النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
= ڪِتّابُ الحَجِّ
وقوله: (ونحر النبي ◌َّ* بيده بدنات قيامًا) هُذِه السنة في نحر الإبل
قائمة؛ لأنه أمكن لنحرها؛ لأنه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد
اليسرى. وحكى ابن التين عن مالك - فيما رواه محمد عنه- أن الشأن
أن ينحر البدن قائمة، قد عقل يدها بالحبل، وقاله ابن حبيب وهو
تفسير قوله تعالى: ﴿صَوَآَفَّ﴾ [الحج: ٣٦] قال: وروى أيضًا محمد
عن مالك: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها(١).
والأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه كما فعل ◌َّة، قال ابن التين: وفي
غير هذا الموضع أنها كانت سبعين بدنة. وفي ((الموطأ)) عن علي أنه الكلي.
نحر بعض هدیه، ونحر بعضه غيره(٢).
وروي أن عليًّا نحر باقيها، وفي الجمع بين هذه الأحاديث الثلاثة
تكلف.
قُلْتُ: لا تكلف ولله الحمد، فقد أهدى مائة بدنة فنحر ثلاثًا وستين
بيده، كل واحدة عن سنة من عمره، وفيه إشارة إلى قدر عمره، وأعطى
عليًّا فنحر الباقي؛ ليبين الجواز فيه.
وقوله: (ذبح بالمدينة كبشين أملحين) جاء في رواية أخرى: ذبح
أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضحِّ من أمته، والأملح:
الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبیاض.
(١) ((النوادر والزيادات)) ٤٤٨/٢.
(٢) ((الموطأ)) ص٢٥٦ (١٩٠).

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٨- باب مَنْ أَهَلّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً
١٥٥٢- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، أَخْبَرَنَا ابن ◌ُرَئْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يُسَانَ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ نَّهِ حِينَ أَسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ
قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٤١٢/٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر وقد سلف في باب: الإهلال عند مسجد ذي
الحليفة فراجعه(١).
قال الطبري: جعل الله ذا الحليفة ميقاتًا للمدني، وللمار به من سائر
الناس فسواء في جواز الإحرام منه من أي مكان من المسجد أو فنائه،
بعدما استقلت به راحلته أو قبل أن تنهض به قائمة بعدما علا على شرف
البيداء أو قبل ما لم يجاوز ذا الحليفة، إذ كل ذَلِكَ قد روي عن رسول الله
وَلِ أنه فعله، وليس شيء من ذَلِكَ بخلاف لغيره، وقد يمكن أن يفعل
ذَلِكَ كله الَّ في عمرته التي اعتمر؛ إذ ذَلِكَ كله ميقات، ويمكن أن
یکون ذَلِكَ على ما قاله ابن عباس كما سلف عنه.
(١) برقم (١٥٤١) كتاب: الحج.

١٦٣
كِتَابُ الحَجّ
=
٢٩- باب الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ
١٥٥٣- وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: كَانَ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الْخُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ
رَكِبَ، فَإِذَا أَسْتَوَتْ بِهِ أَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّ حَتَّى يَبْلُغَ المَخْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ
حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوِى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُضْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ آغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ.
١٥٥٤- حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا أَزَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ أَذَّهَنَ بِدُهْنِ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ
بَأْتِي مَسْجِدَ الحَلَيْفَةِ فَيُصَلِي ثُمَّ يَزْكَبُ، وَإِذَا أَسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَخْرَمَ، ثُمَّ قَالَ:
هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَفْعَلُ.
سلف أيضًا حديثه المعلق والمسند هناك(١).
والتعليق الذي علقه عن شيخه أبي معمر -عبد الله بن عمرو بن
أبي الحجاج المنقري المقعد- ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع،
فذكره.
وصله أبو نعيم في ((مستخرجه)): حَدَّثَنَا إسحاق بن حمزة، حدثني
أبو القاسم بن عبد الكريم، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو معمر،
فذكره.
ووصله أيضًا ابن خزيمة في ((صحيحه))، حَدَّثَنَا عبد الوارث بن
عبد الصمد، ثنا أبي عن أبيه، عن أيوب فذكره(٢).
(١) برقم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواقع.
