النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
مسنة)) (١). قلنا نحن بهذا، وليس فيه إسقاط الزكاة عما دون ذَلِكَ(٢).
ثم ساق بإسناده إلى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار
قال: كان عمال ابن الزبير وطلحة بن عبيد الله بن عوف يأخذون من كل
خمسين بقرة بقرة، ومن كل مائة بقرتين، فإذا كثرت ففي كل خمسين بقرةً
بقرةٌ(٣).
ثم قال ابن حزم: وجدنا الآثار الواردة فيه عن رسول الله وَحۀ
منقطعة، ولا يصح في هذا من طريق إسناد الآحاد، ولا من طريق
التواتر شيء، ولا عن أحد من الصحابة شيء لا يعارضه غيره، ولم
يبق إلا ما رويناه من عمل ابن الزبير وطلحة بن أخي عبد الرحمن بن
عوف بحضرة بقية الصحابة، ولم ينكروه، ووجدنا الإجماع المتيقن
المقطوع به الذي لا خلاف فيه وحكم به من الصحابة ومن بعدهم أن
في كل خمسين بقرة، وكل ما دون ذَلِكَ فمختلف فيه ولا نص في
إيجابه، فلم يجز القول به (٤).
وحكى ابن التين مقابله أن في خمس وعشرين تبيعًا، وفي أربعين
مسنة. وعن شهر بن حوشب في عشر شاة، وفي عشرين شاتان(٥)، ثم
نقل عن القاضي أبي محمد بعد أن حكى مقالة أبي قلابة وسعيد
والزهري أيضًا أن كل هذا لا يلتفت إليه، والأصل في الباب الذي
يجب أن يصار إليه حديث معاذ ((خذ البقر من البقر)) وحديثه في
(٢) ((المحلى)) ٣/٦ - ٥.
(١) تقدم تخريجه.
(٣) ((المصنف)) ٢٣/٤ (٢٨٤٦) كتاب: الزكاة، باب: البقر.
(٤) ((المحلى)) ٧/٦ و١٦.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٣٣/٢ (١٠٧٤٧) كتاب: الزكاة، من قال:
فيما دون ثلاثين من البقر زكاة.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
((الموطأ)) أن معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين مسنة، وأُتي
ما دون ذَلِكَ فأبى أن يأخذ، وقال: لم أسمع من النبي ◌َّ فيه شيئًا حتَّى
ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله وَّ قبل أن يقدم معاذ(١).
وفي حديث سليمان، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو
بن حزم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو
جذعة، وفي كل أربعين بقرة))(٢).
وقد تكلف بعض الناس إيراد شبهة لبعض ما تقدم من الأقاويل
المختلفة فقالوا: يمكن أن يحتج لذلك بما روي في حديث عمرو بن
حزم أنه ◌َّ ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه فقال: ((وكذلك البقر))
وهذا غير محفوظ في نقل صحيح، وروينا صدقة البقر مفسرة من
طريق عمرو بن حزم ونحوه، ويحتمل ذَلِكَ إن صح أن يكون عطفًا
على وجوب الزكاة دون صفتها قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن
الواحد يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت كذلك في صفة الزكاة،
وهذا لا يصح على أصل المالكية؛ لأنهم لا يجيزون الاشتراك في
الأضحية، فبطل قولهم.
فرع :
التبيع عندنا: ما له سنة، والمسنة: ما لها سنتان، وفي ذَلِكَ خلاف
عندنا(٣)، والتبيع والجذع عند المالكية: ما له سنتان، وقيل: سنة،
(١) ((الموطأ)) ٢٦٦/١ - ٢٦٧ (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الماشية.
(٢) رواه الحاكم ٣٩٥/١ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي ٨٩/٤ كتاب: الزكاة،
باب: كيف فرض الزكاة، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٣٣٣) وانظر:
((الإرواء)) (١٢٢).
(٣) أنظر: ((العزيز)) ٤٧٢/٢، و((روضة الطالبين)) ١٥٢/٢.

٤٢٣
كِتَابُ الرِّكَاةِ
=
والمسنة: ما لها ثلاث، وقيل: سنتان(١).
فرع :
لو أخرج تبيعة أجزأت عندنا(٢)، بل هي أولى للأنوثة، وانفرد
أبو حنيفة فجوز الذكر بدل المسنة وإن كانت بقره إناثًا(٣).
ونقل ابن التين عن بعض أصحابنا: إن كانت البقر ذكورًا كلها أخذ
فيها مسنًا ذكرًا، دليلنا حديث معاذ السالف ((مسنة)) ولم يفرق. وبيّن في
حديث عمرو بن حزم أن التبيع يجوز أن يكون ذكرا أو أنثى على
ما سلف، ولم يذكر ذَلِكَ في مسنة، ولأن المأخوذ في فرائض الماشية
الإناث، إلا من ضرورة اعتبارًا بالإبل والغنم.
