النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
٣٩- باب لَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ
هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسَّ إِلّ مَا شَاءَ المُصَدِّقُ
١٤٥٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسَا عَلُه
حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ عُه كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ التِي أَمَرَ اللهَ رَسُولَهُ وَ: ((وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ
هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارِ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّ مَا شَاءَ المُصَدِّقُ)). [انظر: ١٤٤٨ - فتح ٣٢١/٣]
ذكر فيه بالإسناد السالف إلى ثمامة أَنَّ أَنَسّا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ كَتَبَ
لَهُ [الصَّدَقَةً] التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ وَّهِ: ((وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ،
وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ ، وَلَا تَيْسُ، إِلَّا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ)).
الشرح:
الهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها، كذا قاله ابن التين، وعبارة
أبي زيد والأصمعي فيما حكاه عنهما أبو غالب في ((المؤُعَب)) الهرم:
الذي بلغ أقصى السن، والعوار -بالفتح - العيب، وعن أبي زيد: قد
يضم، حكاه الجوهري(١).
وقال ابن التين: بالفتح: العيب مع العجاف، وبخط الدمياطي
بالفتح: العيب كله، وبضمها: عور العين، كما أوضحه ابن بطال(٢).
والتيس: الفحل، وقيده ابن التين من (المعز)(٣).
وهذا الحديث عامة الفقهاء على العمل به والمأخوذ في الصدقات
العدل، كما قال عمر بن الخطاب(٤): وذاك عدل بين (غذاء المال
(١) ((الصحاح)) ٢٠٥٧/٥.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٤٧١/٣.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: وكذا قال غيره.
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وخياره)(١).
(١)
قال أبو عبيد: غذاء الإبل السخال الصغار، وقال غيره: هو ولد
الضائنة إذا وضعته أمه وتبعته، قال مالك: والتيس من ذوات العوار
وهو دون الفحل (٢).
قُلْتُ: وإنما لم يؤخذ؛ لرداءة لحمه، وإنما لم تؤخذ الهرمة؛
لنقصها، وذات العوار كذلك أيضًا. فإن كان المال كله معيبًا أخذ من
الوسط عند الشافعي(٣)، وكلف صحيحه عند مالك في مشهور مذهبه
في الذكورات، وفي الصغيرة التي تبلغ سن الجذع، وكذلك المراض
وكذا عنده إن كانت كلها رُبّى أو مواخض لم يأخذ منها شيئًا إلا أن
یشاء ربها (٤).
وعند الشافعي وأبي حنيفة إن كانت كلها صغارًا أو مراضًا أخذ منها
ونحا إليه محمد بن عبد الحكم والمخزومي وابن الماجشون وأبو يوسف
ومحمد بن الحسن، وقال مطرف: إن كانت عجافّا أو ذوات عوار أو
تيوسًا أخذ منها، وإن كانت رُبّى أو مواخض أو أكولة أو سخالًا لم
يأخذ منها، وقال عبد الملك: يأخذ من ذَلِكَ كله إذا لم يكن فيها
جذعة أو ثنية إلا أن تكون سخالًا فلا يؤخذ منها فهذِه أربعة أقوال(٥)،
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قوله: غذاء المال وخياره، غذاء المال: رديئه
وصغاره، واحده: غذي.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٢١/٢.
(٣) أنظر: ((العزيز)) ٤٩٣/٢.
(٤) انظر: ((المنتقى)) ١٣١/٢.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف الفقهاء)) ٤١٩/١، و((الاستذكار)) ١٨١/٩ - ١٨٥،
و((الذخيرة)) ١٠٩/٣، و((عقد الجواهر الثمينة)) ٢٠٢/١، و((المجموع)) ٣٩٤/٥.
أما قوله عن محمد بن الحسن: إنه نحا إلى أنها إن كانت صغارًا أو مراضًا أخذ =

