النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
- كِتَابُ الزَّكَاةِ
مرائي. وسيأتي في التفسير: أربعة آلاف درهم. أو: أربعمائة دينار. وفي
((أسباب النزول)) للواحدي أنه وَّليل حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن
بن عوف بأربعة آلاف درهم، شطر ماله يومئذٍ، وتصدق يومئذ عاصم بن
عدي بن عجلان بمائة وسق تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، فلمزهم
المنافقون(١)، فنزلت هذه الآية(٢).
وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) وفي أخرى سلفت: بنصف
صاع. وفي أخرى: بنصف صبرة تمرّ. هو أبو عقيل كما جاء في
البخاري في موضع آخر(٣)، وفي ((صحيح مسلم)) في قصة كعب بن
مالك(٤). وقوله وَله: (كُنْ أبا خَيْئمة)) فإذا هو أبو خيثمة- يعني:
عبد الرحمن بن نيحاز الأنصاري الذي تصدق بتمر فلمزه
المنافقون(٥). وقال السهيلي في ((تعريفه)): أبو عقيل أسمه حثجات،
أحد بني أنيف. وقيل: الملموز رفاعة بن سهل(٦).
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ((التجريد)): أبو عقيل صاحب الصاع
الذي لمزه المنافقون، قال قتادة: اسمه حثجات.
(٢) ((أسباب النزول)) ص ٢٦٠ (٥١٩).
(٣) سيأتي برقم (٤٦٦٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوْعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ((التجريد)): سهل بن رافع بن خديج
البلوي، حليف الأنصار، قيل: هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، وقيل:
هو الذي بعده. ثم قال سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عبيد، شهد أحدا، وتوفي في
خلافة عمر، روت عنه بنته عميرة، ولها صحبة، كذا أخرجه ابن منده، وأما
أبو عمرو فنسبه إلى بني النجار، وقال: له أخ يسمى سهيل، وهما التيميان صاحبا
المربد. انتهى. ولم أر في ((التجريد)) من اسمه رفاعة بن سهل في الأسماء، اللهم
إلا أن يكون مشهورا بالكنية، فيكون قد ذكره في الكنى، والله أعلم.
٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي ((المعاني)) للفراء: حث النبي ◌َّير على الصدقة، فجاء عمر
بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل. الحديث(١).
وفي ((تفسير الثعلبي)) عن أبي السليل قَالَ: وقف رجل على الحي
فقال: حَدَّثَني أبي أو عمي أنه شهد النبي وَّر يقول: «مَنْ يتصدَّق
اليوم بصدقة أَشهدُ له بها) فجاء رجل ما بالبقيع أقصر قامة منه، يقود
ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها فقال: هي وذو بطنها صدقة يا رسول
الله. قَالَ: فلمزه رجل وقال: إنه يتصدق بها وهي خير منه. فقال ◌َله:
((بل هو خيرٌ منَكَ ومنها)) يقولها ثلاثًا. فنزلت الآية.
ويلمزون: يعيبون. يقال: لمزه، يَلْمِزُهُ وَيَلْمُزُهُ إذا عابه. وكذلك
همزه، يهمزه. والجَهد والجُهد بمعنى واحد عند البصريين. وقال بعض
الكوفيين: هو بالفتح: المشقة، وبالضم الطاقة. وقال الشعبي: بالضم
في الفتنة يعني: المشقة. وبالفتح في العمل. وذكر القزاز نحوه قَالَ:
الجَهْد: ما يجهد المؤمن من مرض وغيره. والجُهْد: شيء قليل يعيش
به المقل. والذي ذكره ابن فارس وغيره مثل قول الكوفيين. واحتج ابن
فارس بهذه الآية أي: لا يجدون إلا طاقتهم (٢).
وقال الجوهري: الجهد والجُهد: الطاقة(٣)، وقرئ بهما الآية.
وقال ابن عيينة في ((تفسيره)) الجَهد: جهد الإنسان، والجُهد في
ذات الید.
