النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ - ڪِتَابُ الحَجّ وللدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه: ((من أكل كراء بيوت مكة أكل نارًا)) رواه عنه ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار، ولم یدر که(١). وفي ((المصنف)) عن مجاهد قال النبي بَير: ((مكة حرم حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها)»(٢). وكان عطاء يكره إجارة بيوتها، والقاسم، وعبد الله بن عمرو (٣)، وروي عن (محمد)(٤) بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب(٥). قال السهيلي: وهذا كله منتزع من أصلين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَّةَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارٍ﴾ [الحج: ٢٥]وقال ابن عباس وابن عمر: الحرم كله مسجد(٦). الثاني: أنه القَّ دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء، = وجريان الإرث فيها. (١) (سنن الدارقطني)) ٢٩٩/٢ - ٣٠٠ كتاب: الحج، باب: المواقيت من حديث المعتمر بن سليمان عن أبي إسرائيل عن عبيد الله بن أبي زياد عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو .. الحديث. ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) ٢٠٨/٥ (٢١٨٦). (٢) ((المصنف)) ٣١٤/٣ (١٤٦٧٦) كتاب: الحج، من كان يكره كراء بيوت مكة وما جاء في ذلك. (٣) ((المصنف)) ٣١٤/٣-٣١٥ (١٤٦٧٨، ١٤٦٧٩، ١٤٦٨١). (٤) في (م): مجاهد. (٥) ((المصنف)) ٣١٥/٣ (١٤٦٨٣) من حديث جعفر عن أبيه قال: ثم يكن لدور مكة أبواب ... (٦) انظر: ((زاد المسير)) ٤١٩/٥، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٣١/٤ إلى عبد بن حميد. ٣٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === لأنها مخالفة لغيرها من وجهين: أولهما: ما خص الله به رسوله حيث قال: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ثانيهما: ما خصَّ الله به مكة من أنه لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد أفتتح بلدًا أن يسلك بها سبيل مكة، فأرضها إذًا ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله تعالى عليهم أن يوسعوا على الحجاج إذا قدموها من غير كراء فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا، وإن كان ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة. وقال ابن شعبان: أجمعوا أنّ النبي ◌َّ لم يجعلها فيئًا كغيرها. وقال الطحاوي: عن أبي يوسف لا بأس ببيع أرضها وإجارتها كسائر البلدان، ذكر ذلك بعد أن قال: اختلف العلماء في بيعها وكرائها. فروي عن عطاء ومجاهد وطاوس أنه لا يحل بيع أرض مكة، ولا كراؤها، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومحمد(١). وكره مالك بيعها وكراءها، وخالفهم آخرون فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها كسائر البلدان، هذا قول أبي يوسف، وذكره ابن المنذر عن الشافعي، وعن طاوس إباحة الكراء (٢)، وقال مجاهد: لا أرى به بأسًا. ذكره ابن أبي شيبة(٣)، وحكي عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة يسكنها بني ويسكنها من (١) (شرح معاني الآثار)) ٤٩/٤. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣١٥/٣ (١٤٦٨٤) كتاب: الحج، من رخص في کرائها. (٣) ((المصنف)) ٣١٥/٣ (١٤٦٨٥). ٣٢٣ ـ كِتَابُ الحَجِّ أحبوا (١). وكان أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في الموسم، ولا يرى بأسًا بالشراء، واحتج بأن عمر أشترى دار السجن بأربعة آلاف درهم(٢). واحتج من أجاز بيعها وكراءها بحديث أسامة، لأنه (٣) ذكر ميراث عقيل لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور(٤). وقال الشافعي: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه(٥). قال الطحاوي: واعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء، لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء، ولا يحتجر منه موضعًا، وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك، وجميع الناس فيها سواء، ألا ترى أنَّ عرفة لو أراد [رجل(٦) أن يبني في الموقف بناءً لم يكن له ذلك، وكذا منى، وقد قال الظُّ لمَّا قيل له: ألا تتخذ لك بمنى بيتًا تستظل به؟ («لا، منى مُناخُ من سبق)) حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم (٧). وكذا فعلت عائشة لمَّا (١) ((المصنف)) ٣١٥/٣ (١٤٦٨٦). (٢) رواه البخاري معلقًا قبل حديث رقم (٢٤٢٣) كتاب: الحضومات، باب: الربط والحبس في الحرم، وأسنده ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧/٥ (٢٣١٩١) كتاب: البيوع، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٢٥٤/٣ (٢٠٧٦). (٣) في (م): (أنه). (٤) سبق برقم (١٥٨٨). (٥) انظر: تفصيل المسألة في ((مختصر الطحاوي)) (٤٣٩: ٤٤٠)، («الهداية» ٤٢٩/٤، ((المقدمات)) المطبوع مع ((المدونة)) ٤٦٤/٣، ((عيون المجالس)) ١٥٢٠/٣، ((أنوار البروق)) ٩١/٤، ((روضة الطالبين)) ٤١٣/٣، ((المجموع)) ٢٤٨/٩، ((مختصر خلافيات البيهقي)) ٣٤٦/٣، ((نهاية المحتاج)) ٧٨/٨، ((المغني)) ٦/ ٣٦٤، ((الفروع)» ٢٤٣/٦، ((شرح منتهى الإرادات)) ١٢٠/٣. (٦) ليست في (م) ولا الأصل وأثبتناها من ((شرح معاني الآثار)) ٥/٥. (٧) ((سنن الترمذي)) (٨٨١) كتاب: الحج، ((المستدرك)) ٤٦٦/١-٤٦٧ كتاب : = ٣٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = سُئلت في ذلك(١). وفي كتاب ابن أبي حاتم من حديث منصور بن شيبة عن أمه عن عائشة أنها قالت: لا يوضع حجر على حجر بمنى إلا أن يتخذ الرجل كنيفًا. قال أبي: هو بلا عائشة، وهو منصور عن أبيه أشبه عندي، ومتن الكلام مشهور عن عائشة(٢). ورأينا مكة على غير ذلك قد أُجيز البناء فيها. وقال رسول الله * يوم دخلها: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن))(٣) فأثبت لهم أملاكهم، فصفتها إذًا صفة المواضع التي تجرى فيها الأملاك، وشراء عمر سبق، وقد اشتراه من صفوان، ومحال أن يشتري منه ما لا يجوز له ملكه، وقد ثبت عن الصحابة أنهم كانت لهم الدور بمكة، منهم الصديق، والزبير، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاصي، وصفوان بن أمية وغيرهم، وتبايع أهل مكة لدورهم قديمًا أشهر من أن يخفى. واحتج من كره ذلك بحديث علقمة بن نضلة السالف. قال إسماعيل بن إسحاق: وما تأول مجاهد في الآية وظاهر القرآن يدل على أنه المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دورها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال: ﴿وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: وعن المسجد = المناسك، وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٦٢٠) وانظر: ((شرح معاني الآثار)» ٤/ ٥٠. (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٥٠. (٢) ((علل الحديث)) ٢٧٣/١ (٨٠٨). (٣) تقدم تخريجه. ٣٢٥ كِتَابُ الحَجّ = الحرام، فدل ذلك كله على أنَّ الذي كان المشركون يفعلونه هو التملك عن المسجد الحرام، وادعاؤهم أنهم أربابه وولاته، وأنهم يمنعون منه من أرادوا ظلمًا، وأنَّ الناس كلهم فيه سواء، فأمَّا المنازل والدور فلم تزل لأهل مكة غير أنَّ المواساة تجب عند الضرورة، ولعل عمر فعل هذا على سبيل المواساة عندها. ومناظرة الشافعي مع إسحاق بن راهويه في ذلك مشهور. واعلم أنَّ الروياني في ((بحره)) قال في باب بيع الكلاب: لا يكره بيع شيء من الملك المطلق إلَّا أرض مكة، فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف. وتورع فيه، واستغربت الكراهة، والأحسن أن يقال خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء، والحصر المذكور غير صحيح، فإنَّ بيع المصحف مكروه خلافًا له، وكذا الشطرنج. قال الروياني وغيره: ومحل الخلاف بين العلماء في بيع دور مكة وغيرها