٤٠٣
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وقال محمد بن الحسن: إن السخال والعجاجيل لا شيء فيها(١).
احتج لأبي حنيفة والشافعي بحديث معاذ: ((إياك وكرائم
أموالهم))(٢)، فنهاه عن أخذ الكريمة إذا كان في المال جيد ورديء،
فنبه بذلك على أن المال إذا كان رديئًا كله كان أولى بالمنع من أخذ
الكريمة، وبحديثه أيضًا: ((خذ الإبل من الإبل والشاء من الغنم))(٣)
فعم، وبقول الصديق: لو منعوني عناقًا إلى آخره، وقد سلف (٤).
فدل على أن العناق يؤخذ في الزكاوات، قال الشافعي: لأني إذا
كلفته صحيحه فقد أوجبت عليه أكثر مما وجب عليه، ولم توضع
الصدقة إلا رفقًا بالمساكين من حيث لا يضر بأرباب الأموال، دليل
مالك هذا الخبر وفي كتاب عمرو بن حزم نحوه.
وقوله في الخبر السالف في سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين
ومائة شاة فعم ولم يخص كونها صغارًا أو كبارًا، وهو دال على منع أخذ
الصغيرة، والأخبار الأول تدل على منع المريض والمعيب. وأثر عمر في
((الموطأ)) الذي ذكرنا منه: وذلك عدل بين غذاء المال وخياره(٥)،
فالجواب عما احتجوا به من أنه لما كان في المال الجيد والرديء
منها، فهو اضطراب، فقد عقب بعدها فقال: قال محمد بن الحسن: إن السخال
=
والعجاجيل لا شيء فيها، وهذا لا يستقيم مع قوله الأول، وليس لمحمد بن
الحسن روايتان، فالمعروف عنه قوله الثاني، وهو أنه لا شيء فيها.
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٩/١، و((تحفة الفقهاء)) ٢٨٨/١ - ٢٨٩،
و(بدائع الصنائع)) ٣١/٢، و((البناية)) ٤٠٢/٣.
(٢) قطعة من حديث سيأتي برقم (١٤٩٦) باب: أخذ الصدقة من الأغنياء، ورواه
مسلم برقم (١٩) كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سلف برقم (١٤٠٠) باب: وجوب الزكاة.
(٥) ((الموطأ)) ٢٦٥/١.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
نهى عن الكرائم ففي كون جميعه رديئًا أولى؛ لأن الكريمة الممنوع من
أخذها هو ما لا يؤخذ بوجه إلا إن تطوع ربها كالحامل واللبون، ومعناه
إذا كان المال كله جيدًا أو رديئًا نحن نقول به.
وإنما نكلفه الوسط، فكذلك إذا كانت صغارًا أو معيبة؛ لأن في
أخذها ضرر بالفقراء وفي أخذها الجيد إضرارًا برب المواشي، وأما
حديث معاذ: ((خذ الإبل من الإبل)) فقال عَقِبه: ((والشاء من الغنم))،
وهذا يوجب أن يؤخذ من أربعين سخلة شاة، وتقدم الانفصال عن
حديث أبي بكر في العناق أن المراد به جذعة.
واحتج بعض المالكية بقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾
[البقرة: ٢٦٧] إلى قوله ﴿إِلَّ أَنْ تُفْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ [القرة: ٢٦٧] وهذا لا يلزم؛
لأنا ذكرنا - فيما سلف- أن الآية نزلت فيمن كان يأتي بأرداً طعامه فيقصد
به الفقراء، فنهوا عن ذَلِكَ، وقد أجمعنا أن من كان عنده تمر رديء
لا يلزمه أن يخرج من غيره، وهذا هو المشهور عندهم بخلاف
الماشية، وبالقياس على الضحايا(١)، وهو متجه على رأي ابن
القصار عندهم أن ذات العيب لا تجزئ ولو كانت قيمتها أكثر من
السليمة، واختلف عندهم في التيس، فروى ابن القاسم عن مالك أنه
من ذوات العوار، وهو أدون من الفحل (٢).
قال غيره: وهو الذي لم يبلغ حَدَّ الفحولة، ولا منفعة فيه لضراب
ولا لدر ولا نسل، وإنما يؤخذ بها ما كان فيه منفعة للنسل (٣).
(١) هذا هو مشهور المذهب، وقال عبد الملك: إذا كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف
صاحبه أن يخرج من غيره. أنظر: ((المعونة)) ٢٥٣/١.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٢١/٢.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٠/٢ - ١٣١.