وحكى الزجاج يَلْمِزُون بكسر الميم وضمها، وقد تقدم. وكانوا
عابوا الصحابة في صدقات أتوا بها رسول الله وَ له.
(١) ((معاني القرآن)) ١/ ٤٤٧.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٢٠٠/١.
(٣) ((الصحاح)) ٢/ ٤٦٠.
٢٨٣
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
يروى أن ابن عوف أتى بصُرَّةٍ تملأ الكف، وأن أبا عقيل .. الحديث.
ومحل ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: ٧٩] نصب بالذم، أو رفع على الذم،
أو جر بدلًا من الضمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] والمطوعين:
المتطوعين المتبرعين. وزعم أبو إسحاق أن الرواية عن ثعلب بتخفيف
الطاء وتشديد الواو. وقال: وهو غير جيد. والصحيح تشديدهما.
وأنكر ذلك ثعلب عليه، وقال: إنما هو بالتشديد. وقال التدميري في
(شرحه)): هم الذين يخرجون إلى الغزو بنفقات أنفسهم من غير
استعانة منهم برزق وسلطان وغيرهم. قَالَ: ووزنهم المفعلة من الطوع.
يقال: طاع له كذا وكذا أي: أتاه طوعًا. ولساني لا يتطوع أي:
لا ينقاد. وقد طوعوا يطوعون. وهم المطوعة من ذلك.
وقوله: (إِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) قَالَ شقيق -أحد رواته-
فرأيت أنه يعني نفسه. كذا في ((صحيح الإسماعيلي)). وقوله: مائة
ألف. كذا هو في البخاري. وكذا شرحه ابن التين، وذكره ابن بطال
أيضًا(١). وأما شيخنا علاء الدين فكتب بخطه في الأصل: وإن
لبعضهم اليوم ثمانية آلاف. ثم قَالَ: وفي ((فضل الصدقة)) لابن أبي
الدنيا مائة ألف. فأبعد النجعة، وصحف ما في البخاري فاحذره.
ومعنى (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) أنهم كانوا يتصدقون بما
يجدون، وهؤلاء يكنزون المال، ولا يتصدقون.
وفيه: ما كان عليه السلف من التواضع، والحرص على الخير،
واستعمالهم أنفسهم في المهن والخدمة، رغبة منهم في الوقوف عند
حدود الله، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١٦/٣.
٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
إلا للعمل به، وكانوا يحملون على ظهورهم للناس، ويتصدقون بالثمن
لعدم المال عندهم ذلك الوقت.
وحديث: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) سلف في الباب قبله(١).
وأخرجه ابن خزيمة من حديث أنس بلفظ: ((افتدوا مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ
تَمْرَةٍ»(٢) ومن حديث ابن عباس بلفظ: ((اتقوا))(٣) وأخرجه ابن أبي
الدنيا في ((فضل الصدقة)) من حديث أبي هريرة أيضًا.
وفيه: حض على الصدقة بالقليل، كما سلف. وإعطاء عائشة التمرة؛
لئلا ترد السائل خائبًا وهي تجد شيئًا. وروي أنها أعطت سائلًا حبة
عنب، فجعل يتعجب، فقالت: كم ترى فيها من مثقال ذرة(٤). ومثله
قوله {قر٤ لأبي تميمة الهجيمي: ((لا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن
تضع من دلوك في إناء المستقي)) (٥)، وقسم المرأة التمرة بين ابنتيها
لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة.
وفيه: أن النفقة على البنات والسعي عليهن من أفضل أعمال البر
المجنبة من النار. وكانت عائشة من أجود الناس، أعطت بني أخويها
نـ
(١) سلف برقم (١٤١٣).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ٩٤/٤ (٢٤٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الأمر باتقاء النار
-نعوذ بالله منها- بالصدقة وإن قلت.
(٣) ((صحيح ابن خزيمة)) ٩٤/٤ (٢٤٢٩).
