النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (١)، لكن أبو موسى كان
معه.
وفيه: أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وإنما بدأ
في المطالبة بهما؛ لأنهما أصله لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان
منهم غير موحد على التحقيق، كالنصراني فالمطالبة متوجهة إليه بكل
واحدة من الشهادتين.
وأما اليهود فبالجمع بين ما أقر به من التوحيد والإقرار بالرسالة،
وأهل اليمن كانوا (يهود)(٢)؛ لأن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن تبعًا
تهوّد وتبعه على ذلك قومه فاعلمه(٣).
ونبه وَيّر على أنهم أهل كتاب لكثرة حججهم، وأنهم ليسوا كجهال
الأعراب.
وفي قوله: (اقْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ)) دلالة أن الوتر ليس
بفرض، وهو ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط. وطاعتهم
بالصلاة تحتمل وجهين :
أحدهما: الإقرار بوجوبها.
والثاني: الطاعة بفعلها.
والأول أرجح؛ لأن المذكور في الحديث هو الإخبار بالفرضية.
ويترجح الثاني بأن الامتثال كاف.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولا يخرج بذلك عن خبر الواحد.
(٢) كذا بالأصل، والجادة أن يقول (يهودًا) لأنه لم يرد بها العلمية وإنما أراد الجمع
والله أعلم.
(٣) ((سيرة ابن إسحاق)) ص٢٩ - ٣٣.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: أنه ليس في المالِ حقٌّ سِوى الزَّكاة وقد أخرجه مرفوعًا ابن
ماجه كذلك، وفي إسناده ضعف(١)، وهّاه البيهقي(٢). وفي الترمذي:
((إن في المال حقًّا سوى الزكاة)) وقال: إسناده ليس بذاك(٣). وذهب
جمع منهم مجاهد أنه إذا حصد ألقى لهم من السنبل، وإذا جدوا
النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه(٤). وفي ((تفسير
الفلاس)) من حديث أبي العالية قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة
ثم يسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُرِفُواْ﴾ [الأنعام: ١٤٦](٥). ومن حديث
محمد بن كعب في قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قَالَ: ما قل
منه أو كثر(٦). ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ﴾
قَالَ: شيء سوى الحق الواجب(٧). وعن عطاء: القبضة من الطعام(٨).
ثم ذكر عن يزيد بن الأصم، وإبراهيم نحوه (٩).
(١) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٨٩) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز، وقال
الألباني: ضعيف منکر.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٨٤/٤-٨٥ كتاب: الزكاة، باب: الدليل على من أدى فرض الله
في الزكاة فليس عليه أكثر منه، وقال: فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور
كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ
الحديث، والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: (ليس في المال حق سوى الزكاة)
فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره والله أعلم أهـ
(٣) (سنن الترمذي)) (٦٥٩) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّاً سوى
الزكاة، وضعفه الألباني في ((ضعيف الترمذي)).
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٦٥/٥ (١٣٩٩٨).
(٥) رواه الطبري في («تفسيره)) ٣٧٠/٥ عن أبي العالية.
(٦) رواه الطبري ٣٦٧/٥ (١٤٠٢١) عن محمد بن كعب.
(٧) الطبري ٣٦٤/٥ (١٣٩٨٨).
(٨) الطبري ٣٦٤/٥ (١٣٩٨٩).
(٩) الطبري ٣٦٦/٥ (١٤٠٠٧-١٤٠٠٨).

