النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
وفيه: وجوب الاعتبار والمنافسة في الخير كما سلف، وزعم
بعضهم أن هذا كان في صدقة التطوع.
وقوله: (تُصدق) روي بضم التاء وفتحها.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٥- باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَغْنَ
بْنَ يَزِيدَ عَُّ حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعتُ رَسُولَ اللهِ وَ أَنَّا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَّيَّ
فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ
رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: والله مَا إِيَّكَ أَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ، فَقَالَ: ((لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ)). [فتح:
٣/ ٢٩١]
ذكر فيه حديث أبي الجويرية (خ، د، س) -بالجيم - حِطّان بن
خفاف الجرمي الكوفي أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ (خ، د) -وهو ابن الأخنس-
حَدَّثَهُ وهما من أفراد البخاري (١) قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ أَنَا وَأَبِي
وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ
أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ
فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: والله مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ
اللهِ وََّ، فَقَالَ: ((لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْرُ)).
الشرح :
هذا الحديث من أفراده، وَمْعن هذا أدرك إمرة مروان. وهو
ووالده وجده الأخنس بدريون من الأفراد، فيما قاله يزيد بن أبي
حبيب. وأما الصحابة فبيت الصديق فيه أربعة في نسق، وهو من
الأفراد أيضًا.
وقوله: (وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي) يريد: رسول الله وَّهِ، وهذِه
فضيلة، واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبن ولا إلى
(١) في هامش الأصل: أي عن مسلم.

٣٠٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الأب إذا كانا ممن تلزم المزكي نفقتهما(١)؛ لأنها وقاية لماله، ولم
يختلفوا أنه يجوز له أن يعطيهما ما شاء من صدقة تطوع أو غيرها.
قالوا: وهذا الحديث في التطوع.
وعن الشافعي: أنه يجوز للوالد الإعطاء إذا كان الولد غارمًا أو
غازيًا، ويحمل حديث الباب عليه، وإذا كانا فقيرين وقلنا بعدم
وجوب النفقة فلهما تناولها كالأجنبي.
واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا تلزم
نفقتهم، فروي عن ابن عباس أنه يجزئه، وهو قول عطاء والقاسم وسعيد
بن المسيب وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد (٢)، وقالوا: هي لهم
صدقة وصلة.
وقال ابن المسيب: أولى الناس بزكاة مالي يتيم ومن كان مني (٣).
وروى مطرف، عن مالك: أنه لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إذا
لم يعط من يعول، وقال: رأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته. وهو قول
أشھب(٤).
وقال الحسن البصري وطاوس: لا يعطي قرابته من الزكاة شيئًا.
وذكر ابن المواز عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم
تلزمه نفقتهم(٥).
(١) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ص ١٤٢.
(٢) انظر: ((الأصل)) ١٤٨/٢، ((مختصر المزني)) ٢٥٦/١، ((المغني) ٩٩/٤.
(٣) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤١٢/٢ (١٠٥٣٢).
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٤/٢، ٢٩٥.
(٥) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٤/٢.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: أن الآبن يخاصم أباه، وليس بعقوق إذا كان ذلك في حق،
على أن مالك قد كره ذلك ولم يجعله من باب البر.
وفيه: أن ما خرج إلى الآبن من مال الأب على وجه الصدقة
أو الصلة أو الهبة لله تعالى وحازه الابن أنه لا رجوع للأب فيه،
بخلاف الهبة التي للأب أن يقتصرها. أي: يرجع فيها. ولم يكن له أن
يقتصر الصدقة، وكل هبة وعطية الله فليس له أن يقتصرها؛ لقوله اليه :
((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدٍ فِي قَيْئِهِ))(١) وهذا مذهب مالك(٢)، وسيأتي
مذهبنا في الرجوع في كتاب الهبة إن شاء الله.
وقال ابن التين: يجوز دفع الفرض إليه بشرطين :
أحدهما: أن يتولى غيره صرفها إليه.
الثاني: أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه
فروى مطرف عن مالك: لا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل أساء
ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم.
قَالَ ابن حبيب: فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزئه، فإن
لم يكن في عياله وتولى هو صرفها إليه. فاختلف قوله على ثلاث
روايات: روى عنه ابن القاسم كراهية ذلك، وروى عنه مطرف
جوازه، وروى عنه الواقدي: إن أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل
رحمك الذين لا تعول (٣).
