النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كِتَابُ الحَجّ
=
عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ. وَكَانَ عُزْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ
أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَدَاءٌ وَكُدًا مَوْضِعَانِ. [انظر: ١٥٧٧ - مسلم: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧]
ذکر فیه حديث ابن عمر أيضًا:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التِي بِالْبَطْحَاءِ،
وخَرَجَ مِنَ النَِّيَّةِ السُّفْلَى.
وحديث عائشة أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ
أَسْفَلِهَا.
وفي رواية عنها: دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كُدًا، وَخَرَجَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى
مئَّةً.
وفي رواية عنها: دَخَلَ مكة عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ.
قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةٌ يَدْخُلُ من كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدىُ، وَأَكْثَرُ مَا
يَدْخُلُ مِنْ كَدى، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
وعَنْ عُرْوَةً(١): دَخَلَ النَّبِيُّ لِ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةً.
وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدِى وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
وعنه(٢): دَخَلَ النَّبِيُّ بِهِ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كداء. وَكَانَ عُرْوَةٌ يَدْخُلُ
مِنْهُمَا كلاهما، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدِىَ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
وفي بعض النسخ: كداء وكدى: موضعان. قاله أبو عبد الله، وفي
بعض النسخ الثناء على مسدد، شيخه: (وكان يقال له: مسدد کاسمه،
سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددًا
(١) في الأصل كُتب فوق عروة: مرسل.
(٢) أنظر الهامش السابق.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أتيته في بيته فحدثته لاستحق ذلك، ولا أبالي كتبي كانت عندي، أو عند
مسدد). وحاصل ما ذكره البخاري أن أكثر روايته في كداء في الابتداء
الفتح والمد، وفي الخروج الضم والقصر، مسندًا ومرسلًا، وأن في
رواية بالعكس: الضم في الدخول، والفتح والمد في الخروج؛ ولهذا
قال عبد الحق في ((جمعه)): إنه مقلوب. وكدى بالضم إنما هي
السفلى، ولفظ مسلم في حديث ابن عمر: كان إذا دخل مكة دخل
من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى(١)، وفي أخرى العليا التي
بالبطحاء (٢).
وفي حديث عائشة: لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من
أسفلها. وفي أخرى: دخل مكة عام الفتح من كداء من أعلى مكة. قال
هشام: فكان أبي يدخل منهما كلتيهما، وكان أبي أكثر ما يدخل من
كداء. والمراد بالثنية العليا: التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة مكة.
قال أبو عبيد: لا يصرف؛ لأنه مؤنث.
قيل: هو جبل بمكة، وقيل: هو عرفة بعينها. قلت: هذا بعيد،
والسفلى: هي التي أسفل مكة عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين،
وشعب ابن الزبير عند قعيقعان. وقال ابن المواز: كداء العليا هي
العقبة الصغرى بأعلى مكة التي يهبط منها إلى الأبطح، والمقبرة
منها على يسارك. وكدى التي خرج منها: هي العقبة الوسطى التي
بأسفل مكة.
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٥٧) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول مكة من الثنية
العليا والخروج منها من الثنية السفلى.
(٢) المصدر السابق.

٢٨٣
ـ كِتَابُ الحَجّ
وفي حديث الهيثم بن خارجة أن العليا بالضم والقصر (١)، وتابعه
على ذلك وهيب وأبو أسامة. وقال عبيد بن إسماعيل: دخل من كداء
-بالمد والفتح - في المغازي، ودخل من كدى بالضم والقصر، وقال
ابن قرقول: وكذا عند عامتهم في حديث عبيد بالفتح، وهو الصواب،
إلا أن الأصيلي ذكره عن أبي زيد بالعكس: دخل من كدى، وخالد بن
الوليد: من كداء، وهو مقلوب، وفي حديث ابن عمر: دخل من كداء
ممدود مصروف، وكذا في حديث عائشة، وعند الأصيلي: هو
الموضع مهمل في هذا الموضع، وعند أبي ذر: القصر في الأول مع
الضم، وفي الثاني: الفتح مع المد.
وعن عروة من حديث عبد الوهاب: أكثر ما يدخل من ◌ُدئ. مضموم
مقصور، للأصيلي والحموي وأبي الهيثم، ومفتوح مقصور للقابسي
والمستملي، وعند محمود: دخل من كدى، وخرج من كداء، كذا
لكافتهم، وللمستملي عكس ذلك، وهو أشهر، وعند مسلم: دخل يوم
الفتح من كداء من أعلاها بالمد للرواة، إلا السمرقندي، فعنده: كدى
بالضم والقصر، وفيه قال هشام: أكثر ما كان أبي يدخل من كدى
بالضم، كذا رويناه، ورواه غيري بالمد والفتح(٢).