٢٢٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وروى أبو جعفر النحاس عن أبي سعيد مرفوعًا: ((ما سقط من
السنبل)»(١) قَالَ: وقد روي وصح عن علي بن حسين، وهو قول
عطية، وأبي عبيد. واحتج بحديث النهي عن حصاد الليل. وحكاه ابن
التين عن الشعبي.
وحكى الأدفوي أقوالًا في الآية: منهم من قَالَ: إنها منسوخة
بالزكاة المفروضة. قاله سعيد بن جبير وغيره.
ثانيها: أنه الزكاة المفروضة. قاله أنس وغيره(٢)، وعزي إلى
الشافعي، وفيهما نظر. ومنهم من قَالَ: إنها على الندب.
وانفرد داود(٣) فأوجب الزكاة في كل الثمر وكل ما أنبتت الأرض،
وهو قول مجاهد، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز،
وإبراهيم النخعي. قَالَ ابن حزم: والسند إليهم في غاية الصحة(٤).
وقال أبو حنيفة: في كل هذا الزكاة إلا في الحطب والقضب
والحشيش(٥).
وقوله: ( ((تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فِتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ)) ) استدل به بعضهم
على الصرف لأحد الأصناف الثمانية خلافًا للشافعي، وأن الزكاة لا تنقل
من موضعها، وبه قَالَ مالك والشافعي(٦)، وعن مالك الجواز، وهو قول
أبي حنيفة (٧).
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٣٣٣/٢ (٤٨٠).
(٢) الطبري ٥/ ٣٦٢ (١٣٩٦٦).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني من أصحاب المذاهب المتبوعة فإن أراد التفرد
الملطق فلا يصح.
(٤) (المحلى)) ٢١٢/٥.
(٥) انظر: ((البناية)) ٤٩٢/٣.
انظر: ((البيان)) ٤٣١/٣، ((المعونة)) ٢٧١/١.
(٦)
(٧) انظر: ((المدونة)) ٢٤٥/١-٢٤٦، ((البناية )) ٥٦٤/٣ -٥٦٥.

٢٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومنع أحمد في مسافة القصر(١).
وعن الحسن، والنخعي أنهما كرها نقلها إلا لذي قرابة(٢)، وبه أخذ
ابن حبيب. قَالَ: ويكرى على ذلك منها إن شح على دوابه، فإن منعنا
النقل لم يقع الموقع عندنا على الأصح.
والخلاف للمالكية أيضًا بين سحنون المانع، وابن اللباد المجيز(٣)،
وعليهما ينبني الضمان إذا تلف.
ويدخل في عموم ذلك الطفل والمجنون، وبه قَالَ مالك،
والشافعي، وخالف أبو حنيفة (٤).
وقال الأوزاعي: في ماله الزكاة غير أن الولي يحصيه، فإذا بلغ
أعلمه؛ لیزکي عن نفسه. وقال الثوري: إن شاء الیتیم حينئذٍ زگّاه(٥).
وقال الحسن وابن سيرين: لا زكاة في ماله إلا في زرع أو ضرع.
وقال أهل العراق: عليه في الأرض والفطر. وقد أفردت المسألة
بالتصنيف وذكرت فيها مذاهب عديدة وأدلتها.
وفيه: أن الزكاة تدفع للمسلمين؛ خلافًا لأبي حنيفة (٦).
(١) انظر: ((المغني)) ١٣١/٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٩٣/٢ (١٠٣٠٧) كتاب: الزكاة، في الصدقة
يخرج بها من بلد إلى بلد من كرهه؛ بلفظ: أنهما كانا يكرهان أن يخرج الزكاة من
بلد إلى بلد.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩١/٢.
(٤) أنظر: ((الهداية)) ١٠٣/١، ((المدونة)) ٢١٣/١، ((البيان)) ١٣٥/٣.
(٥) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢٧/١.
(٦) هذا القول فيه نظر، فقد اتفق الفقهاء كما قال ابن هبيرة: على أنه لا يجوز إخراج
الزكاة إلى الكافر، وقال الجوهري: وأجمعوا أن الذمي لا يعطى من زكاة
الأموال، ولا من عشور الأرضين، وإن لم يوجد مسلم، إلا أن أبا حنيفة ذهب إلى =

