النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كِتَابُ الحَجِّ = وذكر الزمخشري في ((ربيعه)) (١): أن جبريل أنبط بئر زمزم مرتين، لآدم (حين)(٢) أنقطعتْ زمن الطوفان، ومرة الإسماعيل. قَالَ السهيلي: كان الحارث بن مضاض الجرهمي لما أخرج من مكة عفى أثرها، فلم تزل دارسة إلى أيام عبد المطلب. وسُميت طيبة؛ لأنها للطيبين والطيبات. وفي إنباط جبريل إياها بعقبه دون يده إشارة أنها لعقبه وراثة. وسميت بَرةً؛ لأنها فاضت للأبرار عن الأشرار. والمضنونة، لأنها ضن بها عَلَى غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب بن منبه. وفي كتاب الزبير: قيل لعبد المطلب: أحفر المضنونة، ضننت بها عن الناس لا عليك. وقوله: عند نقرة الغراب، الغراب عند أهل التعبير: فاسق وهو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة عَلَى نقرة الأسود الحبشي بمعوله يهدمها حجرًا حجرًا في آخر الزمان، ونعت (ذَلِكَ)(٣) بذي السويقتين(٤)، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه، وكونها عند الفرث (١) هو كتاب: ((ربيع الأبرار ونصوص الأخبار)) لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، قال: هذا كتاب قصدت به إحجام خواطر الناظرين في ((الكشاف)) وترويح قلوبهم المتعبة بإحالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، وقد اختصر هذا الكتاب في كتاب آخر سمي ((أنوار الربيع)). انظر: ((كشف الظنون)) ٨٣٢/١- ٨٣٣. (٢) في هامش الأصل: لعله أو البثّ: حتى. قلت: وبها يستقيم المعنى. والله أعلم. (٣) من (م). (٤) سلف برقم (١٥٩٥) كتاب: الحج، باب: هدم الكعبة، من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((كأني به أسود أفحج يقلعها حجرًا حجرًا)). وسلف أيضا برقم (١٥٩١) باب: قول الله تعالى: جعل الله الكعبة البيت، وروئ مسلم (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)). ٤٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والدم؛ لأن ماءها طعام طعم وشفاء سقم، ولما شرب له كما سلف، فهي كاللبن الخارج من بين فرث ودم خالصًا سائغًا لشاربه، وكونها عند قرية النمل؛ لأنها هي عين مكة التي يردها الحاج من كل جانب، فيحملون إليها البر والشعير وغير ذَلِكَ، وهي لا تحرث ولا تزرع، وكذلك قرية النمل تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب(١). وسميت زمزم لما ذكر الكلبي في ((بلاده)) عن الشرقي؛ لأن بابل بن ساسان حيث سار إلى اليمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة في موضع بئر زمزم، فلما احتفرها عبد المطلب أصاب السيوف والحلي، فبه سمیت زمزم. وفي ((الاشتقاق)) للنحاس، عن أبي زيد: (الزمزة)(٢) من الناس: خمسون ونحوهم. وقال ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب؛ لئلا يأخذ الماء يمينًا وشمالًا، ولو تركت لساحت عَلَى وجه الأرض حَتَّى تملأ كل شيء. وعن ابن هشام: الزمزمة عند العرب: الكثرة والاجتماع. وذكر المسعودي أن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، والزمزم صوت يخرجه الفرس من خیاشیمها. وقال الحربي: سميتْ بزمزمة(٣) الماء حولها، وهو حركته. (١) ((الروض الأنف)) ١٦٦/١ - ١٦٩ بتصرف. (٢) كذا الأصل؛ والصحيح (الزِّمْزِمة). انظر: ((تهذيب اللغة)) ١٥٥٩/٢، مادة (زمزم)، ((المخصص)) ٣١٤/١. (٣) ورد في هامش النسخة (م) ما نصه: قال ابن هبيرة في آخر مصنف فتاوى له: خاتمةٌ: أخبرني بعض مشايخنا - رحمه = ٤٦٣ كِتَابُ الحَجّ وفي كتاب أبي عبيد قَالَ بعضهم: إنها مشتقة من قولهم: ماء زمزوم وزمزام، أي: كثير، وهو ما في ((الموعب)): زمزم وزمازم(١)، وهو الكثير. قَالَ البكري في ((معجمه)): وهو بفتح الأول وسكون الثاني وفتح الزاي الثانية، ويُقال: بضم الأول، وبفتح الثاني مخففًا ومشددًا وكسر الزاي الثانية(٢)، فهذِه ثلاثة أوجه. وقال الأزهري في ((تهذيبه))، عن ابن الأعرابي: زَمْزَم، وَزَمَّم، وَزُمَّزم. قلتُ: ولها أسماء أخر: رَكْضَة جبريل، وهزمة الملك، والشَّبَّاعة(٣). وحكى