(٤) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٦١٦ كتاب: الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة-
بلاغًا، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٥٤/٣ (٣٤٦٦)، وقال الألباني في
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٥١٥): ضعيف موقوف.
(٥) هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا تميمة تابعي، والصواب حديث أبي تميمة الهجيمي
عن جابر بن سليم قال: أتيت رسول الله .. الحديث، كما في ((المسند)) ٦٣/٥ -٦٤،
للاستزادة انظر: ((الصحيحة)) ٣٩٩/٢ (٧٧٠) و٣٣٧/٣ (١٣٥٢).
٢٨٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
ريعًا، أعطيت به مائة ألف درهم. وأعتقت في كفارة يمين أربعين رقبة (١).
وقيل: فعلت ذلك في نذر مبهم، وكانت ترى أنها لم توف بما يلزمها.
وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم(٢).
وقوله: ( ((مَنِ أَبْتُلِيَ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ)) ) سماه ابتلاء لموضع
الكراهة لهن كما أخبر ربنا جل جلاله.
(١) سيأتي برقم (٣٥٠٥) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش، و(٦٠٧٣) كتاب:
الأدب، باب: الهجرة.
(٢) رواه ابن الجعد في ((مسنده)) ص ٢٥٣ (١٦٧٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) ٢٨/٥،
والحاكم في ((المستدرك)) ٤٥٦/٣-٤٥٧ كتاب: معرفة الصحابة.
٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ وَصَدَقَةُ الضَّحِيحِ الشَّحِيحِ
كذا في أصل الدمياطي ومقابله باب فضل صدقة الصحيح
الشحيح(١) وعلَّم عليه صح. وهو ما في شروحه ابن بطَّال(٢)
وابن التين وغيرهما. ثم قال: لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِن مَّا رَزَقَْكُمْ
مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] إلى خاتمتها.
وَقَوْلِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ
يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ.
١٤١٩- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ
القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نََّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ،
تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الخُلْقُومَ، قُلْتَ: لِقُلَانٍ
كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَاٍ)). [٢٧٤٨- مسلم: ١٠٣٢- فتح: ٢٨٤/٣]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ،
تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الخُلْقُومَ، قُلْتَ:
لِقُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)).
الشرح :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي، لكن فيها تقدم الشحيح على الصحيح.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٤١٧/٣.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٠٣٢) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة
الصحيح الشحيح.
٢٨٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
==
وسيأتي في الوصايا بزيادة: ((وأنت صحيح حريص)) (١) والخلة:
الصداقة. وهذا اليوم هو يوم القيامة ﴿فَأَصَّدَّفَ﴾ [المنافقون: ١٠]:
فأزكي، ﴿وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]: أحج، قاله ابن
عباس(٢). والشح مثلث الشين: البخل. قاله ابن سيده، قَالَ: والضم
أعلى.
وقال صاحب ((الجامع)): أرى أن يكون الفتح في المصدر، والضم
في الأسم. وفي ((المنتهى)) لأبي المعالي: وليس في الكلام فُعل بالضم
وفِعل إلا هذا الحرف، وأحرف أُخر غيره. وقال الحربي: الشح ثلاثة
وجوه :
أحدها: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. قَالَ رجل لابن مسعود:
ما أعطي ما أقدر على منعه. قَالَ: ذاك البخل، والشح: أن تأخذ مال
أخيك بغير حقه(٣).
وقَالَ رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال: إن كان شحك لا يحملك
على أن تأخذ ما ليس لك، فليس بشحك بأس.
ثانيها: ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قَالَ: الشح: منع الزكاة
وادخار الحرام.
ثالثها: ما روي في هذا الحديث.
(١) سيأتي برقم (٢٧٤٨) باب: الصدقة عند الموت.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١١٠/١٢ (٣٤١٨١).