٢٢٥
كِتَابُ الرِّكَاةِ
وفيه: أن المديان لا زكاة عليه؛ لأنه قسمهم قسمين. وهو قول أبي
حنيفة خلافًا للشافعي في أظهر قوليه (١).
وفيه: أن حد ما بين الغني والفقير ما يجب فيه الزكاة. وقال بعضهم:
في ألفين، وقال المغيرة، وأهل الكوفة: من له عشرون دينارًا لا يأخذ
الزكاة(٢). وكذلك قَالَ مالك: لا يعطى أكثر من نصاب. وعنه: لا حد
في ذلك، إنما هو على اجتهاد المتولي (٣). والصحيح جواز دفعها لمن
له نصاب لا كفاية فيه.
وقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) يريد ما افترض عليه. قاله ابن
التين. ويجوز أن يكون أعم.
وقوله: ((ما له؟ ما له؟) كأنه أستعظم سؤاله؛ لأن الأعمال كثيرة.
وقوله: (قَالَ النبيِ نَّهِ: ((أَرَبٌّ ماله؟)) قَالَ صاحب ((المطالع)):
يروى ((أرِبٌّ ماله)) على أنه اسم فاعل مثل حذر. ورواه بعضهم بفتح
الراء أي: وضم الباء منونة، وبعضهم بفتح الباء أيضًا. فمن كسر الراء
جعله فعلًا بمعنی أحتاج فسأل عن حاجته، وقد يكون بمعنى يفطن
لما سأله عنه فقال: أرب إذا عقل. وقيل معناه: رجل حاذق سأل عما
يعنيه. وقيل: تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، أي: فَعَل فِعْل
العقلاء في سؤاله عما جهله. وقيل: هو دعاء عليه، أي: سقطت
= أنه يجوز أن يدفع إلى الذمي ما سوى ذلك من الصدقة، كزكاة الفطر والنذور
والكفارات، وروي عن أبي يوسف أنه لا يعطى الذمي صدقة واجبة، أنظر:
((الإفصاح)" ٧٥/٣، و((نوادر الفقهاء)» ص ٤٨، ((البناية)) ٥٤٢/٣، ((الفتاوى
الهندية)) ١٨٨١، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٣/١.
(١) انظر: ((البناية)) ٣٥٤/٣، ((روضة الطالبين)) ١٩٧/٢.
(٢) أنظر: ((البناية)) ٥٤٦/٣، ((النوادر والزيادات)) ٢٨٧/٢.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٦/٢، ٢٨٧.

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
آرابه، وهي أعضاؤه على عادة العرب كعقرى حلقى ونحوه، من غير
قصد لوقوعه. ومن قَالَ أرب فمعناه: حاجة به، وتكون ما زائدة، وفي
سائر الوجوه استفهامية. ولا وجه لقول أبي ذر: أرب.
وفسر ابن قتيبة أرِبَ بكسر الراء وفتح الباء بأنه من الآراب مأخوذٌ،
أي: الأعضاء، واحدها أرب، ومنه قيل: قطعت أربًا أربًا. أي عضوًا
عضوًا (١). وجاء في رواية: ((أرب ما جاء به؟)) وإنما كرر قوله ((ما
له))؛ لحبسه زمام ناقته، أو غير ذلك فعله. وفسر الطبري قوله: ((أرَبٌ
ما جاء به؟)) وقال: معناه: لحاجة ما جاءت به، الإرب: الحاجة.
و(ما) التي في قوله: (ما جاء به)) صلة(٢) في الكلام، كما قَالَ تعالى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] والمعنى: أرب جاء به. قَالَ ابن
بطال: وعلى هذا التقرير تكون (ما) في الحديث زائدة، كأنه قَالَ:
أرب له. وهو أحسن من قول ابن قتيبة، والمراد: له حاجة مهمة
مفيدة جاءت به، وإلا فسؤاله دال أن له حاجة(٣).
وقوله: ((تعبد الله .. )) إلى آخره؛ لم يذكر الحج والصوم. وفيه ما تقدم
في حديث معاذ، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه ليس بفرض على الأعراب.
ذكره الداودي. ولم يذكر لهم التطوع؛ لأنهم كانوا حديثي عهد
بإسلام، فاكتفى بالواجب تخفيفًا؛ ولئلا يعتقدوا أن التطوعات
واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها فيسهل الأمر.
وذكر فيه صلة الرحم لحاجة السائل إليه، وذكر في حديث أبي هريرة
زيادة الصوم.
(١) ((غريب الحديث)) ١/ ٤٥٧.
(٢) ورد في الأصل تحت هذه الكلمة: أي زائدة.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٨/٣.