(١) سيأتي برقم (٢٥٨٩) كتاب: الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها.
(٢) انظر: ((المعونة)) ٥٠٣/٢.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٥/٢ - ٢٩٦.

٣٠٥
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
وقد قَالَ بعض أهل العلم: إن نفقة الولد الكبير تلزم أباه وإن بلغ
صحيحًا. واحتج بظاهر حديث هند: الخُذِي مَا يَكْفِيِكِ وَوَلَدَكِ
بِالْمَعْرُوفِ))(١) فعلى قوله لا يجوز دفعها للولد على كل حال؛ لأن
النفقة له لازمة بالشرع، وفي الحديث: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات))(٢)
وصح: ((الصَّدقة على غير ذِي الرَّحِم صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِم أثْتَتَانِ:
صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ))(٣)
وممن قَالَ بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن
المسيب وابن مسعود وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وعطاء
والضحاك وطاوس ومجاهد، حكاه في ((المصنف)) عنهم(٤)، وفي
(مسند الدارمي)) من حديث حكيم مرفوعًا: ((أفْضل الصَّدقة على ذي
الرَّحِمِ الكاشح))(٥).
(١) سيأتي برقم (٢٢١١) كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما
يتعارفون بينهم ...
(٢) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَّفه.
(٣) رواه الترمذي (٦٥٨) مطولًا، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي
القربى، وقال أبو عيسى: حديث سلمان حسن، والنسائي ٩٢/٥ كتاب: الزكاة،
باب: الصدقة على الأقارب، وابن ماجه (١٨٤٤) كتاب: الزكاة، باب: فضل
الصدقة، وأحمد ١٨/٤، والدارمي ١٠٤٦/٢ (١٧٢٢ - ١٧٢٣) كتاب: الزكاة،
باب: الصدقة على القرابة، والبيهقي ١٧٤/٤ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في
أن يؤثر بزكاة فطره وزكاة ماله ذوي رحمه ... وصححه الألباني في ((صحيح
الترمذي)) (٥٣١) و ((ابن ماجه)) (١٤٩٤).
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤١٢/٢، ٤١٣ (١٠٥٣١ - ١٠٥٤٢).
(٥) ((مسند الدارمي)) ١٠٤٥/٢ (١٧٢١) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦- باب الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ
١٤٢٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ
اللهُ تَعَالَى فِي ظِلّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلََّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ الهِ،
وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًا فِي اللهِ أَجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا
عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَّمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ
خَالِيًّا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٣ /٢٩٢]
١٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ
خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ ه يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَل
يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ
الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةً لِي
فِيهَا». [انظر: ١٤١١ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٢٩٣/٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((سَبْعَةٌ يُظِلَّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ ... )) وقد
سلف (١)
وحديث حارثة بن وهب: ((تصدقوا .. )) السالف في باب الصدقة قبل
الرد(٢) .
ولم يظهر لي وجه إيراده في الصدقة باليمين إلا أن يقال: إن قوله:
(تصدقوا)) يحمل على ما مدح فيه في الحديث الأول، وهو اليمين.
(١) برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل
المساجد.
(٢) برقم (١٤١١) كتاب: الزكاة.

٣٠٧
- ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
قَالَ ابن التين هنا: وقوله: ((يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ)) جاء في [الأثر](١):
أن الشمس تقرب من الخلائق يوم القيامة حَتَّى يبلغ الكافر في رشحه إلى
أنصاف أذنيه، فيظل الله من يشاء في ظله. وقد سلف ما في ذلك مستوفى.
وبدأ بالإمام العادل؛ لأن الله تعالى يصلح به أمر العباد في [نفي](٢)
الظلم، وإصلاح السبل، ودفع العدو، وغير ذلك. ويقال: للإمام مثل
أجر من عمل بأمره وانتهى بنهيه ووعظه مع أجره، وليس أحد أقرب
من الله منزلة منه بعد الأنبياء. وقال عثمان: الذي يزع بالإمام(٣) أكثر
مما يزع بالقرآن. يعني: يكف. وإنما خص اليمين لأن الصدقة لما
كانت الله أستعمل فيها أشرف الأعضاء وأفضل الجوارح. وقد سلف
أن إخفاء النوافل والتستر بها أفضل عند الله من إظهارها، بخلاف
الفرائض. وهذا مثل ضربه * لإخفاء الصدقة لقرب الشمال من
اليمين. وإنما أراد بذلك أن لو قدر على أن لا يعلم من يكون على
شماله من الناس ما تصدقت به يمينه لشدة استتاره. وهذا على المجاز
إذ لا يوصف بالعلم. وهذا قد سلف أيضًا.
