سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يُصلي العصر بإثر السلام. قَالَ أبو عمر: وقد يحتمل ما قاله القعنبي أيضًا؛ لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل الصلاة والفراغ منها سنة (٢). وقد أسلفنا رواية مصعب وغيره عن مالك وفيها: وعجل الصلاة، كما رواه الجماعة. ثالثها: فيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذَلِكَ إليه، وهو واجب عليهم، فيقيمون من كان عالمًا به. رابعها: في فوائده : فيه: الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. وفيه: أن الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه. وفيه: أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة، وقد رُوِي عن مالك في هذا الحديث: وعجل الصلاة مكان الوقوف، كما سلف، وهو صحيح المعنى؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين والجمع بينهما، فدل عَلَى أن (١)(٢) المرجع السابق ٢٠/١٠. ٥٣٧ كِتَابُ الحَ﴾ = تعجيل الصلاة بعرفة سنة، ورواية: وعجل الوقوف في البخاري صحيح أيضًا كما سلف. وفيه: الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجاج لعبد الله: (أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَي ماء)، وأهل العلم يستحبونه. وفيه: خروج الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة، ولم ينكر ذَلِكَ عليه ابن عمر، ففيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم، وقد سلف في بابه(١). وفيه: جواز تأمير الأدون عَلَى الأفضل والأعلم. وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل في الدين بقول أهل العلم ويصير إلى رأيهم. وفيه: ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه. وفيه: الفهم بالإشارة والنظر. وفيه: أن أتباع الشارع هي السنة، وإن كان في المسألة أوجه جائز غيرها. وفيه: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره. واختلف العلماء في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر، وفي جلوس الإمام للخطبة قبلهما، فقال مالك: يخطب الإمام طويلًا، ثم يؤذن وهو يخطب، ثم يصلي، ومعنى ذَلِكَ: أن يخطب الإمام صدرًا من خطبته، ثم يؤذن المؤذن ويقيم، فيكون فراغه مع فراغ الإمام من الخطبة، ثم ينزل فيقيم (٢). (١) باب: ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر، حديث (١٥٤٥). (٢) انظر: ((التمهيد)» ١٤٧/٩. ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وحكى ابن نافع أنه قَالَ: الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة (قبلهما)(١)(٢). وقال الشافعي: يأخذ المؤذن في الأذان إذا قام الإمام للخطبة الثانية، فيكون فراغه من الأذان بفراغ الإمام من الخطبة ويقيم(٣). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا صعد الإمام المنبر أخذ المؤذن في الأذان كما في الجمعة (٤). وسُئل مالك: إذا صعد الإمام عَلَى المنبر يوم عرفة أيجلس قبل أن يخطب؟ قَالَ: نعم، ثم يقوم فيخطب طويلاً، ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب ثم يُصلي، قَالَ: ويخطب خطبتين(٥). وأجمع العلماء عَلَى أنه نَّهِ إنما صلى بعرفة صلاة المسافر لا صلاة جمعة، ولم يجهر بالقراءة، وكذلك أجمعوا أن الجمع بينهما يوم عرفة مع الإمام سنة مجمع عليها(٦)، واختلفوا فيمن فاتته الصلاة يوم عرفة مع الإمام، هل له أن يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: نعم، وكذا بالمزدلفة(٧)، وقال أبو حنيفة: لا، إلا من صلاها مع الإمام(٨). واختلف العلماء في الأذان للجمع بينهما: فقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وأبو ثور (١) من (ج). (٢) ((المدونة