وقال القرطبي: اختلف في ضبط هاتين الكلمتين، والأكثر منهم
على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل:
بالعكس (٣).
(١) سيأتي برقم (٤٢٩٠) كتاب: المغازي، باب: دخول النبي ◌َّ من أعلى مكة.
(٢) في الكلام اضطراب، وجاء في (معجم البلدان)) ٤/ ٤٤٠ - ٤٤١ وعند الأصيلي
مهمل في هذا الموضع.
(٣) ((المفهم)) ٣٧١/٣.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن التين: العليا بفتح الكاف، وضبطت في بعض الأمهات
بالمد من غير صرف، والسفلى بالضم. وقال الخطابي: الرواة قلما
يقيمون هذين الاسمين، وإنما هو كداء وكُدى(١). وذكر ابن ولاد أن
كداء ممدود: جبل أو موضع، وكدى بالضم والقصر جمع، قال:
وهو الموضع الغليظ الصلب(٢)، ورواية: دخل من كداء وخرج من
كدى من أعلى مكة. فيه تقديم وتأخير، وإنما أراد أنه دخل من
أعلاها من كداء، وخرج من أسفلها من كدى، وما روي عن عروة أنه
كان يدخل من كلتيهما، فإنما أراد أن يعرف أن ذلك ليس بفرض،
وإنما هو سنة. واقتصر ابن بطال من هذا الاختلاف على قوله: إذا
فتحت الكاف مددت، وإذا ضممتها قصرت، وقد قيل: كدى بالضم
وهو أعلى مكة، وقيل: بل بالفتح وهو أصح(٣).
وقال ابن حزم: الممدود عند المحصب، وبضم الكاف وتنوين
الدال عند ذي طوئ، وهي الثنية السفلى، قال الحازمي وغيره: تقول
الثنية السفلى هي كدى مصغر.
وقوله: (كلاهما). كذا في الأصل، وفي نسخة: كليهما. وقوله قبله:
(وكان عروة يدخل على كلتيهما) هو الصواب. وقال ابن التين: في
((الأمهات)): كلتاهما، والصواب كلتيهما، والحكمة في الدخول من
العليا، والخروج من السفلى أن نداء أبينا إبراهيم كان من جهة العلو،
وأيضًا فالعلو مناسب للمكان العالي الذي قصده، والسفل مناسب
لمكانه الذي يذهب إليه؛ لأنه سفل بالنسبة إليه. وقيل: إن من جاء
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٦٤.
(٢) ((المقصور والممدود)» ص ٩٣.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٦٢.

٢٨٥
كِتَابُ الحَجِّ
هذِه الجهة كان مستقبلًا البيت، وقيل: لأنه التَّ لمَّا خرج مختفيًا أراد أن
يدخلها ظاهرًا عاليًا. وقال المهلب: إنما فعله؛ ليعلم الناس السعة في
ذلك، وأن ما يمكن له منه فمجزئ عنهم، ألا ترى أن عروة كان
يفعل ذلك. وقال غيره: ليتبرك به الطريقان، أو ليغيظ المنافقين بظهور
الدين وعز الإسلام، أو تفاؤلًا بتغير الحال، أو ليشهد له الطريقان
كما في العيد(١).
قلت: وروى الطبراني في ((الأوسط)) عن العباس أنه القيّ لما بعث،
قال العباس لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا. فقال: لا والله حتى أرى
الخيل تطلع من كداء. قال العباس: قلت له: ما هذا؟ قال: شيء يطلع
بقلبي؛ لعلمي أن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا. قال: فلما طلع رسول الله
300 من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره.
وروى البيهقي من حديث ابن عمر أنه اللّه قال لأبي بكر: «كيف
قال حسان بن ثابت؟)) فأنشد:
عدمت بنيتي إن لم يروها تسير النقع من كنفي كداء
فتبسم رسول الله وَ﴿ فقال: ((ادخلوها من حيث قال حسان))(٢)، ومن
حديث عروة نحوه، وأجاب كعب بن مالك أبا سفيان بقوله:
فلا تعجل أبا سفيان وارقب جياد الخيل تطلع من كداء
(١) دل على ذلك حديث سبق برقم (٩٨٦) كتاب: العيدين، باب: من خالف الطريق
إذا رجع يوم العيد.