٤٠٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال الداودي: والتيس الفحل من المعز إن كان كبيرًا للضراب،
فهو فوق ما يجب، وإن كان دون ذَلِكَ ولم يثن فهو دون الفريضة وهو
دون العوار، ويرد عليه قوله في الحديث: إلا ما شاء المصدق فيما
فوق ما يجب إنما الخيار في ذَلِكَ لرب المال.
وقوله: ((إلا ما شاء المصدق)) هو بكسر الدال يريد: الساعي، وقد
سلف ما فيه لأبي عبيد قريبًا في باب: العرض في الزكاة، قال ابن
قدامة: قول أبي عبيد بكون الاستثناء في الحديث يرجع للتيس وحده (١).
وقال ابن التين: المراد إن أعطى هرمة سمينة أو ذات عوار أو تيسًا
فرأى أخذ ذَلِكَ غبطة للفقراء أخذه وأجزأ عن أربابها، وكذا قال ابن
بطال: إن هذا معناه عند مالك والشافعي(٢).
قال أشهب: وربما كانت ذوات العوار والعيب الكثير أثمن وأسمن
فلا ينبغي للساعي أن يردها إن أعطيها(٣)، وقال ابن القصار: لا يجزئ
ذَلِكَ. كما سلف، والحديث حجة عليه.
قال الطبري: جعل الشارع المشيئة إلى المصدق في أخذ ذَلِكَ
وتركه، فالواجب عليه أن يعمل بما فيه الصلاح لأهل الصدقة ورب
الماشية بما يكون عدلًا بالفريقين، فيأخذ ذَلِكَ إذا كان في تركه
وتكليفه رب الماشية غيره مضرة عليه وذلك أن تكون الغنم كلها هرمة
أو جرباء أو تيوسًا، ويكون في تكليف صاحبها غيرها مضرة عليه
فيأخذ منها. وترك أخذ ذَلِكَ إذا كانت فتية سليمة إناثًا كلها أو أكثرها
فيأخذ منها السليمة من العيوب، وذلك عدل عليهما.
(١) («المغني)) ٤٠/٤.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٧١/٣.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٢١/٢.

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكر ابن المواز أن (عثمان بن الحكم)(١) سأل مالكًا عن الساعي
يجدها عجافًا كلها قال: يأخذ منها(٢)، ولو كانت ذات عوار كلها أو
تيوسًا فليأت بغيرها(٣)، قال الزهري: وقد بعث الخلفاء السعاة في
الخصب والجدب.
(١) في الأصل (عثمان بن عبد الحكم) وهو خطأ، والمثبت من ترجمته في ((تهذيب
الكمال)» ٣٥٢/١٩، ٣٥٣، وهو الجذامي المصري قال عنه ابن وهب: أول من
قدم مصر بمسائل مالك، توفي سنة ثلاث وستين ومائة.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٢١/٢.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٣١/٢.

٤٠٧
كِتَابُ الرِّكَاةِ
=
٤٠- باب أَخْذِ العَنَاقِ في الصَّدَقَةِ
١٤٥٦- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَشْعُودٍ،
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﴾: والله لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ
اللّهِ وَّهِ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. [انظر: ١٤٠٠ - مسلم: ٢٠- فتح: ٣٢٢/٣]
١٤٥٧- قَالَ عُمَرُ ◌َ﴾: فَمَا هُوَ إِلَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ .
بِالْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [انظر: ١٤٠٠ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ.
ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: والله لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا ..
الحدیث.
وقد سلف في أول الزكاة تفسير العناق ونقلنا هناك عن ابن بطال أنه
نقل عن أهل اللغة: أنها ولد المعز إذا أتى عليها أربعة أشهر وفصل عن
أمه، وقوي على الرعي فهو جدي، والأنثى عناق، فإذا أتى عليه حول
فالذكر تيس والأنثى عنز، ثم يكون التيس جذعًا في السنة الثانية ثم ثني
في الثالثة(١).
ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أن المراد بالعناق: الجذعة
من المعز، قال الداودي: واختلف في الجذع من المعز، فقيل: ابن سنة.
وقيل: ودخل في الثانية (٢)
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣/ ٤٧٣.
(٢) قال ابن حبيب: الجذع من الضأن والمعز ابن سنة، وقال ابن نافع وأشهب، وروى
ابن وهب أنه ابن عشرة أشهر، وروى سحنون عن علي بن زياد أنه ما استكمل ستة
أشهر، وقاله ابن شعبان، وقیل ثمانية أشهر، ویروی عن مالك، والأول أشهر =