من الحرم، وهو في بيع نفس الأرض، وأمَّا البناء فهو مملوك، فيجوز بيعه بلا خلاف. الثالث : قال ابن أبي صفرة: هذا الحديث حجة في أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر، ثم غزا مع المسلمين بلده، أنَّ أهله وماله وولده على حكم البلد، كما كانت دار النبي ◌َّ على حكم البلد، ولم ير الَّر نفسه أحق بها. وهذا قول مالك والليث، وقد سلف. وقال أشهب: ليس بفيء. وقيل: إن ضمه إليهم أهل الحرب ففيء ٣٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وإلا فلا. وسيأتي اختلاف العلماء فيه في الجهاد، في باب: إذا غنم المشركون مال المسلم (١)، وبيان مذاهبهم فيها. الرابع : فيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر وهو قول كافة الفقهاء حاشا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنيفية، وإبراهيم النخعي. فإنهم قالوا: يرثه كالنكاح، كما حكاه ابن التين عنهم. وقال في ((شرح المهذب)): وهو قول العلماء كافة، إلَّا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف أنَّ المسلم يرثه (٢)، وأجمعوا أنَّ الكافر لا يرث المسلم (٣). وعن أحمد: أنَّ اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء. وحكاه الإمام عن علي، وقال: هو غريب لا أصل له(٤). قلت: بل له أصل أصيل، وهو حديث جابر﴾ أنَّ رسول الله وَّ قال: ((لا يرث المسلم النصراني، إلّا أن يكون عبده أو أمته)) أخرجه النسائي وصححه (١) أنظر الأحاديث الآتية برقم (٣٠٦٧ - ٣٠٦٩). (٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) (١٤٢)، ((تكملة البحر الرائق)) ٣٨٦/٩، ((التفريع)) ٢/ ٣٣٥، ((عيون المجالس)) ٤/ ١٩٠٠، ((الاستذكار)) ٤٩٢/١٥، ((المنتقى)) ٦/ ٢٥٠، ((الأم)) ٧٣/٤، ((البيان)) ١٦/٩، ((المغني)) ١٥٤/٩، ((المبدع)» ٢٣١/٦، ((المحلى)) ٣٠٤/٩. (٣) انظر: ((الاستذكار)) ٤٩٠/١٥. (٤) هل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين، فيه روايتان عن الإمام أحمد: إحدهما: يرثه، روي ذلك عن علي، وعمر بن عبد العزيز وبه قال أهل الظاهر، واحتج الإمام أحمد يقول الإمام علي : الولاء شعبة من الرق. وجمهور الفقهاء على أنه لا يرثه مع اختلاف دينها؛ لقول النبي وَّ ر: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)». وهذا أصح في الأثر والنظر كما يقول ابن قدامة أنظر: ((المغني)) ٢١٧/٩. ٣٢٧ ـ كِتَابُ الحَجِّ الحاكم(١)، وسيأتي - إن شاء الله- في الفرائض مبسوطًا. واحتجاج ابن شهاب في الكتاب بالآية مراده أنهم لا يتوارثون مع كافر، ومعنى ﴿هَاجَرُواْ﴾ في الآية إمَّا هجروا قومهم، أو راحوا إلى الحبشة، ثم إلى مكة ثم لا هجرة منها إذا صارت دار أمان. الخامس: قوله إثر حديث أبي هريرة: (وقال سلامة) إلى أن قال: (وقالا: بني هاشم وبني المطلب) إنما أتى به لعدم التشكيك في بني عبد المطلب أو بني المطلب كما أسلفته قبل، ولهذا قال إثره: بنو المطلب أشبه. وقال الداودي: قوله بني عبد المطلب وهم. وقوله: (وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت). لو قال تحالفتا أو تحالفا لكان أوضح، وكان حصر بني هاشم لمَّا بلغ قريشًا فعل النجاشي بجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم، كبر ذلك عليهم وغضبوا وأجمعوا على قتل رسول الله وَلقة، وكتبوا كتابًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري فشلت يده، قاله في ((الطبقات))(٢)، وهو ما في ابن إسحاق أنَّه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد العُزى(٣). وقال الزبير في ((أنسابه)): اسمه بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. (١) ((السنن الكبرى)) ٨٣/٤-٨٤ (٦٣٨٩) كتاب: الفرائض، باب: الصبي يسلم أحد أبويه، ((المستدرك)» ٣٤٥/٤ كتاب: الفرائض، وضعفه الألباني في «الإرواء)» ٦/ ١٥٥ (١٧١٥). (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٨/١-٢١٠. (٣) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ١٣٧ (٢٠٣). ٣٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-= وقال الكلبي: هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم. وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة. وقيل: بل كانت عند أم الجلاس بنت الخربة الخطلية (١) خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شِعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شِعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنَّ الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها من ذكر الله. وفي لفظ: ختموا على الكفر ثلاثة خواتم، وفي لفظ: سنتين، وآخر: سنين، فذكر ذلك سيدنا رسول الله وَله لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني قط- أنَّ الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فلحست ما كان فيها من جور وظلم، وبقى فيها كل ما ذكر به الله (٢)، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته لكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فإذا هي كما قال الكَّل، فسقط في أيديهم، ونكثوا على رءوسهم، فقال (١) كذا بالأصل، وفي ((الطبقات الكبرى)) ٢٠٩/١: أم الجلاس بنت مخرِّبة الحنظلية. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وقع في ابن بطال عكس ذلك: روينا عن أهل السير: لم يترك فيها أسما لله إلا لحسته، وتركت فيها غدركم وظلمكم لنا. وصدق، أهل السير ذكروا القولين. ٣٢٩ كِتَابُ الحَجّ = أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم: مطعم بن عدي، وعدي بن قیس، وربيعة بن الأسود، وأبو البختري بن هاشم(١) وزهير بن أمية، ولبسوا السلاح لهم، ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلمَّا رأت قريش ذلك سقط في أيديهم، وعرفوا أن لن يُسلموهم، وكان خروجهم في الشعب في السنة العاشرة، ثم أذن الظَّفي بالخروج بالهجرة إلى المدينة(٢). والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن السبيل وبه سُمى مسجد الخيف، ويقال: هو وادٍ بعينه وسيأتي في البخاري في الجهاد عن الزهري أنه قال: الخيف: الوادي(٣)، وقيل: هو المحصَّب. (١) كذا في (م) والأصل وفي مصادر التخريج: أبو البختري بن هشام. (٢) أنظر: و((الطبقات الكبرى)) ٢٠٨/١-٢١٠، ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٣٧١/١- ٤٠٧، و(«البداية والنهاية)) ٩١/٣-١١٠. (٣) سيأتي عقب حديث (٣٠٥٨) باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فھي لهم. ٣٣٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤٦- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَ إِذْقَالَ إِبْزَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٧] الآيَةَ. [فتح: ٤٥٤/٣ هذا الباب حذفه شيخنا علاء الدين من شرحه، وأدخله ابن بطال في الباب بعده وجعلهما بابًا واحدًا(١)، وتقدم تفسير الأمن. ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَتِىَّ﴾ قرأه الجحدري بقطع الألف، معناه: اجعلني جانبًا وثبتنا على توحيدك، كقوله: ﴿وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: بسببهن، وهن لا يعقلن. ﴿يَتِكَ﴾: الذي لا يملكه غيرك ﴿المُحرَّم﴾، لأنه يحرم فيه ما يباح في غيره ﴿أَفْئِدَةُ﴾ جمع فؤاد، وهو القلب، أو جمع وفود ﴿تَّهْوِىّ﴾: تحن، أو تهواهم وتنزل عليهم، طلب ذلك ليميلوا إلى سكناها فيصير بلدًا محرمًا أو ليحجوا. قال ابن عباس: لو أن إبراهيم قال: أفئدة الناس لغلبكم عليه الترك والديلم(٢)، ﴿مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ أجابه بما في الطائف من الثمار، ويجلب إليهم من الأمصار. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٧٤. (٢) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٦١/٤ لابن المنذر. ٣٣١ كِتَابُ الحَجّ = ٤٧- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اُلْحَرَامَ ج وَاُلْهَدْىَ وَاَلْقَلَبِدَ﴾ الآية [المائدة: ٩٧] ١٥٩١- حَذَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَغدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ)). [١٥٩٦ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح: ٤٥٤/٣] ١٥٩٢- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. وَحَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَبِ عَبْدُ اللهِ - هُوَ: ابن المُبَارَكِ - قَالَ: أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِ حَقْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ)). [١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٤٥٤/٣] ١٥٩٣- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَذَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ، عَنِ الَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُثْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّل قَالَ: ((لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)). تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ شُغْبَةَ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ)). وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ، سَمِعَ قَتَادَةُ عَبْدَ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ أَبَا سَعِيدٍ. [فتح: ٤٥٤/٣] ثم ذكر حديث أبي هريرة: ((يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحبشةِ)). وحديث عائشة من طريقين: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ ٣٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ)). حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ الحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: (لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)) قال أبو عبد الله: سمع قتادة عبد الله، وعبد الله أبا سعيد، تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ)). وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ. الشرح : أما الآية فقوله: (﴿قِيَمًا﴾) أي: قوامًا لدينهم، وعصمة لهم، وقيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا أو يقومون بشرائعها ﴿وَالشَّهْرَ اُلْحَرَمَ﴾ لا يقاتلون فيه وهو: رجب أو ذو القعدة، أو الأشهر الحرم، ﴿وَأَلْحَدّىَ﴾ كل ما يهدئ للبيت من شيء، أو ما يقلد من النعم، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده، ﴿ وَالْقَلَدْ﴾ قلائد الهدي، أو كانوا إذا حجوا تقلدوا من (لحاء) (١) الشجر ليأمنوا في ذهابهم وإيابهم، أو كانوا يأخذون لحاء سمر الشجر إذا خرجوا فيتقلدونه، ليأمنوا فنهوا عن نزع شجر الحرم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية، ومجانسته هذا للأول أن الذي ألهمهم هذا يعلم ذلك. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا(٢). (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللحاء بالمد والكسر: القشر (٢) (صحيح مسلم)) (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة = ٣٣٣ - كِتَابُ الحَجّ وحديث أبي سعيد من أفراده، وله من حديث ابن عباس يأتي بعد أيضًا: ((كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرً))(١). وأحمد (خ. د. س) السالف هو ابن حفص بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم، قاضي نيسابور، مات سنة ستين، كذا بخط (٢) الدمياطي (٢). وقال غيره: ثماني وخمسين ومائتين، وهو ما في ((الكاشف)) (٣). وإبراهيم هو ابن طهمان، وحجاج هو الأحول الثقة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله ألقاب: الأسود، وزق العسل، والعسلي، وقيل: هما اثنان، وعبد الله هو مولى أنس مصري صدوق، ولأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة بإسناد جيد: ((يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده، وهم الذين يستخرجون كنزه)»(٤). ولأبي نعيم بسند فيه مجهول: «كأني أنظر إلى أصيلع أفدع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة)). ولأحمد من حديث ابن عمرو: ((يسبيها (٥) حليها ويجردها من حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء. = (١) سيأتي قريبًا برقم (١٥٩٥) باب: هدم الكعبة. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله الدمياطي قاله الكلاباذي وأبو علي الغساني وابن خلفون ومحمد بن طاهر وقيل توفي سنة ٢٥٥ وما قاله في «الكاشف، أصح، والله أعلم وبه جزم الذهبي في ((الوفيات)) وقال النسائي ومسلمة ثقة وقال النسائي صدوق لا بأس به. وقد روى له مسلم في غير الصحيح. (٣) ((الكاشف)) ١٩٢/١ (٢٢). (٤) (مسند أبي داود الطيالسي)) ٤/ ١٢٧ (٢٤٩٤). (٥) كذا في الأصل، وفي ((المسند)): يسلبها. ٣٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - كسوتها وكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله)) (١). ولابن الجوزي من حديث حذيفة مرفوعًا: ((خراب مكة من الحبشة على يد حبشي، أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، معه أصحابه، ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها البحر - يعني الكعبة- وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد)). وفي ((غريب أبي عبيد)) عن علي: ((استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع أو أصمع (٢) حمش الساقين قاعد عليها، وهي تهدم)) (٣). ورفعه الحاكم، وفيه: ((أصمع أفدع، بيده معول، وهو يهدمها حجرًا حجرً)) (٤). وذكر الحُليمي: أنَّ ذلك يكون زمن عيسى، وأنَّ الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه، فيبعث عيسى القيمة طائفة بين الثمان إلى التسع. وفي ((منسك الغزالي)) وحكاه ابن التين عن بعضهم: لا تغرب الشمس في يوم إلَّا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلَّا طاف بهذا البيت واحد من الأوتاد، وإذا انقطع (١) ((المسند)» ٢٢٠/٢. (٢) كذا بالأصل، وفي ((غريب أبي عبيد)»: أصعلٍ أصمع. (٣) ((غريب الحديث)) ١٤٠/٢. (٤) ((المستدرك)) ٤٤٨/١، ٤٤٩ كتاب: المناسك، وقال الألباني في ((الضعيفة)) ٢/ ٢٣ (٥٤٤): موضوع، رواه الحاكم وسكت عليه وتعقبه الذهبي قائلًا: حصين واه، ويحيى الحماني ليس بعمدة، وأقول - أي: الألباني -: حصين كذاب كما قال ابن خراش وغيره، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، اهـ. ٣٣٥ كِتَابُ الحَجِّ = ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف ثم من القلوب، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى فيقتله، والساعة عند ذلك كالحامل المقرب ولادتها. وفي كتاب ((الفتن)) لنعيم بن حمَّاد: حدثنا بقية، عن صفوان، عن شريح، عن كعب: يخرج الحبشة خرجةً يهبون فيها إلى البيت، ثم يفزع إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض في أودية بني علي، وهي قريبة من المدينة حتى إنَّ الحبشي يباع بالشملة. قال صفوان: وحدثني أبو اليمان، عن كعب قال: يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله(١). وفيه: يخرجون بعد يأجوج (ومأجوج)(٢). وعن عبد الله بن عمرو : تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، فيبعث عيسى طليعة فيهزمون (٣)، وفي رواية: تهدم مرتين، ويرفع الحجر في المرة الثالثة (٤) ، وفي رواية: ويرفع في الثالثة(٥)، وفي رواية: ويستخرجون كنز فرعون يمنعه من الفسطاط، ويقتلون بوسيم(٦). (١) رواه نعيم بن حماد في ((الفتن)) ٦٧٠/٢ (١٨٧٨)، ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٦). (٢) ساقطة من الأصل والمثبت من مصادر التخريج. (٣) ((الفتن)) ٦٧٠/٢ (١٨٧٩). (٤) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٣٥٩/١ (٧٤٨)، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) ٢/ ٦٧١ (١٨٨٤). (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٦١/٧ (٣٧٢٢٢)، كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٦) ((الفتن)) ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٧). ٣٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي لفظ: فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أو أسبس(١)، وقيل: خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وصححه القرطبي قال: ولا تعارض بين هذا وبين كون الحرم آمنًا؛ لأنَّ تخريبها إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله لا يبقى إلَّا شرار الخلق، فيكون آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. وتحقيقه أنه لا يلزم من الأمن الدوام، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما فقد صدق ذلك. وأما حديث: ((ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة)) فالحكم بالحرمة والأمن لم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها فقد وُجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا(٢). وقال عياض: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [القصص: ٥٧]. أي: إلى قرب . (٣) القيامة وقيل: يخص منه قصة ذي السويقتين. فإن قلت: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الجوزي أن حبس الفيل كان من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ولتتأكد الحجة عليهم، بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الجيش أيضًا دلالة على وجود الناصر. (١) ((الفتن)) ٦٧٢/٢ (١٨٨٨)، ٦٧٤/٢ (١٨٩٣). (٢) ((المفهم)) ٢٤٦/٧. (٣) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٤٥٤. ٣٣٧ = ڪِتَابُ الحَجّ وقال ابن المنير: دخول هذا الحديث تحت ما ترجم له؛ ليبين أن . الأمر المذكور مخصوص بالزمن الذي شاء الله فيه بالأمان، وأنه إذا شاء الله رفعه عند خروج ذي السويقتين، ثم إذا شاء أعاده بعد(١). وقال ابن بطال: حديث أبي هريرة مبين لقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] أي: غير وقت تخريبه، لأنَّ ذلك لا يكون إلاَّ باستباحة حرمتها. وتغلبه عليها، ثم تعود حرمتها ويعود الحج كما أخبر خليله إبراهيم فقال: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ (٣)﴾ [الحج: ٢٧] فهذا شرط الله څ لا ینخرم ولا یحول، وإن کان في خلاله وقت یکون فيه خوف فلا يدوم، ولا بدَّ من ارتفاعه، ورجوع حرمتها وأمنها وحج العباد إليها، كما كان إجابة لدعوة خليله القّه، يدل عليه حديث أبي سعيد في الكتاب. وعلى ذلك لا تضاد، ولو صح ما ذكره قتادة: لا يحج البيت، لكان ذلك وقتًا من الدهر، ويحتمل أن يكون ذلك وقت تخريبها بدليل حديث أبي سعيد(٢). وقال ابن التين: قيل: هذا ليس باختلاف قد ينقطع ثم يعود، قال: وفي حديث آخر: ((لا تزول مكة حتى تزول أخشباها)) يعني: جبليها، أي: لا یزول الحج، ومعنى خرابه له في وقت يدعه الله إلى ذلك، ابتلاءً منه شقوة له وليسود وجهه، وليعلم من يرتاب من ذلك، ولعله هو الذي يخسف بجيشه، وكأنه مفهوم البخاري فيما ترجمه بعد من (١) ((المتواري)) ص ١٣٧. (٢) (شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٧٥. ٣٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = باب: هدم الكعبة، وذكر عن عائشة رفعته ((يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم))(١) . وروي عن علي مرفوعًا: ((قال الله رَّ: إذا أردت أن أخرب الدنيا، بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره))(٢). ويخرب رباعي بضم الياء. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] وقد منع الله صاحب الفيل في الوقت الذي شاء كما سلف. ويغزوه جيش كما ذكرناه، ويأذن في هذا الوقت الذي شاء ثم يعود، ولا فرق بين هذا وبين إدالة المشركين على المؤمنين، وقتل الأنبياء، وكلٌ ابتلاء. والحبش: جنس من السودان، وهم الأحبش والحبشان، وقد قالوا: الحبشة، وليس بصحيح في القياس؛ لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون مكسرًا على فعلة، والأحبوش: جماعة الحبش، وقيل: هم الجماعة أيّا كانوا؛ لأنهم إذا تجمعوا أسودوا. قال الجوهري: الحبش والحبشة جنس من السودان(٣). وقال ابن دريد: الحبشة على غير قياس، وقد قالوا: حبشان أيضًا، ولا أدري كيف هو (٤). (١) سيأتي برقم (٢١١٨) كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت. بلفظ مختلف. (٢) أورده العجلوني في: ((كشف الخفاء)) ٧٩/١ (١٩٣) وقال: رواه في ((الإحياء))، قال العراقي في تخريجه: لا أصل له. (٣) ((الصحاح)) ٩٩٩/٣. (٤) ((جمهرة اللغة)) ٢٧٨/١. ٣٣٩ كِتَابُ الحَجِّ = وقال الرشاطي: هم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش . روى سفيان بن عيينة أنَّ رسول الله وَّ قال: ((لا خير في الحبش، إِنْ جاعوا سرقوا، وإنْ شبعوا زنوا، وإنَّ فيهم حسنتين: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس))(١). وقال ابن هشام في ((تيجانه)): أول من جرى لسان الحبشة على لسانه سُحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن كوش بن حام بن نوح، ثم تولدت من هذِه اللسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل. وقوله في حديث ابن عباس الذي سقناه من عند البخاري: ((كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا) يعني: الكعبة. والأفحج بحاء ثم جيم: البعيد ما بين الرجلين، وذلك من نعوت الحبشان، ولذلك قال: ذو السويقتين، لأن في سوقهم حموشة أي: دقة، وصغرهما لدقتهما ونقصهما، وأتى بالتاء لأنّ الساق مؤنثة، وذكره أبو المعالي في ((المنتهى)) في الحاء والجيم كما أسلفناه، وقال: هو تداني صدور القدمين، وتباعد العقبين، وفتح الساقين. قال: وهو عيب في الخيل، وقال في الجيم والحاء: الفجح بالتحريك تباعد ما بين الساقين، ومن الدواب ما بين العرقوبين، وهو أقبح من الفحج أي من الأول، وذكره في ((المحكم)) في الحاء والجيم (١) رواه الفاكهي في (أخبار مكة)) ٣٢٣ -٣٢٤ (٢١٥٠) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى بن عباس ، عن ابن عباس مرفوعًا، والبزار كما في ((كشف الأستار)) ٣١٦/٣ (٢٨٣٦)، والطبراني ٤٢٨/١١ (١٢٢١٣)، وابن عدي في ((الكامل)) ١٠٣/٧، وقال الألباني في ((الضعيفة)) ٢/ ١٥٨ (٧٢٨): موضوع. ٣٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أيضًا، وقال في الثاني: هو تباعد ما بين القدمين(١)، وفي ((المخصص)): هو تباعد ما بين الفخذين رجل أفحج وامرأة فحجاء. وعن أبي حاتم فخذ فخجاء بخاء معجمة: وهي التي بانت من صاحبتها، والمصدر، الفخج، وقد يكون في إحدى الفخذين (٢). وفي ((الجامع)): الجمع فحج. وقال ابن دريد: هو تباعد بين الرجلين(٣). وفي ((المجمل)) و((المغرب)): هو تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة(٤)، واقتصر عليه ابن بطال(٥). وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية، ومعناه: أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة، ويقدمون إليها كما يفعل المسلمون. وقال الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله فيه بين حديث عقيل وابن أبي حفصة في المتن، ولم يبين، وحديث ستر الكعبة في حديث ابن أبي حفصة وحده ثم ساقه، وحديث عقيل ليس فيه ذكر الستر ثم ساقه بدونه. قال: فإن كان أراد بيان اسم الكعبة التي تذكر في الآية فذاك، وإلَّا فليس ما في الباب من الترجمة في شيء. (١) ((المحكم)) ٣/ ٦٥. (٢) ((المخصص)) ١٧٢/١ - ١٧٣. (٣) ((جمهرة اللغة)) ٤٣٩/١. (٤) ((مجمل اللغة)) ٧١٣/٣. (٥) (شرح ابن بطال)) ٢٧٨/٤.