(٢) ((دلائل النبوة)) ٤٨/٥-٤٩.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٢- باب فَضْلٍ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ إلى قوله:
[البقرة: ١٢٦-١٢٨]. [فتح: ٤٣٨/٣]
التَّوَّابُ
١٥٨٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن جُرَنْجٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ
الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ وَّهِ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الِحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ بَ: أَجْعَلْ
إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرَضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: (أُرِنِي
إِزَارِي)». فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٦٤- مسلم: ٣٤٠ - فتح: ٤٣٩/٣]
١٥٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمٍ بْنِ عَبْدِ
اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ نُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴾- زَوْجِ
النَّبِيِّ نَّهِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ لَهَا: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةً
أَقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ
إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: (لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ)). فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﴾: لَيْنْ كَانَتْ
عَائِشَةُ رضي الله عنها: سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ نََّ مَا أرىْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ تَرَكَ
أَسْتِلَامَ الرُّكْتَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الِحِجْرَ، إِلَّ أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِرَاهِيمَ. [انظر:
١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٤٣٩/٣]
١٥٨٤- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ نَّ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ:
(نَعَمْ)). قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ)).
قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: ((فَعَلَ ذَلِك قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا،
وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ
قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ)). [انظر: ١٢٦-
مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٤٣٩/٣]

٢٨٧
كِتَابُ الحَجِّ
=
١٥٨٥- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْلَا حَدَاثَةٌ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ
لَنَقَضْتُ البَيْتَ، ثُمَّ لَبَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ الَّهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا أَسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ،
وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًّا)). قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفَا يَغْنِي: بَابًا. [انظر: ١٢٦-
مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٤٣٩/٣]
١٥٨٦ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ
بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ لَهَا: ((يَا عَائِشَةُ،
لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا
أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَوْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا،
فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ)). فَذَلِكَ الذِي ◌َلَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى
هَذْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَذْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ
رَأَيْتُ أَسَاسَ إِرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْئِمَةِ الإِبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ:
أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ
مِنَ الِحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعِ أَوْ نَحْوَهَا. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٤٣٩/٣]
﴿ مَثَابَةٌ﴾: مجمعًا، أو من الثواب، أو مرجعًا، أو لا يقضون فيه وطرًا،
وأصلها: مثوبة، وقرئ (مثابات). ﴿وَأَمْنَا﴾ أي: يأمن من دخله، وكان
معاذًا له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وكان
الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه لم یهجه، ولم يعرض له حتى
يخرج منه. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ
مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكوت: ٦٧] وحديث: ((إن إبراهيم حرم مكة))(١) المراد:
(١) سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي ◌َّر ومده.
ورواه مسلم (١٣٦٠) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي ◌َّ فيها
بالبر كة.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أظهر حرمتها، وإلا فهي حرام منذ خلق الله السموات والأرض كما
ستعلم، فهو آمن من عقوبة الله، وعقوبة الجبابرة، وسأل إبراهيم أن
يؤمنه من الجدب والقحط، دليله: ﴿عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
وقيل: بل كانت حلالاً قبل دعائه، وهو حرمها كما حرم نبينا المدينة.
وقوله: (﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾﴾ [البقرة: ١٢٥] قيل: هو
المقام الذي يصلي فيه الأئمة اليوم، وقيل: الحج كله مقام إبراهيم.
قاله ابن عباس وعطاء(١). ومصلى أي: مدعى، قاله مجاهد(٢)،
والأظهر: الصلاة. ﴿عَهِدْنَا﴾ أمرنا وأوحينا. ﴿طَهِرَا بَيْتِىَ﴾ أي: من
الآفات والريبة، أو من الأوثان، أو من الشرك. ﴿لِلَّآئِفِينَ﴾ ببيتي،
﴿وَاَلْفَكِّفِينَ﴾: المجاورين، أو أهل البلد. و﴿الْقَوَاعِدَ﴾: الأساس،
والجدر. ﴿مَنَاسِكًا﴾: ذبائحنا أو متعبداتنا. ﴿وَأَرِنَا﴾: بكسر الراء
وإسكانها.
ثم ذکر فیه خمسة أحاديث:
أحدها :
حديث جابر بن عبد الله: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ وَّرِ والعباس
يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ: أَجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَىْ رَقَبَتِكَ.
فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ((أُرِنِي إِزَارِي)).
فَشَدَّهُ عَلَيْهِ.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٨٤/١-٥٨٥ (١٩٩٢، ١٩٩٤)، وابن أبي حاتم في
((تفسير القرآن العظيم)) ٢٢٦/١ (١١٩٧-١١٩٨).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٨٦/١، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٤/١
إلى ((سنن بن منصور)).

٢٨٩
- ڪِتَابُ الحَجّ
ولفظ زكريا بن إسحاق في أول كتاب الصلاة: فقال له العباس: ابن
أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله،
فجعله على منكبه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا.