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلف في الثني فقيل: إذا أسقط ثنية واحدة أو اثنتين أو ثناياه كلها
فهو ثني وقيل: لا يكون ثنيًا إلا بسقوط ثنتين.
وأما الجذع من الضأن ففيه أربعة أقوال عند المالكية: ابن سنة، ابن
عشرة أشهر، ثمانية، ستة، والأصح عندنا: ما استكمل سنة ودخل في
الثانية(١).
وانفرد الحسن والنخعي فقالا: لا تؤخذ الجذعة في الصدقة، وعامة
العلماء على خلافه.
واختلفوا في أخذ العناق والسخال والبهم إذا كانت الغنم كذلك
كلها أو كان في الإبل فصلان والبقر عجول، فقال مالك: عليه في
الغنم شاة جذعة أو ثنية، وعليه في الإبل والبقر ما في الكبار منها،
وهو قول زفر، وأبي ثور، وقال أبو يوسف، والأوزاعي، والشافعي:
يؤخذ منها إذا كانت صغارًا من كل صنف واحدًا منها. وقال أبو حنيفة
والثوري ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجول ولا في صغار
الغنم، لا منها ولا من غيرها(٢).
وذكر ابن المنذر: كان أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي
وأحمد يقولون: في أربعين جملًا مسنة. وعلى هذا القول هم موافقون
لقول مالك، والحجة له قوله: في كل أربعين شاةً شاةٌ، والشاة: اسم
يختص بالكبيرة في غالب العرف، فدل أن الواجب منها شاة
لا سخلة، وأيضًا قول عمر: أعدد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم.
= وأرجح، انظر: ((المنتقى)) ٨٥/٣ - ٨٦، ((الفواكه الدواني)) ٣٧٩/١، ((عقد
الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٠.
(١) انظر ((المجموع)) ٣٦٢/٥.
(٢) سبقت الإشارة إلى مصادرهم.

٤٠٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
وهذا يدل أنها تعد كانت أمهاتها باقية أو عدمت.
فإن قيل: لما لم يجز أخذ السخلة من أربعين شاة كذلك لا يؤخذ من
أربعين سخلة. قيل: لا يلزم لأنا لا نأخذ سخلة من الكبار ولا من
الصغار، وإنما نأخذ السن المجعول، فكما نأخذ شاة من أربعين
كبارًا، كذا نأخذ شاة من أربعين صغارًا، فإن أحتج من جوز أخذ
الصغار إذا كانت صغارًا كلها بقول الصدّيق: لو منعوني عناقًا كانوا
يؤدونها، فدل أنها مأخوذة في الصدقة. قيل: تأويله يؤدون عنها ما
يجوز أداؤه، ويشهد له قول عمر: أعدد عليهم السخلة ولا تأخذها.
وإنما خرج قول الصدّيق على التقليل والإغياء بدليل الرواية
الأخرى: منعوني عقالًا، وقد سلف الخُلف في تفسيره هناك،
ومذهب مالك أن نصاب الغنم يكمل بأولادها كربح المال سواء (١).
وذلك مخالف عنده لما أفاد منها بشراءٍ أو هبة أو ميراث لا يكمل
منه النصاب ويستأنف به حولًا، وإن كان عنده نصاب ثم استفاء بغير
ولادة منه زَكَّاه مع النصاب(٢)،
وهو قول أبي حنيفة(٣).
وقال الشافعي: لا يضم نتاج الماشية إلا إلى النصاب، ولا يكمل به
النصاب (٤).
(١) انظر: ((التفريع)) ٢٨٣/١، و((المعونة)) ٢٣٣/١ - ٢٣٤.
(٢) انظر: ((المعونة)) ٢٨٣/١، و((عيون المجالس)) ٤٧٨/٢.
(٣) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٧/١، و((تحفة الفقهاء)) ٢٨٩/١.
(٤) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٨٥/٢.

٤١٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤١- باب: لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِلَّمَا بَعَثَ مُعَاذًا ﴿ه عَلَى اليَمَنِ قَالَ: ((إِنَّكَ
تَقْدَمُ عَلَى قَوْم أَهْلِ كِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ عِبَادَةُ الهِ، فَإِذَا عَرَفُوا
اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا
فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَةً [ْتُؤْخَذُ] مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى
فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)). [انظر: ١٣٩٥-
مسلم: ١٩- فتح: ٣٢٢/٣].
ذكر فيه حديث ابن عباس السالف في أول الزكاة، وزاد في آخره:
((فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ)) .وقد سلف شرحه.
وقوله: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)) هو الإقرار بالله
وبرسالة محمد رَير، ولم يذكر فيه الصوم، وقد سلف جوابه هناك،
ولا الجهاد لأنه لم يكن يومئذ فرض إلا على من يلي الكفار قاله ابن
التين.
والكرائم: جمع كريمة، يقال: شاة كريمة أي غزيرة اللبن، ويدخل
فيه الربي وهي حديثة العهد بالنتاج، والمسمنة للأكل، والحامل،
والجياد اللهم إلا إذا رضي المالك.
وروى أحمد، وأبو داود من حديث أبي بن كعب أنه لما بعثه رسول
الله ◌َّ مصدقًا مرّ برجل فجمع له ماله، فلم يجد عليه فيه إلا ابنة
مخاض، فقال الرجل: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذِه ناقة
فتية سمينة فخذها، فأبى أبي بن كعب، وترافعا إلى رسول الله وَل