(١) أنظر: ((المنتقى)) ١٣١/٢.
(٢) انظر: ((الحاوي)) ١٠٨/٣، و((التهذيب)) ٢٧/٣.
(٣) انظر: ((المبسوط)) ١٨٨/٢، و((الفتاوى التاتارخانية)) ٢٢١/٢.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٤- باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَهُ أَجْرَانٍ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَالصَّدَقَةِ)).
[انظر: ١٤٦٦]
١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي
طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ﴾، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنَّصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا
مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الَمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ
وِّ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسّ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِه الآيَةُ: ﴿لَنْ
نَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ له
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِيٍ إِلَى بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَزْجُو بِرَّهَا
وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَغْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ:
((بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ
تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةً في
أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْجٌ. وَقَالَ يَخْيَى بْنُ يَخْيَى وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكِ: ((رايحٌ)). [٢٣١٨، ٢٧٥٢،
٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١- مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣٢٥/٣]
١٤٦٢- حَدَّثَنَا ابن أَبي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي زَيْدٌ، عَنْ
عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ◌ُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِهِ فِي أَضْحَى - أَوْ
فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ،
تَصَدَّقُوا)). فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ
أَهْلِ النَّارِ)). فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ،
مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلِ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ یَا
مَعْشَرَ النِّسَاءِ)). ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ أَمْرَأَةً ابن مَسْعُودٍ

٤٢٥
= كِتَابُ الزَّكَاةِ
تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه زَيْنَبُ، فَقَالَ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟)). فَقِيلَ: أَمْرَأَةً
ابن مَشْعُودٍ. قَالَ: (نَعَم آتّذَنُوا لَهَا)). فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ
بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِيَ حُلِيٍّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابن مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ
أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((صَدَقَ ابن مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ
أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ)). [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٣٢٥/٣]
ثم ذكر فيه حديث عبد الله بن يوسف، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عن أَنَسَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ
مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً
المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ،
قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هُذِه الْآيَةُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ يَقُولُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل
عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَى بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا
وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: (بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالُ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا
قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا
رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكِ: (رَايِحٌ)).
ثم ذكر حديث أبي سعيد خَرَجَ علينا رَسُولُ اللهِ وَلّ فِي أَضْحَى -أَوْ
فِظْرٍ - إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَّةِ ..
الحديث، وفي آخره: ((زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ)).
الشرح :
أما الحديث الأول المعلق فسیأتي مسندًا قريبًا في حدیث زینب زوج

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابن مسعود بلفظ: ((لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة))(١)
وأخرجه مسلم أيضًا(٢)، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم أيضًا (٣)،
وكذا النسائي في التفسير (٤)، وفي رواية للبخاري: ((قبلناه منك ورددناه
عليك، فاجعله في الأقربين)). فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه،
قال: وكان منهم أبي -يعني: ابن كعب- وحسان، فباع حسان حصته
منه من معاوية، فعوتب فيه فقال: ألا نبيع صاعًا من تمر بصاع من
دراهم! خرجه في الوصايا (٥).
وقال: قال الأنصاري: حَدَّثَني أبي عن ثمامة، عن أنس قال:
أجعلها لفقراء قرابتك(٦). وهذا التعليق أسنده أبو نعيم والطحاوي من
طريق إبراهيم بن مرزوق عنه(٧).
زاد ابن خزيمة: «أو في أهل بيتَك)» وفي رواية: لما نزلت هذِهِ
الآية: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبَرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أو: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو طلحة: يا رسول الله.
الحديث(٨)، وللترمذي: يا رسول الله حائطي لله، ولو استطعت أن
(١) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على
الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٩٩٨).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٦/ ٣١١ - ٣١٢ (١١٠٦٦).
(٥) سيأتي برقم (٢٧٥٨) باب: من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل إليه.
(٦) سيأتي في باب: إذا وقف أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب، كتاب: الوصايا.
(٧) (شرح معاني الآثار)) ٢٨٩/٣، و٣٨٦/٤.
((صحيح ابن خزيمة)) ١٠٥/٤ (٢٤٥٨) كتاب: الزكاة، باب: الأمر بإتيان القرابة
بما يتقرب به الموالي ..