(٢) (صحيح ابن خزيمة)) ١٦٩/٤ (٢٦١٤) كتاب: المناسك، باب: استحباب
الأستقبال بالراحلة.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ووصله الإسماعيلي أيضًا من طريق ابن خزيمة: حَدَّثَني محمد بن
أبي حامد النيسابوري، أنا ابن خزيمة. والبيهقي عن أبي عبد الله،
عن أبي أحمد الحاكم، عن أبي بكر بن خزيمة.
وأخرجه مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب(١).
وقوله: (تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل)، أسنده في باب:
الاغتسال عند دخول مكة: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية،
ثنا أيوب، فذكره كما سيأتي(٢).
ولما ذكر الحاكم حديث ابن عباس: أغتسل رسول الله بَّر، ثم لبس
ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى
به على البيداء أحرم بالحج، وقال: صحيح الإسناد، قال: وله شاهد
على شرطهما عن ابن عمر: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم،
وإذا أراد أن يدخل مكة (٣).
وأما حديثه الثاني المسند فليس فيه استقبال القبلة عند الإهلال، نعم
هو في الأول، وإنما استقبلها لاستقبال دعوة إبراهيم بمكة، فلذلك يلبي
الداعي أبدًا بعد أن يستقبل بالوجه؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره
من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله بالتلبية في موضعه الذي دعا منه، ويلبيه
إذا ركب راحلته أراد به إجابة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وقوله: (فرحلت) هو مخفف الحاء، لأنه ثلاثي.
وقوله: (ثم يلبي حَتَّى يبلغ الحرم) معلوم من مذهبه أنه كان لا يلبي
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٥٩) كتاب: الحج، باب: استحباب المبيت بذي طوئ.
(٢) برقم (١٥٧٣) كتاب: الحج، باب: الاغتسال عند دخول مكة.
(٣) ((المستدرك)) ٤٤٧/١ كتاب: المناسك.

١٦٥
ـ كِتَابُ الحَجِّ
في طوافه، وقد كرهها مالك فيه، كذا نقله عن ابن عمر ابن بطال(١)،
وفيه نظر يأتي.
قال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن
السائب، وسيأتي من أجازه ومن كرهه في باب: الاغتسال عند دخول
مكة (٢)، إن شاء الله. وإنما كان يدهن بغير الطيب؛ ليمنع بذلك القمل
والدواب.
وقوله: (كان ابن عمر إذا صلى الغداة - يعني: الصبح- بذي الحليفة
أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به أستقبل القبلة قائمًا ثم
يلبي). قال الداودي: يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، أي:
يأمر بها ثم يصلي، ثم يركب، وإن كان هذا محفوظًا فلقرب ذَلِكَ من
الصلاة وإنما قال ذَلِكَ لما سلف عن بعضهم أنه يستحب الإحرام
عقب الصلاة.
وفيه: استقبال القبلة عند الإهلال؛ لأنها أشرف الجهات.
وقوله: (قائمًا) يعني: إذا وقفت به راحلته. ومبيت ابن عمر بذي
طوى للاتباع كما سيأتي، وهو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة
مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، قال البكري: واد بمكة (٣)، وعند
السهيلي في أسفلها (٤).
وذو طواء ممدود موضع بطريق الطائف، وقيل وادٍ. ودخول مكة
نهارًا أفضل. وقيل: الليل والنهار سواء، فقد دخلها التَّ في عمرة
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٧/٤-٢٢٨.
(٢) انظر شرح حديث (١٥٧٣).
(٣) ((معجم ما استعجم)) ٨٩٦/٣.
((الروض الأنف)) ٢٢٧/٢.
(٤)

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الجعرانة ليلا (١)، وهو المذكور في ((الهداية))(٢).
وهذا الغسل لدخول مكة سنة، فإن عجز عنه تيمم يستوي فيه
الحائض، والنفساء والصبي.
وقد أسلفنا كلام ابن حزم فيه، قال: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج
إلا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذِه
تغتسل ولابد، والمرأة تلد قبل أن تهل بعمرة أو بالقران، ففرض
عليها أن تغتسل وتهل(٣).
وقال في الطهارة: الحيض والنفاس شيء واحد، وحكم واحد
فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل (٤).