الزمخشري ضم الشين(٤)، وهمزة جبريل بتقديم الميم وتأخيرها بعد الزاي، وتكتم، ذكره صاعد في ((الفصوص)) وغير ذَلِكَ. ومقصود البخاري: أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، لفضله = الله تعالى- قال: وزنت ماء زمزم بماء عين مكة، فوجدت زمزم أثقل، من ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبًّا وشرعًا، لا جرم أن فيها معنى زائدًا على المياه، وهو أنها طعام طعم وشفاء سقم، وفيها للأبدان ما في الأمراق من التغذية والتقوية وإطفاء نار الحُمِّيَّت، وقد روي: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم)) قال: ومن خواصها أن البيت المشرف لما أتصف بصفة من صفات الله تعالى، وهي: الأولية، قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَلَّةَ﴾ شاركته زمزم في هذِه الصفة فكانت أول رزق استجيب في دعوة إبراهيم الَيْرُ ﴿وَأَرْزُقْهُم ◌ِنَ الثَّمَرَتِ﴾ فهي أول ثمرة، كذا قال.اهـ فالله أضفى ما تعالجي النديم شفيت يا زمزم داء السقيم الشيب مثل الفطيم أصبح للأشواق إليك بعد يا من غلت بمور أعطى المشتري فكأنه إلا لدى الكوثر. يا زمزم الطبيبة المخبر رضيع أخلاقك أشتهي (١) في (ج): زمزام. (٢) ((معجم ما استعجم)) ٢/ ٧٠٠ - ٧٠١. (٤) ((الفائق)) ٢٢٠/٢. (٣) ((تهذيب اللغة)) ١٥٥٩/٢. ٤٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وبركته، وقد نص أصحابنا عَلَى شربه. قَالَ وهب بن منبه: نجدها في كتاب الله، شراب الأبرار، وطعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزح ولا تزم، من شرب منها حَتَّى يتضلع أحدثت له شفاء وأخرجت منه داء. وروى ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في الحج(١)، ولعله لئلا يظن أن شربه من الفرض اللازم، وقد فعله أولًا مع أنه كان شديد الأتباع للآثار بل لم يكن أحد أتبع لها منه. قَالَ معمر، عن الزهري: إن عبد المطلب لما أنبط ماء زمزم بنى عليه حوضًا فطفق هو وابنه الحارث ينزعان فيملآن ذَلِكَ الحوض، فيشرب منه الحاج، فيكسره الناس من حسدة قريش بالليل، ويصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه، فأُرِي في المنام فقيل له: قل: اللَّهُمَّ إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي للشارب حل وبل، ثم كفيتهم، فقام فنادى بالذي أري، فلم يكن أحد يفسد عليه حوضه ليلًا إلا رُمي بداء في جسده، ثم تركوا له حوضه وسقايته. قَالَ سفيان: بل حل محل. وفيه: الشرب قائمًا كما سلف، وحلف عكرمة على نفیه، وقد ثبت شربه قائمًا(٢). وقوله: ((فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ)). وفي رواية أخرى: ((في المسجد الحرام)) ومحل الخوض فيه الإسراء، وقد سلف. (١) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٦١/٢ (١١٥٠). (٢) سيأتي برقم (٥٦١٥ - ٥٦١٧) كتاب: الأشربة، باب: الشرب قائمًا من حديث علي وابن عباس ما يثبت أنه ﴿ شرب قائمًا. ٤٦٥ = ڪِتَابُ الحَجّ فرع : يُكره أن يستعمل ماء زمزم في نجاسة. وقال الماوردي: يحرم الاستنجاء به. وفي غسل الميت به قولان عند المالكية (١)، قَالَ ابن شعبان منهم: لا يستعمل في مرحاض، ولا يخلط بنجس، ولا يُزال به نجس، ويتوضأ به، ويتطهر من ليس بأعضائه نجس، ولا يغسل به ميت -بناء عَلَى أصله في نجاسة الميت- ولا يقرب ماء زمزم بنجاسة، ولا یستنجی به. وذُكر أن بعض الناس استعمله في ذَلِكَ فحدث به الباسور، والناس وأهل مكة وغيرهم عَلَى إبقاء ذَلِكَ إلى اليوم. (١) انظر: ((المنتقى)) ٤/٢، ((حاشية الدسوقي)) ٤٠٧/١. ٤٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٧ - باب طَوَافِ القَارِنِ ١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَه فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدٌْ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا)). فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَزْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ بَِّّ: ((هذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ)). فَطَافَ الذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى، وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٤٩٣/٣] ١٦٣٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما دَخَلَ ابنهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ : إِنّ لَا آمَنُّ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ. فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وََّ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَّ قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتٍ حَجًّا. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا. [١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤٩٤/٣] ١٦٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَرَادَ الَحَجَّ عَامَ نَزَلَ الَحَجَّاجُ بِبْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْتَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذَا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وََّ، إِّ أُشْهِدُكُمْ أَنْ قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَّ قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَقٍ. وَأَهْدِى هَذْيَا أَشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْخَزِ، وَلَمْ يَجِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَخْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّز حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّخْرِ، فَتَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأى ٤٦٧ كِتَابُ الحَجّ = أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَرَ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤٩٤/٣] ذکر فیه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث بطوله. كما سلف في باب: كيف تهل الحائض والنفساء (١). ثانیھا: حديث نافع : أَنَّ ابن عُمَرَ دَخَلَ ابنهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ .. ، فذكر إيجابه الحج والعمرة والإحصار، وقد سلف أيضًا، إلا الإحصار. ثالثها : حديثه أيضًا عن ابن عمر أنه أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ .. الحدیث بطوله. وأخرجه والذي قبله مسلم أيضًا (٢)، وأسلفنا هناك اختلاف العلماء في حكم طواف القارن، وأن الثلاثة قالوا: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وبه قَالَ ابن عمر، وجابر بن عبد الله اعتمادًا عَلَى أحاديث الباب خلافًا لأصحاب الرأي. قَالَ ابن بطال: وروي ذَلِكَ عن الشافعي أيضًا وهذا غريب عنه(٣)، واحتجوا بأن العمرة إذا أفردها لزمته أفعالها. (١) سلف برقم (١٥٥٦). (٢) مسلم (١٢٣٠) كتاب: الحج، باب: بيان جواز التحلل بالإحصار. (٣) انظر: ((البيان)) ٣٧١/٤، ((أسنى المطالب)) ٤٦٢/١، ((نهاية المحتاج)) ٣٢٣/٣. ٤٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فلم يكن ضمها إلى الحج موجبًا لسقوط جميع أفعالها، دليله التمتع، وهو منتقض بالحلق؛ لما كان عليه حلاقتان كان عليه طوافان. ولما كان القارن يكفيه حلق واحد، كفاه طواف واحد، فإن قيل: القياس منتقض؛ لأن المستحق في الحلق عن كل إحرام مقدار الربع، فمتى حلق جميع رأسه فقد أتى بما يقع عليه لكل واحد منهما، ولأنه يجري الموسى عَلَى رأسه بعد الحلق، فيقوم مقام الحلق الآخر عند العجز. وجوابه: ما يقولون: إذا اقتصر القارن عَلَىْ حلق ربع رأسه، ولم يتجاوزه، ولم يجر الموسى عَلَى رأسه، هل يجزئه أو يحتاج إلى زیادة ربع آخر؟ فإن قلتم به فليس مذهبكم، وإن كفاه واحد فقد ثبت ما قلناه، وأيضًا فإن القارن إذا قتل صيدًا واحدًا فعليه جزاء، والحجة لهم لازمة؛ بحديث عائشة وابن عمر؛ لأنهم يأخذون بحديث عائشة في رفض العمرة مع احتماله في ذَلِكَ للتأويل، ويتركونه في طواف القارن، وهو لا يحتمل التأويل. وقول ابن عمر: (إذن أصنع كما صنع رسول الله (وَّر) يعني: حين صُدَّ عام الحديبية فحلق، ونحر، وحل، فلم يُصد ابن عمر، فقرن الحج إلى العمرة، وكان عمله لهما واحدًا، وطوافًا واحدًا. وقد احتج أبو ثور لذلك فقال: لما لم يجز أن يجمع بين عملين إلا الحج والعمرة فأجزنا ومن خالفنا لهما سفرًا واحدًا وإحرامًا واحدًا وكذلك التلبية كان كذلك يجزئ عنهما طواف واحد، وسعي ٤٦٩ كِتَابُ الحَجِّ = واحد (١)، وابن عمر ﴾ لما أحرم علم بالعدو ولم يعلم هل يصده أم لا. ومنصوص مذهب مالك: أن من أحرم بعد علمه بالعدو أنه لا يحل بحال لأنه ابتدأه بعد علمه به، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون(٢) ويبينه أنه وَ لو لم يتيقن الصد؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة، ولم تكن قريش تمنع من قصدها. وذكر عروة، عن عائشة: أنها أهلتْ بعمرة، وقد سلف، وأنها لم تتمادى عليها؛ لأنها حاضت، وقد تريد بهذا: أهل غيري، وتريد أنه وَليره لم يهل بها، إذ لو أهل بها لبدأت بذكره. وقوله: (وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). روي أنهم طافوا طوافين، وسعوا سعيين، والأول أثبت، وعليه عوام العلماء، وقد سلف. وقوله: (وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ) يعني: بعيره. وقوله: (فقال: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ). قَالَ ابن التين: بعد أن ذكره بلفظ: لا إیمن، أصله: لا أمن بفتح الألف، فكسروها؛ لأن الماضي عَلَى فعل بالكسر، والعرب تكسر أول مستقبل فعل، إلا أن يكون ياء، نحو: أنت تعلم، وأنا إعهد، وإخاف ربي، وإخال، ولا يكسرون أول مستقبل فعَل بالفتح، إلا أن يكون فيه حرف حلق، فيقولون: أنا إذهب، وإلحق، وهي لغة تميم، وقيل أنه أمال، وفي بعض الكتب: إني لا أيمن، بفتح الهمزة، ولا أعلم له وجهًا. (١) ((شرح ابن بطال)) ٣١٨/٤- ٣٢٠. (٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٣٣/٢. ٤٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله في الحديث الثالث: (أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً) إلى أن قَالَ: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَىْ أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ). لعله يريد بطوافه الأول أنه لما قدم طاف وسعى مرة واحدة، وذلك الطواف ليس من أركان الحج، وإنما هو طواف القدوم، وإنما الواجب لهما طواف الإفاضة الذي يفعله يوم النحر أو بعده، ومخرج هذا الإشكال ما ذكره الداودي، قَالَ: يعني قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول يعني: الذي معه سعي. وقوله: (كَذَلِكَ صنعِ رَسُولُ اللهِ وَل﴿) يُحتمل أنه يريد أنه قرن، ويحتمل أن يريد صنعنا كما صنعنا مع رسول الله إليه. وقوله: (ولم يزد عَلَى ذَلِكَ) يعني: ولم يزد عَلَى السعي، ولكن طاف طواف الإفاضة. وأما الصد المذكور في حديث ابن عمر، فلنتكلم عليه هنا؛ ليُحالَ فيما بعدُ عليه، فنقول: اختلف العلماء في المحصر في الآية الكريمة، بالعدوِّ أو بالمرض؟ فمن قَالَ بالأول احتج بذكر المرض فيه، فلو كان المحصر هو المحصر بمرض، لما كان لذكر المرض بعد ذَلِكَ فائدة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن قَالَ بالثاني قَالَ: لا يُقال: أحصر في العدو، وإنما يقال: حصره العدو، وأحصره المرض، وإنما ذكر المرض بعد ذَلِكَ؛ لأنه صنفان: صنف محصر، وغير محصر، وقال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: من المرض، وعكس ذَلِكَ، فأحصر بالعدو، وحصر بالمرض؛ لأن العدو إنما عرض للإحصار، والمرض فاعله. وعند الحنفية: أن كل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى الحرم ٤٧١ كِتَابُ الحَجِّ = لإتمام حج أو عمرة من خوف أو مرض أو سلطان فهو محصر، أي: ممنوع(١). والإحصار لغة: المنع، وإليه ذهب ابن حزم(٢)، حيث قَالَ: اختلف الصحابة فمن بعدهم في الإحصار، فرُوِّينا عن ابن عمر أنه قَالَ: لا إحصار إلا من عدو (٣)، وفي مسلم عن البراء: لما أحصر رسول اللهِ وَله عن البيت .. الحديث(٤). وقال إبراهيم النخعي: الإحصار من الخوف والمرض والكسر، وقال عطاء: من كل شيء يحبسه، وسيأتي في البخاري في بابه(٥). وقال ابن مسعود: هو المرض والكسر وشبهه. وعن ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو(٦)، وقال طاوس: لا حصر إلا أن (يذهب)(٧) الحصر. (١) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٧١، ((بدائع الصنائع)) ١٧٥/٢، ((حاشية ابن عابدين)) ٢/ ٥٩٠. (٢) ((المحلى)) ٢٠٣/٧ - ٢٠٤. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٦/٣ (١٣٥٥٣) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون. (٤) مسلم (١٧٨٣) كتاب: الجهاد، باب: صلح الحديبية. (٥) سيأتي معلقًا في أول كتاب المحصر، ووصله ابن أبي شيبة ٢٠٦/٣ (١٣٥٥٢) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون. عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس. (٦) رواه الطبراني ٢٢١/٢ (٣٢٤٠ - ٣٢٤٢) وابن أبي حاتم ٣٣٦/١ (١٧٦٨)، والبيهقي ٢١٩/٥، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٤٩١/٧ (١٠٧٩٥)، وعزاه في ((الدر المنثور)) ٣٨٤/١ لسفيان بن عيينة، والشافعي في ((الأم)) وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (٧) عليها في الأصل: كذا. ٤٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وعن علقمة: الحصر: الخوف والمرض (١)، وعن عروة: الحصر ما حبسه من وجع، أو خوف، أو ابتغاء ضالة(٢). وعن الزهري: الحصر ما حصره من وجع أو عدو حَتَّى يفوته الحج. قَالَ: وقد فرق قوم بين الإحصار والحصر، فروينا عن الكسائي: أنه قال: ما كان من المرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حُصِر. وعن أبي عبيدة: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وبه قَالَ أبو عبيد. قَالَ ابن حزم: هذا لا معنى له، وقول ربنا هو الحجة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنما نزلت في الحديبية، إذ منعه الكفار من إتمام عمرته، فسماه تعالى: إحصارًا، وكذلك قَالَ البراء وابن عمر والنخعي، وهو في اللغة قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائي، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فهذا هو منع العدو بلا شك؛ لأن المهاجرين إنما منعهم في الأرض الكفار، وبيَّن ذَلِكَ -جل وعز- بقوله: ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحَّ أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان عَلَى كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذَلِكَ(٣). وقال الفراء: لو نويت بقهر السلطان أنها علة مانعة، ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز أحصر، ولو قلت في أحصر من المرض وشبهه أنه حصره، جاز حصر. (١) رواه الطحاوي ٢٥١/٢. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٦/٣ (١٣٥٥٤)، وابن جرير ٢٢٠/٢ (٣٢٣٧). (٣) انتهى من ((المحلى)) ٢٠٣/٧ - ٢٠٤. ٤٧٣ كِتَابُ الحَجّ - وقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] ويُقال: إنه المحصر عن النساء لأنها علة، وليس بممنوع محبوس، وعلى هذا فابنٍ. قَالَ الرماني(١) في ((اشتقاقه)): الأصل فيه الحبس، ومعنى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: منعتم من علة أو عائق. وذكر الزجاج في ((معانيه)): أن الرواية عن أهل اللغة أنه يُقال للذي يمنعه خوف أو مرض من التصرف: أحصر فهو محصر، وللرجل الذي حبس : حصر فهو محصور. ورد كلام الفراء وقال: الحق فيه ما عليه أهل اللغة؛ لأن الممنوع من التصرف حبس نفسه، فكأن المرض أحبسه أي: جعله يحبس نفسه، وتقول: حصرتُ فلانًا، إنما هو حبسته لا أنه حبس نفسه، فلا يجوز فيه أحصر، وإلى هذا ذهب ثعلب وشراحه، وفي ((نوادر اليزيدي)): حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني، لغة بني أسد. وقال أبو عبيدة، عن يونس: حصرته وأحصرته لغتان، قَالَ: ولم نجد أحصرته. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: إذا حبسته عن الذهاب في كل وجهٍ فقد حصرته، وإن حبسته عن التقدم خاصةً فقد أحصرته. (١) هو العلامة أبو الحسن، علي بن عيسى الرماني النحوي المعتزلي، أخذ عن الزجاج وابن دريد، صنف في التفسير واللغة والنحو والكلام، وشرح ((كتاب سيبويه)) شرحًا كبيرًا، وله كتاب ((الاشتقاق))، وكتاب ((التصريف))، وكان مع اعتزاله يتشيع ويقول: علي أفضل الصحابة. كان أبو حيان التوحيدي يبالغ في تعظيم الرماني حتى قال: إنه لم ير مثله قط علمًا بالنحو وغزارة في الكلام توفي -غفر الله له- في جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، عن ثمان وثمانين سنة. انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ١٦/١٢، ((وفيات الأعيان)) ٢٩٩/٣، ((تاريخ الإسلام)» ٢٧/ ٨٢، ((سير أعلام النبلاء)» ٥٣٣/١٦ (٣٩٠). ٤٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال النحاس: جميع أهل اللغة عَلَى أن الإحصار إنما هو بالمرض ومن العدوِّ، لا يُقال: إلا حصر(١). والمحصر لا يتحلل إلا بالذبح عند الحنفية والحنابلة(٢)، وعندنا به وبنية التحلل، وكذا الحلق إن جعلناه نسگًا. وقال مالك: لا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي ساقه(٣). وذهب أبو حنيفة في جماعة إلى أن الإحصار يكون في العمرة (٤) أيضًا (٤). وقال ابن القاسم: ليس للعمرة حد بل يتحلل، وإن لم يخش، الفوات(٥). ولا يجوز ذبح الإحصار إلا في الحرم في الحج والعمرة، قاله أبو حنيفة(٦). قَالَ الرازي في ((أحكامه)): وهو قول ابن مسعود وابن عباس -إن قدر عليه- وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والنخعي والثوري. وقال الشافعي ومالك وأحمد: يذبح في العمرة هديه حيث (٧) أحصر(٧). (١) (معاني القرآن)) للنحاس ١١٧/١. (٢) أنظر ((البناية)) ٣٨٦/٤، ((البحر الرائق)) ٩٥/٣، ((حاشية ابن عابدين)) ٥٩١/٢، (البيان)) ٣٩٣/٤، ((روضة الطالبين)) ١٧٤/٣، ((المستوعب)) ٣٠١/٤، ((كشاف القناع)) ٥٢٥/٢- ٥٢٦. (٣) ((التاج والإكليل)) ٢٩٢/٤، وانظر: ((المنتقى)) ٢٧٣/٢، ((الاستذكار)» ٧٩/١٢. (٤) ((الأصل)) ٢ / ٤٦٢. (٥) ((شرح منح الجليل)) ٥٥٨/١. (٦) (البناية)) ٣٨٧/٤، ((الفتاوى التاتار خانية)) ٥٣٥/٢. (٧) ((الاستذكار)) ٨٣/٢، ((الأخيرة)) ١٨٧/٣، ((البيان)) ٣٩٤/٤، ((المجموع)» ٨/ ٣١٩، ((المستوعب)) ٣٠٨/٤، ((المغني)) ١٩٨/٥. ٤٧٥ - كِتَابُ الحَجّ = وعن أحمد في الحج روايتان: الأولى: تختص بيوم النحر(١)، وعندنا إذا أمكنه ذبحه في الحرم لا يجوز ذبحه في غيره في أحد الوجهين(٢). وأجمعوا أنه لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبحه في الحل، وبالعكس يجوز بلا خلاف، واستدلوا بأنه وَه وأصحابه عام الحديبية لما أحصروا في ذي القعدة سنة ست نحروا هداياهم بها، وهي من الحل. والحنفية استدلوا بقوله تعالى: ﴿حَّ بَتْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فلو كان محله حيث أحصر لم يكن لقوله: ﴿مَجِلَّمُ﴾ معنى؛ لأنه يكون قد بلغ محله في كل موضع أحصر فيه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَجِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وهو عام في كل هدي، وهو بيان المحل المجمل. وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: (أن يبلغ الهدي محله)(٣) أي: وصدوا الهدي أن يبلغ محله. وفي النسائي بإسناد جيد أنه وسلِّ قَالَ له ناجية بن جندب الأسلمي حين صد الهدي: يا رسول الله، أبعث به معي أنا أنحره، قَالَ: (الو کیف؟)) قَالَ: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، فدفعه رسول الله ◌َێ، فانطلق به حَتَّى نحره في الحرم(٤). (١) ((المسائل الفقهية)) ٢٩٦/١. (٢) ((البيان)) ٣٩٤/٤، ((روضة الطالبين)) ١٧٥/٣. (٣) كذا في الأصل و(م)، والتلاوة: ﴿حَّ ◌َلُغَ اَلْهَدَىُ مَحِلَّمْ﴾. (٤) ((السنن الكبرى)) ٤٥٣/٢ (٤١٣٥) كتاب: الحج، باب: هدي المحصر، ورواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٢/٢. ٤٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وذكر