٤٢٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
أسره لم أعلنه(١). وسيأتي في الوقف والوكالة والأشربة والتفسير(٢)،
ووقع في ((العباب)) للصغاني عن أنس أنه قال: وكنت أقرب إليه
منهما(٣). وليس كذلك فإنهما يجتمعان في حِرام، وهو الأب الثالث
بخلافه، وقد ساق ابن بطال بإسناده قال أنس: وكانا أقرب إليه
مني (٤)، فصح.
وحديث يحيى بن يحيى أخرجه الدار قطني في أحاديث ((الموطأ)) من
حديث موسى بن أبي خزيمة، ثنا يحيى به. وأما طريق إسماعيل، عن
مالك فسيأتي في كلام الداني. وقال في باب: من تصدق على وكيله
ثم رد وكيله عليه: وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن أبي سلمة،
عن إسحق بن عبد الله قال: ولا أعلمه إلا عن أنس، ولفظه فيه:
((قبلناه منك)) إلى آخر ما أسلفناه قبل. وزعم أبو مسعود وخلف أنه
إسماعيل بن جعفر، والصواب كما قال المزي: أنه ابن أبي أويس.
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا وقال: مثل حديث ابن
(٥)
عمر
.
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٩٩٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران.
(٢) سيأتي برقم (٢٣١٨) كتاب: الوكالة، باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث
أراك الله وقال الوكيل: قد سمعت ما قلت، و(٤٥٥٤ - ٤٥٥٥) كتاب: التفسير،
باب: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾، و(٥٦١١) كتاب: الأشربة، باب:
استعذاب الماء.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: وفي تفسير آل عمران من البخاري: فجعلها لحسان
وأبي، وأنا أقرب، ولم يجعل لي منها شيئًا، وفي الوصية: وكأنا أقرب إليه مني.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٤٨٢/٣.
(٥) (صحيح مسلم)) (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقصان
الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها :
هُذِهِ الأحاديث لا دلالة فيها على ما ترجم عليه، ويحتمل أن المراد
بالصدقة التطوع كما ستعلمه، لا جرم أعترض الإسماعيلي حيث قال:
هُذا الحديث في قصة أبي طلحة ليس من الزكاة في شيء وإنما هو
في الصدقة بحديقة، فإن أراد البخاري الاستدلال على أن الأقارب
في الزكاة أحق بها إذا رأى النبي وَله ما ليس بزكاة من صدقة، صرفها
إلى الأقارب أفضل، فذلك حينئذ له وجه، قال: ولا أعرف أحدًا
منهم إلا قال: رابح بالباء، وقال ابن قعنب بالشك، ولم أذكره.
ثانیھا :
تحصل في بيرحاء عشرة أوجه: فتح الباء وكسرها وتثليث الراء،
إلا أن الكسر مع الجر، وبالجيم والحاء، والمد والقصر، وبَرِيحا،
وبأريحاء، قال عياض(١) وغيره: رواية المغاربة بضم الراء وفتحها في
النصب، وكسرها في الجر مع الإضافة أبدًا وحاء على حالها.
وذكر الباجي عن أبي ذر إنما هي بفتح الراء على كل حال، قال
الباجي: وعليه أدركت أهل الحفظ والعلم بالمشرق. وقال أبو عبد الله
الصوري: إنما هو بفتح الباء والراء على كل حال(٢)، ومن رفع الراء
وألزمها حكم الإعراب أخطأ.
قال القاضي: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، قال: وعلى
روايتهم عن (أبي جعفر)(٣) في مسلم بكسر الباء وفتح الراء والقصر،
(١) ((مشارق الأنوار)) ١١٥/١ - ١١٦.
(٣) في ((مشارق الأنوار)): ابن أبي جعفر.
(٢) ((المنتقى)) ٣١٩/٧-٣٢٠.

٤٢٩
كِتَابُ الزِّكَاةِ
=
وفي ((الموطأ))(١) عن ابن عتاب وغيره بضم الراء وفتحها معًا عن
الأصيلي، وهو: موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني جديلة كما
رواه البخاري في موضع آخر (٢)، ورواه مسلم من طريق حماد بن
سلمة: بريحا، ورواية الراوي في مسلم من حديث مالك بن أنس:
بريحا (٣) وهم، وإنما هذا في حديث حماد(٤).
وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يروونه بالجيم، والصواب بالحاء
المهملة. وقال المنذري: هو بضم الراء في الرفع والنصب، وكسرها في
الجر مع الإضافة إلى حاء أبدًا، وقيل بفتحها في كل حال. وقال
القرطبي: بكسر الباء وفتح الراء وضمها، وبمد حاء وقصرها (٥)،
لغتان. وفي ((سنن أبي داود)): بأريحاء(٦)، وهذا يدل على أنها ليست
ببئر، وقال ابن التين: قيل: حاء اسم أمرأة، وقيل: اسم موضع،
وهو ممدود ويجوز قصره.