(١) في الأصل: الآية وهو خطأ.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) وقع قبلها في الأصل: الإمام، وبيض مكانها في (م).

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
١٧- باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ
قَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)).
[١٤٣٨]
١٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ
مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا
كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)). [١٤٣٧، ١٤٣٩،
١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - مسلم: ١٠٢٤- فتح: ٢٩٣/٣]
ذكر فيه عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَه: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا
أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ
بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)».
أما التعليق فيأتي مسندًا قريبًا (١). وحديث عائشة أخرجه مسلم(٢)،
والأربعة(٣). ولما رواه الترمذي من حديث أبي وائل عن عائشة،
وحسنه قَالَ: حديث أبي وائل عن مسروق أصح، فإنه لا يذكر في
حديثه عن مسروق (٤). وقال الدارقطني: روي من حديث أبي وائل
الأسود، وهو وهم، والصحيح عن أبي وائل عن عائشة.
إذا تقرر ذلك، فكأن البخاري أراد بالترجمة معارضة ما روى ابن أبي
(١) برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٢٤) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا
تصدقت من بيت زوجها ...
(٣) أبو داود (١٦٨٥)، الترمذي (٦٧٢)، النسائي ٦٥/٥، ابن ماجه (٢٢٩٤).
(٤) (سنن الترمذي)) (٦٧١) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها.

٣٠٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
شيبة، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن عباس بن عبد الرحمن
المدني قَالَ: خصلتان لم يكن النبي ◌ّ يكلهما إلى أحد من أهله:
كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه(١). وكان الحسين
يفعله(٢). وروى الجُوزي من حديث ابن عباس: كان النبي ◌َّ لا يكل
طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما
بنفسه(٣). وفيه: كان ابن مكتوم إذا تصدق قام بنفسه.
والترجمة تتخذ من قوله في الحديث: ((وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ)) والمراد:
الخادم كما ستعلمه؛ لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه
إلا بإذنه.
وقوله: ((أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)) هو بالتثنية. ذكر القرطبي أنه لم يُروَ
إلا بالتثنية. ومعناه أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما
أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع،
ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين(٤). وبنحوه ذكره ابن
التين وغيره.
وفي الباب أحاديث في إنفاق المرأة والمملوك: منها حديث أبي
هريرة الآتي في البيوع ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ
أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ))(٥).
(١) ((المصنف)) ١٧٨/١ (٢٠٤٥) كتاب: الطهارات، باب: من كان يحب أن يلى
طهوره بنفسه.
(٢) رواه أحمد بن حنبل في ((الزهد)) ١٦٦/١.
(٣) رواه ابن ماجه (٣٦٢) قال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٢٥٠): ضعيف جدًا.
(٤) ((المفهم)) ٦٨/٣.
(٥) برقم (٢٠٦٦) باب: قول الله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي أبي داود -بإسناد جيد- من حديث سعد: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللهِ
وَّهِ النِّسَاءَ قَالت أمْرَأَةٌ: يارسُولَ اللهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وأزواجنا
فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ: ((الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ)). قَالَ أَبُو دَاوُدَ:
الرَّطْبُ: الخُبْزُ وَالْبَقْلُ وَالرُّطَبُ.(١).
قَالَ ابن المديني: سعد ليس بابن أبي وقاص، فهو مرسل.
قلتُ: بل هو كما ذكره البزار وغيره.
وفي مسلم من حديث عمير مولى آبي اللحم: أتصدق يا رسول الله
من مال مولاي؟ قَالَ: ((نعم، والأجرُ بينكُما نِصْفان))(٢). وللترمذي من
حديث أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله وَّر في خطبته عام
حجة الوداع: ((لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها)) قيل: يا رسول الله
ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا))(٣) ولأبي داود من حديث أبي
هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها(٤) قَالَ: لا إلا من قوتها ثم
قَالَ: هُذا يضعف رواية أبي هريرة(٥).