٤١١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
فقال رسول الله وَّي: ((ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه
وقبلناه منك)) فأمر رسول الله وَل بقبضها ودعا له في ماله بالبركة(١).
حديث صحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم(٢)، ووهم ابن حزم
حیث أعله بجهالة من بان توثيقه(٣).
وهو دال على الجواز في باقي الصور، وأبعد بعض أصحابنا فقال:
الرُّبَّى لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة (٤) وهو عجيب وهو
ساقط فقد لا تكون كذلك، وقد تكون غير الرُّبَّ مهزولة، والهزال الذي
هو عيب، هو الظاهر البين، وأبعد منه عدم القبول عند التبرع؛ للنهي عن
أخذها وهو عجيب، فإن النهي للإجحاف بالمالك فقط، ومنع داود أخذ
الحامل؛ لأنه عيب، وهو عجيب؛ لأنه ليس عيبًا في البهائم(٥).
فرع:
لو كانت ماشيته سمينة كلها؛ طالبناه بسمينة، ونجعل ذَلِكَ كشرف
(١) ((المسند)) ١٤٢/٥، ((سنن أبي داود)) (١٥٨٣).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٦٣/٨ - ٦٤ (٣٢٦٩)، ((المستدرك)) ٣٩٩/١.
(٣) ((المحلى)) ٢٦/٦ حيث قال: هذا لا حجة فيه لوجوه:
أولها : أنه لا يصح؛ لأن يحيى بن عبد الله مجهول. وعمارة بن عمرو بن حزم غير
معروف، وإنما المعروف عمارة بن حزم أخو عمرو رضي الله عنهما. اهـ
وتعقبه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((المحلى)) ٢٦/٦ - ٢٧ فقال: أما يحيى
فإنه ليس مجهولًا، بل هو ثقة تابعي روى له مسلم وأبو داود. وأما عمارة فهو
معروف أيضًا وتابعي ثقة. اهـ
قلت: يحيى وعمارة أجمل الحافظ القول بتوثيقهما في ((التقريب)) (٤٨٥٥،
٧٥٨٦).
والحديث حسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤١١).
(٤) انظر: ((البيان)) ٢٠٥/٣، ((المجموع)) ٤٠٠/٥.
(٥) انظر: ((عيون المجالس)) ٤٩١/٢، و((المجموع)) ٤٠٠/٥.

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
النوع بخلاف ما إذا كانت كلها ماخضة؛ لأن الحامل قد تتخيّل حيوانين.
وقد أحتج الشافعي لمذهبه في أن السخال يؤخذ منها ما يؤخذ في الكبار
بهذا الحديث، فإذا لم يملك كريم مال فلا يكلف شراءه.
قال ابن القصار: فيقال له: وكذلك أيضًا نهي عن أخذ الدون،
وكلف الوسط، وليس إذا كلف الوسط كلف كريم ماله، ألا ترى أنا
نرفه رب المال إذا كانت غنمه كرائمًا كلها رُبَّى ومواخض ولوابن
وشاة اللحم والفحل؛ لئلا نأخذ منها، فكذلك نرفه الفقير؛ لئلا يأخذ
الصغيرة، ويأخذ السن المجعول، وهذا هو العدل بينهم وبين أرباب
المواشي -كما قال عمر ﴾ .
قلت: مثل هذا لا يقال لمثل هذا الإمام الجبل، فإذا كانت كلها
صغارًا فلا دون فيها حتَّى نلزم به هذا الإمام، وقوله: وليس إذا كلف
الوسط كلف كريم ماله. عجيب، فإنه تكليف بما لا يجب عليه
ولا ملكه البتة، وقوله: ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه
كلها كرامًا؛ لئلا نأخذ منها ممنوعٌ، فإنا نأخذ منها واحدة - كما
أسلفناه- وجعلناه لشرف النوع.