وفي ((المنتهى)): أنه اسم رجل. قال ابن التين: والرواية أنه مبني غير
مضاف بالقصر وبناؤه في ضبطهم على الفتح. وقال الزمخشري: هي
فيعلى من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة(٧).
وفي (معجم أبي عبيد)»: حاء على لفظ الهجاء: موضع بالشام، وحاء
آخر موضع بالمدينة، وهو الذي ينسب إليه بيرحاء، وبعض الرواة يرويه
(١) ((الموطأ)) ١٧٤/٢ - ١٧٥ (٢١٠١).
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٧٥٨).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٩٩٨).
(٤) انتهى كلام القاضي في ((مشارق الأنوار)) ١١٥/١ - ١١٦.
(٥) ((المفهم)) ٤١/٣.
(٦) ((سنن أبي داود)) (١٦٨٩) كتاب: الزكاة، باب: في صلة الرحم.
(٧) ((الفائق)) ٩٣/١.

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بيرحا جعله اسمًا واحدًا، والصحيح ما قدمته، ورواية حماد بن سلمة،
عن ثابت أريحاء خرجه أبو داود(١)، ولا أعلم أريحا، إلا بالشام.
قُلْتُ: أخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث أنس: يا رسول
الله، ليس لي أرض أحب إليّ من أرض أريحا، فقال القَلْا: ((أريحا
خير رابح -أو- خير رايح))(٢) شك الشيخ. قال البكري: وفي
الحديث كما قال حسان:
أمسى الجلابُ وقد عزُّوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد.
اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فقال له لحسان:
((أحسن في الذي أصابك)). قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه النبي
وَال* بيرحا قصر بني جديلة اليوم، كانت لأبي طلحة فتصدق بها إلى
رسول الله وَّل، وأعطاه سيرين(٣).
ويجوز أن حسان لما ضربه صفوان تصدق أبو طلحة بتلك الصدقة
في تلك الأيام، فأشار ◌َله بما أشار، فاعتقد الراوي أن ذَاكَ كان لأجل
تلك الضربة، وقال بعضهم: سميت بيرحاء بزجر الإبل عنها، وذلك أن
الإبل يقال لها إذا زجرت - وقد رويت -: حاحا. وقال بعضهم: بيرحاء
من البرح، والباء زائدة، جمع ابن الأثير لغاته فقال: هي بفتح الباء
وكسرها وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحها والقصر، قال:
وهو اسم مال، موضع بالمدينة (٤).
(١) أبو داود (١٦٨٩).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ (٢٤٥٥) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة
المرء بأحب ماله لله ...
(٣) ((معجم ما استعجم)) ٤١٤/١.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١١٣/١ - ١١٤.

٤٣١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثالثها :
قوله: ((بخ)) هو بسكون الخاء وبتنوينها مكسورة، قال عياض:
وبالكسر بلا تنوين، وروي بالرفع دون تنوين، وبالضم مع التنوين
والتخفيف(١).
وعن الخطابي: الاختيار إذا كررت: تنوين الأولى وتسكين الثانية (٢)،
وهكذا هو في كل كلام مبني كقولهم: صهٍ صه، وطابٍ طاب ونحوهما،
ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه. وعبارة ابن بطال: هي كلمة إعجاب(٣).
وعبارة ابن التين: تقولها العرب عند المدح والمحمدة. وكله
متقارب، وعبارة القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء
العظيم، وتخففها العرب فتلحقها بالرباعي. وقال صاحب ((الواعي)):
عن الأحمر في (بخ) أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد،
والتخفيف. وحكاها عنه ابن بطال بعد أن قال تخفف وتثقل (٤).
رابعها :
قوله: ((ذَلِكَ مال رابح)) أي: ذو ربح، وقيل: فاعل بمعنى مفعول
أي: مال مربوح فيه كقوله ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. ومن
رواه بالمثناة تحت فمعناه: يروح عليه أجره كلما أطعمت الثمار، قاله
ابن بطال، قال: والرايح القريب المسافة الذي يروح خيره ولا يغرب
(٥)
نفعه(٥).
(١) ((مشارق الأنوار)) ٧٩/١.
(٢) ((غريب الحديث)) ص٦١٠.
((شرح ابن بطال» ٤٨٠/٣.
(٣)
(٤) السابق.
(٥) السابق.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقيل: معناه قريب يروح خيره ليس بغارب، وذلك أنفس الأموال.