(٣) رواه الطبري في تفسيره)) ٤١/١٢-٤٢ (٣٣٨٨٠)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره))
٣٣٤٦/١-٣٣٤٧ (١٨٨٥٥)، والطبراني ٢١٨/٩ (٩٠٦٠)، والحاكم في
((المستدرك)) ٤٩٠/٢ كتاب: التفسير وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٢٦/٧-٤٢٧ (١٠٨٤١).
٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
قَالَ: والذي يبرِّئ من الوجوه الثلاثة ما روي: ((برئ من الشح، من
أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة))(١). وقال في ((المغيث)):
الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص
الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة
وقيل: البخل بالمال، والشح بالماء والمعروف. وقيل: الشحيح:
البخيل مع التحرص. وفي ((مجمع الغرائب)): الشح المطاع: هو البخل
الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه.
فقوله: ( ((وأنت صحيح شحيح)) ) أي؛ لأن أكثر الأصحاء يشحون
ببعض ما في أيديهم من الفقر، ويأملون من الغنى.
ففيه: أن أعمال البر كلها إذا صعبت كان أجرها أعظم؛ لأن
الشحيح الصحيح إذا خشي الفقر وأمل الغنى صعبت عليه الصدقة،
وسول له الشيطان طول العمر وحلول الفقر به.
فمن تصدق في هذه الحال فهو مؤثر ثواب الرب تعالى على هوى
نفسه. وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الفرار بميراثه،
والجور في فعله. ولذلك قَالَ ميمون بن مهران حين قيل له: إن رقية
أمرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها. فقال ميمون: يعصون الله
في أموالهم مرتين. يبخلون بها وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم
أسرفوا فيها(٢).
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢١٦١)، والطبراني (٤٠٩٦)،
(٤٠٩٧)، كلاهما من طريق مجمع بن جارية، عن عمه خالد بن زيد مرسلًا.
ووصله البيهقي في ((الشعب)) (١٠٨٤٢) من طريق مجمع، عن عمه، عن أنس بن
مالك مرفوعًا. وانظر ((السلسلة الضعيفة)) (١٧٠٩).
(٢) ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)» ٢٢٣/٢٩، والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٧٦/٥.
٢٨٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
وقوله: ( ((وتأمل الغنى))) هو بضم الميم أي: تطمع.
و( ((تمهل))) يجوز فيه ثلاثة أوجه: الفتح، والضم، والإسكان.
وقوله: ( (حَتَّى إذا بلغت الحلقوم)) ) أي: قاربت بلوغه. إذ لو بلغت
حقيقة لم تصح وصية ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق. وليس للروح ذكر
(٨٣)
هاهنا، لكن دل عليها الحال لقوله تعالى ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
يعني الحلق. قَالَ أبو عبيدة -كما نقله في ((المخصص)): هو مجرى النفس
والسعال من الجوف، ومنه مخرج البصاق والصوت(١). وفي ((المحكم)):
الحلقوم كالحلق، فعلوم عند الخليل، وفعلول عند غيره(٢). واحتج به من
قَالَ: إِن النفس جسد. وقد تقدم.
وقوله: ( (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)) ): يريد به الوارث؛ لأنه لو شاء لم تجز
الوصية. قاله الخطابي. يريد: (كان) بمعنى (صار). ولعله يريد: إذا
جاوزت الثلث، أو كانت لوارث. وقيل: سبق القضاء به للموصى له.
ويحتمل أن يكون المعنى أنه خرج عن تصرفه، وكمال ملكه،
واستقلاله بما شاء من تصرفه. وليس له في الوصية كبير ثواب بالنسبة
إلى صدقة الصحيح. ففي الحديث: ((مثل الذي يعتق عند الموت،
كالذي يهدي إذا شبع))(٣).
(١) رواه أبو داود (٣٩٦٨) كتاب: العتق، باب: في فضل العتق في الصحة،
والترمذي (٢١٢٣) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند
الموت، وأحمد ١٩٧/٥، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٩/ ١٥٧ (١٦٧٤٠)
كتاب: المدبر، باب: العتق عند الموت. والحاكم في ((المستدرك)) ٢١٣/٢
كتاب: العتق، والبيهقي في ((سننه)) ١٩٠/٤ كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة
الصحيح الشحيح. و٢٧٣/١٠ كتاب: العتق، باب: فضل العتق في الصحة،
والحديث ضعفه الألباني كما في ((الضعيفة)) (١٣٢٢).
