النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ - ڪِتَابُ الحَجّ قارنًا، قال: والتمتع أحب إليَّ (١)؛ لقول النبي وَلي: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة))(٢) وقال آخرون: التمتع أفضل. وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء، وهو أحد أقوال الشافعي، وإليه ذهب أحمد(٣)، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبي * تمتع في حجة الوداع(٤). ويقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك(٥)؟ قال ابن بطال: وأما ما جاء من اختلاف ألفاظ حديث عائشة مما يوهم القران والتمتع، فليس ذَلِكَ بموهن للإفراد؛ لأن رواة حدیث الحج عنها الأسود وعمرة والقاسم وعروة، فأما الأسود وعمرة فقالا عنها: خرجنا لا نرى إلا الحج. وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج. وقال القاسم عنها: خرجنا في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج. وفي رواية ((الموطأ)) عن القاسم، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله وَ أفرد الحج(٦). وكذلك صرح عروة عنها أنه أفرده، ويشهد لصحة روايتها بالإفراد أن جابرًا وابن عباس روياه عن رسول الله ◌َّ د، فوجب رد ما خالف الإفراد من حديث عائشة، إلى معنى الإفراد؛ لتواتر الرواية به عن رسول الله وله. (١) انظر: ((الفروع)) ٣٠١/٣، ((كشاف القناع)» ٣٧٦/٢. (٢) سيأتي برقم (٧٢٢٩) كتاب: التمني، باب: قول النبي ◌َّار: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت)). (٣) انظر: ((المغني)) ٨٢/٥، ((المبدع)» ١١٩/٣. (٤) سيأتي برقم (١٦٩١)، ورواه مسلم (١٢٢٧). (٥) يأتي برقم (١٥٦٦)، ورواه مسلم (١٢٢٩). (٦) ((الموطأ)) ص ٢٢١. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال الطحاوي: وروى مالك وجماعات عددهم عنها أن إحرامها كان بحجة. زاد حماد وغيره عن مالك: فأمرهم لما قدموا مكة أن يجعلوها عمرة. وكذلك في رواية عمرة والأسود موافقة القاسم عن عائشة بالإفراد. وقولها: (لا نرى إلا الحج). إنما هو على معنى لا نعرف إلا الحج؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره. قال: والأشبه عندي أن يكون إحرامه كان بالحج خاصة، لا بهما؛ لأنه قد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولا يجوز أن يكون أمرهم بذلك وهم في حرمة عمرة أخرى؛ لأنهم يرجعون بذلك إلى أن يصيروا في حرمة عمرتين، وقد أجمع المسلمون على المنع من ذَلِكَ، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف من أمر رسول الله وَلايت، مما لم يكن مخصوصًا به، وما لم يفسخ بعد فعله إياه. قال المهلب: وقد أشكل حديث عائشة على أئمة الفتوى، فمنهم من أوقف الاضطراب فيه عليها، ومنهم من جعل ذَلِكَ من قبل ضبط الرواة عنها، ومعناه يصح -إن شاء الله- بترتيبه على مواطنه، ووقت إخبارها عنه في المواضع التي أبتدأ الإحرام منها، ثم أعقب حين دنا من مكة بما أمر من لم يسق الهدي بالفسخ، فأما حديث الأسود عن عائشة فإنها ذكرت فيه البدأة، وأنها أهلَّت بحجة مفردة بذي الحليفة، وأهلَّ الناس كذلك، ثم لما دنوا من مكة أمر من لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة، إذ أوحى الله إليه بتجويز الاعتمار في أشهر الحج، فُسحة منه تعالى لهُذِه الأمة، ورحمةً لهم بإسقاط أحد السفرين عنهم، وأمر من لم يكن معه هدي بالإحلال بعمرة؛ ليُري أمته جوازها، ويعرفهم بنعمة الله تعالى ٢٤٣ - كِتَابُ الحَجِّ عليهم عيانًا وعملًا بحضرة النبي وَّر. وفي حديث عروة عن عائشة ذكرت أنهم كانوا في إهلالهم على ضروب: من مهل بحج، بعمرة، بهما، فأخبرت عما آل أمر المحرمين، واختصرت ما أهلوا به في ابتداء إحرامهم، ولم تأت بالحديث على تمامه كما جاء في حديث عمرة عنها، فإنها ذكرت إحرامهم في الموطنين، ولذلك قال القاسم: أتتك بالحديث على وجهه، يريد أنها ذكرت الابتداء بالإحرام والانتهاء إلى مكة، وأول حدودها سرف، وما أمر به من الفسخ بعمرة. قال الطحاوي: ودل حديث عروة أنهم عرفوا العمرة في أشهر الحج بما عرفهم به رسول الله