الطحاوي، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أنهما ذكرا أن خباء رسول الله ولو كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقال مالك: الحديبية من الحرم، حكاه صاحب ((المطالع)) عنه، وقال ابن القصار: بعضها الحل. وذكر علي بن الجعد، عن أبي يوسف: سألتُ أبا حنيفة عن الحصر في الحرم، قَالَ: لا يكون محصرًا، قلتُ: فرسول الله وَلِّ أحصر بالحديبية وهي من الحرم. فقال: إن مکة کانت دار حرب والآن دار إسلام(١). ويجوز ذبحه قبل يوم النحر في العمرة بالاتفاق، وكذا في الحج عند أبي حنيفة، وخالفه صاحباه والثوري وأحمد في رواية الأثرم وحنبل، فقالوا: لا يجوز قبل يوم النحر، ولا يحتاج إلى الحلق، بل يتحلل بالذبح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يحلق، فإن لم يحلق فلا شيء عليه. وروي عنه دم(٢). وعن أحمد روايتان، وكذا عن مالك والشافعي، ولا بدل له عند الحنفية(٣)، والأظهر عند الشافعي: نعم، وأنه طعام بقيمة الشاة(٤)، ومالك في أحد قوليه، وفي الآخر: يصوم عشرة أيام كالمتمتع، وهو قول أحمد(٥). (١) ((المبسوط)) ١١٤/٤، ((شرح فتح القدير)) ١٣٤/٣ - ١٣٥. (٢) ((مختصر الطحاوي)) ص٧٢، ((البناية)) ٣٨٧/٤، ((المستوعب)) ٣٠٣/٤، ((المغني)) ١٩٨/٥. (٣) ((شرح فتح القدير)) ١٣٤/٣. (٤) ((البيان)) ٣٩٦/٤، ((روضة الطالبين)) ١٨٦/٣. (٥) ((الذخيرة)) ١٨٩/٣، ((المغني)) ٢٠٠/٥، ((الفروع)» ٥٣٣/٣. ٤٧٧ = ڪِتَابُ الحَجّ وكان عطاء يقول: إذا عجز عن الهدي ينظر إلى قيمته فيطعم به لكل مسكين نصف صاع من برٍ أو يصوم (١). قَالَ أبو يوسف: وهذا أحبُّ إليَّ(٢). وقال الزهري وعروة: لا إحصار عَلَى أهل مكة(٣). قَالَ أبو يوسف: إن غلب العدو فحال بينه وبين البيت فهو محصور (٤). وفي ((شرح الهداية)): الأصح أنه إن مُنع من الوقوف والطواف فهو محصر، وإن لم يمنع من أحدهما فلا(٥). وذهب بعضهم إلى أنه لا إحصار اليوم؛ لزوال الشرك عن جزيرة العرب، وهذا شذوذ فإن العدو لم يزل، فإن حبسه السلطان تحلل عند الجماعة، خلافًا لمالك(٦). والحاج عن غيره إذا أحصر يجب عَلَى الآمر دم للإحصار عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عَلَى الحاج(٧). وقال عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام: إن العدوَّ والمرض سواء، لا يحل المحصر منهما إلا بالطواف. قَالَ الرازي: لا نعلم لهما موافقًا من فقهاء الأمصار، ويتحقق الإحصار عند أبي حنيفة بعد الإحرام. (١) ((المبسوط)) ٤/ ١١٣. (٢) انظر: ((البناية)) ٣٨٧/٤. (٣) ((البناية)) ٣٨٨/٤. (٤) ((المسبوط)) ١١٤/٤، ((شرح فتح القدير)) ١٣٥/٣. (٥) ((شرح العناية على الهداية)) ١٣٥/٣. (٦) ((البناية)) ٣٨٩/٤. (٧) ((البناية)) ٤/ ٣٩٠. ٤٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال مالك: لا يكون محصرًا حَتَّى يفوته الحج، إلا أن يدركه فيما بقي فيتحلل في مكانه(١). وفي ((شرح الموطأ)) لأبي عبد الله القرطبي: من أحصر بمرض أو كسر أو عرج فقد حل في موضعه ولا هدي، وعليه القضاء، وعزاه إلى أبي ثور تعلقًا بحديث الحجاج بن عمرو، وخالف بذلك الجماعة. وحديث الحجاج حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم عَلَى شرط البخاري بلفظ: ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل)). وفي لفظ أبي داود: ((أو مرض)». قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذَلِكَ فقالا: صدق(٢). وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: ثبت عن ابن عباس أنه قَالَ: لا حصر إلا حصر العدو(٣)، فكيف بهذه الرواية؟! وتأوله بعضهم إنما يحل بالكسر إذا كان قد اشترط ذَلِكَ في عقد الإحرام عَلَى معنى حديث ضباعة المشهور(٤)، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن الاشتراطها معنى(٥) (٦). (١) ((مواهب الجليل)) ١٩٧/٣. (٢) سيأتي تخريج هذا الحديث بإستيفاء في باب: إذا أحصر المعتمر، من كتاب المحصر، حديث (١٨٠٦ - ١٨٠٩) فانظره. (٣) تقدم تخريجه، وسيأتي