النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كِتَابُ الزّكَاةِ
=
٢٥- باب أَجْرِ الخَادِمِ
إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرٍ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
١٤٣٧- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِ وَائِلٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَله: ((إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ
مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ
مِثْلُ ذَلِكَ)). [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣٠٢/٣]
١٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي
بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((الْخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِذُ-
وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَي الذِي أُمِرَ
لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْن)). [٢٢٦٠، ٢٣١٩ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٣٠٢/٣]
سلف بما فيه وكذا الباب بعدَهُ.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٦- باب أَخْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ
أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيَ مُفْسِدَةٍ
١٤٣٩- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورَ وَالأَغْمَشُ، عَنْ أَبِ وَائِلٍ، عَنْ
مَشْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ نَهَ تَغْنِي: ((إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ
بَيْتِ زَوْجِهَا)). [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤- فتح: ٣٠٣/٣]
١٤٤٠- حَلَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
مَشْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا أَطْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ
بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا
أَكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ)). [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣٠٣/٣]
١٤٤١- حَدَّثَنَا يَخْيَى بِنُ يَخْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ
طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلرَّوْجِ بِمَا أَكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ
ذَلِكَ)). [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤- فتح: ٣٠٣/٣]

=
كِتَابُ الزَّكَاةِ
٣٤٣
٢٧ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (@)
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
٧
فَسَنُيَسُِّ لِلْعُسْرَى
وَكَذَّبَ بِالْمُنْنَى
٨
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاُسْتَغْنَى !
[الليل: ٥-١٠]. ((اللَّهُمَّ أَعْطِ منفقًا مالًا خَلَفًا))
١٤٤٢- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي
مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِيِ الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ نَّرِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْم يُصْبِحُ
العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانٍ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًّا، وَيَقُولُ
الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًّا)). [مسلم: ١٠١٠ - فتح: ٣٠٤/٣]
ذكر فيه حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، واسمُهُ عبد الرَّحمن: صدوق،
عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ يُصْبِحُ
العِبَادُ فِيهِ إِلَّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَاً خَلَفًّا،
وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًّا)).
أما الآية فقَالَ ابن عباس - فيما حكاه الطبري -: أعطى مما عنده،
واتقى ربه، وصدق بالخلف من الله تعالى(١). وقال قتادة: أعطى حق
الله، واتقى محارمه التي نهى عنها. وقال الضحاك: زكى واتقى الله(٢).
وقيل: الحسنى: لا إله إلا الله، قاله أبو عبد الرحمن وعطاء
والضحاك، وابن عباس في رواية(٣).
وقال مجاهد: بالجنة(٤).
(١) ((تفسير الطبري)) ٦١١/١٢ - ٦١٢ (٣٧٤٣٢)، (٣٧٤٣٣)، (٣٧٤٣٦ - ٣٧٤٣٩).
(٢) السابق ٦١١/١٢ (٣٧٤٣٤ - ٣٧٤٣٥).
(٣) السابق ٦١٢/١٢ - ٦١٣ (٣٧٤٤٦ - ٣٧٤٥٣).
(٤) السابق ٦١٣/١٢ (٢٧٤٥١ - ٣٧٤٥٣).

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال قتادة: صدّق بموعود الله على نفسه فعمل بذلك الموعود الذي
وعده(١). قَالَ الطبري وغيره: والأشبه والأولى قول ابن عباس السالف.
قَالَ: وإنما قلتُ ذلك؛ لأنه سياق الآية، وذكر أن هذِه الآية نزلت في
الصديق كان اشترى نسمًا كانوا في أيدي المشركين فنزلت إلى آخر
السورة، ورُوي أنها نزلت في رجل أبتاع نخلة كانت على حائط
أيتام، فكان يمنعهم أكل ما سقط منها فابتاعها رجل منه، وتصدق بها
عليهم، وأما الحديث فهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ (٢) [سبأ: ٣٩] ولقوله: ((ابن آدم أنفق أنُفِقْ عليك))(٣)،
وهذا يعم الواجب والمندوب، والممسك يريد به: عن الواجبات دون
المندوبات، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء، اللهم إلا أن يغلب عليه
البخل بها وإن قلَّتْ في أنفسها كالحبة واللقمة، وما شابههما فقد
يتناوله؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذموم عليه وقلما
يكون ذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات. إذ لا تطيب نفسه بها.
وفيه: الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل، وصلة
الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض على ما أسلفناه. ومعلوم أن
دعاء الملائكة مجاب بدليل قوله وَله: ((مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))(٤)، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُبَيْرُ لِلْمُسْرِى
[الليل: ٧] أي للحالة اليسرى، وسمى العمل بما يرضاه الله تعالى منه
في الدنيا ليوجب به الجنة في الآخرة.
(١) السابق ١٢/ ٦١٣ (٣٧٤٥٤ - ٣٧٤٥٥).
(٢) أنظر: ((تفسير الطبري)) ١٢/ ٦١٣ بتصرف.
(٣) سيأتي برقم (٤٦٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
(٤) سبق برقم (٧٨٠) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين.