وقيل: يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع.
وقال صاحب ((المطالع)): ((رابح)) بياء موحدة أي: ذو ربح أو رابح
به، وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح عليه بالأجر على الدوام
ما بقيت أصوله.
وقال القاضي: هي رواية یحیی بن یحیی وجماعة، والأولى رواية
أبي مصعب وغيره. وقال صاحب ((المطالع)): بل الذي رويناه ليحيى
بالباء المفردة، وهو ما في مسلم(١).
قُلْتُ: يحيى الذي أشار إليه هو: الليثي المغربي، ويحيى في
البخاري هو: النيسابوري، قال الداني في «أطرافه)): في رواية يحيى
الأندلسي بالباء الموحدة، وتابعه روح بن عبادة وغيره وقال يحيى بن
يحيى النيسابوري، وإسماعيل، وابن وهب وغيرهم: (رائح)) بالهمز
من الرواح. وشك القعنبي كما سلف، وقال الإسماعيلي: من قاله
بالباء فقد صحف.
خامسها: في فوائده:
الأولى: حب الرجل الصالح المال، وقال أبو بكر لعائشة: ما أحد
أحب إليّ غنى منك ولا أعز علي فقرًا منك(٢). وإيثار حب بعضه.
الثانية: دخول الشارع حوائط أصحابه ويشرب من مائها، والأكل
من ثمارها بغير إذنهم، إذا علم أن نفس أصحابها تطيب بذلك، وكان
مما لا یتشاح فیه.
(١) مسلم (٩٩٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١١١/٩ (١٦٥٠٧)، وابن سعد ١٩٥/٣.

٤٣٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الثالثة: تفويض الصدقة إلى الشارع.
الرابعة: إشارة الشارع لما هو أفضل.
الخامسة: فضل الكفاف على ما سواه؛ لأنه أمسك بعض ماله.
السادسة: اعتبارهم بالقرآن واتباعهم لما فيه.
السابعة: صحة الوقف وإن لم یذکر سبیله، ومصارف دخله، وهو
ما بوب عليه البخاري في الوصايا(١)، وسيأتي الكلام فيه هناك إن
شاء الله تعالى.
الثامنة: إعطاء الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم؛ لأن هذا
الحائط مشهور أمره أنَّ دخله يزيد عليه زيادة كثيرة، وقد جعله أبو
طلحة بين نفسين كما سلف، وسواء صدقة الفرض ونفلها في مقدار
ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه، قاله الخطابي(٢)، يريد: إذا نذرت
صدقة، وألا يبدأ الصدقة بها على أقاربه، لماكان حكمها حكم
المفروضة.
التاسعة: ﴿اَلْبِرِّ﴾ في الآية الجنة، قاله ابن مسعود (٣)، والتقدير على
هذا ثواب البر، وقيل: العمل الصالح، والمراد ب﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
حتَّى تتصدقوا، وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري
جارية حين فتحت مدائن كسرى، فاشتراها ووجه بها إليه، فلما رآها
أعجب بها وأعتقها وقرأ الآية. قال مجاهد: وهو مثل قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ
اُلّطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨](٤) وذكر عن ابن عمر أنه كان ينفذ إلى
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٧٥٢).
(٢) ((أعلام الحديث)) ٧٨٨/٢.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٧٠٣/٣ (٣٨٠٨).
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤٦/٣ (٧٣٩٠ - ٧٣٩١).

٤٣٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
مصر فيأتيه السكر فيتصدق به، ويقول: إني أحبه ويتلو هذه الآية(١).
العاشرة: معنى (أرجو برها)، أي: ثواب برها. (وذخرها) أي:
أقدمه فأدخره؛ لأجده هناك.
الحادية عشرة: أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها بها وغبط؛
لقوله القليفي: ((بخ ذَلِكَ مال رابح)) فسلاه بما يناله من ربح الآخرة،
وما عوضه الله فيها عما عجله في الدنيا الفانية.
الثانية عشرة: أن ما فوته الرجل من صميم ماله، وعبيط عقاره عن
ورثته بالصدقة، يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة؛ لئلا يفقد أهله
نفع ما خوله الرب جل جلاله، وفي القرآن ما يؤيده قال تعالى: ﴿وَإِذَا
حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَرْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فثبت بهذا المعنى
أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس،
إذا كانت صدقة تطوع، ودل على ذَلِكَ حديث زينب أمرأة ابن مسعود.
وقوله ◌َّه: ((لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة))(٢). وقال لميمونة
حين أعتقت جارية لها: ((أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك))
ذكره البخاري في الهبة كما سيأتي(٣).