قال صاحب ((الاستذكار)): ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه
-يعني: الغسل للإحرام- إلا الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول
أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه، وهو سنة مؤكدة عند
مالك وأصحابه ولا يرخصون في تركه إلا من عذر. وعن عبد الملك
وهو لازم، إلا أنه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية.
وقال ابن خويز منداد(٥): هو عند مالك آكد من غسل الجمعة. وقال
(١) رواه الترمذي (٩٣٥).
(٢) ((الهداية)) ١٥١/١.
(٣) ((المحلى)) ١٨٦/٧.
(٤) ((السابق)) ٢٦/٢.
(٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: علي، بدل: عبد الله، الفقيه، أبو بكر بن
خويز منداد المالكي، صاحب أبي بكر الأبهري، من كبار المالكية العراقيين.
صنف كتابًا كبيرًا في الخلاف، وآخر في أصول الفقه، وكتاب ((أحكام القرآن)).
انظر تمام ترجمته في ((تاريخ الإسلام)» ٢١٧/٢٧، ((الوافي بالوفيات)» ٥٢/٢
(٣٣٧).

١٦٧
كِتَابُ الحَ﴾ِّ
=
أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم،
وهذا أول اغتسال الحج بعد الإحرام، وبعده الوقوف بعرفة ومزدلفة
غداة النحر وأيام التشريق للرمي، واستحبه الشافعي في القديم في
الطواف (١).
وقوله: (حَتَّى يبلغ الحرم، ثم يمسك حَتَّى إذا جاء ذا طوى بات به)
أي: يتابع إهلاله في أكثر أوقاته إلى أن يبلغه.
وقوله: (ثم يمسك) قال ابن التين: لعل معناه أنه محرم بعمرة؛ لأن
الحاج لا یمسك حينئذ. وروي عن مالك یمسك حينئذ.
وقوله: (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم رفعه إلى رسول الله
وَّة) قال ابن التين: يحتمل أن يعيد ذَلِكَ للاستواء على الراحلة
أو يكون أراد به تطيبًا، ولم يعن بما لا رائحة له؛ لأن عائشة طيبته
للإهلال بأطيب الطيب المسك.
ويحتمل أن يكون الَّ فعل ذَلِكَ بعد أن تطيب بالمسك، فلم يره ابن
عمر حين تطيب به.
فائدة :
في ((سنن سعيد بن منصور)): حَدَّثَنَا جرير عن مغيرة قال: ذكر عند
إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت. وقال
إبراهيم: لا، بل يلبي قبل الطواف، وفي الطواف، وبعد الطوف،
ولا يقطعها حَتَّى يرمي الجمرة(٢).
(١) ((الاستذكار)) ١٢/١١. وانظر ((الهداية)) ١٤٨/١، ((المبسوط)) ٣/٤، ((البيان)) ٤/
١٢٠.
(٢) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) ١٣٦/٧.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال الترمذي في ((علله)): سألت محمدًا عن أبي إسحاق قال: قال:
سأل أبي عكرمة -وأنا أسمع- عن الإهلال متى يقطع؟ فقال: أهلَّ النبي
وَالثُ حَتَّى رمى الجمرة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان الحديث. فقال: هو
حديث محفوظ (١).
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، إلا أن
أبا حنيفة، والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في
الجمرة(٢). وقال ابن حزم: بل مع آخر حصاة منها، وقد قال ابن
عباس وأسامة: لم يزل العَّ يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة. وهو خلاف
ما قالاه، ولو كان كما قالاه لقالا: حَتَّى بدأ بجمرة العقبة. ومن
حديث عبد الله بن إبراهيم بن حسين، عن أبيه، عن ابن عباس قال:
سمعت عمر يهل وهو يرمي جمرة العقبة، فقيل له: ما الإهلال يا أمير
المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا؟(٣).
وقال قوم منهم مالك: إن الحاج يقطعها إذا طاف، وبالصفا
والمروة، وإذا أتم ذَلِكَ عاودها. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يقطع.
وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم. وقال آخرون: لا يقطعها
حَتَّى يرى بيوت مكة. وقالت طائفة: حَتَّى يدخل بيوتها. وقال أبو حنيفة:
لا يقطعها حَتَّى يستلم الحجر، ويعضد ما ذكره المروذي، عن أحمد،
عن هشيم، ثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
(١) ((علل الترمذي الكبير)) ٣٨٧/١ (١٣٧).