٤١٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
٤٢- باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةً
١٤٥٩- حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي صَغْصَعَةَ المَازِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ:
(لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ الثَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ
مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ)). [انظر: ١٤٠٥-
مسلم: ٩٧٩- فتح: ٣٢٢/٣]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري السالف في أول الزكاة (١)، وزكاة
الورق(٢)، وزاد هنا: ((خمسة أوسق من التمر)) زاد لفظ: ((التمر))
ولمسلم: ((من تمر ولا حب)) (٣)، وقد سلف فقهه هناك.
(١) سلف برقم (١٤٠٥) باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز.
(٢) سلف برقم (١٤٤٧).
(٣) (صحيح مسلم)) (٩٧٩/ ٤) كتاب: الزكاة.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤٣- باب زَكَاةِ البَقَرِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ
بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ)). وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَّجَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]
تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.
١٤٦٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنِ
المغْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ عَُّ قَالَ: أَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ - أَوْ وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ، أَوْكَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلِ تَكُونُ لَهُ إِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ
غَنَمْ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُنِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ ◌ّمَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُّهُ
بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى
يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)). رَوَاهُ بُكَثِرٌ، عَنْ أَبِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ
.
[٦٦٣٨ - مسلم: ٩٩٠ - فتح: ٣٢٣/٣]
هي أسم جنس مشتقة من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض
بالحراثة. يكون للمذكر والمؤنث، كما قاله في ((المحكم)) (١).
(قال البخاري)(٢): وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ
اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ)). وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَّخْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] تَرْفَعُونَ
أَضْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.
ثم ذكر حديث أبي ذر: قَالَ: أَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ فِقَالَ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلِ تَكُونُ لَهُ
إِبِّ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا .. )) الحديث. رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ
(١) (المحكم)) ٢٤١/٦ - ٢٤٢.
(٢) ليست في الأصل.

٤١٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الشرح: أما حديث أبي حميد فهو قطعة من حديث ابن اللتبية، وقد
أسنده فيما سيأتي(١)، وما ذكره في تفسير (جوار) تبع فيه أبا عبيدة معمر
بن المثنى، وعبارة ابن سيده: رفع صوته مع تضرع واستغاثة(٢).
قال ابن الأثير: المشهور بالخاء (٣)، يعني: المعجمة، و(الخوار)
غير مهموز و(الجؤار) مهموز وهما سواء. كما قال القزاز: اللفظتان
ج
تقالان في البقرة إذا صاحت ومنه ﴿لَّمُ خُوَارُ﴾ [طه: ٨٨]، وكذلك
جوار الثور بالجيم، والعرب تستعيره في الرجل، وأصله في البقر قال
تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَّجْثَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أي: ترفعون أصواتكم بالدعاء.
وحديث أبي ذر أخرجه مسلم أيضًا، وسيأتي في الأيمان والنذور
أيضًا، وحديث بكير أخرجه مسلم من حديث ابن وهب، عن عمرو
ابن الحارث، عنه، وهو: بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ذكوان
وهو: أبو صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله وَّه قال: ((إذا لم يؤد
المرء حق الله أو الصدقة في إبله)) وساق الحديث بنحو حديث سهيل
عن أبيه -يعني المذكور عنده -: ((ما من صاحب إبل ... )) إلى آخره. وفي
آخره: قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا، وذكر فيه الكنز والخيل(٤).
وذكره البيهقي من هذا الوجه بذكر البقر ثم قال: رواه مسلم وأشار
إليه البخاري(٥).
(١) سيأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ،
و(٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة، و(٦٩٧٩) كتاب:
الحیل، باب: احتیال العامل لیهدئ له.
(٢) ((المحكم)) ٣٣٦/٧.
((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٣٢/١.
(٣)
(٤)
((صحيح مسلم)) (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.
((السنن الكبرى)» ٩٨/٤ كتاب: الزكاة.
(٥)

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهو أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر، وجاء في أحاديث أخر
منها: حديث معاذ: لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل أربعين بقرة
مسنةً، ومن كل ثلاثين تبيعًا. حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على
شرط الشیخین (١).
وحديث عمرو بن حزم أيضًا في كل أربعين باقورة بقرة(٢). وقد
سلف أيضًا حديث: ((ليس في البقر العوامل شيء)) (٣).
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على وجوب زكاتها من أجل الوعيد
الذي جاء إن لم يؤد زكاتها، ومقدار نُصبها في حديث معاذ السالف،
وكذا ما يؤخذ منها وغيره من الأحاديث السالفة.
قال ابن بطال: وكذا في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وعلى
ذَلِكَ مضى الخلفاء، وعليه عامة الفقهاء.
قال ابن المنذر: ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، وفيه شذوذ
لا يلتفت إليه، روي عن ابن المسيب، والزهري، وأبي قلابة أن في
كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتين، وفي خمسة عشر ثلاثًا،
وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس
وسبعين، فإذا زادت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل
أربعين بقرة بقرة. وروي عن أبي قلابة أنه قال: في كل خمس شاة
(١) ((سنن الترمذي)) (٦٢٣)، ((المستدرك)) ٣٩٨/١، ورواه أيضًا أبو داود (١٥٧٨)،
والنسائي ٢٦/٥، وابن ماجه (١٨٠٣).
والحديث صححه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢/ ١٣٠. وللألباني في ((صحيح أبي
داود)» (١٤٠٨)، وفي ((الإرواء)) (٧٩٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) تقدم تخريجه أيضًا.