وَير، وأمرهم به بعد قدومه مكة. واحتج من قال بالإفراد، بقول مالك: إذا جاء عن النبي تَطّ حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحدهما وتركا الآخر، فإن في ذَلِكَ دلالة على أن الحق فيما عملا به(١). وقال الزهري: بلغنا أن عمر قال في قوله: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أنه قال: من تمامها أن تفرد كل واحدة من الأخرى. وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون قال: حدثني الثقات من علماء المدينة وغيرهم، أن أول ما أقيم للناس الحج سنة ثمان، مرجع رسول الله وَل من حنين، فاستخلف رسول الله وَّر على مكة عتَّاب بن أسيد، وأفرد الحج، ثم حج أبوبكر بالناس سنة تسع فأفرد، ثم قبض رسول الله صل فاستخلف أبو بكر، فأفرد الحج خلافته سنتين، ثم ولي عمر، فلم يشك أحد أن عمر أفرده عشر سنين، وولي عثمان فأفرده أثنتى عشرة سنة(٢). (١) انظر: ((التمهيد)) ٢٠٧/٩. (٢) رواه الدارقطني عن ابن عمر ٢٣٩/٢ كتاب: الحج، باب: المواقيت، والبيهقي ٤/ ٣٤١-٣٤٢ باب: تأخير الحج. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال: وحَدَّثَني ابن أبي حازم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن عليًّا أفرد الحج، وأفرد ابن عمر ثلاثين سنة متوالية، ما تمتع ولا قرن، إلا عامًا واحدًا. وأفردت عائشة كل عام حَتَّى توفيت. قال: فعلمنا أن الإفراد هو الذي فعل رسول الله ﴿ كاليقين؛ لأنا نعلم بفعل أصحابه بعده -وهم بطانته- أنهم لا يتركون ما فعل. وهكذا قال المدنيون والمصريون من أصحاب مالك. وأما نهي عثمان عن المتعة والقران، وإهلال علي بهما، فإن عثمان اختار ما أخذ به رسول الله و0َّ* في خاصة نفسه، وما أخذ به أبو بكر وعمر، ورأى أن الإفراد عنده أفضل من القران والتمتع. والقران عند جماعة من العلماء في معنى التمتع؛ لاتفاقهما في المعنى، وذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده، كما يصنع المتمتع، وكذلك يتفقان في الهدي والصوم لمن لم يجد هديًا عند أكثر العلماء. قال المهلب: وأما قول من أختار القران؛ لأنه الذي فعل رسول الله وَالر، فإنه يفسر من وجهين: أحدهما: توهين قول أنس فيما رواه عنه مروان الأصفر أنه التليفري قال لعلي: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))(١) فبان بهذا أنه العَيْ لم يكن قارنًا؛ لأن القارن لا يجوز له الإحلال، كان معه هدي أو لم يكن، وهذا إجماع. ثانيهما: أن التمتع والقران رخصتان، والإفراد أصل، ومحال أن تكون الرخصة أفضل من الأصل؛ لأن الدم الذي يدخل في التمتع والقران جبران، وهو يجب لإسقاط أحد السفرين، أو لترك شيء من (١) سلف برقم (١٥٥٨) باب: من أهل في زمن النبي كإهلال النبي ◌َّ. ٢٤٥ كِتَابُ الحَجّ الميقات؛ لأنه لو لم يقرن وأتى بكل منهما منفردًا بعد أن لا تكون العمرة فعلت في أشهر(١) الحج وأتى بكل واحدة من ميقاتها لما وجب عليه دم. وقد أنكر القران على أنس عائشةُ وابنُ عمر وجعلاه من وهمه، وقد سلف. وأما حجة من قال بالتمتع، وأنه الثَّه كان متمتعًا: فحديث ابن عمر، فهي مردودة بما رواه البخاري في حديث ابن عمر بما يرد به على نفسه، وقد سلف من المغازي من البخاري. وأيضًا قوله العليها في حديث عائشة: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة))(٢). وهذا نص قاطع أنه لم يُهل بعمرة، وليس في قوله ((استقبلت)) إلى آخره: دليل على أن التمتع أفضل من القران كما زعم أحمد (٣)، وإنما قال ذلك تطبيبًا لقلبهم- كما سلف، وسيأتي ما روي عن عروة عن عائشة مما يوهم أنه الظّفي تمتع، في باب: من ساق الهدي معه (٤) - إن شاء الله- وبيان الشبهة فيه. وأما قول الناس لأبي شهاب حين قدم مكة متمتعًا: تصير حجتك الآن مكية(٥). فمعناه: أنه ينشئ حجة من مكة إذا فرغ من تمتعه، كما ينشئ أهل مكة الحج من مكة؛ لأنها ميقاتهم للحج، إلا أن غير أهل مكة إن حلوا من العمرة في أشهر الحج، أنشئوا الحج من عامهم دون أن يرجعوا إلى أفقهم، أو أفق مثل أفقهم في (١) في الأصل: شهر، وصوبه في الهامش: أشهر. (٢) سيأتي برقم (١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها. (٣) انظر: ((المغني)) ٨٤/٥. (٤) سيأتي برقم (١٦٩٢) باب: من ساق البدن معه. (٥) سيأتي برقم (١٥٦٨). ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - البعد، فعليهم في ترك ذلك الدّم، ولو خرج إلى الميقات بعد تمام العمرة؛ ليهل بالحج منه لم يسقط ذلك عنه الدم - عند مالك وأصحابه- إلا أن يكون الميقات أفقه، أو مثل أفقه(١). وأما حديث حفصة وقولها: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟) فإنه يوهم إهلاله بالعمرة وأنه تمتع؛ لأن الإحلال كان لمن تمتع، وهو وهم فاسد. وذكر (عمرتك) في الحديث وتركها سواء؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج؛ ليفسخوه في عمرة، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة؛ لأن المعتمر يحل بالطواف والسعي، والخلاف لا شك فيه عندهم، وقد اعتمروا معه عُمَرًا، وعرفوا حكمها في الشريعة، فلم يكن يعرفهم بشيء في علمهم، بل عرفهم بما أحله الله لهم في عامهم ذلك من فسخ الحج في عمرة، لما أنكروه من جواز العمرة في زمن الحج. وللعلماء في قول حفصة: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟) ضروب من التأويل، فقال بعضهم: إنما قالت ذلك؛ لأنها ظنت أنه التَّ فسخ حجه بعمرة، كما أمر بذلك من لا هدي له من أصحابه، وهم الأكثر، فذكر لها العلة المانعة من الفسخ، وهي سوقه الهدي، فبان أن الأمر ليس كما ظنت، وقيل: معناه: ما شأن الناس حلوا من إحرامهم ولم تحل أنت من إحرامك الذي أبتدأته معهم بنية واحدة. بدليل قوله ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت)) الحديث(٢) (١) انظر: ((التفريع)) ٣١٩/١، ((عيون المجالس)) ٧٩٠/٢، ((الذخيرة» ٢٠٨/٣. (٢) سبق تخريجه قريبًا. ٢٤٧ كِتَابُ الحَجّ = فعلم بهذا أنه لم يحرم بعمرة، وهو قول ابن القصار. وقيل معناه: لِمَ لمْ تحل من حجك بعمرة كما أمرت أصحابك؟ وقالوا: قد تأتي (من) بمعنى: الباء، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله. تريد ولم تحل أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجك. وأما قول ابن عباس لأبي جمرة في المتعة: هي السنة. فمعناه: أن كل ما أمره النبي ◌َّلل بفعله فهو سنة، وكذلك معنى قول علي لعثمان في القران: ما كنت أدع سنة النبي ◌ّي لقول أحد. يعني سنته التي أمر بها؛ لأنه - الصَّ- فعل في خاصته غيرها وهو الإفراد. وأما فسخ الحج في عمرة فهو في حديث عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم. والجمهور على تركه، وأنه لا يجوز فعله بعد رسول الله وَالێ، وليس لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلا بتمامها، ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف، ولا غيره، وإنما أمر به أصحابه؛ لينسخ ما كان عليه أهل الجاهلية مما سلف؛ لأنه خشي حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها عمرة في أشهر الحج، فلما لم يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله من قرب أجله أمرهم بالفسخ، وأحل لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك. وقد قال أبو ذر: ما كان لأحدٍ بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة. وروي ذلك عن عثمان. وعن عمر أنه قال: إن الله يخص نبيه بما شاء، وإنه قد مات، فأتموا الحج والعمرة لله. وقال جابر: المتعتان فعلناهما على عهد رسول الله وَّر، ثم نهى عمر عنهما، فلن نعود إليهما -يعني: فسخ الحج ومتعة النساء- ثم ذكر حديث الحارث بن بلال السالف. ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال الطحاوي: لا يجوز للصحابة أن يقولوا هذا بآرائهم، وإنما قالوه من جهة ما وقفوا عليه؛ لأنهم لا يجوز لهم ترك ما فعلوه مع رسول الله وَّر من الفسخ إلا بتوقيف منه إياهم على الخصوصية بذلك، ومنع من سواهم منه، فثبت أن الناس جميعًا بعدهم ممنوعون من الخروج من الحج إلا بتمامه، إلا أن يصدوا(١)، ووجه ذلك من طريق النظر: أنه من أحرم بعمرة فطاف لها وسعى، أنه قد فرغ منها، وله أن يحلق ويحل إذا لم يكن ساق هديًا، ورأيناه إذا ساقه لمتعته، فطاف لعمرته وسعى لم يحل حتى يوم النحر، فيحل منها ومن حجته إحلالًا واحدًا، فكان الهدي الذي ساقه لمتعته التي لا يكون عليه فيها هدي إلا بأن يحج، يمنعه من أن يحل بالطواف إلا يوم النحر؛ لأن عقد إحرامه هكذا، كان، أن يدخل في عمرة فيتمها فلا يحل منها حتى يحرم بحجة، ثم يحل منها ومن العمرة التي قدمها قبلها معًا، وكانت العمرة لو أحرم منها منفردة حل منها بعد فراغه من تلك العمرة بقي على إحرامه إلى يوم النحر، فلما كان الهدي الذي هو من سبب الحج يمنعه الإحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر، كان دخوله في الحج أولى وأحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر. (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ١٩٤/٢-١٩٦، وحدیث الحارث بن بلال رواه أيضًا أبو داود (١٨٠٨) كتاب: المناسك، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، والنسائي ١٧٩/٥ كتاب: مناسك الحج، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: من قال كان فسخ الحج لهم خاصة، وأحمد ٤٦٩/٣، والطبراني ٣٧٠/١ (١١٣٨)، وضعفه الألباني في: ((الضعيفة)) ٤٩/٣ (١٠٠٣) وقد تقدم. ٢٤٩ كِتَابُ الحَجِّ = قال ابن بطال: ولم يجز فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن عباس، وتابعه أحمد وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول، والجمهور الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل هم الحجة التي يلزم أتباعها (١). الحديث الثاني : حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ بِّهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وسلف فقهه. وقولها: (فمنا من أهلَّ بعمرة). قيل معناه: فسخ الحج، وقيل: على ظاهره. وقولها: (وأهل رسول الله وَطير بالحج). هو صريح في الإفراد، وقد سلف الاختلاف فيه. قال ابن التين: وعائشة أقعد الناس برسول الله وَله وأعلمهم بما كان عليه، لاسيما وقسمته ثلاثة أقسام. وقولها: (حتى كان يوم النحر). أي: لأنه أول وقت تحلل الحج. الحديث الثالث: حديث مروان بن الحكم: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأْىُ عَلِيٍّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ◌َّهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ. وهو من أفراده، وأخرجا من حديث سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي بعسفان، فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة، فقال (١) (شرح ابن بطال)) ٢٤٢/٤ - ٢٥١ بتصرف وانظر: ((المغني)) ٩٨/٥، ((الفروع)» ٣/ ٣٣٥، «المحلى» ٩٩/٧. (٢) (صحيح مسلم)) (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز (١١٨) إفراد الحج والتمتع والقران. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عليٍّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله وَله تنهى عنه؟ (قال عثمان)(١): دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك، أهل بهما جميعًا. لم (يقل)(٢) البخاري: دعنا. إلى، أدعك(٣). ولهما(٤) عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله وَله، فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين(٥)، وقد سلف تأويل ذلك. قال ابن التين: إنما نَهْيُ عثمان عن القران يحمل على ما سمع منه على إرداف الحج على العمرة. وقال أبو الوليد: لم يكن علي محرمًا بعمرة، وإنما قرن ابتداءً، وخالفه أيضًا في أنه لم ينه عن ذلك، وإنما أراد أن الإفراد أفضل فقط، وإظهار علي القران؛ ليظهر ما نواه منه، وقد اختلف العلماء في النطق بنفس النسك، فروي عن ابن عمر أنه كان يرى ترك التسمية، وقال: أليس الله يعلم ما في نفسك (٦)؟ وروي عن عائشة التسمية، وعن عطاء: لا تجزئه النية(٧). (١) ليست في الأصل. (٢) في (م): يخرج. (٣) سيأتي برقم (١٥٦٩)، ورواه مسلم (١٥٩/١٢٢٣). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما هو في مسلم فقط. (٥) رواه مسلم (١٥٨/١٢٢٣) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع. (٦) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٠/٥ كتاب: الحج، باب: من قال: لا يسمي في إهلاله حجًّا ولا عمرة وأن النية تكفي منهما، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٧/ ١٢٥ (٩٥٣٢) كتاب: المناسك، هل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال. (٧) رواه ابن أبي شيبة في (المصنف)) ٣٣٥/٣ (١٤٨٤١) كتاب: المناسك، من كان يقول: إذا أردت الحج فلا تسم شيئًا؛ لكنه بلفظ: تجزئه النية. ٢٥١ = ڪِتَابُ الحَجِّ وقوله: (ما كنت لأدع .. ) إلى آخره. يحتمل أن يريد ما فعله، وأن يريد ما أذن فيه؛ لأن من أمر بشيء كان كفاعله. وفيه: ما كان عليه عثمان من الحكم أنه لا يلوم مخالفه. وفيه: أن القوم لم يكونوا يسكتون عن قول يرون أن غيره أمثل منه إلا بینوه. وفيه: أن طاعة الإمام إنما تجب في المعروف. الحديث الرابع : حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَر، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَّخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ أَعْتَمَرْ. قَدِمَ رسول الله وَّهِ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: ((حِلٌّ كُلُّهُ)). وأخرجه مسلم أيضًا(١). وفي بعض ألفاظ البخاري: يسمون المحرم صفر. وابن طاوس: هو عبد الله، قاله أصحاب الأطراف، وقوله: (كانوا). يعني الجاهلية، وذلك من تحكماتهم المبتدعة. ولأبي داود: قال ابن عباس: والله ما أعمر رسول الله وَّر عائشة في ذي الحجة؛ إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدَّبَر، ودخل صفر، فقد (١) (صحيح مسلم)) (١٢٤٠) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- حلت العمرة لمن اعتمر (١). فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. وقوله: (صفر) كذا هو بغير ألف، كذا هنا في أصل بخط الدمياطي وفي مسلم، والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا، وفي ((المحكم)) كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: لمَ لا تصرفه؟ لأن النحويين قد أجمعوا على صرفه وقالوا: لا يمنع الحرف من الصرف إلا علتان، فأخبرنا بالعلتين فيه، فقال: نعم هما المعرفة والساعة، قال المطرز: يرى أن الأزمنة كلها ساعات، والساعات مؤنثة (٢). قال عياض: وقيل: صفر: داء يكون في البطن، كالحيات إذا اشتد جوع الإنسان عضته (٣)، وقال رؤبة: هي حية تلتوي في البطن، وهي أعدى من الجرب عند العرب (٤). وهذا إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه، كانوا يسمون المحرم صفرًا، ويحلونه، وينسئون المحرم أي: يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فتضيق عليهم أمورهم من الإغارة وغيرها، فضللهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّمَا الشَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال القرطبي: كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره(٥). (١) ((سنن أبي داود)) (١٩٨٧) كتاب: المناسك، باب: العمرة، وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٦/ ٢٢٧ (١٧٣٤). (٢) ((المحكم)) ٢٠٤/٨. (٣) ((مشارق الأنوار)) ٤٩/٢. (٤) انظر: ((غريب الحديث)) للهروي ٢٦/١. (٥) («المفهم)» ٣٦٣/٣. ٢٥٣ = ڪِتّابُ الحَجّ قال الكلبي: وأول من نسأ القلمس واسمه: حذيفة بن عبيد الكناني، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قُلَع، ثم ابنه أمية بن قلع بن عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة بن جنادة، وهو الذي أدركه سيدنا رسول الله أَچ، وقيل: مالك بن كنانة، وقيل: عمرو بن لحي. (وبرأ): بفتح الباء، أي: أفاق، قال ابن فارس يقال: برأت من المرض وبرئت أيضًا (١). والدبر: بفتحها جمع دبرة، يعني: الجرح الذي يكون في ظهر الدابة، وقيل: أن يقرح خف البعير. حكاه عياض(٢)، (وعفا الأثر). أي: درس أثر الحاج من الطريق، وأمحي بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها؛ لطول مرور الأيام. وقال الخطابي: أي: درس أثر