٣٤٥
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾﴾: فيروى يعني أنه أبو سفيان.
وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ أي: كذب بالخلف، عن ابن عباس(١).
وروي عنه أيضًا: بلا إله إلا الله. كما سلف. وقال قتادة: كذب
بموعود الله تعالى أن ييسره(٢).
﴿للعُسْرى﴾. أي: للعمل بالمعاصي. ودلت هُذِه الآية أن الرب
تعالى هوالموفق للأعمال الحسنة والسيئة كما قَالَ رَّهِ: ((اعْمَلُوا فَكُلّ
مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فييسرون لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا
أَهْلُ الشَّقَاءِ فييسرون لِعَمَلِ الشَّقَاء))(٣). ثم قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَتَّى (@)
وَصَدَّقَ بِالْمُسْنَى ﴾﴾ [الليل: ٦،٥] الآية.
وقال الضحاك: العُسْرى: النار. فإن قلت: التيسير إنما يكون
لليسرى، فكيف جاء للعسرى؟ فالجواب أنه مثل قوله: ﴿فَبَشِرْهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي أن ذلك لهم يقوم مقام البشارة.
وقال الفراء(٤): إذا اجتمع خير وشر فوقع للخير تيسير جاز أن يقع
(٥)
للشر مثله.(٥)
(١) رواه الطبري في تفسيره)) ٦١٤/١٢ (٣٧٤٦٢ - ٣٧٤٦٥).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦١٤/١٢ - ٦١٥ (٣٧٤٦٤ - ٣٧٤٦٥).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٤٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَنُيَيْرُهُ لِلْمُسْرَى
(٤) ((معاني القرآن)) ٢٧١/٣.
(٥) بهامش الأصل: (آخر ٦ من ٥ من تجزئة المصنف).

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٨- باب مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَنْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبی
هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا
جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌ّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَثَلُ البَخِيلِ
وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا جُبََّانٍ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَي تَرَاقِيهِمَا،
فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ- أَوْ وَفَرَتْ- عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ
وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا،
فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَسِعُ)). تَابَعَهُ الَحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسِ: فِي الْجُبَّتَيْنِ. [١٤٤٤،
٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣٠٥/٣]
١٤٤٤- وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاؤُسٍ: ((جُتَّتَانٍ)). وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرَ، عَنِ
ابن هُزْمُزِ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ: ((جُتَّتَانٍ)). [انظر: ١٤٤٣ - مسلم:
١٠٢١ - فتح: ٣٠٥/٣]
ذكر في حديث أبي هريرة من طريق ابن طاؤس، عن أبيه، عنه، ومن
طريق أبي الزناد: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ (أَبَا هُرَيْرَةَ)(١) أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا جُبِّتَانِ
مِنْ حَدِيدٍ .. )) الحديث. تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبِّتَيْنِ.
وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ: (جُنَّتَانِ)). بالنون، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي
جَعْفَرٌ، عَنِ ابنِ هُرْمُزٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((جُتَّتَانِ)).
الشرح :
أما متابعة الحسن فقد أسندها في اللباس عن عبد الله بن محمد، عن
(١) في الأصل مضبب فوق هذِه الكلمة.