(٢) أنظر ((المبسوط)) ٢٠/٤، ((روضة الطالبين)) ١٠٢/٣- ١٠٣، ((المغني)) ٢٩٧/٥-
٢٩٨.
(٣) رواه ابن حزم في ((المحلى)) ١٣٦/٧، والبيهقي ١١٣/٥ كتاب: الحج، باب:
التلبية يوم عرفة وقبله وبعده ...

١٦٩
= ڪِتَابُ الحَجّ
اعتمر رسول الله صل﴿ ثلاث عمر، كل ذَلِكَ في ذي القعدة، يلبي حَتَّى
يستلم الحجر.
وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة يقطع التلبية.
وقال الشافعي: لا يقطع حَتَّى يفسخ الطواف. وقال مالك: من أحرم
من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم، فإن أحرم من الجعرانة
أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو المسجد. وروي عن ابن
عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حَتَّى يستلم الركن(١)، وكان ابن عمر
يقطعها إذا رأى بيوت مكة (٢).
وكانت أم سلمة تأمر يوم عرفة بالشمس ترعى لها [رعية](٣)، فإذا
زالت قطعت التلبية، ذكره ابن أبي حاتم في ((علله))، عن موسى بن
يعقوب، عن عمته، عنها (٤).
قال ابن حزم: والذي نقول به هو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها،
قال: فإن قالوا: فهل عندكم اعتراض فيما روي عن ابن عمر: أنه
كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية، ويرفع الحديث، قُلْتُ:
لا معترض فيه، وهو صحيح؛ إلا أنه لا حجة لكم فيه؛ أول ذَلِكَ أنه
ليس فيه ما تذكرون من أن هذا كان في العمرة، فهو مخالف لما
اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج، ولما اختاره أبو حنيفة في
العمرة أيضًا، نقول لمن ذهب إلى قول مالك: لا حجة لكم فيه؛ لأنه
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٤٩/٣ (١٤٠٠١) كتاب: الحج، باب: في المحرم المعتمر
متى يقطع التلبية.
(٢) ((المحلى)) ١٣٥/٧-١٣٨ بتصرف.
(٣) ليست في الأصل، والمثبت من ((العلل)).
(٤) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٨٩/١ (٨٦٣).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قد يمكن أن ابن عمر إنما أشار بقوله: أنه الظّهر كان يفعل ذَلِكَ، أي: إلى
مبيته بذي طوى، وصلاة الصبح بها فقط، وكذا نقول: أو يكون أشار
بذلك إلى قطع التلبية، كما نقول فإن كان هذا فخبر جابر، وأسامة،
وابن عباس مرفوعًا، لزم التلبية ولم يقطعها حَتَّى رمي جمرة العقبة،
زائد على خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها(١).
وما أسلفناه عن ابن مسعود أخرجه الحاكم بلفظ: والذي بعث
محمدًا بالحق لقد خرجت معه من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية
حَتَّى رمى الجمرة؛ إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل، ثم قال: صحيح
على شرط مسلم (٢).
وفي ((علل ابن أبي حاتم)): سُئِلَ أبو زرعة عن حديث يونس بن
بكير، عن ابن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة (٣) عن كريب، عن ابن
عباس قال: بعثني النبي ◌ِّليل مع ميمونة أقود بها بعيرها يوم النحر،
لبت من جمرة العقبة بمنى، فما زلت أسمعها تلبي، فلما قذفت
الجمرة بأول حصاة أمسكت.
فقال أبو زرعة: إنما هو عن كريب قال: بعثني ابن عباس مع
میمونة، ویونس یھم فیه(٤).
فائدة: أقدمها هنا وأحيل عليها فيما بعد: اختلف العلماء في إهلاله
وَلَ﴿، هل كان مطلقًا أو معينًا؟ وإذا كان معينًا، فهل كان إفرادًا، أو تمتعًا،
أو قرانًا؟
(١) ((المحلى)) ١٣٨/٧ بتصرف.
(٢) ((المستدرك)) ٤٦١/١-٤٦٢ كتاب: المناسك.