أيضًا. (٤) سيأتي برقم (٥٠٨٩) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم (١٢٠٧ - ١٢٠٨) كتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه. (٥) في هامش الأصل تعليق نصه: آخر ٣ من ٧ من تجزئة الشيخ. (٦) ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري ٣٦٨/٢. ٤٧٩ كِتَابُ الحَجِّ = ٧٨ - باب الطوَافِ عَلَى وُضُوعٍ ١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنٍ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْقَلِ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُزْوَةَ بْنَ الزَُّيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ وََِّّ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ عَ﴾، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ عُه فَرَأَيْتُهُ أَوَلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَّرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبي - الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ- فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْهَاجِرِينَ وَالأَنَّصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابن عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وهذا ابن عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَشْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِثَانِ بِشَيْءٍ أَوَلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ. [انظر: ١٦١٤ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٤٩٦/٣] ١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَثِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَقُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلَّوا. [انظر: ١٦١٥ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٤٩٧/٣] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةً بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ وَهَ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. الحديث. وقد سلف في باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة(١). وفيه: ما ترجم به أن سنة الطواف أن يكون عَلَى طهارة. (١) برقم (١٦١٤ - ١٦١٥). ٤٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واتفق جمهور العلماء عَلَى أنه لا يجزئ بغير طهارة كالصلاة(١)، وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة كما أسلفته هناك، فقال: إن طاف بغير طهارة فإن أمكنه إعادة الطواف أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بالدم(٢)، وحجة الجماعة هذا الحديث، وفعله للوجوب إلا أن تقوم دلالة، وأيضًا فإن فعله خرج مخرج البيان لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ اٌلْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ لأن الطواف مجمل يحتاج إلى بيان صفته؛ لأنه يقتضي طوفة واحدة، وقد تقدم تسميته صلاة، وقد يكون في الشرع صلاة لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة، لا يقال: فينبغي أن يكون لها تحريم وتسليم، لأنه ليس كل ما كان صلاة يحتاج إلى ذَلِكَ؛ لأن كثيرًا من الناس من يقول في سجود السهو أنه صلاة ولا يحتاج إلى ذَلِكَ، وكذلك سجود التلاوة إذا كان في صلاة. وحديث صفية لما حاضت فقال: ((أحابستنا هي؟)) فقيل: قد أفاضت، فقال: ((فلا إذَّا))(٣) حجة لنا؛ فلو كان الدم يقوم مقام طوافها بغير طهارة لكان ◌َّي لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن تطهر ثم تطوف. فإن قلت: إن الطواف -أعني: طواف الزيارة- لا يصح الحج إلا به، فلا يحتاج إلى طهارة كالوقوف بعرفة. (١) انظر: ((الاستذكار)) ١٧١/١٢. (٢) ((المبسوط)) ٣٨/٤، ((بدائع الصنائع)) ٣٨/٢. (٣) سيأتي برقم (١٧٥٧) كتاب: الحج، باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، ورواه ومسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.