٣٤٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
أبي عامر، عن نافع، عنه (١). وأخرجها العدني في ((مسنده)) عن ابن جريج
عن الحسن عن طاوس عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله وَّهِ ((يُوَسِّعُهَا
فَلَا تَتَوَسَّع)) مرتين. ومتابعة حنظلة، وهو ابن أبي سفيان. ذكرها أيضًا في
اللباس معلقة(٢).
وقوله: (وقال الليث: حَدَّثَني جعفر) كذا ذكرها معلقة. وكذا ذكر أبو
مسعود وخلف أنه علقه أيضًا في الصلاة. وروى العدني محمد بن أبي
عمر في ((مسنده)) عن سفيان عن أبي الزناد به. وأخرجه مسلم
بألفاظ (٣)، ومن حديث عمرو الناقد عن ابن عيينة: ((مثل المنفق
والمصدق كمثل رجل .. )) الحديث، وفيه: ((فإذا أراد المنفق أن
يتصدق سبغت عليه أو مرت، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت)) (٤).
قَالَ عياض(٥): إنه وهم، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات:
((مثلُ البخيلِ والمتصدق)) والتقسيم آخر الحديث بين ذلك. وقد يحتمل
أن تكون على وجهها، وفيها محذوف مثل المنفق والمتصدق
وقسيمهما،- وهو البخيل- حذف لدلالة المنفق والمتصدق عليه
كقوله: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد. فحذف ذكر البرد
لدلالة الكلام عليه. ووقع في بعض الروايات: ((والمصدق)). وفي
أخرى: ((والمتصدق)) (٦)، وفي أخرى: حذف التاء وتشديد الصاد.
وكلاهما صحيح.
(١) سيأتي برقم (٥٧٩٧) باب: جيب القميص من عند الصدر وغيره.
(٢) سيأتي عقب حديث (٥٧٩٧).
(٣) (صحيح مسلم)) (١٠٢١) كتاب: الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل.
(٤) انظر: التخريج السابق.
(٥) (إكمال المعلم)» ٣/ ٥٤٥.
(٦) (صحيح مسلم)) (١٠٢١ / ٧٦).

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ((كمثل رجلين)) وفي رواية مسلم: ((كمثل رجل))(١) بالإفراد.
وكأنه تغيير من بعض الرواة.
وقوله: ((جُبَّتَانِ)) روي كما سلف بالباء والنون. وفي رواية: ((جبتان أو
جنتان))(٢) وكلا الوصفين يصح أن يمثل به. والأفصح بالنون: وهو ما
يتستر به الإنسان فيجنه، وكذا قَالَ صاحب ((المطالع)) وغيره أن النون
أصوب، وهو الدرع. يدل عليه قوله في الحديث ((لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ)).
وفي لفظ: ((وأخذتْ كُلُّ حَلْقَةٍ موضِعَها))(٣). وكذا قوله: ((من حدید)).
وقوله: ((من ثُدِيِّهِمَا)) قَالَ ابن التين: كذا في رواية أبي الحسن.
وضبطه بعضهم بضم الثاء، ويصح أن يكون بنصبها. وعند أبي ذر
(قَدْيَيْهما)) ولا يكون إلا بنصب الثاء. قَالَ ابن فارس: والشَّدي
-بالفتح- للمرأة، والجمع الثدى، يذكر ويؤنث. وتُندؤة الرجل كثدي
المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فُتح لم يهمز. ويقال: هو
طرف الثدي (٤). فانظر على هذا كيف قَالَ: ((ثديهما))، وهو قد قَالَ:
((كمثل رجلين؟)) وقال الجوهري: الثدي للمرأة والرجل، والجمع أثدٍ
وثدئ على فعول، وثِدی بکسر الثاء(٥).
وقوله: ((إِلَي تَرَاقِيهِمَا)) الترقوة، قَالَ الخليل: هي فعلوة وهو عظم
وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. والتراقي جمع ترقوة. وهذا يشهد
لرواية أبي الحسن أن ثديهما بالضم لتجانس اللفظ. وقد يكون قد
(١) المرجع السابق.
(٢) رواها مسلم (١٢٠١/ ٧٥).
(٣) سيأتي برقم (٥٢٩٩) كتاب: الطلاق، باب: الإشارة في الطلاق.
(٤) ((مجمل اللغة)) ١/ ١٥٧.
(٥) ((الصحاح)» ٢٢٩١/٦.