وسلف شرحه هناك في باب: كراهة التعري في الصلاة وغيرها(١)،
ورواه الإسماعيلي بلفظ: لما بنت قريش الكعبة ذهب النبي وقَّ﴾
وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس لرسول الله خلقه: اجعل إزارك
على رقبتك (٢) من الحجارة، ففعل، فخر إلى الأرض، وطمحت
عیناه. الحدیث.
ثم قال: قد جعل عبد الرزاق وضع الإزار على رقبة رسول الله وله
وتابعه أبو عاصم(٣)، وجعل البرساني الإزار على رقبة العباس.
قلت: أخرجه مسلم من طريق محمد بن بكر كرواية عبد الرزاق(٤).
فإن قلت: هذا الحديث مرسل صحابي؛ لأنه من المعلوم أنه لم يكن
ثم، ولا قال: سمعت رسول الله ◌َّه يقوله. قلت: مرسله حجة إلا من
شذ كما سلف هناك، وقد رواه سماك عن عكرمة عن مولاه، حدثني
أبي العباس، فذكره. أخرجه البيهقي في ((دلائله))، وفيه: ((نهيت أن
أمشي عرياًّا))(٥)، وأخرجه ابن جرير في ((تهذيبه)) أيضًا. ولابن إسحاق
حدثني والدي عمن حدثه عن رسول الله وسلم أنه قال فيما يذكر من
حفظ الله تعالى إياه: ((إني لمع غلمان هم أسناني قد جعلنا أزرنا على
(١) سلف برقم (٣٦٤) كتاب: الصلاة.
(٢) في (م) والأصل: رقبتي، ولعل الصحيح ما أثبتناه.
(٣) ((المصنف)) ٢٨٦/١ (١١٠٣) كتاب: الطهارة، باب: ستر الرجل إذا اغتسل.
(٤) (صحيح مسلم)) (٣٤٠) كتاب: الحيض، باب: الاعتناء بحفظ العورة.
(٥) ((دلائل النبوة)) ٣٢/٢-٣٣.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
أعناقنا لحجارة ننقلها(١) إذ لكمني لاكم لكمة شديدة)) ثم قال: ((اشدد
عليك إزارك))(٢). ويجوز أن يكون المراد بقول ابن عباس: أول شيء
رآه من النبوة أن قيل له: اُستتر، وهو غلام(٣). هذا وفي خبر آخر
ذكره السهيلي (٤) أنه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه، وسأله عن
نفسه، فأخبره أنه نودي من السماء: أن أشدد عليك إزارك يا محمد.
قال: وإنه لأول ما نودي.
وفي ((طبقات محمد بن سعد)) من حديث ابن عباس وغيره، قالوا:
بينا رسول الله ولم ينقل معهم الحجارة -يعني للبيت- وهو يومئذ ابن
خمس وثلاثين سنة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون
الحجارة، ففعل ذلك رسول الله وَله، فلبط -أي: سقط من قيام-
ونودي: عورتك. وكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يا ابن
أخي، اجعل إزارك على رأسك. فقال: ((ما أصابني ما أصابني إلا في
تعدّيّ)»(٥). وليس في الحديث -كما قال ابن الجوزي- دلالة على
كشف عورة، وإنما فيه كشف الجسد، وهو الظاهر، وفي رواية: أن
الملك نزل فشد عليه إزاره.
(١) في الأصل: الحجارة نلفها، وفي (م) تكفنها الحجارة والمثبت من سيرة ابن
إسحاق ١/ ٥٧.
(٢) (سيرة ابن إسحاق)) ص٥٧-٥٨.
(٣) روه ابن سعد في ((طبقاته)) ١/ ١٥٧، والطبراني ٢٥٣/١١ (١١٦٥١)، وابن عدي
في ((الكامل)) ٨/ ٢٦٠، والحاكم في ((المستدرك)) ١٧٩/٤ كتاب: اللباس، وقال:
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: النضر ضعفوه اهـ،
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٥٢/٢ وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)). وفيه:
النضر ، وقد أجمعوا على ضعفه.
(٤) ((الروض الأنف)) ٢٠٨/١ - ٢٠٩.
(٥) («الطبقات الكبرى)) ١٤٥/١.

٢٩١
كِتَابُ الحَجِّ
وطمحت عيناه: شخصت وارتفعت. قال ابن سيده: طمح ببصره
يطمح طمحًا: شخص، وقيل: رمى به إلى الشيء، ورجل طماح:
بعيد الطرف(١).