٢٢٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ويجوز أن يكون السائل فيه هو السائل في حديث أبي أيوب، فإن
یکنه فقد عرفت اسمه فيما مضى؛ وقيد فيه الزكاة بالمفروضة؛ وقد
وصفها بذلك في قوله: ((هذِه فريضة الصدقة))(١) كما ستعلمه.
وقوله: (لا أزيد على هذا) أي من الفرائض أو أكتفي به عن النوافل.
ويجوز أن يكون المراد: لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي،
لأنه وافدهم، وهو لائح.
وقوله: في حديث ابن عباس: ( ((وشَهَادَةٍ أَنْ لَا إله إِلَّ الله) ) أي:
وأن محمدًا رسول الله ولم يذكر فيه الصيام. وفيه ما سلف، وزاد فيه:
((وأداء خُمُس المغنم)).
وقوله: (وعقد بيده هكذا) قَالَ الداودي جعل ذلك مثلًا للعقد
والعهد الذي أخذه الله على عباده في الإسلام، وعلى العروة التي
لا انفصام لها.
والعَناق -بفتح العين -: الأنثى من ولد المعز ما دون الحول. وقيل
عن أهل اللغة: إنها إذا أتى عليها أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وقوي
على الرعي فهو جدي. والأنثى عناق، حكاه ابن بطال(٢)، وابن التين.
وقال الداودي: هي الأنثى من المعز الحديثة قاربت أن تلد أو حملت
ولم تضع بعد، أو عند وضعها.
والمعروف أن العناق: جذعة. والجذعة لا تحمل، إنما تحمل الثنية
فاعلمه.
والعقال: صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير قولان، وذُكر
(١) سيأتي برقم (١٤٥٤) كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٣٩٣/٣ -٣٩٤.

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ذلك على التقليل؛ لأن العناق لا يؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم،
ولو كانت عناقًا كلها (١). والجديد عندنا أن في الصغار صغيرة(٢). وبه قَالَ
أحمد، ومالك وأبو يوسف وزفر. إلا أن مالكًا وزفر يقولان: لا يجب
فيما كبر من جنسها(٣). وقال ابن التين: بالوجوب قَالَ الفقهاء،
خلا محمد بن الحسن فقال: لا شيء فيه (٤).
وكان الواقدي يزعم أن التأويل الثاني رأي مالك، وابن أبي ذئب.
قَالَ أبو عبيد: والأول أشبه عندي.
وروى ابن وهب، عن مالك أن العقال: الفريضة من الإبل. وقال
الخطابي: خُولف أبو عبيد في هذا التفسير، وذهب غير واحد من
العلماء إلى أنه ضرب مثل بالقلة كقوله: لا أعطيك ولا درهمًا؛
وليس بسائغ في كلامهم أنه صدقة عام، وأيضًا فإنها منعت مطلقًا.
وهم كانوا يتأولون أنهم كانوا مأمورين بدفعها إلى الشارع دون القائم
بعده. وقيل: إنه كل ما أخذ من الأصناف من نعم وحب. وقيل: أن
يأخذ عين الواجب لا الثمن. وفي رواية لابن الأعرابي: والله
لو منعوني جديًا أدوط. قَالَ: والأدوط: الصغير الفك والذقن.
(١) انظر: ((الاستذكار)) ٢٢٨/٩.
(٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٦٧/٢.
(٣) ذكر المصنف رحمه الله مالكًا وزفر معهم، باعتبار أنهما يقولان: إن في الصغار
زكاة، إلا أنهما كما يقولان: إن في الصغار صغيرة، فإنهما يقولان: إنه لا يؤخذ
من الصغار شيئًا، بل يؤخذ مما كبر من جنسها، كما ذكر المصنف، أنظر : :
(مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٩/١، ((تحفة الفقهاء)) ٢٨٨/١، ((الكافي))
ص١٠٧، (المنتقى)) ١٤٣/٢، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٢٠٢/١، ((المغني)» ٤/
٤٧، ((المحلى)) ٢٧٥/٥.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٩/١، ((تحفة الفقهاء)) ٢٨٨/١.