(١) ((سنن أبي داود)) (١٦٨٦) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها،
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) برقم (٣٠١) قائلًا: ضعيف لانقطاعه بين
زیاد وسعد وهو: ابن أبي وقاص.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٢٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٦٧٠) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها،
وقال: هذا حديث حسن.
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٦٨٨) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها،
قال أبو داود: هذا يضعف حديث همام، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)»
برقم (١٤٨١) قائلًا: إسناده صحيح موقوف، وهو تفسير للمرفوع الذي قبله.
(٥) يعني حديث ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره))
وسيأتي برقم (٢٠٦٦).

٣١١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
وقال الشعبي لمملوك سأله، يكتسب ويتصدق: الأجر لمواليك(١).
وقَالَ إبراهيم: لا بأس أن يتصدق العبد من الفضل. وقال الحسن:
يتصدق من قوته بالشيء الذي لا يضر به. وقَالَ ابن جبير: يتصدق
بثلاثة دراهم أو أربعة. وقال ابن المسيب: يتصدق من ماله بالصاع
وشبهه(٢). وقال إبراهيم: بما دون الدرهم. وقال عمر وعلي:
بالدرهم. زاد عمر: والرغيف. وعن الشعبي وخيثمة: لا يتصدق بما
فوق الدرهم(٣).
واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على قولين كما قَالَ ابن
العربي: فمنهم من قَالَ: إنه في اليسير الذي لا يؤبه إلى نقصانه،
ولا يظهر. ومنهم من قَالَ: إذا أذن فيه الزوج، وهو اختيار البخاري.
قَالَ: ويحتمل أن يكون محمولًا على العادة يوضحه قوله: ((بطيب
نفس)) و((غَيْرَ مُفْسِدَةٍ))، وهو محمول على اليسير الذي لا يجحف
به (٤)، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وذكر الإطعام؛ لأنه يسمح به
في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس. وزعم
بعضهم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال
صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وكذا صدقتهم المأذون فيها
عرفًا أو تصريحًا. وقال بعضهم: هذا على طريقة أهل الحجاز
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣٩١/٢ (١٠٢٨١) كتاب: الزكاة، باب: من كره للعبد أن
يتصدق بغير إذن مولاه.
(٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٠ (١٠٢٦٥ - ١٠٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب:
في العبد يتصدق من رخص أن يفعل.
(٣) السابق ٣٩١/٢ (١٠٢٧٠)، (١٠٢٧٢)، (١٠٢٧٥).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) ١٧٧/٣ - ١٧٨.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وما جانسهم، وذلك أن رب البيت قد يأذن في مثل ذلك، وتطيب به
نفسه، وليس ذلك بأن تفتات المرأة والخادم على رب البيت.
وفرَّق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال
الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق ما لم يكن إسرافًا.
وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن
فيه دون الزوجة. وجزم ابن التين بأن قوله: ((غَيْرَ مُفْسِدَةٍ))، يريد:
فعلت ما يلزم الزوج من نفقة عيال، وإعطاء سائل على ما جرت به
العادة، أو صلة رحم، أو مواساة مضطر، فهُذِه لها أجرها بما صرفت
عنه من شح النفس.
وقوله: ((وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ)) يريد الخادم طيب النفس. وقيل
معناه: إذا فعل مثل المرأة كان له مثل أجرها. وبينه حديث أبي موسى
الآتي: ((طيب به نفسه)) (١) ونفذ ما أمره به كاملًا موفرًا، وعليه يدل
تبويب البخاري أخذه من قوله: ((وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ))؛ لأن الخازن
لا يجوز له أن يتصدق إلا بإذن مولاه بخلاف الزوجة على قول من
أباح لها ذلك؛ لأن الخازن إنما هو أمين فقط. ثم ظاهر الخبر أن
أجر الجميع متساوٍ .
وقال بعضهم: لا يعلم مقدار أجر كل واحد منهم إلا الله غير أن
الأظهر أن الكاسب أكثر أجرًا، كما قاله ابن بطال(٢).
وقد أسلفنا من حديث أبي هريرة أن لها نصف أجره. وقال بعضهم:
النصف مجاز، وهما سواء في المثوبة، لكل منهما أجر كامل. ويحتمل
(١) سيأتي هنا برقم (١٤٣٨)، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٦/٣- ٤٢٧.