واستعمل الفقهاء الصدقة في غير الأقارب؛ لئلا يصرفوها فيما
يجري بين الأهلين في الحقوق والصلات والمرافق؛ لأنه إذا جعل
الصدقة الفريضة في هذا المعتاد بين الأهلين، فكأنهم لم يخرجوها
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢/ ٩١، وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) قطعة من حديث سيأتي قريبًا برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: على الزوج
والأيتام في الحجر.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٩٢) باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها.

٤٣٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
من أموالهم؛ لانتفاعهم بها وتوفير تلك الصلات بها، فإذا زال هذا
المعنى جازت الزكاة للأقارب الذين لا يلزمه نفقتهم، وقد تقدم
اختلاف العلماء في الزكاة على الأقارب في باب: إذا تصدق على
ابنه وهو لا يشعر. فراجعه.
ولم يختلف العلماء - كما قال ابن بطال- أن قوله: في أقاربه
وبني عمه، أنهم أقارب أبي طلحة لا أقاربه الظنئها، وقد روىُ ذَلِكَ
الثقات(١)، ثم ساق بإسناده ذَلِكَ إلى أنس، وهو في البخاري كما
أسلفناه.
الثالثة عشرة: فيه استعمال عموم اللفظ، ألا ترى إلى فهم الصحابة
لذلك؟ وأنهم يتوقفون حتَّى يتبين لهم بآية أخرى أو بسنة مبينة لمراد الله
تعالى في الشيء الذي يجب أن ينفقه عباده؛ لأنهم يحبون أشياء كثيرة
فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله إليه، فتصدق أبو طلحة
بحائطه، وكذلك فعل زيد بن حارثة.
وروي عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر قال: لما نزلت ﴿لَنْ ثَنَالُوا
اَلْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب
إلي من فرسي هذِه، وكان له فرس فجاء به إلى رسول الله وَله فقال:
هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: ((اقبضها منه)) فكأن زيدًا وجد
في نفسه من ذَلِكَ، فقال رسول الله وَّه: ((إن الله قد قبلها منك))(٢).
وفعل مثل ذَلِكَ ابن عمر، روي أنه كان له جارية جميلة وكان يحبها ،
فأعتقها لهذه الآية، ثم أتبعتها نفسه، فأراد تزويجها فمنعه بنوه، فكان
.(١) (شرح ابن بطال)) ٤٨٢/٣.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسير القرآن العظيم)) ٧٠٤/٣ (٣٨١٤)، وذكره السيوطي في
(الدر المنثور)) ٨٩/٢، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بعد ذَلِكَ يقرب بنيها من غيره لمكانها في نفسه (١). وروى الثوري أن أم
ولد الربيع قالت: كان إذا جاءنا السائل يقول: يا فلانة أعطي السائل
سكرًا فإن الربيع يحبه، قال سفيان: يتأول ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَا تُحِبُّونَ﴾ (٢)(٣).
الرابعة عشرة: فيه من معاني الصدقات والهبات كما سيأتي في
موضعه إن شاء الله تعالى.
الخامسة عشرة: في حديث أبي سعيد: ((يكثرن اللعن)) يعني: أكثر
من الرجال، ((ويكفرن العشير)) أي: الزوج، وقد سلف تفسيره. ونقصان
عقولهن، أنهن لا يذكرن عند الغضب ما أسدي إليهن من الخير، ودینهن
مضى. واللب: العقل، يعني: أنهن إذا أردن شيئًا غالبن عليه والتوين
حتَّى يفعله الرجال صوابًا كان أو خطأً.
السادسة عشرة: زينب هذِه زعم الطحاوي أنها رائطة، قال:
ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمنه العليّ. وقال الكلاباذي: رائطة
هي المعروفة بزينب (٤). وقال ابن طاهر وغيره: أمرأة ابن مسعود
زينب، ويقال: أسمها رائطة(٥). وكذا رواه أبو يوسف القاضي في
کتاب (الزكاة)» مصرحًا به.
(١) رواه ابن أبي حاتم ٧٠٤/٣ (٣٨١٤) بدون قوله: فمنعوه بنوه. وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) ٢٩٥/١، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٩/٢، وعزاه إلى ابن
حميد والبزار في ((المصنف)).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٦٠ (٣٤٨٥٢) كتاب: الزهد، كرم ربيع بن خيثم، وابن
عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٤/١.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس عشر، كتبه مؤلفه.
(٤) (رجال صحيح البخاري)) للكلاباذي ٢/ ٨٥٠ (١٤٣٢).
(٥) ((إيضاح الإشكال)) لابن طاهر المقدسي (٢٠٣).