٢٢٩
= ڪِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال الخطابي في قصة أبي بكر: هذا حديث مشكل لاختصاره في
هُذِه الرواية، وقد تعلق به الروافض. وقالوا: فيه تناقض، أخبر في أوله
بكفر من كفر من العرب، وفي أثنائه: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة
والزكاة). وهذا يوجب كونهم ثابتين على الدين، وزعموا أن عمر
وافقه على الحرب تقليدًا، وكيف استجاز قتلهم، وسبي ذراريهم إن
كانوا مسلمين، وإن كانوا مرتدين فكيف تعلق بالفرق بين الصلاة
والزكاة، ثم زعموا أن القوم تأولوا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةٌ﴾ [التوبة:
١٠٣] أنها خصوص بالشارع لم يؤمر بأخذها أحد غيره، فإن صلاته
(كانت)(١) سكنًا وتطهيرًا.
وقال شاعرهم وهو الحطيئة -فيما ذكره المبرد- من أبيات، وعزاها
غيره لغيره:
أطعنا رسول الله ما دام بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر
أيورثها بكرًا إذا مات بعده وتلك لعمرُ الله قاصمة الظهر
ونحن نبين ذلك فنقول: روايات أبي هريرة مختصرة إلا رواية
سعيد، عن أبيه كثير، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((أمرتُ أنْ أقاتِلَ
النَّاسَ .. )) الحديث(٢)، وفيه: (ثم حرمت عَلَيّ دماؤهُم وأموالهم)).
(١) من (م).
(٢) أخرجه أحمد ٣٤٥/٢، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣٥/٧-٣٦، وإسحاق بن
راهويه في («مسنده)) ٢٩٤/١-٢٩٥ (٢٧٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) ٨/٤
(٢٢٤٨) كتاب: الزكاة، باب: الدليل على أن دم المرء وماله إنما يحرمان،
والدارقطني في ((سننه)) ٢٣١/١-٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: تحريم دمائهم
وأموالهم إذا يشهدوا بالشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وابن عدي في
((الكامل)) ٣٧٧/٥، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ١/ ٩٢ (٨)، والحاكم ١/
٣٨٧ كتاب: الزكاة.

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
و(كثير) هذا هو ابن عبيد مولى أبي هريرة، أدخله ابن خزيمة في
((صحیحە))(١).
ووافقه ابن عمر وأنس من طرق صحاح أن الزكاة كانت شرطًا لحقن
الدماء، فثبت أن أبا بكر قاتلهم بالنص لا بالا جتهاد الذي جرى في خبر
عبيد الله في البخاري، عن أبي هريرة. ويشبه أن يكون ما ذكره على سبيل
الاستظهار في المناظرة بالترجيح. وفي هذا سقوط جميع ما أورده
الروافض.
والمرتدة صنفان: صنف كفروا وهم أصحاب مسيلمة، ومن نحا
نحوهم من إنكار نبوة نبينا، وإياهم عنى بقوله: (وكفر من كفر).
وصنف أنكروا الزكاة، وقالوا: ما رجعنا عن ديننا، ولكن شححنا
على أموالنا، وهم في الحقيقة أهل بغي، ودخلوا في غمار الأولين
فأضيف الأسم في الجملة إلى الردة، إذ كانت أعلى الأمرين خطبًا،
وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخًا بأيام علي، إذ كانوا منفردين في
عصره لم يخلطوا بأهل شرك.
ولا شك أن من أنكر الزكاة الآن فهو كافر بالإجماع.
وهُذِه الفرقة عذروا لقرب العهد بالزمان الذي غُيرت فيه الأحكام،
ووقوع الفترة، وجهلهم أيضًا. وما جرى من السبي فهو راجع إلى
الاجتهاد. واستولد علي جارية من سبي بني حنيفة، وولدت له محمدًا
الذي يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقرض العصر حَتَّى رأوا خلافه.
واتفقوا على أن المرتد لا يسبى. وهذا مذهب أصبغ أن من أرتد
كمن نقض العهد، وهو تأويل الصديق وجماعة العلماء على ما حكم
(١) (صحيح ابن خزيمة)) ٨/٤ (٢٢٤٨).

٢٣١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
به عمر أنهم كالمرتدين، وذلك أن عمر رد النساء والصغار من الرق إلى
عشائرهم كذرية من ارتد، إلا من تمادى بعد بلوغه. وإنما أوردوا
الخلاف في أولاد المرتدين. وقد قيل: لم يسب أحد من رجالهم.
وقد جيء بالأشعث بن قيس، وعيينة بن حصن فأطلقهما، ولم يسترقهما.
وقيل: كانت الردة على ثلاثة أنواع. وقد سلفت.
وأوضح ذلك الواقدي في ((الردة)) تأليفه فقال: لما توفي رسول
الله ◌َ ل# ارتدت العرب، وارتد من جماعة الناس: أسد، وغطفان
إلا بني عبس؛ فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد
أرتدت، وبنو حنيفة باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل،
وأهل دباء، وأزد عمان، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من
قضاعة.
وارتدت عامة بني تميم، وارتدت من بني سُليم عُصية، وعُميرة،
وخُفاف، وبنو عمرو بن أمرئ القيس، وذكوان، وحارثة.
وثبت على الإسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع،
وكعب بن عمرو من خزاعة، وثقيف، وهذيل، والديل، وكنانة،
وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطيء، ومن قارب تهامة من
هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومذحج
إلا بني زبيد، وثبتت هَمْدَان، وأهل صنعاء.
ثم أسند من حديث أبي هريرة قالَ: لم يرجع رجل من دوس،
ولا من أهل السراة كلها. ومن حديث مروان التجيبي قَالَ: لم يرجع
رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأنباء بصنعاء.
وقال موسى بن عقبة: لما مات رسول الله وَيوم رجع عِلْية العرب عن