(٢) أنظر ((المحكم)) ٣٤/٤.
(٣) (المحكم)) ٣/٣.
٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
- باب
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسِ، عَنِ الشَّغْبِيِّ،
عَنْ مَشْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ بَغْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّّ:
أَيَُّا أَسْرَعُ بِكَ لُوقًا؟ قَالَ: ((أَطْوَلُكُنَّ يَدًّا)). فَأَخَذُوا قَصَبَةٌ يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ
أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُوقًا بِهِ،
وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. [مسلم: ٢٤٥٢- فتح: ٢٨٥/٣]
ذكر فيه حديث مسروق عن عائشة: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ يَّر أو أزواج
النبيِ وَّهِ قُلْنَ لِلنَِّّ ◌َّهِ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوفًا؟ قَالَ: ((أَطَّوَلُكُنَّ يَدًّا)). فَأَخَذُوا
قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَظْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُول
يَدِهَا بالصَّدَقَة، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
الشرح:
كذا هو ثابت في كل النسخ باب بغير ترجمة، وكذا هو في الشروح،
وهو داخل في الباب الأول. وزعم ابن أبي أحد عشر أنه ذكره في باب
فضل زينب وسودة. والمشهور أن أسرعهن لحوقًا به زينب بنت جحش،
وكانت كثيرة الصدقة.
قَالَ محمد بن عمر: هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في
زينب، وهي كانت أول نسائه لحوقًا به، وتوفيت في خلافة عمر (١)،
وبقيت سودة إلى شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة في خلافة معاوية(٢).
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة عشرين، وقال خليفة سنة ٢١، قاله النووي وغيره.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ((الكاشف)): توفيت في آخر خلافة
عمر. قال النووي في ((التهذيب)): وهذا قول الأكثرين، قال: وذكر محمد بن سعد
عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة ٤٣هـ في خلافة معاوية بالمدينة، قال
الواقدي: وهذا الثبت عندنا.
٢٩١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وهو الثبت عندنا. وقد رواه مسلم على الصواب من حديث طلحة بن
يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة خالتها(١). وذكرت
أنها زينب بنت جحش، وسبب طول يدها؛ أنها كانت تعمل وتتصدق.
وقال ابن بطال: سقط من الحديث ذكر زينب؛ لأنه لا خلاف بين
أهل الأثر والسير أن زينب أول من مات من زوجاته (٢).
قَالَ عبد الرحمن بن أبزى: صليت مع عمر على زينب بنت جحش
أم المؤمنين(٣).
(٣)
قلتُ: فهو إذًا غلط من بعض الرواة. والعجب أن البخاري لم ينبه
عليه ولا من بعده، حَتَّى أن بعضهم فسَّره بأن لحوق سودة من أعلام
النبوة. ويجوز أن يكون خطابه لمن كان حاضرًا عنده إذ ذاك من
الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثم دون زينب.
وفيه: الإنعام والإفضال، وأن الحكم للمعاني لا للألفاظ،
- بخلاف أهل الظاهر - ألا ترى أن أزواجه سبق إليهن أنه أراد طول اليد
التي هي الجارحة، فلما لم تتوف سودة التي كانت أطولهن يد الجارحة
وتوفيت زينب قبلهن، علمن أنه لم يرد طول العضو وإنما أراد بذلك كثرة
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٤٥٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل زينب أم
المؤمنين رضي الله عنها.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٤١٨/٣.