٤٣٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما ابن سعد (١)، والعسكري، والطبراني (٢)، والبيهقي(٣)، وابن
عبد البر(٤)، وأبو نعيم(٥)، وابن منده، وأبو حاتم بن حبان(٦)
فجعلوهما ثنتين، والله أعلم.
السابعة عشرة: قوله: فقال النبي وَله: ((زوجك وولدك)) إلى آخره
ظاهره سماعها من رسول الله وَ له، وقد ورد مصرحًا في البزار فقال
لها النبي ◌ّلّ لما دخلت عليه: ((صدق ابن مسعود)) الحديث. قال ابن
القطان عقبها: تبين أن زينب سمعته من رسول الله وَل﴾، ولكن لا
ندري ممن تلقى ذَلِكَ أبو سعيد. وفي ((صحيح ابن خزيمة)) من حديث
أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: «تصدقي عليه وعلى بنيه فإنهم له
موضع)»(٧).
الثامنة عشرة: استئذان النساء على الرجل وهو مع أهله وسؤاله قبل
الإذن عمن يستأذن، وأنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن، سأل أن ينسب،
والزيانب: جمع زينب.
التاسعة عشرة: فيه أتخاذ الحلي، وفي الترمذي من حديث ابن
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٠/٨.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٢٤/ ٢٦٣ حيث قال: رائطة بنت عبد الله؟؟؟ أمرأة عبد الله بن
مسعود. وأورد لها خمسة أحاديث، ثم ترجم في ٢٤/ ٢٨٣، فقال: زينت بنت أبي
معاوية أمرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها ستة عشر حديثًا.
(٣) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٢٠٦/٦ - ٢٠٧ (٨٥٠٣، ٨٥٠٥).
(٤) انظر: ((الاستيعاب)) ٤٠٥/٤ (٣٣٨٧) و٤١١/٤ (٣٣٩٦).
(٥) انظر: ((معرفة الصحابة)» ٣٣٣٠/٦ (٣٨٧٣) و٣٣٣٨/٦ (٣٨٨٥).
(٦) انظر: ((صحيح ابن حبان)) ٥٩٠/٥ (٢٢١٢) و ٥٩٣/٥ (٢٢١٥) و ٥٦/١٠- ٥٩
(٤٢٤٦ - ٤٢٤٨).
(٧) ((صحيح ابن خزيمة)) ١٠٦/٤ - ١٠٧ (٢٤٦١) كتاب: الزكاة، باب: استحباب
إتيان المرأة زوجها وولدها بصدقة التطوع ....

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ أنه رأى
في الحلي زكاة (١). وفي إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب شيء عن
رسول الله وَ ﴾(٢)، وقال بعض الصحابة، ابن عمر وجابر وعائشة وأنس:
(١) ((سنن الترمذي)) (٦٣٧).
ولفظه: إن أمرأتين أتتا رسول الله سير وفي أيديهما سواران من ذهب فقال لهما :
((أتؤديان زكاته))، قالتا: لا، قال: فقال لهما رسول الله وَله: ((أتحبان أن يسوركما
الله بسوار من نار؟)) قالتا: لا، قال: ((فأديا زكاته)).
ورواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي ٣٨/٥ من طريق حسين المعلم، عن عمرو به
بلفظ: أن امرأة [زاد النسائي من أهل اليمن] أتت رسول الله وَّيقول ومعها ابنة لها وفي
يد ابنها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟)) فقالت: لا،
قال: ((أيسرك آن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟)) قال: فخلعتهما
فألقتهما إلى النبي ◌َله: وقالت: هما لله مم ولرسوله.
(٢) هذا قول الترمذي. قال ابن القطان: الترمذي إنما ضعف هذا الحديث؛ لأنه وقع
له من وراية ابن لهيعة عن عمرو، لا بعمرو بن شعيب. وصحح إسناد أبي داود
والنسائي: ((بيان الوهم والإيهام)) ٣٦٥/٥ - ٣٦٦ (٢٥٣٩).
وقال النووي في ((المجموع) ٥١٦/٥: إسناد حسن، ورواه الترمذي من رواية ابن
لهيعة، وهو ضعيف.
والحديث من طريق أبي داود والنسائي صححه أيضًا المصنف في ((البدر المنير))
٥٦٥/٥- ٥٦٦.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) (٦٤١): رواه الثلاثة وإسناده قوي.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٣٩٦): إسناده حسن. وقال في ((الإرواء))
٢٩٦/٣: إسناده إلى أبي داود والنسائي جيد.