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
دينهم: أهل اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وأسد، وبنو عامر،
وأشجع. ومسكت طيء بالإسلام.
وقال سيف في ((الردة)) عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت باليمن
على عهد رسول الله ور على يدي ذي الخمار عبد الله بن كعب وهو
الأسود العنسي. وعن عروة: لم يبقَ حي من العرب إلا أرتد ما خلا
أهل مكة، والطائف، والقبائل التي أجابت النبي وَّر عام الحديبية
ممن حول مكة، والقبائل التي عاتت الله يوم الحديبية. ورابَ عبد
القيس وحضرموت بعض الريب، وحسن بلاؤهم واستقاموا. وقال
قتادة فيما رواه الحاكم في الردة قَالَ: لما توفي رسول الله وَ لل ارتدت
العرب كلها إلا ثلاثة مساجد: مكة، والمدينة، والبحرين.
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] فلا شك أن
الخطاب على أنحاء:
عام: كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وخاص: كقوله: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، و ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ومواجهة له وَّهه، وهو والأمة فيه سواء كقوله: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا
كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، و﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَّلِهِمْ صَدَقَّةُ﴾
[التوبة: ١٠٣].
والفائدة في مواجهته في هذا الخطاب أنه هو الداعي إلى الله،
والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك

٢٣٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الأمة في الشرائع على حسب ما بينه لهم. وعلى هذا قوله تعالى:
يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فافتتح
الخطاب بالنبوة، ثم خاطب أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب
له والمراد غيره.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فباقٍ غير
منقطع، يستحب للإمام والعامل الدعاء للمتصدق بالنماء والبركة في ماله.
وقوله: (من فرق) هو بتخفيف الراء وتشديدها.
وفيه: من الفقه - غير ما تقدم -: أخذ الصغائر من الصغائر، وهذا
قد سلف، ونحا إليه ابن عبد الحكم، وقال: لولا خلاف قول مالك
وأصحابنا لكان بينًا أن يأخذ واحدًا من أوساطها(١). وقال مالك: فيها
ثنية (٢)، وكذا ذكره الداودي والخطابي عنه. قَالَ ابن التين: والمعروف
عن مالك أن جذع المعز يجزئ (خلاف)(٣) الضحايا. وإنما منع من
ذلك ابن حبيب. وأجاب القاضي عبد الوهاب عن هذا الإلزام بأن
قَالَ: المراد به عناقًا جذعة.
وفيه: دليل على أن حول النتاج حول الأمهات، ولو كان يفرد لها
بحول لما يوجد السبيل إلى أخذ العناق، وإيجاب الزكاة فيها مطلقًا.
وعند أبي حنيفة والشافعي بشرط أن تكون الأمهات نصابًا.
وفيه: أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة إذا وجبت في ماله.
وقوله: ((وحسابُهُ عَلَى الله)) أي فيما يسره دون الظاهر من أمره.
(١) أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٢٠٢/١.
(٢) أنظر: ((التفريع)) ٢٨٣/١، ((عيون المجالس) ٤٨٠/٢.
(٣) في الأصل: خلافًا. وفوقها كلمة: كذا.

٢٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه: قبول توبة المرتد، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن مالك:
لا تقبل توبة المستتر بكفره. وذكر عن أحمد نحوه(١).
وقوله: (فعرفت أنه الحق). دال على أن عمر لم يرجع إلى أبي بكر
تقليدًا.
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٨/١٤-٥١٩، ((المعونة)) ٢٩٦/٢، ((المغني)) ١٢/
٢٦٩.