وقوله: ( ((أرني إزاري)) )، قال ابن التين: ضبط بإسكان الراء
وبكسرها، والإسكان أحسن عند بعض أهل اللغة؛ لأن معناه أعطني،
وليس معناه الرؤيا، وإنما قال: ناولني إزاري. ووقع في ((شرح ابن
بطال)»: إزاري، إزاري مكررًا(٢). ومعناه صحيح إن ساعدت الرواية
ولم نره.
قال ابن بطال في الصلاة: لو كان نهي عن التعري مطلقًا لكان نهيًا
عن التعري للغسل في الموضع الذي أمن أن يراه فيه أحد إلا الله تعالى،
ولكنه نهي عن التعري حيث يراه أحد، ولذلك نهى عن دخول الحمام
(٣)
بغير مئزر (٣).
وحديث القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا «لو أستطيع أن أواري عورتي
من شعاري لواريتها))(٤) إن صح فمحمول على الندب، وكذا قول علي:
إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك(٥)، وكذا قول أبي موسى
الأشعري: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي حياءً من
(١) ((المحكم)) ١٨٦/٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٦٢.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٢٧/٢-٢٨.
(٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٢/ ٣٦٣، وأورده الديلمي في ((الفردوس)) ٣٦٣/٣
(٥٠٩٨).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٠٤/١ (١١٧٤) كتاب: الطهارات من كان
يقول: إذا دخلته فادخله بمثزر.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ربي (١). فمحمولان أيضًا على الندب، والمبالغة في الحياء والستر، وكل
هذا أسلفناه هناك، وأعدناه لبعد العهد به.
ثم أعلم أن الرب جل جلاله ذكر فضل مكة في غير موضعٍ من كتابه،
ومن أعظم فضلها أنه جل جلاله فرض على عباده حجهاً، وألزمهم
قصدها، ولم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبالها، وهي قبلة أهلٍ دينه
أحياءً وأمواتًا. وفي حديث عائشة معرفة بنيان قريش للكعبة، وقد بناها
إبراهيم قبل ذلك، وبنته الملائكة قبل آدم، وحجه آدم ثم الأنبياء،
ما من نبي إلا حجه، وفي ((الروض)) أول من بناه شيث، وكانت قبل
أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم ويأنس بها؛ لأنها
أنزلت من الجنة (٢)، وقيل: إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن
السيل كان قد صدَّعَ حائطه. قال: وقيل: لم يكن بنيانًا إنما كان
إصلاحًا لما وَهى منه، وجدارًا بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجادر.
وفي ((أنساب الزبير)): لما بنى قصي الكعبة بنيانًا لم يَيْنِ مثله أحد؛
ذكر شعرًا، وبناها عبد الله بن الزبير لما كانت عائشة ترويه؛ ولأنه لما
نصب عليها المنجنيق الحصين بن بشر وهت جدرانها، وقيل: بل
طارت شررة من مجمره في أستارها فاحترقت، فلمَّا أمر عبد الملك
بهدمها وبناها الحجاج على البناء الأوَّل، أخبر عبدَ الملك أبو سلمة
وغيره عن عائشة ما كان عمدة ابن الزبير في هدمها، فندم لذلك،
وقال: ليتنا تركناه وما تولى، فلمَّا ولي أبو جعفر أراد أن يهدمها
ويردها إلى بناء ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك فتركه، وفي
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ١١٤/٤، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ٨٢٩/٢-
٨٣٠ (٨٢٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٠/١.
(٢) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٢٢.

٢٩٣
= ڪِتَابُ الحَجّ
((صحيح الحاكم))، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث ابن
عمر مرفوعًا: ((استمتعوا من هذا البيت، فإنه هدم مرتين ويرفع في
الثالثة))(١).
وقال عطاء -فيما حكاه ابن جريج -: إن آدم قال: أي ربِّ، إني
لا أسمع أصوات الملائكة. فقال: أهبط إلى الأرض فابن لي بيتًا ثم
أحفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماءِ، قال:
فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وطور
زيتا، والجودي، ولبنان(٢).
فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم، وعن عبد الله بن عمرو: لما
أهبط آدم قال: إني مهبط معك أو مُنزل معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف
حول عرشي، ويصلى عليه كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان
رُفعَ، فكانت الأنبياء يحجون ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله لإبراهيم
وأعلمه بمكانه، فبناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور،
وجبل الخمر(٣)، قال الطبري: هو جبل الشام، وعن قتادة: ذكر لنا أنه
بني من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، وجودي،
وحراء. وذكر لنا أن قواعده من حراء(٤). وعن عطاء: لمَّا أهبط آدم
كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء
ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله، فخفضه
(١) (المستدرك)) ٤٤١/١ كتاب: المناسك، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
(٩٥٥)، وانظر: ((الصحيحة)) ٤٣٤/٣ (١٤٥١).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره) ٥٩٦/١ (٢٠٣٩).