٣١٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
أنها مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين. ثم أعلم أن البخاري ترجم
على هذا الحديث تراجم: ترجم عليه ما نحن فيه. وترجم عليه باب
أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، وزاد فيه حديث
أبي موسى كما ستعلمه(١)، وترجم عليه إثره باب: أجر المرأة إذا
تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة، وساقه عن عائشة من
طرق(٢). وهو من باب المعاونة التي أمر بها الرب جل جلاله حيث
قَالَ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهي دالة على اشتراك
المتعاونين على الخير في الأجر.
وجاء هذا المعنى في هذِه الأحاديث إلا أنه لا يجوز لأحد أن
يتصدق من مال أحد بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حق في ماله
كان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال،
ولا إسرافًا، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها،
وتطيب به نفسه. فأخبر أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب.
ويؤجر الخادم الممسك كذلك هو والخازن المذكور في الحديث كما
سلف إلا أن مقدار أجر كل منهم متفاوت كما سلف.
(١) يأتي برقم (١٤٣٧) وحديث أبي موسى برقم (١٤٣٨).
(٢) أحاديث (١٤٣٩ - ١٤٤١).

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
١٨- باب لَا صَدَقَّةَ إِلَّ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى
وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجُ، أَوْ أَهْلُهُ محتاجون، أَوْ عَلَيْهِ
دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِثْقِ وَالْهِبَةِ،
وَهْوَ رَدِّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ
وَلَّه : ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِثْلَافَهَا أَتْلَفَّهُ الله). [٢٣٨٧]
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ
خَصَاصَةٌ، كَفِعْلٍ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ أَثَرَ
الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ بَّهِ عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ،
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. [انظر: ٨٤٤]
وَقَالَ كَعْبُ بنُّ مالكِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ
أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةٌ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. قَالَ: ((أَمْسِْ
عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ
سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٧٥٧]
١٤٢٦- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ
عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ)). [١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦- فتح: ٢٩٤/٣]
١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ عُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((الْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى،
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ
يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ)). [مسلم: ١٠٣٤ - فتح: ٢٩٤/٣]
١٤٢٨- وَعَنْ وُهَيْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ه بهذا.
[انظر: ١٤٢٦ - فتح ٢٩٤/٣]

٣١٥
كِتَابُ الرِّكَاةِ
١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ رَّ ح.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي
الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَّرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْسْأَلَةَ:
((الْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ
السَّائِلَةُ)). [مسلم: ١٠٣٣- فتح: ٢٩٤/٣]
ذكر فيه أحاديث ثلاثة، وسردها ابن بطال حديثًا واحدًا من حديث
أبي هريرة(١) :
أحدها: حديث أبي هريرة: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى،
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)).
ثانيها: حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: ((الْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى،
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنَّ ظَهْرِ غِنَّى .. )) الحديث.
وعن وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ، مرفوعًا مثله.
ثالثها: حديث ابن عمر: ((الْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، اليد
العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَىْ هِيَ السَّائِلَةُ».
الشرح :
هُذِه الترجمة بلفظها مروية أخرجها الواحدي بإسناده إلى أبي
صالح، عن أبي هريرة، وذكره ابن بطال في حديث عطاء عن أبي
هريرة أيضًا (٢). ولأبي داود: ((إن خير الصدقة ما ترك غنى أو تصدق
به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول))(٣).
(١) (شرح ابن بطال)) ٤٢٧/٣ - ٤٢٨.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٤٣٠/٣.
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٦٧٦) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحديث: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ .. )) إلى آخره سيأتي مسندًا بعد إن
شاء الله(١).
وقوله: (فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ) لعله یرید حديث:
((أرأيت لو كان على أُمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟)) قالت: بلى. وسيأتي(٢)
وهو إجماع.
وقوله: (والعِتق) لعله يريد حديث نعيم النخَّام من عنده أيضًا في بيعه
وَلّ العبد المعتق عن دُبر الذي لم يكن لسيده مال غيره(٣)، وقيل: إن
علیه دینًا.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ) إنما يرجع هذا
الاستثناء إلى الصدقة لا إلى الدين كما سيأتي (٤).