٢٣٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
=
٢- باب البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُّكُمْ فِي الدِّينِ:
[التوبة: ٥]
١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابن نُمَثٍْ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ
جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ وََّ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّضْحِ لِكُلِّ
مُسْلِم. [انظر: ٥٨- مسلم: ٥٦- فتح: ٢٦٧/٣]
وذكر فيه عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّي ◌َّةِ عَلَىَ إِقَامِ الصَّلَاةِ،
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري قبيل كتاب العلم (١) كما سلف
واضحًا، وهذا الباب في معنى الباب الذي قبله.
وقد أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الأخوة في الدين إنما تستحق
بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ودل ذلك أنه من لم يقمها فليس بأخ في
الدین.
وفيها حجة للصديق في قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة. وقد قام
الإجماع في الرجل يقضي عليه القاضي بحقٍ لغيره فيمتنع من أدائه: أن
واجبًا على القاضي أن يأخذه من ماله، فإن نصب الحرب دونه وامتنع
قاتَلَهُ حَتَّى يأخذه منه، وإن أتى القتال على نفسه فشر قتيل. فحق الله
الذي أوجبه للمساکین أولى بذلك.
وذكر النصح لكل مسلم في البيعة مع الصلاة والزكاة يدل (على)(٢)
حاجة جریر وقومه إلى ذلك. وكان جرير رئيس قومه. وقيل: كان جرير
(١) سلف برقم (٥٧) كتاب: الإيمان، باب: قول النبي وَّر: ((الدين النصيحة)).
(٢) من (م).

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إذا بايع أحدًا يقول له: الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك. ويخبره
الحديث(١)(٢).
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الحادي عشر كتبه مؤلفه غفر الله له.

٢٣٧
كِتَابُ الزِّكَاةِ
٣- باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَىْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥]
١٤٠٢- حَذَّثَنَا الَحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ
ابْنَ هُزْمُزَ الأَغْرَجَ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َرَ: «تَأْتِي الإِبِلُ
عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا،
وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ
بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا)). وَقَالَ: ((وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ». قَالَ:
(وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ:
يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرِ يَحْمِلُهُ عَلَى
رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ)).
[٢٣٧١، ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨ - مسلم: ٩٨٧- فتح: ٣/ ٢٦٧]
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِ صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُزَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَهِ: (مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَّاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ
زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ - يَغْنِي: شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا
مَالُكَ، أَنَا كَنْزَُكَ)) ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ.
[٢٣٧١، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٢٦٨/٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قال النبي ◌َِّ: ((تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا
عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا .. )».
وعنه أيضًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: «مَنْ أَتَاهُ اللهُ مَالَّا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ
لَهُ ماله يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ .. )).

٢٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
الشرح :
جعل أبو العباس الطرقي هذين الحديثين حديثًا واحدًا. ورواه مالك
في ((موطئه)) موقوفًا على أبي هريرة (١). قَالَ أبو عمر: ورواه عبد العزيز
ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا -وهذا في
النسائي- قَالَ: وهو عندي خطأ، والمحفوظ حديث أبي هريرة،
وحديث عبد العزيز خطأ بيّن في الإسناد، ورواية مالك وعبد الرحمن
التي في البخاري هي الصحيحة، وهو مرفوع صحيح(٢).
أما الآية فقال أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي في ((معانيه)):
يُنفِقُونَهَا﴾: إن شئت وجهت الذهب والفضة إلى الكنوز. وقيل المراد
بالإنفاق: الزكاة، ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، ويجوز أن
نعيده على الفضة، وحذف الذهب؛ لأنه داخل فيها.
وهُذِهِ الآية قَالَ الأكثرون: إنها في أهل الكتاب. وقيل: عامة.
وقيل: خاصة في من لم يؤد زكاته من المسلمين، وعامة في
المشركين، وهو تأويل البخاري بعد هذا. وقيل: إنها منسوخة بقوله
تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِّمْ صَدَقَةٌ﴾؛ لأن جمع المال كان محرمًا في أول
الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه. وقد وقع في ((الصحيح)) عن
ابن عمر -وقد سُئل عن هذِه الآية- قَالَ: كان هذا قبل أن تفرض
الزكاة(٣).
(١) ((الموطأ)) ص ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الكنز.
(٢) ((الاستذكار)) ١٣١/٩.
(٣) سيأتي برقم (١٤٠٤) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، وبرقم
(٤٦٦١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا
جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْثِرُونَ

٢٣٩
كِتَابُ الزِّكَاةِ
=
وفي أبي داود- بإسناد جيد- عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية
كبر ذلك على المسلمين، فسأل عمر رسول الله وَ ل فقال: ((إن الله
تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم))(١).
واستدل بهُذِه الآية البخاري على إثم مانعي الزكاة. ومن أداها ليس
بداخل فيها. واستدل بها أيضًا على إيجاب الزكاة في سائر الذهب
والفضة المطبوع وغيره؛ لعموم اللفظ، وعلى ضم الذهب إلى
الفضة، وهو قول الحنفية، فيضم بالقيمة كالعروض. وعند صاحبيه
بالأجزاء(٢).
والكنز أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالنقدين ألا ترى إلى
قوله ◌َله: ((ألا أخبركم بخيرٍ ما يكنزه المرءُ: المرأة الصالحة)) (٣) أي:
یضمه لنفسه ویجمعه.
وقال صاحب ((المحكم)): هو اسم للمال ولما يحرز فيه، وجمعه:
كنوز(٤). وقال في ((المغيث)): هو اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي
لا يدرى مَن كنزه. وسيأتي في الباب بعده زيادة على ذلك؛ وعن علي:
(١) ((سنن أبي داود)) (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال. وضعفه الألباني
في «ضعيف أبي داود)» ١٢٨/١٠-١٢٩ (٢٩٣).
(٢) انظر: ((الهداية)) ١١٣/١.
(٣) رواه أبو داود (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، وأبو يعلى في
((مسنده)) ٣٧٨/٤ (٢٤٩٩)، والحاكم ٣٣٣/٢ كتاب: التفسير وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في ((سننه)) ٨٣/٤ كتاب: الزكاة، باب:
تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه، وفي («شعب الإيمان» ١٩٤/٣ (٣٣٠٧)، وابن
عبد البر في ((التمهيد)) ١٦٨/١٩ مختصرًا، والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف
أبي داود)» ١٢٨/١٠-١٢٩ (٢٩٣).
(٤) ((المحكم)) ٦/ ٤٦٠.

٢٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أربعة آلاف فما دونها نفقة، فإن زادت فهي كنز أديت زكاة أو لم تؤدٍ.
وظاهره منع ادخار كثير المال؛ وعن أبي أمامة: من خلف بيضاء أو
صفراء، كوي بها مغفورًا له أو غير مغفور(١). حكاه ابن التين.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي: أجعل لهم
موضع البشارة، عذابًا أليمًا، أي: مؤلمًا.
وقوله: ( ((على خير ما كانت))) يعني في القوة والسمن، يكون أشد
لثقلها وأنکی.
وقوله: ((َطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا)) ) سقطت الواو من (َطَؤُهُ)) عند بعض
النحويين؛ لشذوذ هذا القول من بين نظائره في التعدي، وكذلك
وسِّع؛ لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فَعِل بكسر العين، كان
غير متعد غير هذين الحرفين، فلما شدًّا دون نظائرهما أعطيا هذا
الحكم. وقيل: إن أصله يوطئ بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء
وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة.
وقوله: ( لوتَنْطحُه))) هو بكسر الطاء. وحكى المطرز في ((شرح
الفصيح)) فتحها (٢)، وماضيه مخفف. وقد شُدد. ولا يختص بالكبش
كما أدعاه ابن صاف، بل يستعمل في الثور، وغيره.
وقوله: ( (وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ)) ) وجهه نيل المنتاب إلى
الماء من الفقراء حسوة من لبنها، وكذلك ابن السبيل والمارة. وقد عاب
الله قومًا أخفوا جدادهم(٣) في قوله: ﴿لَصْرِمُنَّا مُصِْينَ﴾ [القلم: ١٧] أرادوا
(١) (تفسير القرطبي)) ١٣١/٨.
(٢) ورد بهامش الأصل: الفتح والكسر في ((الصحاح)).
(٣) ضبطها الناسخ بكسر الجيم وفتحها ثم كتب فوقها معًا.