الكبرى)) ٢٤٩/١. (٤) ((المبسوط)) ١٥/٤، ((شرح فتح القدير)) ٤٧٠/٢. (٣) ((المجموع)) ١١٤/٨. (٥) ((التمهيد)) ٩/ ١٤٧، وينظر رأي الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف في: ((المبسوط)) ٤/ ١٥. (٦) انظر: ((التمهيد)) ١٤٧/٩، ((الاستذكار)) ١٣٧/٣، ((المغني)) ٢٦٥/٥. (٧) ((الاستذكار)) ١٣٧/١٣. (٨) انظر: ((المبسوط)) ١٥/٤ - ١٦. ٥٣٩ - ڪِتَابُ الحَجِّ والطبري: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وقد روي عن مالك مثله، والأول أشهر(١). وقال أحمد وإسحاق: يجمع بينهما بإقامة إقامة، أو بأذان وإقامتين إن شاء(٢)، وإن لم يخطب ويسر بالقراءة فيهما؛ لأنهما ظهر وعصر قصرا من أجل السفر، وقال أبو حنيفة: يجهر. وفي ((شرح الهداية)): يسر. وأجمعوا أن الخطبة قبل الصلاة يوم عرفة (٣)، وقد أسلفنا أنه لا يدخل عرفة إلا وقت الوقوف بعد فعل الظهر والعصر جمعًا بنمرة بقرب عرفات خارج الحرم من طرف الحرم إلى عرفات، وأما ما يفعله معظم الناس في هذِه الأزمان من دخولهم عرفة قبل وقت الوقوف فخطأ وبدعة، والصواب الأول، ويغتسل بنمرة للوقوف. قَالَ جابر: ضرب النبي بَّر قبة بنمرة فنزل بها، حَتَّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرخِّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، (١) انظر: ((الاستذكار)) ١٣٨/١٣، وينظر ((شرح معاني الآثار)) ٢١٤/٢، ((المبسوط)) ٤/ ١٥. (٢) المنصوص في رواية الكوسج: قلت: الجمع بين الصلاتين بعرفة أو يجمع بأذانٍ وإقامة، (أو بإقامة؟) قال: لا، ولكن بإقامة إقامة، لكل صلاةٍ إقامة. وهو خلاف ما روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما، هذا سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال: إسحاق: كما قال، ولكن إن كان الإمام يتبع رواية سعيد بن جبير إقامة واحدة كان أفضل لما لا ينبغي لكل من يجمع بين الصلاتين إلا أن يحدث بينهما عملًا فالإقامة، وإن كان مفتاح الصلاة فتركه أفضل. ((مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ٥٣٣/١. (٣) انظر: ((الاستذكار)) ١٤١/١٢، ((الإقناع)) للفاسي ٨٣٦/٢. ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أخرجه مسلم في حديثه الطويل(١). قَالَ عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان وأبو ثور وأحمد وابن المنذر وعامة الفقهاء وأهل الحديث: قصر الصلاة غير جائز لأهل مكة بعرفات(٢). وقال القاسم بن محمد وسالم والأوزاعي ومالك: لهم قصرها(٣)، ومن صلى العصر في رحله وحده صلاه في وقته عند أبي حنيفة (٤)، وخالفاه فقالا: يجمع المنفرد. وقوله: (فَأَنْظِرْنِي) أي: أخرني للغسل، فأنظره رفقًا به وعونًا، وهي بألف قطع فيما ضبطه بعضهم، وضبطه غيره بضم الظاء ووصل الهمزة، ذكرهما ابن التين. وقوله: (حَتَّى أُفِيضَ) قَالَ: صوابه أُفِضْ؛ لأنه جواب الأمر. وقول عبد الملك للحجاج: (لا تخالف ابن عمر في الحج)، إقرار بدينه وعلمه وبأنه القدوة في زمانه الذي يجب أن يقتدي به أهل وقته. ومضي ابن عمر إلى الحجاج حين الزوال؛ مسارعة إلى الخير ومعونةً؛ وحرصًا عَلَى إثبات ما عنده من العلم ونشره وانتفاع الناس به، وتوجهه إليه حين زالت الشمس هو السنة، لما يلزم من تعجيل الصلاة ذَلِكَ اليوم، وصياحه عند سرادق الحجاج -وهو فسطاطه- ليكون أسرع لخروجه من إدخال الإذن عليه، وخروجه وعليه ملحفة معصفرة. (١) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي وَّل. (٢) ((المبسوط)) ٢٣٦/١، ((بدائع الصنائع)) ١٥٢/٢، ((الأم)) ١٦٣/١ ((روضة الطالبين)) ٩٣/٣، (المجموع)) ١١٦/٨، ((المستوعب)) ٢٢٧/٤، ((المغني)) ٢٦٥/٥. (٣) (عيون المجالس)) ٨٢٠/٢، ((الاستذكار)) ١٦٤/١٣، ((المنتقى)) ٤١/٣. (٤) ((العناية)) ٤٧١/٢.