٤١٧
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
إلى أن تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع.
واعتل قائلو هذِه المقالة بحديث لا أصل له رواه حبيب بن أبي
حبيب(١)، عن عمرو بن هرم أنه في كتاب عمرو بن حزم. [وحجتهم] (٢)
من طريق النظر أن الشارع قد عدلها بالإبل إذ جعل الواحد منها يجزئ
عن سبعة في الهدايا والضحايا كما في الإبل، فزكاتها زكاتها، قالوا :
وخبر معاذ منسوخ بكتابه وهو إلى عماله، الذي رواه عمرو بن حزم.
قال الطبري: وهذا الحديث أراه غير متصل ولا يجوز الاحتجاج به
في الدين، والمعروف في كتابه ◌َّ في الصدقة لآل عمرو بن حزم خلاف
ذَلِكَ(٣).
قُلْتُ: فيه: وفي كل أربعين باقورة بقرة. كما أسلفناه.
قُلْتُ: وأما ابن حزم فإنه صححه مستدلاً به، أخرجه من طريق أبي
عبيد بن سلام: نا يزيد، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم،
عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان في كتاب عمرو أن البقر يؤخذ منها
كما يؤخذ من الإبل (٤).
وجماعة الفقهاء على أنه لا شيء فيما زاد على الأربعين حتَّى تبلغ
ستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان فإذا بلغت سبعين، فتبيع ومسنة، وبهذا
قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد (٥).
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حبيب بن أبي حبيب الجرمي عن عمرو بن هرم
غمزه أحمد ونهى ابن معين عن كتابة حديثه، وقدح فيه يحيى بن سعيد القطان.
(٢) ليست بالأصل، ومثبتة من ((شرح ابن بطال)) والسياق يقتضيها.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣/ ٤٧٧-٤٧٨.
(٤) ((المحلى)) ٤/٦.
(٥) انظر: ((الأصل)) ٦٢/٢-٦٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٣/١.

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وسئل أبو حنيفة، فقال: ما زاد على الأربعين من البقر فبحسابه،
ففي كل خمسة وأربعين مسنة وثُمن، وفي خمسين مسنة وربع، وعلى
هُذا كل ما زاد قل أو كثر. هذا هو المشهور عنه، وقد روى أسد بن
عمرو عن أبي حنيفة مثل قول الجماعة(١)، ولا قول إلا قولهم؛ لأنهم
الحجة على من خالفهم، وفي حديث معاذ أنه قال: لم يأمرني رسول
الله ◌َ لّ في الأوقاص بشيء. وعند أهل الظاهر لا زكاة في أقل من
خمسين منها، فإذا ملك خمسين منها عامًا قمريًا متصلًا ففيها بقرة،
وفي المائة بقرتان، ثم في كل خمسين بقرة بقرةٌ، ولا شيء في الزيادة
حتَّى تبلغ الخمسين .
وقال إبراهيم فيما رواه ابن حزم: ليس فيما دون ثلاثين شيء فإذا
بلغتها فتبيع، ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ أربعين فإذا بلغتها (٢) فبقرة ثم
لا شيء فيها حتَّى تبلغ خمسين، فإذا بلغتها فبقرة وربع، ثم لا شيء
فيها حتَّى تبلغ سبعين فتبيع ومسنة. قال: وهي رواية غير مشهورة عن
أبي حنيفة، قال: وقالت طائفة: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء
فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنة، فإذا زادت واحدة ففيها بقرة وجزء من
أربعين جزءًا من بقرة، وهكذا في كل واحد يزيد فيها جزءًا آخر من
أربعين جزءًا من بقرة، هكذا إلى الستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان، ثم
لا شيء فيها إلا في كل عشر زائد كما ذكرنا .
قال: وقيل: المشهور عن أبي حنيفة(٣): ليس في أقل من ثلاثين من
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٣/١.
(٢) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في ((المحلى)) ٦/ ٧: ففيها تبيع، ثم لا شيء فيها
حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها.
(٣) ((المحلى)) ٦/ ٧.