(٣) ((تفسير الطبري)) ٥٩٦/١ (٢٠٤١).
(٤) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ٦٣/١.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
إلى الأرض، فلمَّا بعد ما كان يسمع منهم استوحش، فشكى إلى الله،
فوجه إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع
البيت الآن، فلم يزل يطوف به، فلمَّا كان الطوفان رفع الله تلك الياقوتة
حتَّى بعث الله إبراهيم فبناه(١)، وعن أبان: أن البيت أُهبط ياقوتة أو درة
واحدة(٢). وقال مجاهد: كان موضع البيت على الماء قبل خلق السماوات
والأرض مثل الزبدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض(٣).
وقال عمرو بن دينار: بعث الله رياحًا، فصفقت الماء، فأبرزت
موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت منها، فلذلك هي أم
١ (٤)
القرى
وعن ابن عباس، قال: وضع البيت على أركان الماء، على أربعة
أركان قبل خلق الدنيا بألفي عام(٥)، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد
وغيره من أهل العلم أن الله لمَّاً بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج إليه
من الشام، ومعه إسماعيل وأمه، وهو طفل يرضع، وحملوا على
البراق، ومعه جبريل يدله على مواضع البيت ومعالم الحرم، فكان
لا يمر بقرية إلا قال: بهذِه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: أمضه
حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضَاه سلم وسمر، وبها أناس يقال:
لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذٍ ربوة حمراء مدرة،
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٩١/٥ (٩٠٩٠) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة،
والطبري في «تفسيره)) ٥٩٦/١ (٢٠٤٣).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٩٧/١ (٢٠٤٥)، وفي ((تاريخه)) ٨٤/١-٨٥.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٥٩٧/١ (٢٠٤٦).
(٤) ((تفسير الطبري)) ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٧).
(٥) رواه الطبري ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في ((العظمة)) ص ٣٦٧-
٣٦٨ (٩٠٢)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٣٦/١ إليهما.

٢٩٥
كِتَابُ الحَجِ
==
فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما
إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشًا(١).
قال ابن إسحاق: ويزعمون -والله أعلم- أن ملكًا من الملائكة أتى
هاجر قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت فأشار لهما إلى
البيت، وهو ربوة حمراء، فقال لهما: هذا أول بيت وضع في الأرض،
وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه(٢).
قال مجاهد: خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض
بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة(٣). وقال كعب: كان البيت غثاءً
على الماءِ قبل أن تخلق الأرض بأربعين سنة (٤).
وعن عليٍّ أن إبراهيم أقبل من أرمينية ومعه السكينة تدله حتى
تبوأ البيت، كما تبوأ العنكبوت بيتًا، فرفعت من أحجار يطيقه
أولا يطيقه ثلاثون رجلًا، قيل لابن المسيب رواية عنه: فإن الله تعالى
يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهُِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: كان
(٥)
ذلك بعد(٥).
(١) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ٥٤/١، ورواه الطبري في ((تفسيره)) ١/ ٥٩٧-٥٩٨
(٢٠٥٠)، وفى ((تاريخه)) ١٥٣/١-١٥٤.
(٢) رواه عنه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ٥٦/١.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩٤/٥-٩٥ (٩٠٩٧) كتاب: الحج، باب: بنيان
الكعبة، والأزرقي في ((تاريخ مكة)) ٣٢/١، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/
٢٣٦ إلى عبد الرزاق والأزرقي والجندي.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٩٥/٥ (٩٠٩٨) كتاب: الحج، باب: بنيان
الكعبة، والأزرقي في ((أخبار مكة)) ٣١/١.
(٥) رواه الطبري ١/ ٥٩٧ (٢٠٥٢)، وابن أبي حاتم ٢٣٢/١ (١٢٣٦)، والحاكم في
((المستدرك)) ٢٦٧/٢ كتاب: التفسير، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٢/١٠-٣٣.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي كتاب ((التيجان)): لما عتت قوم نوح وهدموا الكعبة، قال تعالى
له: انتظر الآن هلاكهم إذا فار التنور. وقال ابن عبّاس: كان إبراهيم
يبني، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته(١). وعن السدي: أخذا
المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها: الخجوج لها
جناحان ورأس، في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة، وعن
أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا
الأساس، فلمَّا بنيا القواعد، وبلغا مكان الركن، قال: یا إسماعيل،
أطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هنا، قال: يا أبت إني لَغِبٌ، قال: عليَّ
ذلك، وانطلق يطلب حجرًا، فجاء جبريل بالحجر الأسود من الهند،
وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة، ولما
جاءه إسماعيلُ بحجر قال: يا أبتِ من جاء بهذا؟ قال: من هو أنشط
منك(٢).