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١٢/٨، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٤٩/٧
(٣٥٧٥٣) كتاب: الأوائل، باب: أول ما فعل ومن فعله، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٤٩٩/١، والدار قطني في ((العلل)) ١٧٨/٢، والبيهقي في ((سنته)) ٤/
٣٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع
ورأى بعضهم الزيادة منسوخة، وقال الألباني: في ((أحكام الجنائز)) ص١٨٧ :
سنده صحيح.
٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصدقة؛ لأن زينب هي التي كانت تحب الصدقة. واليد هاهنا: يدها
للعطاء. وهو من مجاز الكلام. ومثله قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
ج
[المائدة: ٦٤].
٢٩٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
١٢- باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ﴾
إِلَي: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] [فتح ٢٨٨/٣].
اختلف في سبب نزول هذه الآية:
فروى مجاهد عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب،
كان معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهمًا، وبالنهار درهمًا، وسرًا
درهمًا، وعلانية درهمًا(١).
وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل خاصة في سبيل الله
ينفقون عليها بالليل والنهار(٢).
وقال قتادة: نزلت في من أنقق ماله في سبيل الله؛ لقوله وَله: ((إِنَّ
الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يومَ القيامة، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا - عن
يمينه وعن شماله- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ))(٣) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله
الذي افترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد (٤).
ونقل الواحدي قول الأوزاعي عن جماعة غيره: أبي أمامة وأبي
الدرداء ومكحول. قَالَ: والأوزاعي، عن رباح(٥). ورواه ابن غريب،
عن أبيه، عن جده مرفوعًا(٦)، ووافق مجاهد والكلبي الأول، زاد
(١) رواه الواحدي في ((أسباب نزول القرآن)) ص٩٤ - ٩٥ (١٨٠، ١٨١).
(٢) المصدر السابق ص٩٣ (١٧٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٦٣٨) كتاب: الإيمان والنذور، باب: كيف يمين النبي وَّر، ورواه
مسلم برقم (٩٩٠) كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة.
(٤) رواه ابن جرير في «تفسيره)) ١٠١/٣ (٦٣٣١).
(٥) ((أسباب النزول)) ص٩٣.
(٦) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٥ =
٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الكلبي: فقال له رسول الله وَ له: ((ما حملك على هذا؟)) قَالَ: حملني أن
أستوجب على الله الذي وعدني. فقال له: ((ألا إن ذلك لك)) فأنزل الله
هُذِهِ الآية (١). وفي ((الكشاف)): نزلت في أبي بكر إذ أنفق أربعين ألف
دينار عشرة آلاف سرًا، ومثلها جهرًا، ومثلها ليلًا، ومثلها نهارًا(٢).
وقال الطبري عن آخرين: عني بها قوم أنفقوا في سبيل الله في غير
إسراف ولا تقتير (٣). وهذا سلف.
فروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ﴾
[البقرة: ٢٧١] إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]
كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات
انتهت الصدقات إليها(٤). وقال قتادة: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىّ
وَإِن تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة
السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار،
وقاله أيضًا الربيع(٥). وعن ابن عباس: جعل الله صدقة السر في
التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفًا. وجعل صدقة الفريضة
علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفًا. وكذلك
جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها(٦).
:٠
= ١٥٨ (٢٦٩٦)، والطبراني ١٨٨/١٧ (٥٠٤)، والواحدي في ((أسباب نزول
القرآن)» ص٩٢ (١٧٥)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٧/٣، وقال: رواه
الطبراني، وفيه مجاهيل. وقال الألباني: موضوع، وهذا إسناد هالك. انظر:
«الضعيفة)» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٣٤٧٥).
(١) انظر: (أسباب نزول القرآن)) ص ٩٥ (١٨٢).
(٢) ((الكشاف)) ٢٨٣/١.
(٣) ((تفسير الطبري)) ١٠١/٣ (٦٢٣١).
(٥) ((تفسير الطبري)) ٩٢/٣ (٦١٩٣، ٦١٩٤).
(٦) ((تفسير الطبري)) ٩٣/٣ (٦١٩٥).