٣٤٩
كِتَابُ الزِّكَاةِ
جمع الثدي والترقوة. ولأنهن جمع؛ لأن في كل واحد منها ثديين،
كالعينين، لا تقول في الرجلين: عيناهما حسنتان. إنما تقول:
عيونهما. بخلاف أن يكون في كل واحد منهما شيء واحد. فهذا إذا
ثنيت جاز لك ثلاثة أوجه: الإفراد، والجمع، والتثنية. ونعني بذلك
الأصل الذي هما عليه.
وقوله: ((سبغت)) أو ((وفرت)) كذا بخط الدمياطي: ((وفرت)) وكذا هو
في شرح ابن التين، وابن بطال(١)، وفي بعضها ((مرت)) (٢) بالميم.
قَالَ النووي(٣): وصوابه في مسلم: ((مُدَّتْ)) بالدال بمعنى سبغت
كما في الحديث الآخر: ((انبسطت))(٤) لكنه قد يصح ((مرت)) على هذا
المعنى. والسابخ: الكامل. وفي بعض نسخ البخاري: ((مادت)) بدال
مخففة من ماد: إذا مال. ورواه بعضهم ((مارت)) أي: سالت عليه
وانقلبت.
وقال الأزهري(٥): معناه ترددت، وذهبت، وجاءت بكمالها.
وسبغت أي امتدت وطالت. وعند ابن طريف: هو شيء طال من فوق
إلى أسفل سبوغًا، ألا ترى: سبغ الثوب، يسبغ: أتسع. غيره: سبغت
النعمة: سترت. وضبطه الأصيلي بضم الباء، وهو شيء لا يعُرف.
ولما ذكره ابن التين كما سلف شك -يعني الراوي- أيهما قال،
ومعناهما واحد، فهو إذ أنفق طال ذلك اللباس. وحقيقة المعنى أن
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٤١/٣.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٠٢١).
(٣) ((مسلم بشرح النووي)) ١٠٨/٧.
(٤) سيأتي برقم (٥٧٩٧).
(٥) ((تهذيب اللغة)) ٣٣٢٥/٤.
١

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الجواد تطاوعه يده في (النفقة) (١) إذا أعطى، وينمى ماله، ويستر بها من
قرنه إلى قدمه. والبخيل تنقبضٍ يده فدرعه عليه ثقل ووبال بالوقاية. وإليه
ج
أشير في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
[المائدة: ٦٤].
وقوله: ((حَتَّى تُخْفِي بنانه)) ورواه الخطابي: ((حَتَّى تجن بنائه)) أي:
تسترها. جن، وأجن بمعنى، وروي ((تحز)) - بحاء وزاي- وهو وهم. قَالَ
النووي: والصواب: ((تجن))- بجيم ونون- أي تستره. ومنه رواية بعضهم
((ثيابه)) بثاء مثلثة، وهو وهم، والصواب ((بنانه)) بالنون، وهي رواية
الجمهور كما في الحديث الآخر ((أنامله))(٢).
وقوله: ((ويعفو أثره)) أي كما يعفي الثوب الذي يجر الأرض أثر
صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه، كذلك تُذهب الصدقة خطاياه
فتمحوها.
وقوله -في البخيل -: ((لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا)) ويروى: لزمت أي:
ضُيقت عليه. ولزمت بجلده فهي تؤذيه بمعنى أنها تحمى عليه يوم
القيامة، فيكوى بها. ولزق مثل لصق .
وقال النووي: معنى ((تعفو أثره)): تمحو أثر مشيه، تمثيل لكثرة
الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى أنبسطت يداه بالعطاء، ويعود
ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له .
وقيل: معنى «تمحو أثره)) أي: تذهب بخطاياه وتمحوها. وهذا مثل
ضربه الشارع للبخيل والجواد. وذلك أن الدرع أول ما تلبس تقع على
(١) في (م): الصدقة.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٩٧).

٣٥١
= كِتَابُ الزَّكَاةِ
الصدور والثديين إلى أن يدخل اللابس يديه في كميه، فجعل مثل المنفق
مثل من يلبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حَتَّى سبغت جميع بدنه،
وهو معنى قوله: ((حَتَّى تعفو أثره)) أي: تستر جميع بدنه. وجعل
البخيل كرجل غلت يداه إلى عنقه، فلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه.
وهو معنى ((قلصت)) أي: تضامت واجتمعت. والمراد أن الجواد إذا
هم بالصدقة أنفسح لها صدره، والبخيل إذا حدث نفسه بها ضاق
صدره، وانقبضت يده .
وقال المهلب: معناه أن الله تعالى ينمي مال المتصدق ويستره ببركته
من قرنه إلى قدمه، وجميع عوراته في الدنيا، والأجر في الآخرة.
والبخيل ماله لا يمتد عليه، فلا يستر من عوراته شيئًا حَتَّى يبدو للناس
منكشفًا مفتضحًا في الدنيا والآخرة، كمن يلبس جبة تبلغ إلى ثدييه لا
تجاوز قلبه الذي يأمره بالامتثال(١).
۔
(١) انظر ((شرح ابن بطال)) ٤٤١/٣.