(٣) في الأصل: إبراهيم بن عقبة عن ابن عمر عن كريب، والمثبت من ((العلل)).
(٤) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٩٥/١ (٨٨٤).

١٧١
= ڪِتَابُ الحَتِّ
فروى الشافعي من حديث طاوس الأول، وأنه كان ينتظر القضاء،
فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه من كان منهم
أهلَّ وليس معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث(١).
ومن حديث جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله ◌َّر في تلبيته
حجًّا ولا عمرة(٢).
وقال في كتاب ((مختلف الحديث)): إنه الأشبه أن يكون محفوظًا(٣).
وقال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: ((لو
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة))،
ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال، وذلك لا يكون
إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قرنهما جميعًا،
فكان من زاد أولى. ووجه الاختلاف أنه القيم لما عقد الإحرام جعل
يلبي تارة بالحج، وتارة بالعمرة، وتارة بهما (٤).
وأما قول المهلب السالف: رد ابن عمر على أنس قوله: أهلَّ بحج
وعمرة، وقال: كان أنس حينئذٍ يدخل على النساء وهن متكشفات، ينسبه
إلى الصغر وقلة الضبط. زاد الطرطوسي في (كتاب الحج)) له: روى ابن
عمر أن النبي ◌َّ﴾، وأبا بكر، وعمر، وابن عوف أفردوا الحج ولم
يقرنوا، ولم يتمتعوا، قال: وهذا يدفع اعتراض من قال: سمع الحج
ولم يسمع العمرة.
(١) ((مسند الشافعي)) ٣٧٢/١ (٩٦٠).
(٢) ((مسند الشافعي)) ٣٧٠/١ (٩٥٧)، ((الأم)) ١٣٢/٢.
(٣) ((اختلاف الحديث)) ص٢٢٩.
(٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: مما يرجح القران أن رواة الإفراد اختلف
فیھم بخلاف من رواه.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وسئل أيضًا: بم أهلَّ رسول الله وَلاَ؟ قال: بالحج مفردًا، فلما كان
في العام القابل سأله ذَلِكَ الرجل، فقال ابن عمر: أليس قد سألت عام
أول، فقلت لك: أهل بالحج مفردًا؟ فقال: إن أنسًا يقول: قرن(١).
فقال: كان أنس صغيرًا يتولج على النساء وهن متكشفات لا يستترن
منه لصغره، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله ولم يمسني لعابها. وفي
رواية: يسيل علي لعابها، سمعته يهل بالحج مفردًا، وأهللنا مع النبي
بالحج خالصًا لا يشوبه شيء، ففيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسن
أنس نحو العشرین.
وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول على النساء حين بلغ عمره
خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وسنه نحو سن
ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلا نحو من سنة أو دونها.
قال ابن حزم: روي عن جميع من روى الإفراد القران، وهم
عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس. ووجدنا عليًّا وعمران بن
حصين روي عنهما التمتع والقران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة،
والبراء بن عازب، وأنس بن مالك لم تضطرب الرواية عنهم
ولا اختلاف عنهم فيه، فنترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه،
ونرجع إلى رواية من لم تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول
من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يعارض منها.
وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذا
كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله مصطفى، ولم
تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه، فوجهه أنَّا وجدنا
(١) رواه بنحوه ابن حزم في ((حجة الوداع)) ص ٤٣٣.

١٧٣
كِتَابُ الحَجِّ
=
من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده دون عمرة
معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة
وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع الأمرين
معًا، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة
وحدها حجًّا، وكانت هذِه زيادتي علم يذكرهما الآخرون، وزيادة
حفظ، ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة،
وواجب الأخذ بها(١). سيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع،
كما في ((الصحيح)) من حديث بكر عن أنس: سمعت النبي ◌َّر يلبي
بالحج والعمرة، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى
بالحج. قال: فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس:
ما يعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لبيك عمرة
وحجا))(٢)
وفي لفظ: جمع بينهما - بين الحج والعمرة- وفي حديث يحيى بن
أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد سمعوا أنسًا قال: سمعت
رسول الله ﴿ أهل بهما: ((لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجًا))(٣).