(٤) (تفسير الطبري)) (٦٢٣٢).
٢٩٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
-
وقال سفيان: سوى الزكاة(١). وهذا قول كالإجماع.
وقال آخرون: إنما عني بـ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ يعني: على أهل
الكتابين من اليهود والنصارى ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا
وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قالوا: فأما من أعطى فقراء المسلمين
من زكاة وصدقة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب
وقال: إنما أنزلت فيهم(٢).
قَالَ الطبري: لم يخص الله صدقة دون صدقة، وذلك على العموم
إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع
على أن الفضل في إعلانه، وإظهار سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف
المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن
الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها(٣).
وقال الحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء التطوع أفضل.
وعند الزجاج: كانت صدقة الزكاة سرًّا أيام رسول الله وَله، فأما
اليوم فالظن يساء بمن لم يظهرها. وروى أبو الفضل الجوزي من
حديث القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل رسول الله وَال : أي
الصدقة أفضل؟ قَالَ: ((سر إلى فقير أو جهد من مقل)) (٤) ثم تلا:
﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىٌّ﴾ .
(١) ((تفسير الطبري)) (٦١٩٦).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩٣/٣ (٦١٩٧).
(٣) المرجع السابق.
(٤) رواه أحمد ٢٦٥/٥- ٢٦٦ مطولًا، والطبراني ٢١٧/٨ (٧٨٧١)، وذكره الهيثمي
في ((مجمع الزوائد)) ١١٥/٣، وقال: فيه علي بن يزيد، وفيه كلام. وضعفه
الألباني كما في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٥٣١).
٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعن الشعبي: لما نزلت: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾ جاء عمر بنصف
ماله يحمله على رءوس الناس، وجاء أبو بكر بجميع ماله يكاد أن يخفيه
من نفسه، فقال رَّ: ((ما تركت لأهلك؟)) قَالَ: عدة الله وعدة رسوله(١).
واعلم أن البخاري لم يذكر في الباب حديثًا، وكأنه - والله أعلم-
أكتفى بما أسلفه في الصلاة من الأمر بالصدقة والمبادرة إليها.
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٥٣٦/٢ (٢٨٤٨).
٢٩٧
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
١٣- باب صَدَقَةِ السِّرّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ظَ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ
فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ)). وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
[فتح ٢٨٨/٣]
الشرح :
أما الآية الكريمة فقد سلف الكلام فيها في الباب قبله واضحًا،
ومعنى أولها: ﴿إِن تُبْدُوا﴾ أي: إن تظهروا. وفي: ﴿نِعِنَّا﴾ قراءات،
ليس هذا موضعها، ومعنى الإخفاء: السر.
وأما هذا التعليق فقد أسنده فيما مضى في باب: من جلس في
المسجد ينتظر الصلاة (١). ويأتي قريبًا أيضًا (٢)، وتأولوا الإخفاء
فيه على صدقة التطوع، وهو ضرب مثل في المبالغة في الإخفاء؛
لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد بذلك أن لو أراد أن لا يعلم
من يكون على شماله من الناس ما تتصدق به يمينه لشدة استتاره،
وهذا على المجاز كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْفَرْيَةَ﴾(٣) [يوسف: ٨٢]؛
لأن الشمال لا توصف بالعلم. وكافة العلماء على الإسرار في التطوع
(٤)
دون الفرض (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: في
صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، وفي غير ذلك من أموركم، ذو خبرة
(١) سلف برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين.
(٣) سيأتي الكلام عن نفي المجاز عن القرآن في كتابه: التفسير.
(٤) أنظر: ((المجموع)) ٢٣٦/٦.
٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وعلم لا يخفى عليه شيء، فهو محيط به محصٍ له حَتَّى يجازيهم بالقليل
والكثير. فإن قلت(١): بداءة المصنف بالحديث ثم بالآية وكان الأولى
عكسه. قلتُ: كأن - والله أعلم- أن الآية في الباب قبله نص فيه،
فأشار إليها ثم أردفه بالأخرى.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لما كانت الآية في الباب قبله صريحة فيه وفي هذا
الباب فكأنها مذكورة هنا لقوة الصراحة، وإذا كانت مُنزَّلة مَنْزِلة المذكورة فقد
قدمها على الحديث، لكن يبقى عليه أن يقال: فلم قدم الحديث على الآية
الأخرى، والحديث والآية متساويان في الدلالة؟.
٢٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
١٤- باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٌّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَذَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِّ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ: لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ
فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ
لَكَ الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ،
فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى
زَانِيَةٍ، لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَّةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا
يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى
زَانِيَةٍ ، وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأَتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِقَّ
عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِقَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ
فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ). [مسلم: ١٠٢٢ - فتح: ٢٩٠/٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في الصدقةِ على السَّارِق والزانية والغنيِّ.
بطوله.
وقد أخرجه مسلم بزيادة: فقيل له: ((أما صدقتَك فقد قُبِلَت))(١). وهو
ظاهر في الحض على الاغتباط بالصدقات، وكان هذا الرجل فيمن كان
قبلنا فجازاه بها وقبل ذلك منه كما سلف، نبه عليه ابن التين قَالَ: وقوله:
((فأتي فقيل له)). يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي، أو أخبر في نوم.
قلتُ: قد جاء مصرحًا بالثاني. ففي ((مستخرج أبي نعيم)): ((فأتي في
منامه فقِيْلَ له: إنَّ الله وَت قد قَبل صَدَقَتَكَ)). وجزم به المهلب فقال:
يعني: أنه أُري في المنام، والرؤيا حق.
(١) (صحيح مسلم)) (١٠٢٢) كتاب: الزكاة، باب: أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة
في يد غير أهلها.
٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: ((فلعله أن يستعفف عن سرقته)). (لعل) من الله تعالى على
معنى القطع والحتم. ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق والزانية
والغني قد يقبلها الله تعالى، وقد صرح به كما سلف، لاسيما إذا
كانت سببًا إلى ما يرضي الرب تعالى، فلا شك في فضلها وقبولها.
وقوله: ((فعلَّها أنْ تَسْتَعِفَّ عن زناها». قَالَ ابن التين: رويناه بالمد.
وعند أبي ذر بالقصر، وهي لغة أهل الحجاز، والمد لأهل نجد.
واختلف العلماء في الذي يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره ثم
يتبين غناه، فقال الحسن البصري: إنها تجزئه. وهو قول أبي حنيفة
ومحمد(١)، وقبلهما إبراهيم. قالوا: لأنه قد أجتهد وأعطى فقيرا
عنده، وليس عليه غير الاجتهاد، وأيضًا فإن الصدقة إذا خرجت من
مال المتصدق على نية الصدقة أنها جازئة عنه حيث وقعت ممن بسط
إليها يدًا إذا كان مسلمًا بهذا الحديث، وقال أبو يوسف والثوري
والحسن بن حي والشافعي: لا يجزئه؛ لأنه لم يضع الصدقة
موضعها، وقد أخطأ في اجتهاده، كما لو نسي الماء في رحله وتيمم
لصلاة لم تجزئه صلاته(٢). واختلف قول ابن القاسم: هل تجزئه أم
لا(٣)؟ قَالَ ابن القصار: وقول مالك يدل على هذا؛ لأنه نص في
كفارة اليمين: إن أطعم الأغنياء فإنه لا يجزئه، وإن كان قد أجتهد
فالزكاة أولى.
فأما الصدقةُ على السارِقِ والزَّانيةِ فإنَّ العلماءَ مُتفقون أنَّهما إذا كانا
فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة.
(١) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٥٣.
(٢) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٥٠/٢، (روضة الطالبين)) ٣٣٨/٢، ((المغني)) ١٢٧/٤.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٥١/٢، ((عيون المجالس)) ٥٩٩/٢.