وقال عليٍّ: لمّا أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر،
فلمَّا قدم رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس،
فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي، أو على قدري، ولا تزد
ولا تنقص، فلمَّا بنى خرج وخلف إسماعيل مع أمه، فقالت:
يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق؛ فإنه
لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا. قال: فصعدت هاجر
الصفا فنظرت، فلم تر شيئًا، ثم أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت
إلى الصفا ففعلت ذلك سبعًا، فقالت لولدها: مُتْ حيث لا أراك،
فناداها جبريل: من أنت؟ قالت: هاجر أمُّ ولد إبراهيم، قال: إلى من
(١) قطعة من حديث سيأتي برقم (٣٣٦٤) كتاب: أحاديث الأنبياء.
(٢) روه الطبري في ((تفسيره)) ٥٩٩/١ (٢٠٥٥)، وفي ((تاريخه)) ١٥٣/١.

٢٩٧
كِتَابُ الحَجِّ
=
وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ، ففحص الأرض
بإصبعه؛ فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رواءٌ(١).
وقال ابن هشام في ((التيجان)): كان إبراهيم وإسماعيل يبنيان،
وهاجر تسقي لهما الماء من زمزم، وتعجن لهما الطين وتعينهما،
قال: وإن إبراهيم سار إلى القدس بإسماعيل وهاجر؛ ليسكنهما فيه،
فإذا كان وقت الحج يحجون من بيت المقدس إلى البيت الذي بناه.
فلمَّا نزل بالقدس أُريّ أن يذبح إسماعيل، فخرج به إلى الطور،
وهاجر تقول: أحدٌ أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد، رب ولدي كبدي
اربط على قلبي بالصبر، فلمَّا فُديَ بالكبش، قال لها إبراهيم: كلي
من كبده يهدئ روعك، فأول من أكل منه هاجر، ثم إبراهيم
وإسماعيل. قال وهب: الذبيح إسماعيل، ثم ولد بعده إسحاق، على
ما في القرآن العظيم، فلمَّا كان وقت الحج حج إبراهيم من بيت
المقدس، ومعه إسماعيل وهاجر، وأمر الله أن يؤذن في الناس
بالحج، فأذن ثم صار إلى بابل. وذكر الواقدي، عن الزهري، عن
عبيد الله بن عبد الله: أن إبراهيم نصب أنصاب الحرم، يريه جبريل،
ثم جددها إسماعيل، ثم قصي، ثم سيدنا رسول الله وَّ ر فبعث عام
الفتح رجلًا من خزاعة فجددها، ثم عمر.
وعن ابن عباس: أن جبريل أرى إبراهيم موضع أنصاب الحرم،
فنصبها ثم جددها إسماعيل إلى آخره(٢).
(١) رواه الطبري ٦٠٠/١ (٢٠٥٩)، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٥١/٢ مختصرًا،
كتاب: التاريخ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ١٢٧/٢، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٢٧٣/٢
(١٥١٢).

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى الجندي من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رفعه:
((كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من ياقوت الجنة، له بابان من زمرد
أخضر: باب شرقي، وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، والبيت
المعمور الذي في السماء يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون
منه إلى يوم القيامة حذاء البيت الحرام، ولما أهبط آدم إلى موضع
الكعبة، وهو مثل الفلك من شدة رعدته، وأنزل عليه الحجر الأسود
يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه استئناسًا به، ثم أخذ الله
تعالى من بني آدم ميثاقهم، فجعله في الحجر ثم أنزل على آدم العصا،
ثم قال: يا آدم، تخطّ فتخطى، فإذا هو بأرض الهند، فمكث ما شاء
الله، ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: أحجج يا آدم، فلمَّا قدم مكة
تلقته الملائكة، فقالت: برَّ حِجَّك يا آدمُ، لقد حججنا هذا البيت قبلك
بألفي عام، فقال: ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: سبحان الله، والحمد
لله، ولا إله إلّ الله، والله أكبر. فكان آدم إذا طاف قالهنَّ وكان يطوفُ
سبعة أسابيع بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار، وقال: ربِّ أجعل لهذا
البيت عُمَّارًا يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله جلَّ وعز أني معمره نبيًّا
من ذريتك اسمه إبراهيم، أقضي على يده عمارته، وأنيط له سقايته،
وأريه مواقفه، وأعلمه مناسكه))(١).