وفي ((الاستذكار)) من رواية الحسن بإسناد جيد: وقرن القوم، فلما
قدموا مكة قال لهم النبي ويتلقى: ((أحلوا)) فهاب القوم فقال: ((لولا أن معي
هديًا لأحللت))(٤).
(١) ((حجة الوداع)) ص٤٤٦ - ٤٤٨ بتصرف.
(٢) رواه مسلم (١٢٣٢).
(٣) رواه مسلم (١٢٥١) باب: إهلال النبي ◌َّفر وهديه.
(٤) ((الاستذكار)) ١٤٩/١١، وسيأتي بنحوه عن أنس برقم (١٥٥٨).

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعند الحاكم على شرطهما أنه التَّ قال: ((لبيك بحج وعمرة معًا))(١)
وسيأتي عند الطحاوي اختلاف علي وعثمان، وقول علي: ما كنت لأدع
سنة رسول الله ﴿ لقول أحدكم، أهل بهما: ((لبيك بعمرة وحجة)).
وسلف قول عمر: سمعت رسول الله: ((أتاني الليلة آت من ربي ◌َ
فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)) (٢)
ولمسلم من حديث عمران بن حصين أنه الكليّة جمع بين حجة
وعمرة، ثم لم ينه عنه حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه(٣).
ولأبي داود بإسناد جيد عن البراء، عن علي أنه العليا لما قدم من
اليمن قال: ((إني قد سقت الهدي، وقرنت))(٤).
ومن حديث الصبي بن معبد بإسناد جيد في حديث قال: ((أهللت
بالحج والعمرة)). قال لي عمر: هديت لسنة رسول الله وَ الله مرتين(٥).
صححه الدارقطني في ((علله))(٦)، وقال أبو عمر: جيد الإسناد، رواه
الثقات والأثبات، عن أبي وائل، عن الصبي، عن عمر. ومنهم من
يجعله عن أبي وائل عن عمر، والأول مجود، ورواته أحفظ(٧).
وللحاكم -وقال: على شرطهما- عن أبي قتادة: إنما قرن القريلا
(١) ((المستدرك)) ١/ ٤٧٢ كتاب: المناسك.
(٢) برقم (١٥٣٤) باب: العتيق وادٍ: مبارك.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٢٢٦/ ١٦٧) باب: جواز التمتع.
(٤) (سنن أبي داود)) (١٧٩٧) وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (١٥٧٧).
(٥) ابن ماجه (٢٩٧٠)، وأحمد ١٤/١، ٢٥، ٣٤، ٣٧، ٥٣، وابن خزيمة في:
((صحيحه)) ٤/ ٣٥٧-٣٥٨ (٣٠٦٩)، وابن حبان ٢١٩/٩-٢٢٠ (٣٩١٠-٣٩١١)،
والبيهقي ١٦/٥.
(٦) ((علل الدارقطني)) ١٦٥/٢.
(٧) (التمهيد)» ٢١٢/٨ وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٥٧٨).

١٧٥
كِتَابُ الحَجِّ
بينهما؛ لأنه العفيفى علم أنه ليس بحاج بعدها (١).
وفي ((الاستذكار)) روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد:
سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول بالكوفة: إنما جمع الشّ بينهما؛ لأنه
علم أنه لا يحج بعدها(٢).
٠
ولأحمد عن سراقة بإسناد صالح قال: قرن رسول الله وَالر في حجة
(٣)
الوداع (٣).
وعن أبي طلحة أنه القديمة جمع بينهما. أخرجه ابن ماجه، وفيه
الحجاج بن أرطاة(٤).
وللترمذي محسنًا عن جابر أنه الظّهر قرن الحج والعمرة (٥).
وقال أبو حاتم الرازي: إنه منكر (٦).
وقال ابن حزم: صح عن عائشة وحفصة أنه العليّه كان قارنًا(٧)، يريد
بذلك رواية أبي داود عن عائشة: ((طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة،
يكفيك لحجك وعمرتك)»(٨).
(١) ((المستدرك)) ١/ ٤٧٢.
(٢) ((الاستذكار)) ١٤٧/١١.
وورد بهامش الأصل: حديث سراقة رواه ابن ماجه بلفظه: سمعت رسول الله وَّ ه
يقول: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) قال: وقرن رسول الله وَ ل﴾. فقوله
في حجة الوداع ثبت فيه.