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٩- باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾
الآية [البقرة: ٢٦٧] [فتح ٣٠٧/٣]
اقتصر البخاري رحمه الله على هذه الآية، ولم یذکر فیها حديثًا.
والمعنى أي: من طيب أموالكم وأنفسها. قاله ابن عباس(١). وقال
مجاهد: من التجارة الحلال(٢).
وقال علي: نزلت في الزكاة المفروضة، يقول: تصدقوا من أطيب
أموالكم (وأنفسها)(٣) (٤).
وذكر أبو جعفر النحاس في سبب نزولها حديثًا أسنده عن البراء
قَالَ: كانوا يجيئون في الصدقات بأرداً تمرهم، وأرداً طعامهم، فنزلت
هذِهِ الآية إلى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تُقْمِضُواْ فِيَةٍ﴾ قال: لو كان لكم
فأعطاكم لم تأخذوه إلا وأنتم ترون أنه قد نقصكم من حقكم(٥). وهذا
قول الصحابة والعلماء.
وقال ابن زيد: المعنى: لا تنفقوا من الحرام، وتدعوا الحلال(٦).
وقال عبد الله بن معقل: ليس في مال المؤمن خبيث، ولكن ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٨١/٣ (٦١٢٨).
(٢) السابق ٨٠/٣ (٦١٢٠ - ٦١٢٣).
(٣) السابق ٨٣/٣ (٦١٤١).
(٤) في الأصل: (وأنفسه) ووضع فوقها كلمة صح.
(٥) ((معاني القرآن الكريم)) ٢٩٦/١.
(٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٨٤/٣ (٦١٤٨).

٣٥٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
اُلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ لا يتصدق بالحشف، ولا بالدرهم الزَّيف، ولا بما
لا خير فيه (١). ومعنى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: لا تقصدوا وتعمَّدوا. وفي قراءة
عبد الله: (ولا تؤمّوا) من أممت. والمعنى سواء.
وقال البراء: نزلت في الأنصار، كانت إذا كان جداد النخل
أخرجت من حيطانها أقناء البسر فعلقوه على حبل بين الأسطونتين في
مسجد رسول الله ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل
منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر بظن جوازه، فأنزل: ﴿وَلَا
تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾(٢) واستدرك الحاكم لزكاة التجارة من
حديث أبي ذر﴾ أن رسول الله وَّ﴿ قَالَ: ((في الإبل صدقتها، وفي
البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته)) استدركه بإسنادین
صحيحين، وقال: هما على شرط الشيخين (٣).
والبز بفتح الباء وبالزاي، كذا رواه. وصرح بالزاي الدارقطني،
(٤)
والبيهقي (٤).
(١) روه ابن أبي حاتم في ((تفسير القرآن العظيم)) ٥٢٧/٢ (٢٧٩٩).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣/ ٨٢ (٦١٣٨).
(٣) ((المستدرك)) ٣٨٨/١ كتاب: الزكاة.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ١٠٠/٢ - ١٠١ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات
صدقة، ((سنن البيهقي)) ٤/ ٢٤٧ كتاب: الزكاة، باب: زكاة التجارة، وقال الذهبي
في ((المهذب)) ١٥٠٥/٣ (٦٦٨٨): إسناده جيد ولم يخرجوه.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سيد
٣٠- باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ
١٤٤٥- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بِنُ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)). فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ،
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتِّصَدَّقُ)). قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟
قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوَ)). قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ،
وَلْيُمْسِْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ)). [٦٠٢٢ - مسلم: ١٠٠٨ - فتح: ٣٠٧/٣]
ذكر فيه حديث سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَل
قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)). قالوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ:
(يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَّهُ وَيَتَصَدَّقُ)) .. الحديث.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١)، وأطلق الصدقة هنا وبينها في
حديث أبي هريرة بقوله: ((في كلِّ يَوْم))، وأن ظاهره الوجوب، لكن
خففه عنا الرب جل جلاله حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطًا
له. وهو مثل قوله {وَ له: ((عَلَى كُلِّ سُلامَى صدَقَةٌ))(٢) أي على وجه
الندب. والملهوف يُطلق على المضطر، وعلى المتحير، وعلى المظلوم.
قوله: ((وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ)) وذلك [أنه](٣) إذا أمسك شره عن غيره
فكأنه قد تصدق علیه بالسلامة. فإن كان شرًّا لا يعدو نفسه فقد تصدق
على نفسه بأن منعها من الإثم.
(١) (صحيح مسلم)) (١٠٠٨) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل
نوع من المعروف.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٠٧) كتاب: الصلح، باب: فضل الإصلاح بين الناس والعدل
بینهم.
(٣) من (م).