ومن علم من نفسه الصبر على الضر والإضاقة والإيثار فمباح له أن
يؤثر على نفسه ولو کان به خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج،
ويأخذ بالشدة كما فعل الصديق والأنصار بالمهاجرين. وإن عرف أنه
لا طاقة له ولا صبر فإمساكه أفضل؛ لقوله وَله: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ
مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ)) وقوله: ((ابدأ بمن تعول))، وحديث البخاري في
(١) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو
إتلافها.
(٢) برقم (٧٣١٥) كتاب: الاعتصام، باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين
الله حكمهما؛ ليفهم السائل.
(٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة، ورواه
مسلم (٩٩٧).
(٤) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو
إتلافها.
٠

٣١٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
قصة الضيف الذي آثره صاحب البيت على نفسه وولده (١) ، ظاهر فيما
نحن فيه.
وعند الواحدي: نزلت في رجل أهديت له رأس شاة فآثر غيره بها
فدارت على سبعة أبيات(٢). والخَصَاصَةُ: الإملاق، وأصله الخلل
والفرج، يقال: بدا القمر من خصاصة الغيم. وسيكون لنا عودة إليه
في التفسير.
وقوله: (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرِ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كلِّه) أخرجه أبو داود،
وصححه الترمذي والحاكم على شرط مسلم(٣).
وقوله: (وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ) ذكره ابن إسحاق وغيره:
أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حَتَّى قَالَ بعضهم
لعبد الرحمن بن عوف: أنزل لك عن إحدى امرأتيَّ(٤).
وقوله: (وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) كأنه يشير إلى حديث المغيرة بن
شعبة المذكور عنده في الصلاة(٥).
وقوله: (وقال كعب بن مالك .. ) إلى آخره. يأتي في موضعه
مسندًا (٦).
(١) يأتي برقم (٣٧٩٨).
(٢) ((أسباب النزول)) ص٤٣٩ - ٤٤٠ (٨١٠).
(٣) (سنن أبي داود)) (١٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: في الرخصة في الرجل يخرج من
ماله، ((سنن الترمذي)) (٣٦٧٥) كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ((المستدرك)) ١/ ٤١٤، وقال
الألباني في «صحيح أبي داود)) (١٤٧٣) إسناده حسن على شرط مسلم.
(٤) الأنصاري هذا هو سعد بن الربيع كما سيأتي برقم (٢٠٤٩)، ورواه مسلم (١٤٢٧).
(٥) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة.
(٦) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله ...

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث أبي هريرة الأول من أفراده إلا قوله: ((وابدأ بمن تعول)).
وحديث حكيم أخرجه مسلم أيضًا بدون ((ومن يستعفف .. )) إلى آخره.
ولفظ مسلم: ((أفضل الصدقة -أو خير الصدقة - عن ظهر غنى)) (١) وما
زاده البخاري أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد (٢)، وكذا البخاري
أيضًا(٣). وحديث أبي هريرة الذي لم يذكر لفظه من أفراده. وقوله فيه:
عن وهيب. ثم ساقه، قَالَ أبو مسعود، وخلف، وأبو نعيم أن
البخاري رواه عن موسى بن إسماعيل عنه، کما أخرج حدیث حكيم،
ورواه الإسماعيلي من حديث حبان عنه، ثنا هشام، عن أبي هريرة
مثل حديث حكيم وأخرجه الترمذي من حديث بيان بن بشر، عن
قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة: ((اليد العُليا)) إلى قوله: ((تعول))
ثم قَالَ: حسن غريب، يستغرب من حديث بيان عن قيس(4). ولابن
أبي شيبة: ((وخيرُ الصدقة ما أبقت غنى))(٥).
وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا(٦). قَالَ أبو العباس أحمد بن
طاهر الداني: تفسير العليا فيه، والسفلى مدرج في الحديث، وهو مرفوع
وإن ظُنَّ لبعض الرواة. والمنفقة: المعطية. وفي رواية: ((العليا
(١) ((صحيح مسلم)) (١٠٣٤) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد
السفلى.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر.
(٣) سيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٦٨٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة.
(٥) ((المصنف)) ٤٧٢/٢ (١٠٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: في الاستغناء عن المسألة،
من قال: اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة
الصحيح الشحيح.