(٣) ((مسند أحمد)» ٤/ ١٧٥.
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٩٧١)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٤٠٥).
(٥) ((سنن الترمذي)) (٩٤٧).
(٦) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ٢٨٥/١-٢٨٦.
(٧) ((حجة الوداع» ص٤٢٢.
(٨) ((سنن أبي داود)) (١٨٩٧)، ورواه مسلم (١٣٣/١٢١١) بنحوه.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
وقال أبو حاتم: عن عطاء مرسلًا أصح، قال: وأما رواية عمرو بن
دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أنه الثَّور قال لعائشة: ((طوافك الأول
بين الصفا والمروة الحج والعمرة) فهو حديث منكر(١).
قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة(٢)، وقال الطحاوي: قوله:
((طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك)) يبعد أن يكون من كلام
النبي في القلوب؛ لأن الطواف وإن كان للحج فهو له دون العمرة،
وإن كان لهما جميعًا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر(٣).
وحديث حفصة رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عنها يرفعه:
((لا أحل حَتَّى أحل(٤) من الحج))(٥)، ولأحمد بإسناد جيد: عن أم سلمة:
سمعت رسول الله ( 9 يقول: ((أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج))(٦).
ولأبي داود من حديث أبي خَيْوان شيخ الهنائي أن معاوية قال
للصحابة: هل تعلمون أن رسول الله * نهى أن يقرن بين الحج
والعمرة؟ قالوا: لا(٧).
(١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ٢٨٨/١.
(٢) ((المحلى)) ١٦٩/٧، و((حجة الوداع)) ص٣١٨.
(٣) أنظر ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٠/٢.
(٤) في الأصل: أحلق، والصواب ما أثبتناه كما في ((مسند أحمد)) ٦/ ٢٨٣، وكثير من
مصادر التخريج.
(٥) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢٥٦ بلفظ: ((لا أحل حتى أنحر)).
(٦) ((مسند أحمد)) ٢٩٧/٦-٢٩٨. وورد بهامش الأصل: حديث أم سلمة مختصر هنا
وكأن الشيخ ذكر منه موضع كلامه والاقتصار على بعض الحديث جائز على
الصحيح.
(٧) ((سنن أبي داود)) (١٧٩٤) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، وقال الألباني
في ((صحيح أبي داود)) (١٥٧٤): حديث صحيح، إلا النهي عن القرن بين الحج
والعمرة؛ فهو منكر؛ لمخالفة الأحاديث المتقدمة.

١٧٧
== ڪِتَابُ الحَجّ
وقال المنذري: اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، فذكره(١).
ولابن أبي شيبة من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال:
سمعت أصحاب محمد يهلون بحجة وعمرة معًا (٢).
ومن حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان قال: سألنا ابن
عمر عن رجل أهل بحج وعمرة معًا، وإنا عبنا ذَلِكَ عليه، ما كفارته؟
قال: كفارته أن يرجع بأجرين وترجعون بواحد(٣).
وللكجي عن الهرماس بن زياد قال: سمعت النبي ◌َّ على ناقته
قال: ((لبيك حجة وعمرة معًا)) (٤). قال ابن أبي حاتم، عن أبيه:
فذكرته لأحمد فأنكره قال أبي: أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث
في حديث، وسرقه الشاذكوني؛ لأنه حدث به بعد عن يحيى بن
(٥)
الضريس(٥).
ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم
بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنِنَّهما))(٦).
والظاهر أن هذا شك من صحابي أو ممن دونه ورجح أصحابنا
الإفراد بأن رواته أكثر، ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع
والقران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما.
(١) (مختصر سنن أبي داود)) ٣١٨/٢.
(٢) ((المصنف)) ٢٧٨/٣ (١٤٢٩٥) كتاب: الحج، باب: فيمن قرن بين الحج والعمرة.
(٣) ((المصنف)) ٢٧٨/٣ (١٤٢٩٦).
(٤) ورد بهامش الأصل: وحديث الهرماس رواه عبد الله في ((المسند)) ولفظه:
قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي وَّر على بعير وهو يقول: ((لبيك بحج وعمرة
معًا».
(٥) ((علل الحديث)) ٢٩١/١ (٨٧٢).