٣٥٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومقصود الباب أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة
الصدقات في الأجور، ولاسيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم
منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة
على فاعلها. ولا شك أن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل، ولن
يتقرب المتقربون بأفضل مما افترضه عليهم كما أخبر به الرب جل
جلاله في هذا ((الصحيح)) من حديث أبي هريرة كما سيأتي (١).
وقال بعضهم(٢): إن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل بسبعين
درجة.
(٣)
(١) برقم (٦٥٠٢) كتاب: الرقاق، باب: التواضع.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: بعضهم هو الإمام، فإنه قال: قال بعض علمائنا :
الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النافلة سبعين درجة، فاستأنس بما رواه سلمان
الفارسي أنه ** قال في رمضان: ((من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن
أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه)).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهو حديث أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))
والبيهقي في ((الشعب)).

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣١ - باب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟
وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ حَقْصَةَ
بِنْتِ سِبِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنَّصَارِيَّةِ بِشَاةٍ،
فَأَزْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)). فَقُلْتُ:
لَ، إِلَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ: ((هَاتٍ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)). [١٤٩٤،
٢٥٧٩ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣٠٩/٣]
ذكر فيه حديث أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ،
فَأَرْسَلَتْ إِلَي عَائِشَةَ منها، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)). فقالت:
لَا، إِلَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ
مَحِلَّهَا».
الشرح :
أم عطية هي نسيبة المبعوث إليها بالشاة، وكأنها عنت نفسها. ويكون
قولها (بُعِثَ) بياء موحدة مضمومة ثم عين مكسورة وفتح الثاء. وقد جاء
في موضع آخر عن أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي رسول الله وَّ بشاةٍ من
الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها .. الحديث(١).
وتوهم ابن التين أنها غيرها فقال: تقدم عن أبي الحسن أن أم عطية
اسمها أيضًا نسيبة. وكأن البخاري أراد بمقدار الشاة هو الذي يعطى في
الزكاة. وأنه يجوز أن تتصدق من مالها بشاة كاملة.
وقد اختلف العلماء في قدر ما يجوز أن يعطى الإنسان من الزكاة:
(١) رواه مسلم (١٠٧٦)، كتاب: الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي ◌َلل.