والحديث رواه النسائي ٣٨/٥ عن عمرو بن شعيب، مرسل. وقال كما في ((تحفة
الأشراف)) ٣٠٩/٦. وكما في ((البدر المنير)) ٥٦٨/٥، وفي ((الدراية)) ٢٥٩/١:
المرسل أولى بالصواب.
قال الحافظ : علة غير قادحة.
والحديث قد أعله بعض أهل العلم في مجمله تبعًا للترمذي، أنظر ذلك مبينًا في
((البدر المنير)) ٥٦٦/٥ - ٥٦٨.

٤٣٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
ليس في الحلي زكاة(١)، وبه يقول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق(٢).
قُلْتُ: وأسماء وعبد الله بن يزيد كما ذكره أحمد(٣)، وحديث أم
سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فسألت رسول الله وَتليفون: أكنز
هو؟ قال: ((لا إذا أدیت زكاته فليس بكنز)) حديث حسن، وصححه
الحاكم على شرط الشيخين(٤)، وعن عائشة مثله وقال: صحيح على
شرطهما(٥)، وقد سلفت المسألة.
(١) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٨٣/٢ كتاب: الزكاة، من قال: ليس في الحلي
زكاة، و((مصنف عبد الرزاق)) ٨١/٤- ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: البر والحلي.
(٢) انتهى كلام الترمذي ٢٠/٣ - ٢١، وانظر: ((عيون المجالس)) ٥٢٦/٢، ((روضة
الطالبين)) ٢٦٠/٢، ((المبدع)» ٣٦٩/٢.
(٣) هُذِه العبارة فيها نظر؛ فليس لعبد الله بن يزيد في هذا الباب عند أحمد شيئًا، وإنما
الحديث لأسماء بنت يزيد، رواه أحمد ٤٦١/٦ من طريق شهر بن حوشب عنها،
قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي وَلاير وعليها أسورة من ذهب، فقال لنا:
((أتعطيان زكاته؟)) قالت: فقلنا: لا، قال: ((أما تخافا أن يسوركما الله أسورة من
نار ، أدیا ز کاته)».
قال الحافظ في ((الدراية)) ٢٥٩/١: في إسناده مقال.
(٤) ((المستدرك)) ٣٩٠/١.
ورواه أبو داود (٥٦٤). قال النووي في ((المجموع)) ٥١٦/٥- ٥١٧: إسناده حسن.
وقال الحافظ في ((الدراية)) ٢٥٩/١: قواه ابن دقيق العيد.
وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) وانظر: ((الصحيحة)) (٥٥٩).
(٥) ((المستدرك)) ٣٨٩/١ - ٣٩٠.
ورواه أبو داود (١٥٦٥).
قال الحافظ: إسناده على شرط الصحيح. وقال في ((الدراية)) ٢٥٩/١: قال ابن
دقيق العيد: على شرط مسلم.
وأعله بعض أهل العلم. انظر: ((البدر المنير)) ٥٨٣/٥- ٥٨٤.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٣٩٩٨)، وفي ((الإرواء)) ٢٩٧/٣: إسناده
صحيح على شرط الشيخين.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
العشرون: فتوى العالم مع وجود أعلم منه، وأرادت التثبت مع قول
ابن مسعود ممن هو أعلم منه.
الحادية بعد العشرين: قوله ◌َ* لها: الزوجك وولدك أحق من
تصدقت به عليهم)) قال ابن التين: لم يخص فرضًا من تطوع. قال ابن
أبي ذئب وسفيان وأهل المشرق: تعطي المرأة زوجها الفقير من
زکاتها(١).
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يجزئها. وقال أشهب: إن صرف ذَلِكَ
في منافعها لم يجزئها، وإلا أجزأها، وبه قال ابن حبيب(٢).
الثانية بعد العشرين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا
الحديث في قولها: (فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به
عليهم) أراهم أولاد ابن مسعود من غيرها؛ لأنهم أجمعوا أن المرأة
لا تعطي صدقتها بنيها، والذي زعم أنه إجماع ليس كذلك كما قال
ابن التين؛ لأن مالكًا ومن اقتدى به يقولون: من لا تلزم نفقته إن
أُعطِي من الصدقة أجزا(٣).
والأم لا يلزمها نفقة الولد، ويرد عليه أيضًا قوله العَّه: (زوجك
وولدك)) إلى آخره، وخاطبها بذلك فدل على أنهم ولدها وكذلك في
الحديث الآتي بعده: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في
حجري؟
وقال الإسماعيلي: حديث أبي سعيد هذا فيه نظر، فإن في حديث
زينب: وأيتام في حجرها؟ وفي بعض الحديث: وولد ابن مسعود. كأنهم
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٥/٢.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) ١٥٦/٢.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٤/٢.