(٦) (صحيح مسلم)) (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي ◌َّر وهديه.

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال الخطابي: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج
فحكي أنه أفرد، وخفي عليه قوله: ((وعمرة)). ولم يحك إلا ما سمع
ولا منافاة. ويحتمل أن يكون سمعه على سبيل التعليم لغيره.
وأما من روى التمتع فأثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وما
رواه أنس من القران إلا أنه أفاد إيقاعهما في زمانين، وهو ما روته
حفصة(١).
ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((لأهللت بعمرة)) أي: لتفردت بها
يطيب به نفوس من تمتع، فتكون دلالته حينئذ على معنى الجواز،
لا على معنى الاختيار، وسأذكر قريبًا من كلام إمامنا الشافعي في
اختلاف الحديث ما يجمع به الشتات إن شاء الله، وسيأتي حجة من
رجح التمتع مع المناقشة معه.
(١) انظر: ((معالم السنن) ١٣٩/٢.

١٧٩
كِتَابُ الحَجّ
٣٠- باب التّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ في الوَادِي
١٥٥٥- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِ عَدِيٌّ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنْ
بُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ
بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: ((أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَيْهِ إِذِ آَنْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي)). [٣٣٥٥، ٥٩١٣ - فتح: ٤١٤/٣]
ذكر فيه عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عَبَّاسِ فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ
قَالَ: ((مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ
قَالَ: ((أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذا أُنْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَِّّي)).
هذا الحديث ذكره في باب: الجعد، من كتاب: اللباس بزيادة: ((أما
إبراهيم ◌َّ فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى ◌َّ فرجل آدم، جعد،
على جمل أحمر مخطوم بخلبة))(١).
ولمسلم: مر رسول الله ◌َ* بوادي الأزرق، فقال: ((أي وادٍ هذا؟))
قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى موسى وَلِّ ها بطًا من
الثنية، واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله
تعالى بالتلبية)) ثم أتى على ثنية هَرْشَى، فقال: ((أي ثنية هذِه؟)) قالوا:
ثنية هَرْشَى. قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن متى وَّ على ناقة حمراء
جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة، وهو يلبي))(٢).
قوله: (إذا أنحدر). أنكر بعضهم إثبات الألف، وغلط رواته، وهو
غلط منه. كما قال القاضي، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا؛ لأنه وصفه حالة
(١) سيأتي برقم (٥٩١٣).
(٢) (صحيح مسلم)) (١٦٦) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله اله.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
انحداره فيما مضى(١).
وفيه: أن التهليل في بطن الوادي من سنن المرسلين صلوات الله عليهم
أجمعين. فإن قيل: فكيف يحجون، ويلبون، وهم في الدار الآخرة،
وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم أحياء في هذِه الدار عند ربهم ثَق؛
ولأن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿وَعْوَهُمْ فِيَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾
[يونس: ١٠] والتلبية دعاء، وحبب إليهم ذَلِكَ فيتعبدون بما يجدون من
دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون، كما يحمده، ويسبحه أهل الجنة.
قال القَّم: ((يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس))(٢) ويحتمل أن هذه
رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء.
ويحتمل أنه أري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال
حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال: ((كأني أنظر إلى
موسى))(٣) ((كأني أنظر إلى عيسى)) أو يكون أخبر عن الوحي في أمرهم،
وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين.
وزعم الداودي أن قول من روى ((موسى)) وهم من الرواة؛ لأنه لم
يأت أثر ولا خبر عن موسى أنه حي، وأنه سيحج، وإنما ذَلِكَ عن
عيسى، فاختلط على الراوي، فجعل فعل عيسى لموسى، بيانه قوله
في حديث آخر: ((ليهلن ابن مريم بفج الروحاء)) (٤).
(١) ((إكمال المعلم)) ٥١٨/١.
(٢) رواه مسلم من حديث جابر برقم (٢٨٣٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في
صفات الجنة، وأحمد ٣٤٩/٣، وأبو يعلى في ((مسنده» ٤١٨/٣ (١٩٠٦).
(٣) رواه مسلم (١٦٦).
(٤) رواه مسلم من حديث أبي هريرة (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي وَلخر
وهدیه.