٣١٩
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
المتعففة))(١)، أي: المنقبضة عن الأخذ. والأول أصح. وفي ((الصحابة))
للعسكري، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري قَالَ: معنى
الحديث: يد المعطي خير من اليد المانعة. وقال أبو داود: أكثرهم
((اليد العليا المتعففة))(٢) أي: لأنها علت يده إذ سفلت يد السائل.
وفي ((صحيح ابن خزيمة))، والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من
حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: ((الأيدي ثلاثة: فيد الله العُليا، ويد
المعطي التي تليها. ويد السائل السُّفلى. وأعط الفضل، ولا تعجز عن
نفسك))(٣)(٤).
إذا تقرر ذلك فقوله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهرٍ غنى)) معناه: أن
صاحبها يبقى بعدها مستغنيًا بما بقي معه لمصالحه. وإنما كانت هذه
أفضل ممن تصدق بالجميع، ولم يصبر؛ لأنه قد يندم. وقال
الداودي: معناه: أن يستغني من تلزمه نفقته. وقال ابن التين: ما كان
عفوًا قد فضل عن الحاجة. والمراد: أن يبقي لعياله قدر الكفاية.
ودليله قوله: ((وابدأ بمن تعول)). وقيل معناه: أن تغني المتصدق عليه.
ومعناه: إجزال العطاء. قَالَ: والأول أصح. وفيه دلالة على أن النفقة
(١) رواها أبو داود من حديث عبد الله بن عمر (١٦٤٨) كتاب: الزكاة، باب: في
الأستعفاف، والبيهقي ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ کتاب: الزكاة، باب: بيان اليد العليا والید
السفلى، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤٥٤): إسناده صحيح على شرط
الشیخین.
(٢) ((سنن أبي داود)» عقب حديث (١٦٤٨)، وفيه: أكثرهم ((المنفقة)).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث عشر، كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) ٩٧/٤ - ٩٨ (٢٤٤٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة
عن ظهر غنى يفضل عمن يعول المتصدق، ((المستدرك)) ٤٠٨/١ كتاب: الزكاة.
ورواه أيضًا أبو داود (١٦٤٩) قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤٥٥):
إسناده صحيح.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
على الأهل أفضل من الصدقة؛ لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل
فريضة. وقال ابن بطال: معناه لا صدقة إلا بعد إحراز قوته وقوت أهله؛
لأن الآبتداء بالفرض أهم. وليس لأحد إتلاف نفسه وأهله بإحياء غيره.
وإنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله، إذ حقهما أوجب من حق
سائر الناس، ولذلك قَالَ: ((وابدأُ بِمَنْ تعول)) وقال لكعب: ((أَمْسِكْ
عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ))(١).
فإن قلتَ: هذا المعنى يعارض فعل الصديق السالف، حيث تصدق
بماله كله وأمضاه الشارع. قلتُ: اختلف العلماء في ذلك أعني من تصدق
بماله کله في صحته. فقالت طائفة: ذلك جائز احتجاجًا بذلك. وهو قول
مالك، والكوفيين، والجمهور (٢). ونقله ابن بطال(٣)، وابن التين عن
الشافعي، والصحيح من مذهبه استحباب ذلك لمن قوي على الضر
والإضاقة دون غيره (٤).
وقال آخرون: لا يجوز شيء منه، روي ذلك عن عمر وأنه رد على
غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فرد عمر
ذلك كله(٥). وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، وترد الثلثان
احتجاجًا بحديث كعب بن مالك السالف في غزوة تبوك، وأنه وَ ل ورد
صدقته إلى الثلث. وهو قول الأوزاعي ومكحول. وقال آخرون: كل
عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف، روي ذلك عن مكحول. قَالَ
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٨/٣.
(٢) انظر: ((المعونة)) ٥٠٦/٢، ((المغني)) ٣٢٠/٤.
(٤) انظر: ((البيان)) ٤٤٩/٣.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال» ٤٢٩/٣.
(٥) رواه أحمد ١٤/٢، وابن حبان (٤١٥٦) والحديث روي مطولًا ومختصرًا، أنظره
مفصلًا في ((البدر المنير)) ٦٠٢/٧ - ٦١١، و(تلخيص الحبير)) ١٦٨/٣ - ١٦٩،
و((الإرواء)» (١٨٨٣) وفي الأخير جاء مصححًا.