٤١٩
كِتَابُ الرِّكَاةِ
البقر صدقة، فإذا بلغتها سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة
وهي التي طعنت في الثالثة، فإذا زادت على الأربعين ففي الزيادة
بقدر ذَلِكَ إلى الستين عند أبي حنيفة، ففي الواحدة الزائدة ربع عشر
المسنة، وفي الثنتين نصف عشر مسنة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتَّى تبلغ ستين،
فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وهي رواية عن أبي حنيفة، وفي سبعين
مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي
المائة تبيعان ومسنة، على هذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع
إلى مسنة(١).
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) من حديث ابن أرطاة، عن حماد بن أبي
سليمان، عن إبراهيم قال: يحاسب صاحب البقر بما فوق الفريضة .
قال: وحَدَّثَنَا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن
الحارث، عن مكحول أنه قال في صدقة البقر: ما زاد فبالحساب(٢).
وروى ابن حزم بإسناد جيد إلى الزهري وقتادة، عن جابر بن عبد الله
قال: في كل خمس من البقر شاة (٣) كالإبل في عشرين أربع .
قال الزهري: فرائض البقر مثل فرائض الإبل غير أنه لا أسنان فيها،
قال: وبلغنا أن قولهم: قال النبي ◌َّ: ((في كل ثلاثين تبيع، وفي كل
أربعين بقرة))(٤). أن ذَلِكَ كان تخفيفًا لأهل اليمن، ثم كان هذا بعد ذَلِكَ.
(١) أنظر: ((الأصل)) ٦١/٢ - ٦٢، و((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٣/١،
و((المبسوط)) ١٨٧/٢، و((الهداية)) ١٠٦/١ - ١٠٧.
(٢) ((المصنف)) ٣٦٤/٢ (٩٩٤٦ - ٩٩٤٧) كتاب: الزكاة، في الزيادة في الفريضة.
(٣) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في ((المحلى)) ٢/٦: وفي عشر شاتان وفي خمس
عشرة ثلاث شیاه.
(٤) رواه النسائي ٢٦/٥ كتاب: الزكاة، باب: زكاة البقرة، وأحمد ٢٣٣/٥، =

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال: وعن عكرمة بن خالد: اُسْتُعملتُ على صدقات عك، فلقيت
أشياخًا ممن صدق على عهد رسول الله بَير، فاختلفوا، فمنهم من قال:
أجعلها مثل صدقة الإبل. ومنهم من قال: في ثلاثين تبيع. ومنهم من قال:
في أربعين مسنة(١).
قُلْتُ: وروي عنه أن رجلًا حدثه عن مصدق أبي بكر أنه أخذ من كل
عشر بقرات بقرة .
وروى ابن حزم أيضًا من طريق أبي عبيد إلى عمر بن عبد الرحمن بن
خلدة الأنصاري أن صدقة البقر صدقة الإبل، غير أنه لا أسنان، وعن
معمر أعطاني سماك بن الفضل كتابًا من رسول الله سيء إلى مالك
[بن](٢) كفلافس والمصعبين، فقرأته فإذا فيه: الوفي البقر مثل الإبل)).
قال ابن حزم: ما ذُكر عن الزهري من أنه قال: هذا هو آخر أمر
رسول الله ◌َ﴾، وأن الأمر بالتبيع في الثلاثين نُسخ بهذا، واحتجوا
بعموم الخبر: ((ما من صاحب بقر)) الحديث.
فهذا عموم لكل بقر إلا ما خصه نص أو إجماع، ومن عمل مثل
قولنا كان على يقين، فإنه قد أدى الفريضة، ومن خالف لم يكن على
يقين من ذَلِكَ .
فإن احتجوا بالخبر الذي فيه: ((في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين
= وابن خزيمة في ((صحيحه)) ١٩/٤ (٢٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: صدقة البقر،
بذكر لفظ مجمل غير مفسر، والشاشي في ((مسنده)) ٢٥٢/٣ - ٢٥٣ (١٣٥٠-
١٣٥٢)، والطبراني ١٢٨/٢٠ - ١٣٠، والبيهقي ٩٨/٤ كتاب: الزكاة، باب:
كيف فرض صدقة البقر، ٩/ ١٩٣ كتاب: الجزية، باب: كم الجزية.
(١) ((المحلى)) ٢/٦- ٣.
(٢) ليست بالأصل وإنما هي من ((المحلى)» ٦/ ٤. وفيه: مالك بن كفلانس المصعبين.