الوبر المذكور (٣)، وفي أبي داود: وعفنا الوبر (٤). أي: كثر وبرها الذي خلفته رحال الحاج، وعفا من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي: كثروا، وقال الداودي: (عفا الأثر). أي: آثار الحج، وما نالهم في حجهم من الشعث. (وانسلخ صفر). أي: أنقضى. وقوله: (ويجعلون المحرم صفر): هو النسيء الذي قال تعالى فيه أنه زيادة في الكفر. يحلون الشهر الحرام. يعني: المحرم، يحرمون الحلال صفر. أي: يؤخرون حرمة الحرام إلى الحلال صفر. (١) ((مجمل اللغة)) ١٢٢/١. (٢) (مشارق الأنوار)) ٢٥٣/١. (٣) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٥٧. (٤) سبق تخريجه. ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال ابن فارس: كانوا إذا صدروا عن منى يقيم الرجل فيقول: أخرت عنكم حرمة المحرم، وأجعلها في صفر؛ لأنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة شهور لا يغيرون فيها؛ لأن معيشتهم كانت من الإغارة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الشَِّىءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾(١) [التوبة: ٣٧]. وقال ابن دريد: الصفران: شهران من السنة سمي أحدهما في الإسلام المحرم(٢). وقال في ((المحكم)) عن بعضهم: قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا. وروي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يغيرون فيه، فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع، وذلك أن صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا(٣). وقال القزاز: قالوا: إنما سموه صفرًا؛ لأنهم كانوا يخلون البيوت منهم بخروجهم إلى بلدٍ يقال له الصفرية يمتارون وقيل: لأنهم كان يخرجون إلى الغارة فتبقى بيوتهم صفرًا. وقيل: لأن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه: صفر الثاني، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا كي تستقيم لهم الأزمان على موافقة أسمائها مع الشهور، وكانوا يتطيرون به، ويقولون: لأن الأمور فيه متعلقة، والآفات واقعة. وقوله: (قدم صبيحة رابعة). فيه: دخولها نهارًا، وكان ابن عمر يستحبه، وكذا عطاء والنخعي وابن راهويه وابن المنذر، وهو أصح (١) ((مجمل اللغة)) ٨٦٦/٣. (٢) ((جمهرة اللغة)) لابن دريد ٢/ ٧٤٠. (٣) ((المحكم)) ٢٠٤/٨. ٢٥٥ - كِتَابُ الحَجِّ الوجهين عندنا، وقيل: دخولها ليلا ونهارًا سواء، وهو قول طاوس والثوري، وعن عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاءها ليلًا فلا بأس به. قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الإفاضة ليلاً (١)، وسيأتي ترجمة البخاري دخولها ليلًا ونهارًا، ولم يأت في دخولها ليلًا شيء نعلمه. وقوله: (تعاظم ذلك). أي: تعاظم مخالفة العادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحج، نقلوه عن الإحلال فقالوا: أي الحل: إحلال الطيب والمخيط كما يحل من رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة، أم غيره؟ فأخبره أنه الحل كله بإصابة النساء. الحديث الخامس: حديث أَبِي مُوسَى: قَدِمْتُ عَلَى رسول اللهِ وَّهِ. فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ. يريد: أمره بالفسخ لما لم يكن معه هدي، كما أمر أصحابه الذين لا هدي معهم. الحديث السادس: حديث(٢) مالك عن نافع عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: (إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ)). وقد أخرجه مسلم أيضًا(٣)، وقد أسلفنا الكلام عليه واضحًا. (١) انظر: ((الاستذكار)) ٢٤/١١، ((الأخيرة)) ٢٣٥/٣، «كفاية الطالب)) ٤٦٣/١، ((حاشية العدوي على كفاية الطالب)) ٤٦٣/١. (٢) ورد فوقها كلام غير واضح في الأصل. (٣) ((صحيح مسلم)) (٦٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال أبو عمر: زعم بعض الناس أنه لم يقل أحد في هذا الحديث عن نافع: ولم تحل أنت من عمرتك؟ إلا مالك وحده، قال: وهذه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة منهم: عبيد الله بن عمر وأيوب بن أبي تميمة، وهما ومالك حفاظ أصحاب نافع، قال: ولما لم يكن لأحد من العلماء سبيل إلى الأخذ بكل ما تعارض وتدافع من الآثار في هذا الباب، ولم يكن بد من المصير إلى وجه واحد منها، صار كل واحد إلى ما صح عنده بمبلغ اجتهاده، فصار مالك (أي)(١): والشافعي إلى تفضيل الإفراد لوجوه(٢) منها: أنه روي عن عائشة أيضًا من وجوه، فكانت تلك الوجوه عنده أولى من حديث حفصة هذا. ومنها: أنه الثابت في حديث جابر. ومنها: أنه أختيار أبي بكر وعمر وعثمان. ومنها: أنه أتم ولذلك لم يحتج فيه إلى جبر شيء بدم. وما أعلم أحدًا ردّ حديث حفصة هذا بأن قال: إن مالكًا تفرد بتلك اللفظة إلا هذا الرجل، والله يغفر لنا وله(٣). قال أبو عمر: وهذا أمر مجمع عليه في القارن، أنه لا يحل حتى يحل منهما جميعًا (٤). وقال ابن التين: قولها: ولم تحل أنت من عمرتك؟ يحتمل أن تريد من حجك؛ لأن معناهما متقارب بجامع القصد، وقيل: إنها إنما سمعته يأمر الناس بسرف بفسخ الحج في العمرة، ظنت أنه فسخ الحج فيها، وقيل: اعتقدت أنه كان معتمرًا. وقيل: يحتمل أن يكون قارنًا - كما ذكره الخطابي(٥) .- وقيل: يحتمل لمَ لمْ تهل بعمرة، وتتحلل بها؟ (١) كذا بالأصل ولعلها زائدة. (٢) سبق تخريج المسألة. (٣) ((التمهيد)» ٢٩٨/١٥- ٣٠١ بتصرف. (٤) ((التمهيد)) ٣٠٢/١٥. (٥) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٦٢، ((معالم السنن)) ١٤٥/٢. ٢٥٧ كِتَابُ الحَجّ = قال: والصواب أن المراد: لمَ لمْ تفسخ حجك في عمرة كفعل غيرك؟ ولعلها لم تسمع قوله ((من كان معه هدي فلا يحل)) (١). وقال القرطبي: معنى قولها، وقول ابن عباس: (من عمرتك). أي: بعمرتك، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. أي: بأمر الله، عبر بالإحرام بالعمرة عن القران؛ لأنها السابقة في إحرام القارن قولًا ونية، ولا سيما على ما ظهر من حديث ابن عمر أنه - القرية :- كان مفردًا(٢). وقوله: ((لبدت رأسي وقلدت هديي)) قال الداودي: فيه أن من لبد وقلد لا يحل حتى يحلق ويفرغ من الحج كله، وقال غيره: لا يمنع ذلك من إحلاله من عمرته؛ لأن من فعل ذلك وأهل بعمرة ينحر ويحلق عند كمالها، ولا يجب عليه لأجل التلبيد والتقليد إرداف حجة عليها، وإنما معناه: أن في الكلام حذفًا، وذلك أن يعلمها أنه لبد رأسه وقلد هديه للحج، فلا يمكنه التحلل من ذلك قبل أن يبلغ الهدي محله وينحره بمنى بعد كمال حجه، وأما من أحرم بعمرة وأكملها فلا يردف ويحلق، ولا يقال كره الحلق؛ لقرب الحج على ما ذكره مالك أنه يكره لمن اعتمر أن يحلق إذا قرب من الموسم؛ لأن مالكًا كان يقصر ولو من شعره، بخلاف الحج فيجمع بين الأمرين، وحفصة لم تسأله عن ترك الحلاق، وإنما سألته عن ترك (٣) التحلل(٣). (١) سلف برقم (١٦٣٨) باب: طواف القارن، ورواه مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه ... (٢) ((المفهم)» ٣٥٥/٣. (٣) ((المنتقى)) ٢٦/٤. ٢٥٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحديث السابع : حديث أبي جمرة نصر بن عمران قَالَ: تَمَثَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِ المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبََّةٌ. فَأَخْبَرْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ نَّهِ، وقال لِي: أَقِمْ عِنْدِي، وأجعل لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فقَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلِرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ. وأخرجه مسلم أيضًا بدون: أقم عندي، إلى آخره(١)، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٢). وفيه: ما كانوا عليه من التعاون على البر والتقوى، وحمدهم لمن يفعل الخير، فخشي أبو جمرة من تمتعه هبوط الأجر، ونقص الثواب؛ للجمع بينهما في سفر واحد وإحرام واحد، وكان الذين أمروا بالإفراد إنما أمروه بفعل رسول الله وَالر في خاصة نفسه؛ ليفرد الحج وحده، ويخلص عمله من الاشتراك فيه، فأراه الله الرؤيا؛ ليعرفه بها أن حجه مبرور، وعمرته متقبلة في حال الاشتراك؛ ولذلك قال له ابن عباس : أقم عندي. ليقص على الناس هذِه الرؤيا المثبتة لحال التمتع، ففيه دليل أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، وكيف لا وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؟ وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي). أن العالم يجوز له أخذ الأجرة على العلم، وقد أسلفنا أن قوله لأبي جمرة: هي السنة. أن معناه: أن كل ما أمر رسول الله وَي بفعله فهو السنة، فراجعه. (١) (صحيح مسلم)) (١٢٤٢) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. (٢) حديث سيأتي برقم (٦٩٨٩) كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ٢٥٩ كِتَابُ الحَجّ = الحديث الثامن : حديث أبي شهاب قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ .. إلى آخره. الحديث بطوله. قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له مسند إلا هذا. قال ابن التين: كأنه يقول: من كان هكذا لا يجعل حديثه أصلا من أصول العلم، واسمه: موسى بن نافع الحناط، وقد سلف الكلام عليه، وهما اثنان: أبو شهاب (خ. م. س) الحناط الكبير (١) هذا، والصغير عبد ربه بن نافع (خ. م. ت. ق)، وكلاهما في الصحيحين. وفيه تقديم وتأخير، التقدير: وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال رسول الله ◌َلة: ((اجعلوا إحرامكم عمرة، وتحللوا بعمل العمرة)) وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة، وهو أبين ما في هذِه الأحاديث من فسخه الحج إلى العمرة، وفي حديث جابر هذا إنما فعل ذلك لأنهم كانوا يتحرجون من العمرة في أشهر الحج، كما سلف، فأبطله وحضّ عليه كما في نذر عمر في الجاهلية، فإنه حضه على الوفاء بالنذر(٢)، وإن كان نذر الكافر لا يلزم إذا أسلم. وهذا الحديث طرف من حديث جابر بن عبد الله الطويل، وقد ساقه مسلم أحسن سياقة، وهو من أفراده(٣)، والبخاري ذكر جله في مواضع متفرقة من حديث جابر، وابن عمر، وابن عباس وابن مسعود، (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو شهاب الكبير قال فيه أحمد: منكر الحديث. قال في ((الكاشف)) في ترجمة الصغير: صدوق. وكل منهما له ترجمة في ((الكمال)). (٢) سيأتي برقم (٢٠٣٢) كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف ليلًا، ورواه مسلم (١٦٥٦) كتاب: الإيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم. (٣) (صحيح مسلم)) (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز ... ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وغيرهم(١)، وكذا فعل مسلم أيضًا(٢)، وصنف ابن المنذر عليه مصنفًا سماه ((التحبير))، استنبط منه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا من وجوه العلم، وبين في كل وجه منها وجه استدلاله، من أغربها: كراهة الحل للمحرمة، وبه قال أحمد، ومن فوائد القطعة التي ساقها البخاري: التقصير للمعتمر؛ ليتوفر الشعر للحُلاّق يوم النحر. الحديث التاسع: حديث سعيد بن المسيب قَالَ: أُخْتَلَفَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٍّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ◌َِِّ. فَلَمَّا رَأَىْ ذَلِكَ عَلِيٍّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. وقد أسلفناه في الحديث الثالث(٣). (١) سلف برقم (١٥٥٧) باب: من أهل في زمن النبي - 18 كإهلال النبي ◌َّر، وسيأتي برقم (١٥٧٠) باب: من لبى بالحج وسماه، و(١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها، و(١٧٥٨) كتاب: العمرة، باب: عمرة التنعيم، و(٢٥٠٥- ٢٥٠٦) كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن، و(٤٣٥٢) كتاب: التمني، باب: قول النبي وَّر: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت))، و(٧٣٦٧) كتاب: الاعتصام، باب: نهي النبي صل﴿ على التحريم إلا ما تعرف إباحته. (٢) رواه مسلم (١٢١٦) كتاب: الحج. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الأول من الجزء السادس من تجزئة. المصنف. وبالجانب الآخر من الهامش كتب: ثم بلغ في السادس بعد العشرين كتبه مؤلفه .