وفي ((الدلائل)) للبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((بعث
الله جبريل إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتًا فخطه لهما جبريل،
فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أصابه الماء فنودي من تحت: حسبك
يا آدم، فلمَّا بنيا أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس،
(١) أورده الديلمي في ((الفردوس)) ٢٧٢/٣ (٤٨١٥) مختصرًا، وكذا السيوطي في
((الدر المنثور» ٢٤٥/١ مطولًا، وعزاه إلى الجندي والديلمي.

٢٩٩
= ڪِتَابُ الحَجّ
وهذا أوَّل بیت))(١). ثم تناسخت القرون حتّى حجه نوح، ثم تناسخت
القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه.
قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا (٢)، وقال أبو الطفيل:
كانت الكعبة قبل أن تبنيها قريش برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق،
وتوضع الكسوة على الجُدر، ثم تدلى، ثم إن سفينة للروم انكسرت
بالشعبية، فأخذت قريش خشبها، وروميًّا -يقال له: باقوم- نجار،
بأن يبنيها، ونقلوا الحجارة من أجياد(٣).
وعن عليٍّ: فلمَّا بناه إبراهيم مرَّ عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة،
فمَّر عليه الدهرُ فانهدم، فبنته جرهم، فمرَّ عليه الدهرُ فانهدم، فبنته
قريش، ورسول الله رَ﴿ يؤمئذٍ شابٌّ. صحح الحاكم أصل هذا
الحديث (٤).
وقال ابن شهاب: لمَّا بلغ رسول الله وَّهِ الحُلُمَ أجمرت امرأة الكعبة
فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها، فلما
اختلفوا في وضع الركن دخل رسول الله وقدر وهو غلام عليه وشاح
نمرة، فحگّموه، فأمر بثوب .. الحديث. وفيه: فوضعه هو في مكانه،
(١) ((دلائل النبوة)) ٢ /٤٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) رواه عبد الرزاق في (المصنف)) ١٠٢/٥ (٩١٠٦) كتاب: الحج، باب: بنيان
الكعبة، وإسحاق بن راهويه في («مسنده)) ٩٩٣/٣ (١٧٢٠)، والأزرقي في
((أخبار مكة)) ١٥٧/١-١٥٨، وابن خزيمة في (صحيحه) ٣٣٧/٤ (٣٠٢٢)،
والضياء في المختارة ٢٢٧/٨ (٢٧٢)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٩/٣
وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) بطوله، وروى أحمد طرفًا منه، ورجالهما رجال
الصحيح. اهـ
(٤) ((المستدرك)) ٤٥٨/١.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم طفق لا يزداد على السر إلا رضي حتى دعوه الأمين (١). ولموسى بن
عقبة: كان بنيانها قبل النبوة بخمس عشرة سنة(٢)، وكذا روي عن
مجاهد(٣) وجماعات (٤).
وفي ((الطبقات)): كانت الجرف مظلةً على الكعبة، وكان السيلُ
يدخلُ من أعلاها حتى يدخل البيت، فانصدع فخافوا أن ينهدم،
وسرق منه حلية وغزالٌ من ذهب كان عليه درِّ وجوهر، فأقبلت سفينة
فيها رومٌ رأسهم باقوم، وكان بانيًا، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر
فابتاعوا خشبها، وكلَّموا باقوم فقدم معهم .
وفي كتاب الأزرقي: جعل إبراهيم طول بناء الكعبة في السماءِ تسعة
أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين
وعشرين ذراعًا، وكانت بغير سقف، ولمَّا بنتها قريش جعلوا طولها
ثماني عشرة ذراعًا في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة
أذرع وشبرًا تركوها في الحجر، ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في
السماء سبعًا وعشرين ذراعًا، فلم يغير الحجاج طولها حين هدمها،
وهو إلى الآن(٦).
وذكر أهل السير أن قريشًا لمَّا أبتنت الكعبة وبلغت موضع الركن
اختصمت في الركن: أي القبائل تلي رفعه؟ قالوا: تعالوا نحكّم أوَّلَ
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٠٠/٥ (٩١٠٤) كتاب: الحج، باب: بنيان
الكعبة.
(٢) أنظر («البداية والنهاية)) لابن كثير ٧٠٥/٢.
(٣) رواه عبد الرزاق ٩٨/٥ (٩١٠٣).
(٤) انظر ((تاريخ الإسلام)) ٦٩/١، ((البداية والنهاية)) ٧٠٥/٢.
(٥) ((الطبقات الكبرى)) ١٤٥/١.
(٦) ((أخبار مكة)) ٢٨٨/١ - ٢٨٩.