٣٥٧
= كِتَابُ الزَّكَاةِ
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره أن يدفع إلى شخص واحد بمائتي درهم
فصاعدًا، وإن دفع أجزأ، ولا بأس أن يدفع أقل من ذلك. وقال
محمد: وإن يُغْنَى به إنسان أحب إليَّ(١). وقال ابن حبيب: لا بأس أن
يعطي من زكاة غنمه للرجل شاة، ولأهل البيت شاتين والثلاث. وإذا
كثرت الحاجة فلا بأس أن يجمع بين النفر في الشاة(٢).
وذكر ابن القصار عن مالك أنه قَالَ: يعطى الفقير من الزكاة قدر
كفايته وكفاية عياله، ولم يبين مقدار ذلك لمدة معلومة. وعندي أنه
يجوز أن يعطيه ما يغنيه حَتَّى يجب عليه ما يزكي.
قَالَ ابن بطال: قد بين المدة في رواية علي، وابن نافع عنه في
(المجموعة)): قَالَ مالك: يعطى الفقير قوت سنة، ثم يزيد في الكسوة
بقدر ما يرى من حاجته. وقال المغيرة: لا بأس أن يعطيه من الزكاة
أقل مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة. وروى عنه
علي أن ذلك لاجتهاد الوالي(٣). وقال الثوري وأحمد: لا يُعطى من
الزكاة أكثر من خمسين درهمًا إلا أن يكون غارمًا (٤). وقال الشافعي:
يعطى من الزكاة حَتَّى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة(٥)، ولا بأس أن
يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك؛ لأنه لا يجب عليه الزكاة
إلا بمرور الحول، وهو قول أبي ثور (٦).
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٨٦/١.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٨/٢.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٦/٢، ٢٨٧.
(٤) انظر: ((المغني)) ١٢٩/٤.
(٥) انظر: ((البيان)) ٤٠٩/٣.
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٤/٣.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعنه قول: أنه يعطى كفاية سنة، وصححه من المتأخرين
الرافعي (١). وقد روي أن النبي ◌َّلو أعطى الأنصار في دية عبد الله بن
سهل مائة من الإبل (٢).
واشترى أبو زرارة أمةً من الصدقة وأعتقها، وأعطاها مائة شاة.
واستجاز قوم من حديث عبد الله بن سهل أن يعطى المسكين في
المرة الواحدة مائة من الإبل .
وقال محمد بن عبد الله قاضي البصرة: يعطى من الصدقة أكثر ما
تجب فيه الزكاة.
وقوله: ((مَحِلَّهَا)) أي قد صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى
باب الهدية كذا شرحه ابن بطال (٣)، وهذا مثل قوله: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ،
وَلَنَا هَدِيَّةٌ)) (٤) في لحم بَرِيرة التي أهدته لعائشة، وقد ترجم لهُذا الباب بعد
هُذا باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ، وضبط محلها بكسر الحاء(٥) الدمياطي في
أصله، وتبعه شيخنا علاء الدين، فقال في شرحه: محلها بكسر الحاء،
أي: موضع الحلول والاستقرار، يعني: أنه قد حصل المقصود منها من
ثواب التصدق ثم صارت ملگًا لمن وصلت إليه.
وفي الحديث دلالة أن الحاج لا ينقص من فضله أخذ الصدقة، وأن
(١) انظر: ((المجموع)) ١٧٦/٦.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٩٨) كتاب: الديات، باب: القسامة.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٤/٣.
(٤) يأتي برقم (١٤٩٥).
(٥) بهامش الأصل بخط سبط: وفي ((المطالع)) هذا المحل بكسر الحاء وفتحها وهو
موضع الحلول، ومنه بلغت محلها أي: موضعها ومستحقها، قال الله تعالی:
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ بمقتضى عبارته أن يكون في (محلها) الكسرِ والفتح، والله أعلم.

٣٥٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
خبر الواحد يقبل، وأن المتصدق عليه إذا أهدى لمن لا يجوز له الأخذ
جاز له أخذها؛ لقوله: ((هَاتٍ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)).
وفيه دليل لمن يقول أن لحم الأضحية إذا قبضه المتصدق عليه وسائر
الصدقات يجوز للقابض التصرف فيه بالبيع.
وفيه أنها تحل لمن أهداها إليه أو ملكها بطريق آخر، وقال بعض
المالكية: لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها، وعلله القرطبي بأن
أصل مشروعية الأضحية ألا يباع منها شيء مطلقًا(١)، وأصح القولين
جوازه.
(١) ((المفهم)) ٣/ ١٣٠.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٢- باب زَكَاةِ الوَرِقِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى المَازِّ، عَنْ
أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ
خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا
دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَُّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ بهذا. [١٤٠٥- مسلم:
٩٧٩ - فتح: ٣١٠/٣]
وذكر فيه حديث أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ: (( .. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ
صَدَقَةٌ .. )).
وقد سلف في باب ما أدي زكاته فليس بكنز(١)، ثم ذكره من طريق
آخر عنه مع الكلام عليه واضحًا (٢). وظاهره نفي الزكاة عما دون ذلك،
وإيجابها في ذلك المقدار، وما زاد فبحسابه؛ لأن النص الصحيح لما
عدم في تحديد الزائد تعلق الوجوب به، ويروى هذا عن علي، وابن
عمر، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، والليث،
والثوري، وإسحاق، وأبي ثور ومن سلف هناك.
وما أسلفناه عن أبي حنيفة هناك روي عن عمر رواه الليث عن يحيى
ابن أيوب، عن حميد، عن أنس، عنه، وبه قَالَ سعيد بن المسيب،
والحسن، وطاوس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، وابن شهاب(٣)،
واحتجوا بحديث عبادة بن نسي، عن معاذ: أنه ◌َ ◌ّ لما بعثه إلى
(١) برقم (١٤٠٥) كتاب: الزكاة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) ١٩/٩ - ٢٠.